موقع الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي
موقع الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي

الأسفار عن رسالة الأنوار فيما يتجلى لأهل الذكر من الأنوار

 

 

 

 

المتن

للشيخ الأكبر محيي الدين

محمد بن علي بن محمد ابن العربي الحاتمي الطائي

المتوفى سنة 638 هـ

 

والشرح

وهو الإسفار للعارف بالله تعالى الشيخ

عبد الكريم بن إبراهيم الجيلي

المتوفى سنة 832 ه‍

 

 

 

 

 

 

"2"

 

الإسفار عن رسالة الأنوار فيما يتجلى لأهل الذكر من الأنوار

الشيخ عبد الكريم بن إبراهيم الجيلي

 

المتن وهو " رسالة الأنوار "

للشيخ الأكبر محيي الدين محمد بن علي بن محمد بن أحمد ابن العربي الحاتمي الطائي

المتوفى سنة 638 هـ

 

والشرح وهو الإسفار عن رسالة الأنوار  

للعارف بالله تعالى الشيخ عبد الكريم بن إبراهيم الجيلي

المتوفى سنة 832 ه‍

 

ضبطه وصححه وعلق عليه

الشيخ الدكتور عاصم إبراهيم الكيالي

الحسيني الشاذلي الدرقاوي

 

 

 

"3"

تقديم

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

والحمد للّه الأول بكنزيته الأزلية العمائية ، والآخر بأبديته النورانية المثبّتة لمظاهر الكثرة الأسمائية بواحديته ، والباطن بهويته المفنية لمرايا وجوه الأعيان الثابتة بأحديتهلا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ[ الأنعام : الآية 103 ] من حيث معرفة كنه ذاته ، ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ ( 22 ) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ ( 23 )[ القيامة : الآيتان 22 ، 23 ] من حيث معرفة تجليات أسمائه وصفاته .

والصلاة والسلام على الرحمة المهداة إلى عوالم الملك والملكوت والجبروت ، الذي تحنّث في غار حراء استعدادا للتجلّيات الجمعية الذاتية القرآنية ، والتجلّيات الفرقانية الصفاتية الآفاقية ، والقدوة الحسنة للإنسان الخليفة في أرض ناسوت جسمه ، وسماء ملكوت نفسه وقلبه وعقله ، وحقيقة لا هوت روحه وسرّه بما بعث له به من الدين الكامل : الإسلام والإيمان والإحسان ، إظهارا للتعينات العلمية على مقتضى الاستعداد والقوابل الإمكانية ، بحسب القبضة القدرية الجلالية ، والقبضة القدرية الجمالية ، بحكم الشؤون الكمالية .

وعلى آله الطيّبين الطاهرين من دنس رؤية سراب الأغيار ، المتحقّقين بقوله تعالى :كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ ( 26 ) وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ ( 23 )[ الرحمن : الآيتان 26 ، 27 ] ، وبقوله تعالى :فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ[ البقرة : الآية 115 ] .

وعلى أصحابه المقرّبين المتزيّنين بأنوار مقامات حبيبهم المختار المتجلية بالأنفس والآفاق مصداقا لقوله تعالى :سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ[ فصّلت : الآية 53 ] .

وبعد فبما أن مدار الدخول على حضرة الحق تعالى والأخذ منه والأنس به كما يقول الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي : لا يصحّ ولا يتحقّق إلا بالعزلة عن الناس ظاهرا وباطنا ، حرصنا على إصدار كتاب « الإسفار عن رسالة الأنوار فيما يتجلى لأهل

 

 



"4"

الذّكر من الأنوار » أنوار المقامات والأحوال والمكاشفات والمشاهدات والمنازل والتنزّلات وخصوصا في الخلوة . المتن « وهو رسالة الأنوار » للعارف باللّه تعالى الشيخ محيي الدين بن عربي الحاتمي الأندلسي خاتم الأولياء في زمنه ، والشرح للعارف باللّه تعالى الإنسان الكامل الشيخ عبد الكريم الجيلي قدّس اللّه تعالى أسرارهما ونفعنا بعلومهما ، وضمّه إلى مجموعة كتب التصوّف الإسلامي ، التي نقوم بتحقيقها وتنقيحها وضبطها وتصحيحها والتعليق عليها ونشرها بأبهى حلّة ، خدمة للركن الثالث من أركان الدين الإسلامي الكامل الذي هو مقام الإحسان ؛ مقام التربية والسلوك إلى ملك الملوك وعلّام الغيوب مقام :«أن تعبد اللّه كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك» .

إن هذا الكتاب يعتبر تجسيدا مثاليا للأنوار الملكية والملكوتية والجبروتية ، التي تتجلى على نفس وقلب وروح وسرّ طالب الحق في خلوته ، ودليلا واضحا في كيفية السلوك إلى ربّ العزّة تعالى والوصول إلى حضرته ، والرجوع به من عنده إلى خلقه ، كما يقول الشيخ الأكبر في رسالته .

ومما لا شك فيه أن كتب التصوّف الإسلامي تساعد المريد على الاطّلاع على الأحوال والمقامات ، التي يمرّ بها السالك إلى اللّه تعالى ، كما يطّلع على الحكم والقواعد الصوفية ، التي يستلهم منها كيفية التحقّق بأحكام مقام الإسلام وأنوار مقام الإيمان ، وأسرار مقام الإحسان ، وصولا إلى قوله تعالى :وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ( 99 )[ الحجر : الآية 99 ] . كل ذلك بإشراف ورعاية وتربية شيخه العالم بأمراض النفوس والقلوب ؛ وبالأدوية الشافية له من هذه الأمراض ، لأنه ورث عن النبي صلى اللّه عليه وسلم علوم وأسرار مقامات الدين الثلاث : الإسلام والإيمان والإحسان ، الشريعة والطريقة والحقيقة ، الملك والملكوت والجبروت ؛ مصداقا لقوله صلى اللّه عليه وسلم : « العلماء ورثة الأنبياء » . وقوله صلى اللّه عليه وسلم : « إن هذا العلم دين فانظروا عمّن تأخذون دينكم » .

ونرجو اللّه تعالى أن ينفعنا والمسلمين بما في هذه الكتب من الحب والإخلاص والصدق واليقين ومن أنوار أسرار ما تعبّدنا للّه به على لسان نبيّه صلى اللّه عليه وسلم مصداقا لقوله تعالى :لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً ( 21 )[ الأحزاب : الآية 21 ] ،

وقوله تعالى :وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى ( 3 ) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى ( 4 )[ النجم : الآيتان 3 ، 4 ] ، وقوله تعالى :وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ


 

"5"


وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً ( 69 )[ النساء : الآية 69 ] لننال السعادة الحقيقية المتمثّلة بمعرفة اللّه تعالى في الدنيا ، والنظر إلى وجهه الكريم في الآخرة مصداقا لقوله تعالى :وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ ( 22 ) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ ( 23 )[ القيامة : الآيتان 22 ، 23 ] .

 

كتبه الشيخ الدكتور

عاصم إبراهيم الكيالي الحسيني الشاذلي الدرقاوي

 



 

"6"

ترجمة صاحب المتن

الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي « 1 »

نسبه

هو محمد بن علي بن محمد بن أحمد بن عبد اللّه الحاتمي من ولد عبد اللّه بن حاتم أخي عديّ بن حاتم من قبيلة طيّ مهد النبوغ والتفوّق العقلي في جاهليّتها وإسلامها . يكنى أبا بكر ويلقّب بمحيي الدين ، ويعرف بالحاتمي وبابن عربي لدى أهل المشرق تفريقا بينه وبين القاضي أبي بكر بن العربي .مولده ونشأته

ولد في يوم الاثنين السابع عشر من رمضان عام خمسمائة وستين هجرية الموافق 28 يولية سنة ألف ومائة وخمس وستين ميلادية في مدينة « مرسية » بالأندلس ، وهي مدينة أنشأها المسلمون في عهد بني أمية . وكان أبوه علي بن محمد من أئمة الفقه والحديث ، ومن أعلام الزّهد والتقوى والتصوّف . وكان جدّه أحد قضاة الأندلس وعلمائها ، فنشأ نشأة تقيّة ورعة نقيّة من جميع الشوائب الشائبة . وهكذا درج محيي الدين في جو عامر بنور التقوى ، فيه سباق حرّ مشرق نحو الشّرفات العليا للإيمان ، وفيه عزمات لرجال أقوياء ينشدون نصرا وفوزا في محاريب الهدى والطاعة .

وانتقل والده إلى إشبيلية ، وحاكمها إذ ذاك السلطان محمد بن سعد ، وهي عاصمة من عواصم الحضارة والعلم في الأندلس ، وفيها شبّ محيي الدين ودرج .

وما كاد لسانه يبين حتى دفع به والده إلى أبي بكر بن خلف عميد الفقهاء ، فقرأ عليه القرآن الكريم بالسبع في كتاب « الكافي » ، فما أتمّ العاشرة من عمره حتى كان مبرزا

.............................................................

( 1 ) مقتبسة من بحث للدكتور محمد غلاب بعنوان « المعرفة عند محيي الدين بن عربي » ضمن الكتاب التذكاري لمحيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة لميلاده » الصادر عن الهيئة المصرية العامّة للتأليف والنشر 1969 م .



 

"7"

في القراءات ملهما في المعاني والإشارات . ثم أسلمه والده إلى طائفة من رجال الحديث والفقه ، يذكرهم لنا الإمام شمس الدين بن مسدي في روايته عن محيي الدين فيقول واصفا متحدّثا عن أساتذته الأول : « كان جميل الجملة والتفصيل ، محصّلا لفنون العلم أخصّ تحصيل ، وله في الأدب الشأو الذي لا يلحق ، والتقدم الذي لا يسبق ، سمع في بلاده في شبابه الباكر من ابن زرقون ، والحافظ ابن الجد ، وأبي الوليد الحضرمي ، الشيخ أبي الحسن بن نصر » . ثم لا يذكر لنا التاريخ بعد ذلك شيئا ذا بال عن شباب محيي الدين ، ولا عن شيوخه ، ومقدار ما حصل من العلوم والفنون ؛ وإنما هو يحدّثنا أنه مرض في شبابه مرضا شديدا . وفي أثناء شدة الحمّى رأى في المنام أنه محوط بعدد ضخم من قوى الشّرّ ، مسلحين يريدون الفتك به .

وبغتة رأى شخصا جميلا قويّا مشرق الوجه ، حمل على هذه الأرواح الشريرة ففرّقها شذر مذر ، ولم يبق منها أي أثر ، فيسأله محيي الدين من أنت ؟ فقال له : أنا سورة يس .

وعلى أثر هذا استيقظ فرأى والده جالسا إلى وسادته يتلو عند رأسه سورة يس .

ثم لم يلبث أن برئ من مرضه ، وألقي في روعه أنه معدّ للحياة الروحية ، وآمن بوجود سيره فيها إلى نهايتها ففعل .

وفي طليعة هذا الشباب المزهر بفضل ثروة أسرته تزوج بفتاة تعتبر مثالا في الكمال الروحي والجمال الظاهري وحسن الخلق ، فساهمت معه في تصفية حياته الروحية ، بل كانت أحد دوافعه إلى الإمعان فيها .

وفي هذه الأثناء كان يتردد على إحدى مدارس الأندلس التي تعلّم سرّا مذهب الأمبيذوقلية المحدثة المفعمة بالرموز والتأويلات والموروثة عن الفيثاغورية والأورفيوسية والفطرية الهندية . وكانت هذه المدرسة هي الوحيدة التي تدرّس لتلاميذها المبادئ الخفية والتعاليم الرمزية منذ عهد ابن مسرة المتوفّى بقرطبة في سنة 319 ه - 931 م والذي لم يعرف المستشرقون مؤلفاته إلّا عن طريق محيي الدين .

وكان أشهر أساتذة تلك المدرسة في ذلك القرن ابن العريف المتوفّى في سنة 1141 م فلم يره محيي الدين ، ولكنه تتلمذ على منتجاته وعلى رواية تلميذه المباشر وصديق محيي الدين الوفي أبي عبد اللّه الغزال .

ومما لا ريب فيه أن استعداده الفطري ونشأته في هذه البيئة التقية ، واختلافه إلى تلك المدرسة الرمزية ، كل ذلك قد تضافر على إبراز هذه الناحية الروحية عنده

 

 

 

 

 

"8"

في سنّ مبكرة وعلى صورة ناصعة لا تتيسر للكثيرين ممّن تشوب حياتهم الأولى شوائب الغرائز والنّزوات . فلم يكد يختم الحلقة الثانية من عمره حتى كان قد انغمس في أنوار الكشف والإلهام ، ولم يشارف العشرين حتى أعلن أنه جعل يسير في الطريق الروحاني بخطوات واسعة ثابتة ، وأنه بدأ يطلع على أسرار الحياة الصوفية ، وأن عددا من الخفايا الكونية قد تكشّف أمامه ، وأن حياته منذ ذلك العهد المبكر لم تعد سوى سلسلة من البحث المتواصل عما يحقّق الكمال لتلك الاستعدادات الفطرية التي تنير أضواؤها جوانب عقله وقلبه . ولم يزل عاكفا على ذلك النشاط الروحاني حتى ظفر بأكبر قدر ممكن من الأسرار . ولم تكن آماله في التغلغل إلى تلك الأسرار وبحوثه عن وسائلها الضرورية تقف عند حد ، لأنه أيقن منذ نعومة أظفاره بأنه مؤمن بمبادىء عقيدة حقيقية أزلية مرت بجميع الأزمان الكونية ، وطافت بكل الأجناس البشرية متمّمة ما فيها من نقص وقصور ، وأنها جمعت كل الروحانيات في الوحدة الفطرية التي تتمثّل من حين إلى آخر في صور تنسّكية رفيعة تبدو على مسرح الإنسانية ردحا من الزمن ثم تختفي ، ولا يدرك حقيقتها إلا القليلون .

وأكثر من ذلك أنه حين كان لا يزال في قرطبة قد تكشّف له من أقطاب العصور البائدة عدد من حكماء فارس والإغريق كفيثاغورس ، وأمبيذوقليس ، وأفلاطون ومن إليهم ممّن ألقيت على كواهلهم مسؤولية القطبية الروحية في عصورهم المتعاقبة قبل ظهور الإسلام . وهذا هو السبب في أنه قد شغف بأن يطّلع على جميع الدرجات التنسّكية في كل الأديان والمذاهب عن طريق أرواح رجالها الحقيقيين بهيئة مباشرة ، وبصورة مؤسسة على الشرف العلمي الذي يحمل الباحث النزيه على الاعتماد عليه دون أدنى تردد أو ارتياب .

غير أن هذه السكينة الروحانية التي بدأت لدى هذا الشاب مبكرة والتي كانت ثمارها فيما بعد تتمثّل في تلك المعرفة التي أشرنا إليها آنفا ، لم تدم طويلا على حالة واحدة ، إذ أنه لم يلبث أن تبين أول الأمر بالإلهام ، ثم عن طريق الكشف الجلي أنه لم يعد له بدّ - في تلك البيئة المغربية إذ ذاك - من أحد أمرين : إما أن يجاري التيار العام الذي كان يحدق به إحداق السّوار بالمعصم ، وهو أن يتقيد في جميع أفكاره وتعقلاته وأحاسيسه ومشاعره وحركاته وسكناته بحرفية الدين التي لا روح فيها ولا حياة ولا سرّ ولا رمز ولا تأويل ، وبهذا تختفي شخصيته الحقيقية وتفشل رسالته الطبيعية ، وهذا شيء لا يستطيعه بأي حال ، وإما أن يسير على فطرته وحسب تكوين عقله وقلبه فيصطدم في كل خطوة من خطواته من أهل الحلّ والعقد في البلاد . وقد

 

 

 

 

 

"9"

حدث ذلك فعلا حيث احتدمت بينه وبين بعض الأمراء الموحّدين مجادلات عنيفة ، وحيكت حوله دسائس قوية اتهمته بإحداث اضطراب في سياسة الدولة .

وإذ ذاك رأى في حالة اليقظة أنه أمام العرش الإلهي المحمول على أعمدة من لهب متفجّر ، ورأى طائرا بديع الصّنع يحلّق حول العرش ويصدر إليه الأمر بأن يرتحل إلى الشرق وينبّئه بأنه سيكون هو مرشده السموي ، وبأن رفيقا من البشر يدعى فلانا ينتظره في مدينة فاس ، وأن هذا الأخير قد أمر هو أيضا بهذه الرحلة إلى الشرق ، ولكنه يجب ألا يرتحل قبل أن يجيء إليه رفيق من الأندلس ، فيفعل ما أمر به ويرتحل بصحبة هذا الرفيق .

وفيما بين سنتي 597 ، 620 هـ 1200 ، 1223 م يبدأ رحلاته الطويلة المتعددة إلى بلاد الشرق فيتجه في سنة 1201 م إلى مكة فيستقبله فيها شيخ إيراني وقور جليل عريق المحتد ممتاز في العقل والعلم والخلق والصلاح . وفي هذه الأسرة التقية يلتقي بفتاة تدعى « نظاما » وهي ابنة ذلك الشيخ ، وقد حبتها السماء بنصيب موفور من المحاسن الجسميّة ، والميزات الروحانية الفائقة ، فاتخذ منها محيي الدين رمزا ظاهريا للحكمة الخالدة ، وأنشأ في تصوير هذه الرموز قصائد سجّلها في ديوان ألّفه في ذلك الحين .

وفي هذه البيئة النقية المختارة له من قبل سطعت مواهبه العقلية والروحية ، وتركّزت حياته الصوفية ، وجعلت تصعد في معارج القدس شيئا فشيئا حتى بلغت شأوا عظيما . ومن ذلك أنه في إحدى طوفاته التأمّلية والبدنية بالكعبة يلتقي من جديد بمرشده السموي الذي أمره سالفا بالهجرة من الأندلس والمغرب إلى الأصقاع الشرقية ، فيتلقّى منه الأمر أيضا بتأليف كتابه الجامع الخالد « الفتوحات المكية » الذي ضمّنه أكثر وأهمّ آرائه الصوفية والعقلية ومبادئه الروحية ، والذي لا يتطاول إلى قمته في عصره أي كتاب آخر فيما نعلم من إنتاج هذا الصنف من المتنسّكين .

وفي سنة 1204 م يرتحل إلى الموصل حيث تجتذبه تعاليم الصوفي الكبير علي بن عبد اللّه بن جامع الذي تلقّى لبس الخرقة عن الخضر مباشرة ، ثم ألبس محيي الدين إياها بدوره .

وفي سنة 1206 م نلتقي به في القاهرة مع فريق من الصوفية الذي يطبّقون حياة تنسّكية قوية محافظة . وهنا يظهر له رائد سموي يأمره بإدخال شيء من الكمال على مذهبه ، ولكنه لا يكاد يفعل حتى يتنمّر له عدد من الفقهاء يحيكون حوله وحول

 

 

 

 

"10"

أصحابه شباكا من الدسائس تهدّد اطمئنانهم بل حياتهم ، ولولا نفوذ أحد أصدقائه لوقع في ذلك الخطر ، ولكنه لحسن حظّه يستطيع أن ينجو بنفسه ويفرّ إلى مكة في سنة 1207 م فيلتقي فيها بأصدقائه القدماء الأوفياء ، ويقيم بينهم في هدوء وسكينة نحو ثلاثة أعوام ، ثم يرتحل إلى قونية بتركيا حيث يتلقاه أميرها السلجوقي باحتفال بهيج .

وهناك يتزوج بوالدة صدر الدين القونيوي ، وهو أحد تلاميذه المفضلين ثم لا يلبث أن يرتحل إلى أرمينيا ، ومنها إلى شاطىء الفرات .

وفي سنة 1211 م نلتقي به في بغداد حيث يتصل بالصوفي المعروف شهاب الدين عمر السهروردي .

وفي سنة 1214 م يعود إلى مكة ولا يكاد يستقر فيها حتى يجد أن عددا من فقهائها المنافقين الدسّاسين قد جعلوا يشوّهون سمعته ويرمونه بأن قصائده التي نشرها في ديوانه الرمزي منذ ثلاثة عشر عاما كانت تصوّر غرامه المادي الواقعي بالفتاة « نظام » ابنة صديقه الشيخ الإيراني التي أشرنا آنفا إلى أنه اتخذ منها رمزا نقيّا للحكمة الخالدة . وعندما تبيّن هذه التهمة الرخيصة وعرف مصادرها الحقيقية حمل عليها وعلى واضعيها حملة قوية كشفت زيفها للجميع بصورة جعلت القائمين بها يعترفون بأخطائهم ويعتذرون إليه عنها .

وبعد ذلك يرتحل إلى حلب فيقيم بها ردحا من الزمن معزّزا مكرّما من أميرها .

 

وأخيرا يلقي عصا التسيار في دمشق في سنة 1223 م حيث كان أميرها أحد تلاميذه المؤمنين بعلمه ونقائه ويظل بها يؤلّف ويعلّم ، ويخرّج التلاميذ والمريدين يحوطه الهدوء وتحفّ به السكينة حتى يتوفّى بها في 28 ربيع الثاني من سنة 638 ه الموافق 16 نوفمبر من سنة 1240 م .

 

 

 

 

 

"11"

مؤلفاته وشيوخه « 1 »

قال الشيخ يوسف بن إسماعيل النبهاني في كتابه « جامع كرامات الأولياء » ضمن ترجمته للشيخ ابن عربي :

وقد اطّلعت له على إجازة أجاز بها الملك المظفر ابن الملك العادل الأيوبي ، ذكر فيها كثيرا من مشايخه ومؤلفاته ، ولتمام الفائدة أذكرها هنا بحروفها فأقول : قال رضي اللّه عنه : بسم اللّه الرحمن الرحيم ، وبه نستعين : أقول وأنا محمد بن عليّ بن العربي الطائي الأندلسي الحاتمي ، وهذا لفظي : استخرت اللّه تعالى ، وأجزت السلطان الملك المظفر بهاء الدين غازي ، ابن الملك العادل المرحوم إن شاء اللّه تعالى أبي بكر بن أيوب وأولاده ، ولمن أدرك حياتي الرواية عني في جميع ما رويته عن أشياخي ، من قراءة وسماع ومناولة وكتاب وإجازة ، وجميع ما ألّفته وصنّفته من ضروب العلم ، وما لنا من نثر ونظم على الشرط المعتبر بين أهل هذا الشأن ، وتلفظت بالإجازة عند تعبيري هذا الخط ، وذلك في غرة محرم سنة 632 بمحروسة دمشق وكان قد سألني في استدعائه أن أذكر من أسماء شيوخي ما تيسّر لي ذكره منهم ، وبعض مسموعاتي ، وما تيسّر من أسماء مصنّفاتي ، فأجبت استدعاءه نفعه اللّه تعالى بالعلم ، وجعلنا وإياه من أهله ، إنه وليّ كريم .

فمن شيوخنا أبو بكر بن أخلف اللخمي ، قرأت عليه القرآن الكريم بالقراءات السبع بكتاب الكافي لأبي عبد اللّه محمد بن شريح الرعيني في مذاهب القراء السبعة المشهورين ، وحدّثني عن ابن المؤلف .

ومن شيوخنا في القراءة أبو الحسن شريح بن محمد بن محمد بن شريح الرعيني ، عن أبيه المؤلف .

 

 

 

 

"12"

ومن شيوخنا في القرآن أيضا أبو القاسم عبد الرحمن بن غالب الشراط ، من أهل قرطبة ، قرأت عليه أيضا القرآن الكريم بالكتاب المذكور وحدّثني أيضا عن ابن المؤلف أبي الحسن شريح عن أبيه المؤلف محمد بن شريح المقري .

ومن شيوخنا القاضي أبو محمد عبد اللّه البازلي قاضي مدينة فاس ، حدّثني بكتاب « التبصرة في مذاهب القراء السبعة » لأبي محمد مكي المقري عن أبي بحر سفيان ابن القاضي ، عن المؤلف بجمع تآليف مكّي أيضا ، وأجازني إجازة عامة .

ومن شيوخنا القاضي أبو بكر محمد بن أحمد بن أبي حمزة ، سمعت عليه كتاب التيسير في مذاهب القراء السبعة لأبي عمرو عثمان بن أبي سعيد الداني المقري ، حدّثني به عن أبيه عن المؤلف وبجميع تآليف الداني وأجازني إجازة عامة .

ومن شيوخنا القاضي أبو عبد اللّه محمد بن سعيد بن دربون ، سمعت عليه كتاب البقعي لأبي عمر يوسف بن عبد البر النميري الشاطبي ، وحدّثني به عن أبي عمران موسى بن أبي بكر ابن المؤلف وبجميع تآليفه مثل الاستذكار ، والتمهيد ، والاستيعاب ، والانتقاء ، وأجاز لي إجازة عامة في الروايتين ، أجاز لي أن أرويه عنه وجميع تآليفه .

ومن شيوخنا المحدّث أبو محمد عبد الحق بن عبد الرحمن بن عبد اللّه الإشبيلي ، حدّثني بجميع مصنّفاته في الحديث ، وعيّن لي من أسمائها تلقين المبتدي ، والأحكام الصغرى والوسطى والكبرى ، وكتاب العاقة ونظمه ونثره ، وحدّثني الإمام أبي محمد علي بن أحمد بن حزم عن أبي الحسن شريح بن محمد بن شريح ، عنه .

ومن شيوخنا عبد الصمد بن محمد بن محمد بن أبي الفضل الحرستاني ، سمعت عليه صحيح مسلم حدّثني به عن الفراوي عن عبد الغفار الجلودي ، عن إبراهيم المروزي عن مسلم ، وأجازني إجازة عامة .

ومن شيوخنا يونس بن يحيى أبي الحسن العباسي الهاشمي ، نزل مكة سمعت عليه كتبا كثيرة في الحديث والرقائق ، منها كتاب صحيح البخاري .

ومن شيوخنا المكيّين أبو شجاع زاهد بن رستم الأصفهاني إمام المقام بالحرم ، سمعت عليه كتاب الترمذي لأبي عيسى ، حدّثني به عن الكرخي عن الخزاعي المحبوبي عن الترمذي ، وأجازني إجازة عامة .

 

 

 

 

"13"

ومن شيوخنا البرهان نصر بن أبي الفتوح بن عمر الحصري إمام مقام الحنابلة بالحرم الشريف ، سمعت عليه كتبا كثيرة منها السنن لأبي داود السجستاني ، حدّثني بها ، عن أبي جعفر بن عليّ بن السمناني ، عن أبي بكر أحمد بن عليّ بن ثابت الخطيب ، عن أبي عمر القاسم بن جعفر بن عبد الواحد الهاشمي البصري ، عن أبي علي محمد بن أحمد بن عمر اللؤلؤي ، عن أبي داود ، وأجاز لي إجازة عامة .

وحدّثني بكتب ابن ثابت الخطيب عن أبي جعفر السمناني .

ومن شيوخنا سالم بن رزق اللّه الإفريقي ، سمعت عليه كتاب المعلم بفوائد مسلم للمازري ، حدّثني به عنه وبجميع مصنفاته وتآليفه ، وأجازني إجازة عامة .

ومن شيوخنا محمد أبو الوليد بن أحمد بن محمد بن سبيل ، قرأت عليه كثيرا من تآليفه ، وناولني كتاب « نهاية المجتهد وكفاية المقتصد » والأحكام الشريفة من تأليفه .

ومن شيوخنا أبو عبد اللّه بن العزي الفاخري ، وأجازني إجازة عامة .

ومن شيوخنا أبو سعيد عبد اللّه بن عمر بن أحمد بن منصور الصفا ، حدّثني بكتب الواحدي كتابة عبد الجبار محمد بن أحمد الحواري عنه .

ومن شيوخنا أبو الوابل بن العربي ، سمعت عليه سراج المهتدين للقاضي ابن العربي ابن عمه ، حدّثني به عنه ، وأجازني إجازة عامة .

ومن شيوخنا أبو الثناء محمود بن المظفر اللبان ، حدّثني بكتب ابن خميس عنه .

ومنهم : محمد بن محمد بن محمد البكري ، سمعت عليه رسالة القشيري ، وحدّثني بها عن أبي الأسعد عبد الرحمن بن عبد الواحد بن عبد الكريم بن هوازن القشيري ، عن جدّه عبد الكريم ، المؤلّف ، وأجازني إجازة عامة .

ومنهم : ضياء الدين عبد الوهاب بن علي بن علي بن سكينة شيخ الشيوخ ببغداد ، أجازني إجازة عامة ، وأخذ عني وأخذت عنه ، وسمعت عليه بمدينة باب السلام بحضور ابنه عبد الرزاق .

ومنهم : أبو الخير أحمد بن إسماعيل بن يوسف الطالقاني القزويني ، حدّثني بتآليف البيهقي وأجازني إجازة عامة .

ومنهم : أبو طاهر أحمد بن محمد بن إبراهيم وأجازني إجازة عامة .

 

 

 

 

 

"14"

ومنهم : أبو طاهر السلفي الأصبهاني ، أجازني إجازة عامة ، وهو يروي عن أبي الحسن شريح بن عمرو بن شريح الرعيني المقري ، أجازني وكتب إليّ أن أروي عنه كتب عبد الرحمن السلمي ، وحدّثني عن محمد نصار البيهقي عنه .

ومنهم : جابر بن أيوب الحضرمي ، أجازني إجازة عامة ، وهو يروي عن أبي الحسن شريح بن محمد بن شريح الرعيني المقري .

وممن أجازني إجازة عامة محمد بن إسماعيل بن محمد القزويني ، والحافظ الكبير ابن عساكر صاحب تاريخ دمشق .

ومنهم : أبو القاسم خلف بن بشكوال .

ومنهم : القاسم بن علي بن الحسن بن هبة اللّه بن عبد اللّه بن الحسن الشافعي .

ومنهم : يوسف بن الحسن بن أبي النقاب بن الحسين وأخوه أبو العباس أيضا ، وأجازنا أبو القاسم ذاكر بن كامل بن غالب .

ومنهم : محمد بن يوسف بن علي الغزنوي الخفّاف .

ومنهم : أبو حفص عمر بن عبد المجيد بن عمر بن حسن بن عمر بن أحمد القرشي المياستي .

ومنهم : أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي الحافظ ، كتب إليّ بالرواية عنه بجميع تآليفه ونظمه ونثره وسمّى لنا من كتبه « صفوة الصفوة » و « مثير الغرام الساكن إلى أشرف الأماكن » . وغير ذلك .

ومنهم : أبو بكر بن أبي الفتح الشيخاني .

ومنهم : المبارك بن علي بن الحسين الطباخ .

ومنهم : عبد الرحمن ابن الأستاذ ، المعروف بابن علوان .

ومنهم : عبد الجليل الزنجاني .

ومنهم : أبو القاسم هبة اللّه بن علي بن مسعود بن شداد الموصلي .

ومنهم : أحمد بن أبي منصور .

ومنهم : محمد بن أبي المعالي عبد اللّه بن موهب بن جامع بن عبدون البغدادي الصوفي يعرف بابن الثناء .

ومنهم : محمد بن أبي بكر الطوسي .

ومنهم : المهذب بن علي بن هبة اللّه الطيب الضرير .

 

 

 

 

 

"15"

ومنهم : ركن الدين أحمد بن عبد اللّه بن أحمد بن عبد القاهر الطوسي الخطيب ، وأخوه شمس الدين أبو عبد اللّه .

ومنهم : القرماني ببغداد .

ومنهم : ثابت بن قرة الحاوي ، قرأت عليه من كتبه وتآليفه ، ووقفها بروايتها بمسجد العمادين الجلادين بالموصل .

ومنهم : عبد العزيز بن الأخضر .

ومنهم : أبو عمر عثمان بن أبي يعلى بن أبي عمر الأبهري الشافعي من أولاد البراء بن عازب .

ومنهم : سعيد بن محمد بن أبي المعالي .

ومنهم : عبد الحميد بن محمد بن علي بن أبي المرشد القزويني .

ومنهم : أبو النجيب القزويني .

ومنهم : محمد بن عبد الرحمن بن عبد الكريم الفاسي ، قرأت عليه جميع مصنفاته .

ومنهم : أبو الحسن علي بن عبد اللّه بن الحسين الرازي .

ومنهم : أحمد بن منصور الجوزي .

ومنهم : أبو محمد بن إسحاق بن يوسف بن علي .

ومنهم : أبو عبد اللّه محمد بن عبد اللّه الحجري .

ومنهم : أبو الصبر أيوب بن أحمد المقري .

ومنهم : أبو بكر محمد بن عبيد السكسكي .

ومنهم : ابن مالك ، حدّثني بمقامات الحريري عن مصنفها .

ومنهم : عبد الودود بن سمحون قاضي النبك .

ومنهم : عبد المنعم بن القرشي الخزرجي .

ومنهم : علي بن عبد الواحد بن جامع .

ومنهم : أبو جعفر بن يحيى الورعي .

ومنهم : ابن هذيل .

ومنهم : أبو زيد السهيلي ، حدثني بالروض الأنف في شرح السيرة والمعارف والأعلام وجميع تآليفه .

ومنهم : أبو عبيد اللّه بن الفخار المالقي المحدّث .

 

 

 

 

"16"

ومنهم : أبو الحسن بن الصائغ الأنصاري .

ومنهم : عبد الجليل مؤلف المشكل في الحديث وشعب الإيمان .

ومنهم : أبو عبد اللّه بن المجاهد .

ومنهم : أبو عمران موسى بن عمران المزيلي .

ومنهم : الحاج محمد بن علي ابن أخت أبي الربيع المقومي .

ومنهم : عليّ بن النضر . ولولا خوف الملال وضيق الوقت لذكرنا جميع من سمعنا عليه ولقيناه .

وها أنا أذكر من تآليفي ما تيسّر فإنها كثيرة ، وأصغرها جرمّا كرّاسة واحدة ، وأكبرها ما يزيد على مائة مجلد وما بينهما .

فمن ذلك كتاب المصباح في الجمع بين الصحاح في الحديث . اختصار مسلم . اختصار البخاري . اختصار الترمذي ، اختصار المحلى . الاحتفال فيما كان عليه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من سني الأحوال .

وأما الحقائق في طريق اللّه تعالى التي هي نتائج الأعمال ، فمن ذلك وهو السابع كتاب من تصانيفنا « الجمع والتفصيل في أسرار معاني التنزيل » أفرغ في أربعة وستين مجلدا إلى قوله تعالى في سورة الكهف :وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ لا أَبْرَحُ[ الآية 60 ] . الجذوة المقتبسة والخطرة المختلسة . مفتاح السعادة في معرفة الدخول إلى طريق الإرادة . المثلثات الواردة في القرآن العظيم . الأجوبة عن المسائل المنصورة . متابعة القطب . مناهج الارتقا إلى افتضاض أبكار النقا بجنان اللقا ، يحوي ثلاثة آلاف مقام في طريق اللّه تعالى على ثلاثمائة باب ، كل باب عشرة مقامات ، كنه ما لا بدّ للمريد منه . المحكم في المحكم وأذان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . الخلاف في آداب الملإ الأعلى . كشف الغين : سرّ أسماء اللّه الحسنى . شفاء العليل في إيضاح السبيل .

عقلة المستوفز جلاء القلوب . التحقيق في الكشف عن سرّ الصديق . الإعلام بإشارات أهل الأوهام والإفهام في شرحه . السراج الوهاج في شرح كلام الحلاج .

المنتخب في مآثر العرب . نتائج الأفكار وحدائق الأزهار . الميزان في حقيقة الإنسان . المحجة البيضاء . كنز الأبرار فيما روي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم من الأدعية والأذكار .

مكافأة الأنوار فيما روي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم عن اللّه تعالى من الأخبار . الأربعين المتقابلة الأحاديث الأربعين في الطول . العين . التدبيرات الإلهية في إصلاح المحاكمة الإنسانية تعشق النفس بالجسم . إنزال الغيوب على سائر القلوب . أسرار قلوب

 

 

 

 

"17"

العارفين . مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية . الخلاء . المنهج السديد في شرح أنس المنقطعين . الموعظة الحسنة . البغية . الدرة الفاخرة في ذكر من انتفعت به طريق الآخرة من إنسان وحيوان ونبات ومعدن . المبادي والغايات فيما في حروف المعجم من الآيات . مواقع النجوم . الإنزالات . الموجود . حلية الأبدال .

أنوار الفجر . الفتوحات المكية عشرون مجلدا . تاج التراجم . الفحوص . الرصوص .

الشواهد . القطب والإمامين . روح القدس . التنزلات الموصلية . إشارات القرآن في العالم والإنسان . القسم الإلهي . الأقسام الإلهية . الجمال والجلال . المقنع في إيضاح السهل الممتنع . شروط أهل الطريق . الأنوار فيما يمنح صاحب الخلوة من الأسرار . عنقاء مغرب . عقائد أهل علم الكلام . الإيجاد والكون . الرسائل والإشارات في الأسرار . الإلهيات والكتابات . الحجة . إنشاء الجداول والدوائر .

الأعلاق في مكارم الأخلاق . روضة العاشقين . الميم والواو والنون . المعارف الإلهية وهو الديوان . المبشرات . الرحلة . العوالي في أسانيد الأحاديث . الأحدية .

الهوية الرحمية . الجامع وهو كتاب الجلالة العظيمة . المجد . الديمومة . الجود .

القيومية . الإحسان . الفلك والسعادة . الحكمة . العزة . الأزل . النون . الإبداع .

الخلق والأمر . القدم . الصادر والوارد . الملك . الوارد والواردات . القدس . الحياة .

العلم . المشتبه . الفهوانية . الرقم . العين . المياه . ركن المدائن . المبادي . الزلفة .

الرقيم . الدعاء . الإجابة . الرمز . الرتبة . البقاء . القدرة . الحكم والشرائع . الغيب .

مفاتيح الغيب الخزائن العلمية . الرياح اللواقح . الريح العقيم . الكنز . التدبير والتفصيل . اللذة والألم . الحق . الحمد . المؤمن والمسلم والمحسن . القدر .

الشأن . الوجود . التحويل . الوحي . الإنسان . التركيب . المعراج . الروائح والأنفاس .

الملل . الأرواح . النحل ، البرزخ . الحسن . القسطاس . القلم . اللوح . التحفة والعرافة . المعرفة . الأعراف . زيادة كبد النون . الإسفار في نتائج الأسفار . الأحجار المتفجّرة والمتشقّقة والهابطة . الجبال . الطبق . النمل . العرش . مراتب الكشف .

الأبيض . الكرسي . الفلك المشحون . الهباء . الجسم . الزمان . المكان . الحركة .

العالم . الآباء العلويات والأمهات السفليات . النجم والشجر . سجود القلب . الرسالة والنبوة والمعرفة والولاية . الغايات التسعة عشر . الجنة . النار . الحضرة . المناظرة بين الإنسان الكامل . التفضيل بين الملك والبشر . المبشرات الكبرى . محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار . الأولين . العبادة . ما يعول عليه وهو كتاب النصائح . إيجاز اللسان في الترجمة عن القرآن . المعرفة . شرح الأسماء . الذخائر والأعلاق . الوسائل .

 

 

"18"

النكاح المطلق . فصوص الحكم . نائج الأذكار . اختصار السيرة النبوية المحمدية .

اللوامح . اللوائح . الاسم والرسم . الفصل والوصل . مراتب العلوم . الوهب . انتقاش النور . النحل . الوجد . الطالب والمجذوب . الأدب . الحال . الشريعة والحقيقة .

التحكم والشطح . الحق . المخلوق . الإفراد وذوو الأعداد . الملامية . الخوف والرجاء . الفيض والبسط . الهبة والأنس . اللسانين . التواصي الليلية . الفناء والبقاء .

الغيبة والحضور . الصحو والسكر . التجليات . القرب والبعد . المحو والإثبات .

الخواطر . الشاهد والمشاهد . الكشف . الولد . التجريد والتفريد . العزة والاجتهاد .

اللطائف والعوارف . الرياضة والتجلي . المحق والسحق . التودد والهجوم . التلوين والتمكين . اللمة والهمة . العزة والغيرة . الفتوح والمطالعات . الوقائع . الحرف المعني . التدني والتدلي . الرجعة . الستر والخلوة . النون . الختم والطبع .

 

انتهت ، ولعزّتها ذكرتها هنا فإنها من أعظم كراماته رضي اللّه عنه ، فلم أخرج بذكرها عن الصدد الذي ألّف الكتاب لأجله ، وقد رأيت كتابا مستقلا في ذكر مؤلفاته وفيه كثير منها لم يذكر هنا في هذه الإجازة ، وكانت وفاته رضي اللّه عنه سنة 638 .

 

 

 

 

 

 

"19"

ترجمة الشّارح الشيخ عبد الكريم الجيلي

هو قطب الدين عبد الكريم بن إبراهيم بن عبد الكريم الجيلاني أو الكيلاني أو الجيلي نسبة إلى قرية جيل التابعة لبلاد إقليم طبرستان ، وقال بطرس البستاني في دائرة المعارف : « جيلان أو كيلان تقع في الجزء الشمالي الغربي من بلاد فارس ( 6 / 615 ) .

وهو سبط الشيخ عبد القادر الجيلاني لذلك يضاف إلى اسمه لقب القادري .

وهو من متابعي الطريقة القادرية .

وكان الجيلي متضلّعا بعلوم الشريعة والطريقة والحقيقة إلا أنه اشتهر بالكتابة في علم الحقيقة أي العلم المتعلّق بالركن الثالث من أركان الدين الإسلامي الكامل الذي ينقسم إلى ثلاثة أقسام : الأول : الإسلام ، والثاني : الإيمان ، والثالث :

الإحسان .

تتلمذ الشيخ الجيلي على شيخه الشيخ إسماعيل الجبرتي .

ولد الجيلي سنة 767 ه / 1365 م ، وتوفي سنة 832 ه / 1428 م « 1 » .

 

 

 

 

 

"20"

مؤلّفاته

ترك « الشيخ عبد الكريم الجيلي » عددا من المؤلّفات الهامة كلها في علم الحقائق الإلهية . وهذه المؤلّفات لم ينشر منها إلا القليل فضلا عن أن هناك عددا منها لم يعرف عنها شيئا سوى ما ذكره الجيلي نفسه في بعض مؤلّفاته . وهذه المؤلّفات هي التالية :

1 - الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل . وهو من أهم كتبه وأشهرها ، وهو مطبوع عدة طبعات .

2 - الكهف والرقيم في شرح بسم اللّه الرحمن الرحيم . مطبوع .

3 - المناظر الإلهية . مطبوع .

4 - الإسفار عن نتائج الأسفار فيما يتجلى لأهل الذكر من الأنوار . مطبوع .

5 - شرح مشكلات الفتوحات المكية . مطبوع .

6 - الكمالات الإلهية في الصفات المحمدية . مطبوع .

7 - شرح أسرار الخلوة لابن عربي . مطبوع .

8 - القصيدة العينية . مطبوع .

9 - قصيدة الدّرّة الوحيدة في اللجّة السعيدة .

10 - حقيقة اليقين وزلفة التمكين .

11 - قطب العجائب وفلك الغرائب .

12 - المملكة الرّبّانية المودعة في النشأة الإنسانية .

13 - الخضمّ الزاخر والكنز الفاخر في تفسير القرآن .

14 - جنة المعارف وغاية المريد والعارف بالفارسية .

15 - المرقوم في سرّ التوحيد المحمود والمعلوم .

16 - حقيقة الحقائق التي هي من وجه للحق ومن وجه للخلائق .

17 - غنية أرباب السّماع .

18 - مراتب الوجود . مطبوع .

19 - الغايات في معرفة معاني الآيات والأحاديث المتشابهات . وهو تعريف بالذات الإلهية .

 

 

 

 

 

 

"21"

- بداية مبحث في معرفة اللّه .

21 - الناموس الأعظم والقاموس الأقدم . وهذا الكتاب عبارة عن أربعين جزءا وهو متناثر في المكتبات وغير كامل حتى الآن .

22 - سرّ النور المتمكّن .

23 - زلفة التمكين . لا يزال مخطوطا .

24 - لوامع البرق الموهن .

25 - السفر القريب نتيجة السفر الغريب .

26 - رسالة أربعين في أحوال الصوفية . طبع أدنبرغ .

27 - لسان القدر بكتاب نسيم السحر . مطبوع .

28 - عقيدة الأكابر المقتبسة من أحزاب وصلوات . مطبوع .

29 - روضة الواعظين .

30 - قاب قوسين وملتقى الناموسين .

31 - كشف الغايات شرح كتاب التجليات . مطبوع .

32 - منازل المنازل في معنى التقرّبات بالفوائت النوافل .

33 - عيون الحقائق في كل ما يحصل من علم الطرائق .

34 - نسيم السحر سبب الأسباب والكنز لمن أيقن واستجاب . مطبوع .

 

 

 

 

 

"22"

*

 

"23"

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

خطبة

أحمد اللّه الذي نوّر قلوب العارفين بنبراس معرفته ، وأشهدهم جمال جلاله في حقائق مبدعاته بمنّته ، وحجبهم عن شهود غيره لغيرته ، وزيّن ذواتهم بحلل شريعته ، وعرف مشام أسرارهم بنفحات عرف حضرته ، واصطفاهم لنفسه من بين خليقته ، وأصلّي على أقربهم إليه بذاته ومرتبته ، من خصّه بمقام محبته ، وهداه إلى حقيقة ذاته وصفاته ، سيد ولد من خلقه بيده ، وشرّفه بذلك على ملائكته ، وعلى آله الذين ورثوا أسرار حقيقته ودقائق طريقته ، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم بعثته .

أما بعد فاعلم أن اللّه سبحانه وتعالى لمّا حجب خاصّة حضرته وخلاصة أهل محبته بحجاب غيرته ، جهلت مقاديرهم ، فلم يعرفهم سواه ، كما أنهم لا يشهدون إلا إياه ، ونسب إليهم ما يحلّ شأنهم عنه ، فكانوا بذلك على صفة مولاهم ، لأنه سبحانه لما احتجب عن الخلق جهل قدره كما قال تعالى :وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ[ الأنعام : الآية 91 ] فنسب إليه ما يجل جناب عزّته عنه سبحانه وتعالى عمّا يقول الظالمون علوّا كبيرا ، ولولا حلمه وفضله ، لما دبّ على البسيطة أحد ، ولا تعقل والد وولد . هذا ولمّا كانت طائفة الفقهاء رضي اللّه تعالى عنهم من خواص حملة الشريعة المحمدية ، وقد أقام اللّه بهم الكلمة العليا ، ودحض بهم الكلمة السفلى ، لأن إظهار الدين بالسّنان واللسان ، وهم رضوان اللّه تعالى عليهم أهل الحجة والبرهان ، ووزعة أهل الإلحاد والخسران ، وأيم اللّه لولا هذه الطائفة السعيدة لطغى الإلحاد وفسدت عقائد العباد .

ولمّا كانت غيرتهم وحميّتهم في غاية الكمال ، اشتغلوا بدقة النظر في جميع الأقوال والأحوال ، أدّاهم ذلك إلى أن سحبوا ذيل الإنكار على الأخيار والأشرار ، وكفّروا كل من لم يقل بجميع ما أنتجه فكرهم ، وقالوا : نظرنا موافق الكتاب والسّنّة ، فمن خالفه خالفهما ، ومن خالفهما كفر ، وانجر الأمر إلى أن كفّروا طائفة الصوفية التي هي زبدة خلاصة صفوة خاصّة الخاصّة ، لمّا سمعوا منهم ما يخالف رأيهم ،

 

 

 

 

 

"24"

فقالت لهم هذه الطائفة : نحن ما أخذنا هذا الذي أنكرتم به علينا إلا من الكتاب والسّنّة بطريق عرفناه منهما ، وهو طريق التقوى ، قال اللّه تعالى :وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ[ البقرة : الآية 282 ] وقال صلى اللّه عليه وسلم : « من عمل بما علم ورّثه اللّه علم ما لم يعلم » « 1 » . فلما سمعنا هذا الكلام ، وثبت عندنا أن كلامه حق وقوله صدق ، وأنه لا يخلف الميعاد ، اتقينا اللّه ووقفنا عندما رسم لنا وما تعدّينا حدوده ، فرزقنا علما بمراده في كلامه ومراد رسله في كلامهم ، فهذا الذي جئنا به أخذناه من الكتاب والسّنّة بالتعليم الإلهي لا بالفكر والنظر ، وليس هو من قبيل المحالات ، ولا يهدم ركنا من أركان الشريعة ، ولا يخالف نص كتاب ولا سنّة ، بل لنا من الكتاب والسّنّة ما يقوّيه ويعضده ، فغايته أنه خالف بعض ما أدركتموه وفهمتموه من معاني الكتاب والسّنّة ، وهذا لا يدل على أنه خالف الكتاب والسّنّة ، وكيف يخالفهما ونحن ما أخذناه إلا عن اللّه تعالى بطريق الإلهام ، ولو كانت جميع أفكاركم مطابقة للكتاب والسّنّة لما اختلفتم أصلا ، وبينكم من الخلاف ما لا يعدّ ولا يحصى ، أين مذهب الأشعري من مذهب الماتريدي ، بل أين مذهب الأشعري من مذهب بعض أتباعه ، هذا ونحن ما تكلمنا معكم بهذا الكلام إلا بعد أن خبرنا طريقكم ووقفنا على دقائقه وخفاياه ، وصرنا فيه كما لكم ، فلا يليق بكم أن تردّوا أقوالنا وتكفّرونا بها ، وأنتم لم تسلكوا طريقنا ولا شممتم لها رائحة ولا عرفتم ما اصطلحنا عليه من العبارات والألفاظ كما هو عادة أهل كل فن ، وكيف يليق ذلك بكم وأنتم مؤمنون عقلا ، وسمعتمونا نقول : نحن لا نأخذ علومنا إلا عن اللّه تعالى ، ولا يأخذ عن اللّه تعالى إلا أولياء اللّه ، وسمعتم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « إن اللّه سبحانه وتعالى يقول من عادى لي وليّا فقد آذنته بالحرب » « 2 » . هذا وأنتم قائلون بأن أولياء اللّه تعالى يصدر عنهم من خوارق العادات ما لا تقدرون عليه أبدا ، بل لا تعقلون حكمته أصلا ، وتقولون : إن اللّه تعالى خصهم بذلك ، فلم لا تجوزون أن اللّه تعالى يخصهم بعلوم لا تصلون إليها بأمر أفكاركم من غير تعليم إلهي ، وكيف لا ؟ وقد حكمتم أن بعض العلوم لا تنال بمجرد الكسب ، لأنها تطلب معه قابلية خاصة ، مثل علم الموسيقى ، ما هذا إلا غاية التعصب ، وإذا سلكتم على طريقتنا ، ووصلتم إلى غايتها ، فإن شئتم فأنكروا وإن شئتم فاعتقدوا ، وأما الإنكار قبل ذلك فما هو من شيم العقلاء . دع عنك تعنيفي وذق طعم الهوى فإذا عشقت فبعد ذلك عنف .
شيم العقلاء . دع عنك تعنيفي وذق طعم الهوى فإذا عشقت فبعد ذلك عنف .

.............................................................

( 1 ) السيوطي ( الدر المنثور 1 / 372 ) ، والقرطبي ( تفسير 13 / 364 ) .

( 2 ) رواه البخاري في صحيحه ، كتاب الرقاق ، باب التواضع ، حديث رقم ( 6502 ) . ورواه غيره .

 

 

"25"

 

مطلب في بيان من رد على الشيخ محي الدين

ولما كان سيد هذه الطائفة وأمامها وخبير هذه الجماعة وعلامها الشيخ الإمام العارف وارث الأنبياء وخاتم الأولياء برهان الشريعة المحمدية وعماد الحقائق الإلهية بحر الندا ونجم الاهتدا ينبوع الحكم وعلامة العرب والعجم صفوة أرباب المجاهدة وعمدة أصحاب المشاهدة صاحب المكاشفات العلية والمشاهدات الإلّيّة « 1 » مظهر العجائب ومظهر الغرائب الخرّيت « 2 » الأكبر والكبريت الأحرم الشيخ الأظهر الأنور والنور الأزهر أبا عبد اللّه محمد بن علي بن محمد بن العربي الحاتمي الطائي الأندلسي ، وكان إنكار أهل الإنكار متوجها عليه لأن أكثر أقوال هذه الطائفة مستندة إليه ، ولو نظروا في عباراته البديعة ومؤلفاته الوسيعة نظر منصف مستفيد ببصر حديد لما وسعهم إلا الإنصاف والاعتراف ، لكنهم اكتفوا بتصفح بعض مصنفاته المختصرة واعرضوا عن مطالعة مصنفاته المبسوطة المعتبرة ، فاعتاص عليهم درك مرامه وفهم كلامه ، فطعنوا في طريقه ورموه بالباطل في تحقيقه . ولما كان شأنه رضي اللّه عنه أجل من الذي توهموه وأعلى مما تخيلوه ، أردت أن أومي إلى طريقته وأشير إلى حقيقته حتى يعلم الناس ما كان عليه ، وأنه منزه عما نسب إليه ، فشرعت في الإسفار عن حقائق رسالة الأنوار المنسوبة إلى جنابه بين أحبابه ، واعتمدت على نسخة كانت عندي وأعرضت عن الاختلاف الواقع بين النسخ ، ولولا أن له بي عناية كلية ، ورعاية إلّيّة لما استطعت اقتفاء أثره ومعرفة خبره ، فإن شأني أقل وأحقر من أن أحسب ممن يفهم كلامه ويبين مرامه [ واقعه ] ولقد رأيته رضي اللّه تعالى عنه في الينبوع الكبير سنة تسع وثمانين وثمان مائة وأنا مسافر من البيت الحرام إلى مدينة الرسول عليه الصلاة والسلام ، وهو واقف وبيده أجزاء كانت عندي من أول شرح فصوص الحكم المنسوب إلى الشيخ العظيم شرف الدين والدنيا داود القيصري رحمه اللّه تعالى ، وهو رضي اللّه تعالى عنه يريد أن يعلمني ما فيها وأنا أريد أن أقرأ عليه وهو رضي اللّه تعالى عنه في غاية السرور والتبشش ، فجلس وجلست بين يديه ثم أتى بطعام يقال له الملوخيا ، وهو طعام معروف في بلاد الحجاز لا يؤكل في أكثر الأوقات إلا عند اجتماع الأحباب ، وكان في وعاء أتى به فأكل وأكلت معه حتى فرغ الطعام ثم أتى بشيء آخر وضعه في ذلك الإناء فأكلنا والحمد للّه على ذلك .

.......................................................

( 1 ) إلّيّة : ربانية ، إلهية ، والإلّ : العهد والقرابة والأصل الجيد . والربوبية وكل اسم آخره إل أو إيل فمضاف إلى اللّه تعالى . القاموس المحيط ( مادة ألّ ) .

( 2 ) الخرّيت : الدليل الحاذق ، الماهر بالدلالة ، القاموس المحيط ( مادة خرت ) .

 

 

 

"25"


*

 

"27"


مقدمة

اعلم نوّر اللّه بصيرتك أن الممكن هو الذي لا يقتضي الوجود ولا العدم لذاته بل لغيره ، والواجب هو الذي يقتضي الوجود لذاته ولا يصح أن يكون أزيد من واحد ، والمحال هو الذي يقتضي العدم لذاته . فالواجب لا يصح أن يكون عين الممكن ولا عين المحال ، والمحال لا يصح أن يكون عين الممكن البتة . هذا لا يقول به من شم رائحة من العلم فكيف يقول به أهل اللّه وخاصته ؟ واعلم أنّا نظرنا في الواجب سبحانه فوجدنا وجوده عينه لأنه لو كان غيره لكان من المحالات أو الممكنات فيلزم من هذا ما لا يقول به إلا معتوه ، فعلمنا أنه سبحانه عين الوجود لا غيره ، ونظرنا في الممكنات فوجدناها لم تكن ثم كانت فعلمنا أن لعدمها تقدما على وجودها وعلمنا أنه سبحانه كان ولا هي ، وساعدنا على ذلك قوله صلى اللّه عليه وسلم : « كان اللّه ولم يكن معه شيء » « 1 » ، ونظرنا في العدم فوجدناه ما هو بأمر زائد على ذات المعدوم حتى يقوم به كما قامت الصفة بالموصوف ، ونظرنا في أنفسنا فوجدناها موجودة ، فقلنا نحن كنا قبل هذا من جملة المعدومات ونحن الآن متصفون بالوجود ، ومفهوم الوجود واحد لا تعدد فيه وقد صح عندنا أنه عين الواجب ، فلا يجوز أن يخلق الواجب مثله حتى يكون قد خلق وجودا وجعله صفة لنا ولو كان فهو واحد منا والكلام فيه مثل الكلام فينا ، وإن كان من جملة المعدومات كما يقول به بعض الناس ، فلا بد أن يعرض لنا حتى نوجد وإلا فنحن على حالنا في العدم ، ولا معنى لعروض معدوم لمعدوم في الخارج ، وإن كان عروضه لنا في الذهن لا في الخارج ، فنحن على حالنا في الخارج ما شممنا رائحة من الوجود ، ولا أثر الفاعل إلا في ذواتنا فذواتنا مجعولة في الخارج والخارج ظرف لها لا لوجودها ، ولا يجوز أن ينفصل من الواجب قطعة من الوجود فتقوم بنا ، ولا يجوز أن نقوم بالواجب حتى

.............................................

( 1 ) العجلوني ( كشف الخفاء ، حديث رقم 2009 ) طبعة دار الكتب العلمية .

 

 

 

 

 

"28"

يكون محل الحوادث ، وقد تقرر عندنا أن وجودنا ما هو من ذواتنا ، فمن أين هذا الوجود الذي ندعي أنه صفة لنا ، فقيل لنا أنتم من جملة معلومات الواجب فلكم وجود أزلي في علمه لأن الجهل عليه محال ، قلنا : فهل لنا وجود خارج عن ذواتنا ؟

قيل : لا ، لأن الخارج موهوم صرف ، لأنه إن كان من جملة الممكنات الموجودة فالكلام فيه مثل الكلام فينا ، وإن كان من جملة الممكنات المعدومة أو المحالات ، فمعنى قولكم نحن في الخارج أي نحن في العدم فلا يصح أن يكون عين الواجب ، وما ثم أمر رابع . قلنا : فعلى هذا ليس للواجب وجود في الخارج ، قيل لنا : أنتم لا تعقلون كنه الواجب حتى تعرفوا كيفية وجوده لأنه ليس بينه وبينكم مناسبة أصلا وقد نهيتم عن التفكر في ذات اللّه ، وقد حذركم اللّه نفسه . وكما أن ذاته لا تشبه الذوات فوجوده لا يشبه الوجودات فاشتغلوا بمعرفة أنفسكم ودعوا ما لا تقدرون على معرفته ويكفيكم أن تقولوا إن الواجب موجود بذاته ولا يتوقف وجوده على اعتبار معتبر ولا على تعقل متعقل .

قلنا : فعلى هذا لا وجود لنا إلا في العلم وأما الوجود الخارجي فلم نعقله ، قيل لنا : نعم الأمر كما قلتم . قلنا : نحن نشهد الحوادث الزمانية ومعلومات الواجب قديمة ، قيل : نعم ما سألتم عنه ، اسمعوا وعوا وخذوا جوابكم وزيادة ، قد سمعتم اللّه سبحانه وتعالى يقول :إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( / ( 82 )[ يس : الآية 82 ]

فأسند كينونتكم إليكم وما أسند إلى نفسه سوى الأمر خاصة ، وهو ما توجه إلا على أعيانكم الموجودة في علمه ، لأن الأمر لا يتوجه على العدم الصرف ، ولولا أنكم متصفون في علمه بالسمع والعلم والإرادة والقدرة ما أمركم ، وإذا ثبتت لكم هذه الصفات في الوجود العلمي شرعا فلا مانع أن تثبت لكم جميع الصفات مثل الشم والذوق واللمس والخيال وأخواتها ، بل هو واجب لأنكم ما وجدتم ههنا إلا على طبق ما كنتم عليه في علمه من غير زيادة ولا نقصان ، وقد صح عندكم أن صاحب علم السيميا والأوهام إذا أراد أن يظهر أمرا عند شخص ما أمسك ذلك الأمر في خياله وخطف بصر ذلك الشخص بخاصية اسم أو حرف أو كلام أو نور أو بخاصية اكتسبها برياضة مخصوصة ورده إلى خيال ذلك الشخص وقد أظهر بتلك الخاصية ما أمسكه في خيال نفسه في خيال ذلك الشخص فيبصره ذلك الشخص في خياله على وفق ما أمسكه صاحب علم السيميا في خيال نفسه وإن المسحور يرى بعينه ما لا وجود له إلا في خياله وإن النائم يرى بعين خياله ما لا وجود له إلا في خياله وهو لا يشك في تلك الحالة أن لجميع ما يراه حقيقة في نفس الأمر حتى إذا

 

 

 

 

 

"29"

 

استيقظ وغاب عنه ما كان يبصره قال هذا خيال لا حقيقة له وما يدريه أن اليقظة وما يراه فيها مثل ما كان يراه في النوم ؟ فإذا كشف عنه غطاء جسمه واحتد بصره واستيقظ من النوم بالموت علم أن جميع ما كان يراه في عالم الحس في اليقظة بمثابة الرؤيا وأن ما هو عليه بعد الموت هو الأمر المعتبر في نفس الأمر وما يعلم المسكين أنه نائم هناك أيضا فإذا انتبه من ذلك النوم بنفخ إسرافيل في الصور قال :مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا[ يس : الآية 52 ] . وجزم بأن ما كان عليه في البرزخ من قبيل الرؤيا وما يعلم أنه في الحشر نائم بالنسبة إلى الجنة والنار ، كذلك هو في الجنة نائم بالنسبة إلى رؤية الحق سبحانه على الكثيب ، فإنه في حالة الرؤية منتبه ولا نوم بعد هذا الانتباه أبدا وهنا سر لطيف فافحص عنه وهو أن الشمس أضعاف الأرض في المقدار وأنتم ترونها على قدر الترس وأنها في كل طرفة عين تقطع مسافة عظيمة والبصر يراها ساكنة ، وأن من نظر صورته في مرآة يراها على حسب ما تكون المرآة عليه ، وما هذه المدركات معدومة من جميع الوجوه وإلا لم تدرك ولا هي موجودة من جميع الوجوه وإلا لكانت كذلك في نفس الأمر ، فلم يبق إلا أن تكون موجودة عند الإدراك لا غير ، وصح عندكم أنكم متصفون بجميع الصفات في الوجود العلمي الأزلي . وبعد أن تقررت هذه الأصول فاعلموا أن اللّه سبحانه وتعالى كما خاطبكم وأنتم موجودون في علمه بلا واسطة بقوله الأزلي وكلامه السرمدي ، كذلك تجلى لكم وأنتم موجودون في علمه فأبصرتموه ببصركم الثبوتي فظهر لكم بصوركم على اختلافها وتنوعاتها كما يبصر أحدكم الشيء الأبيض مثلا من مسافة بعيدة أسود أو أغبر وهو في نفسه على خلاف ذلك اللون ، ولا قام هذا اللون به ولا عرض له ولا تغير ذلك الشيء عما كان عليه ، وإنما ظهر هذا اللون في قوة الإدراك بواسطة ذلك الشيء والبعد عنه ، فالحق سبحانه لما تجلى لكم وأنتم موجودون في علمه لم تستطع أبصاركم الثبوتية أن تدركه على ما هو عليه لغاية بعده عنكم ، فأدركتموه على ما أنتم عليه فما أدركتم إلا نفوسكم ، وغاية ما في الباب أن تجليه كان سببا لإدراككم لأنفسكم لأنكم قبل هذا التجلي كنتم في ظلمة العدم بالنسبة إلى نفوسكم لا بالنسبة إلى الحق ، فلما تجلى لكم اللّه الذي هو نور السماوات والأرض نفّر تلك الظلمة فشهدتم نفوسكم على ما هي عليه في حضرة العلم الأزلي ، فكان ذلك الشهود تجلي عين وجودكم الخارجي ، ولا معنى للوجود الخارجي إلا هذا ، ولا تنكروا قولنا إن الحق تجلى لكم وأنتم موجودون في علمه فأبصرتموه لأن نفس التجلي والرؤية ممكن عقلا وشرعا وكشفا لأن الرؤية في الآخرة لا شك فيها وقد

 

 



"30"

 

شهد القرآن أن اللّه تعالى تجلى للجبل « 1 » وليس في الكتاب والسنة ما يحيل ذلك أصلا ، وغايتكم إن جئتم بأمر يمنعه أن يكون بالنسبة إلى الدار الدنيا ، وإذا أمكنت الرؤيا في الجنة لسائر أهلها فلا مانع لإمكان ذلك في الحضرة العلمية ، ونحن موجودون فيها متصفون بالسمع والبصر . ولعل الرؤية الواقعة في الدار الآخرة فرع هذه الرؤية فاعلم ذلك وانظر إلى ما قلته بعين الإنصاف ودع عنك العداوة والغضب والتعصب فإنها تعمى عين الإدراك :وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً[ طه : الآية 114 ] ،وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ[ يوسف : الآية 76 ] .فلا تك ممن طيشته دروسه * بحيث استقلت عقله واستفزت

فثم وراء النقل علم يدق عن * مدارك غايات العقول السليمةوإذا علمتم هذا علمتم أنكم صور مشهودة في مرآة الوجود الحق وأنه ما وقع إدراككم إلا على أنفسكم وأنتم في حضرة العلم ، فما استفدتم إلا علما بكم لم تكونوا تعلمونه ، لا حالة لم تكونوا عليها .فصل

من أدرك ما أشرنا إليه آنفا من وجود الممكنات علم أن اللّه سبحانه وتعالى عالم بالجزئيات على الوجه الكلي والجزئي معا ، وخلص من هذيانات الفلاسفة في هذا المبحث ولم يحتج أن يقول بحدوث التعلق لأنه لا طائل تحته كما لا يخفى عن التدبر ، ولا إلى أن يلتزم ما قيل من أن العلم بأن الشيء سيوجد وموجود ووجد واحد لأنه لا محصل له ، والبديهة تحكم بخلافه ، وقد أشار الشيخ رضي اللّه عنه إلى ما ذكرناه بقوله : وأما انتقالات العلوم الإلهية فهو الاسترسال الذي ذهب إليه أبو المعالي إمام الحرمين والتعلقات التي ذهب إليها عمر بن الخطيب الرازي . وأما أهل القدم الراسخة من أهل طريقتنا فلا يقولون هنا بالانتقالات ، فإن الأشياء عند الحق مشهودة معلومة الأعيان والأحوال على صورها التي تكون عليها ، ومنها إذا وجدت أعيانها إلى ما لا يتناهى فلا يحدث تعلق على مذهب ابن الخطيب فلا يكون استرسال على مذهب الإمام أبي المعالي إمام الحرمين رحمه اللّه رحمة واسعة ، والدليل العقلي الصحيح يعطي ما ذهبنا إليه . وهذا الذي ذكره أهل اللّه ووافقناهم عليه

.............................................................

( 1 ) يشير الإمام الجيلي إلى قوله تعالى :فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا[ الأعراف : الآية 143 ] .

 

 

 

 

"31"

 

يعطيه الكشف من المقام الذي وراء طور العقل فصدق الجميع وكل قوة أعطت بحسبها ، فإذا أوجد اللّه الأعيان فإنما أوجدها لها لا له وهي على حالتها بأماكنها وأزمانها على اختلاف أمكنتها وأزمنتها فيكشف لها عن أعيانها وأحوالها شيئا بعد شيء إلى ما لا يتناهى على التتالي والتتابع فالأمر بالنسبة إلى اللّه تعالى واحد كما قال تعالى :وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ[ القمر : الآية 50 ] .

والكثرة في نفس المعدودات ، وهذا الأمر قد حصل لنا في وقت فلم يختل علينا فيه شيء فكان الأمر في الكثرة واحدا عندنا ما غاب ولا زال ، وهكذا يشهده كل من ذاق هذا ، فهم في المثال كشخص واحد له أحوال مختلفة ، وقد صورت له صورة في كل حال يكون عليه ، هكذا كل شخص وجعل بينك وبين هذه الصور حجابا ، فكشف لك عنها وأنت من جملة من لك فيها صورة فأدركت جميع ما فيها عند رفع الحجاب بالنظرة الواحدة ، فالحق سبحانه وتعالى ما عدل بها عن صورها في ذلك الطبق بل كشف لها عنها وألبسها حالة الوجود لها فعاينت نفسها على ما تكون عليه أبدا ، وليس في حق نظرة الحق زمان ماض ولا مستقبل بل الأمور كلها معلومة له في مراتبها بتعداد صورها في مراتبها التي لا تتصف بالتناهي ولا تنحصر ولا حد لها تقف عنده ، فهكذا هو إدراك الحق للعالم ولجميع الممكنات في حال عدمها ووجودها ، فعليها تفرعت الأحوال في خيالها لا في علمها فاستفادت من كشفها لذلك علما لم يكن عندها ، لا حالة لم تكن عليها ، فتحقق فإنها مسألة دقيقة خفية تتعلق بسر القدر القليل من أصحابنا من يعثر عليها ، وقد صدق رضي اللّه عنه فإن جماعة كثيرة من القائلين بوحدة الوجود أجمعوا على أن الأشياء موجودة في الخارج كما هو مذهب النظار ، غير أنهم قالوا هي موجودة بوجود واحد هو الحق سبحانه ، لا أنها موجودة بوجود زائد على الوجود الحق سبحانه وليس هذا مذهب الكمل أصحاب الكشف التام ، وما صدرت هذه المقالات إلا من جماعة مزجت الحكمة بكلام أهل اللّه وأخذت أقوالهم على حسب ما استحسنته أفكارهم ، وأنت تعلم إن كنت من أرباب القلوب أن اللّه كان ولا شيء معه وأنه لا وجود للممكنات في تلك المرتبة إلا في الحضرة العلمية لا غير ، وهي بهذا الاعتبار قديمة بأسرها لأن الجهل محال على اللّه ، وأنه لا يحدث في علم اللّه ما لم يكن فيه وأن علمه عين ذاته وعين معلومه في الخارج ، ولا امتياز لهذه الثلاثة عن بعضها إلا في التعقل ، فمن هو هذا الذي يعرض لوجود الحق فيوجد في الخارج به وما ثم إلا الذات ، والمعلومات المتحدة بها لا تعرض لها في الخارج لأنها عينها فيه ، ولا في علم الباري ، ولو كان لما صح إلا في الدائمات لأنه قد تقرر أن

 

 

 

 

"32"

 

معلومات الباري قديمة بأسرها ، ومع هذا فإن الشيخ رضي اللّه عنه لا يقول بقدم فرد من أفراد العالم أصلا وما ثم غير الحق حتى يكون هذا العروض في علمه ، ولو كان على طريق فرض المحال لما أفاد العروض في علمه إلا وجود الأشياء في علمه لا في الخارج ، والأشياء ما عرضت للذات في الخارج ولا في علم اللّه ، فتعلق علم هذا الغير بالعروض خلاف الواقع ، والقول المطابق للواقع هو ما أوردناه من كلام الشيخ في ذلك بعبارتنا وعبارته الشريفة من أن الأشياء لا وجود لها في غير العلم القديم وإن وجودها الحادث إنما هو بالنسبة إلى شعورها بما هي عليه في علم باريها على التتالي إلى غير نهاية دنيا وآخرة ، وعلى هذا فما حدث إلا الشعور لا غير وأما ماهيات الممكنات فما حدثت أصلا لأنها قديمة في العلم وما شمت رائحة من الوجود الخارجي أصلا ، ومن هنا تعلم قول الشيخ رضي اللّه عنه أنه لم يحدث للّه صفة ولا نسبة من إيجاده العالم لم يكن عليها ، ويعضد ذلك قول الشيخ رضي اللّه عنه في التخلي ، التخلي عند القوم اختيار الخلوة والإعراض عن كل ما يشغل عن الحق ، وعندنا التخلي عن الوجود المستفاد لأنه في الاعتقاد هكذا وقع ، وفي نفس الأمر ليس إلا وجود الحق والموصوف باستفادة الوجود ، هو على أصله ما انتقل من إمكانه فحكمه باق وعينه ثابتة والحق شاهد ومشهود ، فإنه تعالى لا يصح أن يقسم بما ليس هو لأن المقسم به هو الذي تنبغي له العظمة ، فما أقسم بشيء ليس هو وقد ذكرنا ذلك في باب النفس بفتح الفاء ، فمما أقسم بهوَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ( 3 ) [ البروج :

الآية 3 ] . فهو الشاهد والمشهود وهو ما استفاد الوجود بل هو الوجود فإن قلت : فمن هذا الذي جهل الأمر حتى تعلمه ولا يقبل الإعلام إلا موجود قلنا : الجواب عليك من نفس اعتقادك فإنك المؤمن بأنه تعالى قال : للشيء كن فما خاطب إلا من يسمع ولا وجود له عندك في حال الخطاب فقد أسمع من لا وجود له فهو الذي نعلمه ما ليس عنده فيعلمه وهو في حال عدمه يقبل التعليم كما سمع الخطاب عندك فقبل التكوين وما هو عندنا قبوله للتكوين كما هو عندك وإنما قبوله للتكوين أن يكون مظهرا للحق فهذا معنى يكن لا أنه استفاد وجودا إنما استفاد حكم المظهرية ، فيقبل التعليم كما قبل السماع لا فرق ، ولقد نبهتك على أمر عظيم إن عقلته فهو عين كل شيء في الظهور ما هو عين الأشياء في ذواتها سبحانه وتعالى بل هو هو والإشياء أشياء ، فبعض المظاهر لما رأت حكمها في الظاهر تخيلت أن أعيانها اتصفت بالوجود فلما علمنا أن ثم في الأعيان الممكنات من هو بهذه المثابة من الجهل بالأمر تعين علينا من كوننا على حالنا في العدم مع ثبوتنا أن نعلم من لا يعلم من أمثالنا ما

 

 

 

 

"33"

هو الأمر عليه ولا سيما وقد اتصفنا بأنا مظهر فتمكنا بهذه النسبة من الإعلام لمن لا يعلم فأفدناه ما لم يكن عنده فقبله ، فأعلمناه أنه ما استفاد وجودا بكونه مظهرا فتخلى عن هذا الاعتقاد لا عن الوجود المستفاد لأنه ليس ثم .

وقوله رضي اللّه عنه عند مخاطبته للنبي صلى اللّه عليه وسلم في مكاشفة قلبية : فلما أنشأ العالم على غاية الإتقان ولم يبق أبدع وجه كما قال الإمام أبو حامد في الإمكان « 1 » [ وأبرز ] « 2 » جسدك صلى اللّه عليك للعيان أخبر عنك الراوي أنك قلت يوما في مجلسك أن اللّه كان ولا شيء معه وهو على ما عليه كان وهكذا هي صلى اللّه عليك حقائق الأكوان فما زادت هذه الحقيقة على هذه الحقائق إلا بكونها سابقة وهن لواحق إذ من ليس مع شيء فليس معه شيء ، ولو خرجت الحقائق على غير ما كانت عليه في العلم لامتازت عن الحقيقة المنزهة بهذا الحكم ، فالحقائق الآن في الحكم على ما كانت عليه في العلم فلنقل كانت ولا شيء معها في وجودها وهي الآن على ما كانت عليه في علم معبودها ، فقد شمل هذا الخبر الذي أطلق على الحق جميع الخلق ، ولا تعترض بتعدد الأسباب والمسببات فإنه ترد عليك بوجود الأسماء التي للحق والصفات وأن المعاني التي تدل عليها مختلفات ، فلو لا ما بين البداية والنهاية سبب رابط ونسب صحيح ضابط ما عرف كل واحد منهما بالآخر ، ولا قيل على حكم الأول يأتي الآخر وليس إلا الرب والعبد وكفى ، وفي هذا غنية لمن أراد معرفة نفسه في الوجود وشفا .

وقوله رضي اللّه عنه في باب الغربة عن الأوطان : وأما العارفون المكملون فليس عندهم غربة أصلا فإنهم أعيان ثابتة في أماكنهم لم يبرحوا .

 

ولما كان الحق مرآة لهم ظهرت صورهم فيه ظهور الصور في المرآة فما هي تلك الصور أعيانهم لكونهم يظهرون بحكم صور المرائي ، ولا تلك الصور عين المرآة لأن المرآة ما في ذاتها تفصيل ما ظهر فيهم وأما هم فما اغتربوا وإنما هم أهل شهود فوجود ، وإنما أضيف إليهم الوجود من أجل حدوث الأحكام ، إذ لا تظهر إلا من موجود ، فمرتبة الغربة ليست من منازل الرجال فهي منزلة دنية ينزلها المريدون والمتوسطون ، وأما الأكابر فما يرون أنه اغترب شيء عن موطنه بل الواجب واجب والممكن ممكن والمحال محال ، فتعين وطن كل مستوطن ، ولو قامت غربة بهم لا نقلبت الحقائق

 

 

 

 

 

"34"


وعاد الواجب ممكنا والممكن واجبا والمحال ممكنا وليس الأمر كذلك ، فالغربة عند العلماء بالحقائق في هذا المقام غير موجودة ولا واقعة .فصل

لا شك أنك إذا فهمت ما أوردناه من كلام الشيخ رضي اللّه عنه وأسلفناه من كلامنا علمت أن الممكنات ما برحت من الحضرة العلمية وإنما ظهرت صورها في مرآة الوجود الحق فتلك الصور الظاهرة في مرآة الوجود لا وجود لها إلا في شعور الأعيان الثابتة بل هي هي ، ألا تراك إذا أبصرت صورتك في المرآة تتخيل أنه قد وجد في المرآة صورة تماثلك ، وإذا دققت النظر علمت أنه الشعاع لما خرج من الباصرة واتصل بالمرآة الصقيلة انعكس لصلابتها إلى الناظر فأبصر نفسه في مكانه ، لا أنه أبصر نفسه في المرآة بل المرآة كانت سبب إبصاره لنفسه في مكانه وعلى حالته التي هو عليها ، ولهذا إذا بعد الناظر عن المرآة يرى صورته تبعد في داخل المرآة بقدر ما بعد عنها ، فالناظر هو الموجود العلمي والمرآة هو الحق سبحانه وتعالى ، والشعاع الخارج من الباصرة إلى المرآة المنعكس إليه لكثافتها هو الإدراك الثبوتي الذي صح به توجه الأمر على الموجود العلمي ، الذي كان في ظلمة العدم عند نفسه لا عند الحق ، فإنه بالنسبة إلى الحق موجود وهذا معنى قول الشيخ رضي اللّه عنه إن الحق أوجد الأشياء لأنفسها لا له .مطلب في بيان أن الموجود العلمي إنما اتّصف بالإدراك في حضرة العلم لأنه عين الذات

اعلم أن الموجود العلمي إنما اتّصف بالإدراك في حضرة العلم لأنه عين الذات العالمة المتصفة بالسمع والبصر والإرادة والقدرة ، فهو عالم بعلمها سميع بسمعها بصير ببصرها مريد بإرادتها قدير بقدرتها ، غير أن ظهور هذه الصفات فيه يخالف ظهورها في الذات لأنه مقيد ، فلا يظهر فيه إلا ما يماثله ، وهي مطلقة فلا يظهر فيها إلا المطلق . ولما أراد الحق سبحانه إيجاد الأشياء في العين ظهرت إرادته في ذوات الأعيان الثابتة من حيث إنها عينه ، فأرادت وجود أعيانها ، فلجأت إلى الأسماء التي هي أربابها وطلبت منها إيجاد أعيانها ، فلجأت الأسماء إلى الذات فجادت بما أرادوه منها . وهذا كما تقول سمع اللّه مني وأبصر مني وأراد مني ، وإلى هذا أشار الشيخ بقوله : لما شاء الحق من حيث أسماؤه الحسنى التي لا يبلغها الإحصاء أن يرى أعيانها . فإن الأسماء الحسنى هي التي شاءت وجود العالم بمشيئة الحق لأنه كل اسم

 

 

 

"35"

 

من الأسماء ينعت بجميع الأسماء ، كما أشار إليه ابن قسيّ وصرح به الشيخ رضي اللّه عنه . ولما جادت الذات بما طلبته الأسماء وتجلت من الاسم النور للأعيان الثابتة ، أبصرت الأعيان الثابتة ذواتها في مرآة الحق كما يبصر الناظر صورته في المرآة ، فتخيلت أنها وجدت في المرآة ، وإنما يظهر في المرآة غير ما هو في العلم ، فهو موجود آخر غير الموجود العلمي حدث عند هذا التجلي وعرض لذات الحق في الخارج جلّ جناب الحق عن ذلك ، وما علمت أنه تعالى لما تجلى لها وهي موجودة في علمه لم تستطع إدراكاتها التي هي بمنزلة الشعاع للأبصار أن تنفذ في هذه المرآة تعالت عن ذلك فانعكست إلى ما صدرت عنه كما ينعكس الشعاع من المرآة إلى الناظر فأدركت نفسها في حضرة العلم كما يدرك الناظر نفسه خارج المرآة ، وهو يتخيل أنه أدركها في المرآة وليس صورته في المرآة أصلا فما أدركت الأعيان الثابتة عند تجلي الحق إلا أنفسها وذواتها المعدومة ، وإذا صح أنه ما أدرك مدرك إلا ما هو معدوم صح أن الوجود الذي يدرك أولا عند إدراك الأشياء هو اللّه سبحانه الذي هو مرآة ظهرت بها لا فيها الأشياء ،

وإلى هذا أشار الشيخ بقوله :فما ترى عين ذي عين سوى عدم * فصح أن الوجود المدرك اللّهولما كان إدراكنا للوجود الحق إنما هو ببصر الحق كما أشرنا إليه آنفا قال رضي اللّه عنه : فلا يرى اللّه إلا اللّه فاعتبروا قولي ليعلم منحاه ومعناه . ثم إنا إذا أدركنا الوجود أولا عند إدراكنا الأشياء فإنما ندركه في آن واحد ثم ينتقل الإدراك إلى ذلك الشيء ، فإذا انتقل فلا يدرك إلا هو ، وذلك لأن الذي الآن تدرك فيه الوجود هو وصول الشعاع إلى المرآة ، ثم إذا انعكس إلى الصورة لم يمكن إبصار جرم المرآة أصلا ، ولا يرى إلا الصورة لأن الشعاع قد انعكس إليها ، وغير أهل الكشف من حذّاق النظّار إذا اطّلعوا أنه أول ما يدرك من الشيء وجوده فإذا أدركوا الأشياء فأول ما يدركون وجوداتها ، ولا يدوم لهم هذا الإدراك بل يمر بهم مثل البرق ، فإذا انقضت بقية صورته في أذهانهم فيتخيلون أنهم باقون على إدراكه ولا علم لهم أن ما أدركوه في الزمان الثاني ليس ما أدركوه في الزمان الأول ، وإنما هو صورته التي هي في أذهانهم ، بل إنما هو وجود آخر لأن الإدراك الأول غير الإدراك الثاني لأن الزمان الأول غير الزمان الثاني ، ووجود الأشياء تابع للإدراك كما سبق ، وإليه أشار الشيخ رضي اللّه عنه بقوله : اعلم أن النور المنبسط على الأرض الذي في شعاع الشمس الساري في الهواء ليس له حقيقة وجودية إلا بنور البصر المدرك لذلك ، فإذا اجتمعت العينان عين الشمس وعين البصر استنارت المبصرات وقيل قد انبسطت الشمس

 

 

 

 

"36"

 

عليها ، ولهذا يزول ذلك الإشراق بوجود السحاب لأن العين فارقت مشاهدة العين الأخرى بوجود السحاب ، وهي مسألة في غاية الغموض لأني أقول لو أن الشمس في جو السماء وما في العالم عين تبصر من حيوان ما كان لها شعاع منبسط في الأرض أصلا ، فإن نور كل مخلوق مقصور على ذاته لا يستنير به غيره ، فوجود أبصارنا ووجود الشمس معا أظهر النور المنبسط ، ألا ترى الألوان تنقلب في الجسم الواحد الملون بالخضرة مثلا أو الحمرة إذا اختلفت منك كيفيات النظر إليه من الاستقامات والانحرافات كيف يعطيك ألوانا محسوسة تدركها ببصرك ولا وجود لها في الجسم المنظور إليه ، ولا تقدر تنكر ذلك ولا سيما إذا كان الجسم المنظور في الشمس ، فقد أدركت ما لا وجود له حقيقة بل نسبة ، كذلك النور المنبسط على الأرض ، وكتقلب الحرباء في لون ما هي عليه من الأجسام على التدريج شيئا بعد شيء ، ما هي كالمرآة تقبل الصورة بسرعة ولا هي جسم صقيل ، وإدراك تقلبها في الألوان محسوس مع علمك بأن تلك الألوان لا وجود لها في أعيانها ، وهذا الذي أشار إليه الشيخ رضي اللّه عنه لا يختص بنور الشمس لأنه سار في جميع المدركات ، وإنما خص نور الشمس بالذكر لأنه كان في صدد بيان التجلي الشمسي الذي هو عبارة عن التجلي الذاتي ، وعلى هذا لا وجود للعالم إلا في الإدراك وذلك من قبيل الأغاليط الحسية . قال الشيخ رضي اللّه عنه : فإن أردت أن تعرف صورة نشىء العالم وظهوره وسرعة نفوذ الأمر الإلهي فيه وما أدركته الأبصار والبصائر منه ، فانظر إلى ما يحدث في الهواء من سرعة الحركة بجمرة النار في يد المحرك لها إذا أدارها فتحدث في عين الرائي دائرة أو خطّا مستطيلا إن أخذ بالحركة طولا أو أي شكل شاء ، ولا تشك أنك أبصرت دائرة نار ولا تشك أنه ما ثم دائرة ، وإنما أنشأ ذلك في نظرك سرعة الحركة وهو قوله :وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ ( 50 )[ القمر : الآية 50 ]

فإدراك الدائرة وما هي دائرة فذلك عين الصورة المخلوقة الظاهرة للعين ، فتحكم من حيث نظرك ببصرك وبصيرتك وفكرك أنه خلق ، وبعلمك وكشفك أنه حق مخلوق به ما ظهر لعينك مما ليس هو ، فهذا عدم في عين وجود ، فانظر ما ألطف هذا الإدراك مع كون الحدث محلّا لظهوره على تقييده وكثافته وقصوره ، فما ظنك بما هو الأمر عليه بالنسبة إلى جناب الحق ، فسبحان من يكلم نفسه بنفسه في أعيان خلقه ، كما قال :فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ[ التّوبة : الآية 6 ] فإن اللّه قال على لسان عبده : سمع اللّه لمن حمده . فهو المتكلم والقائم لا إله إلا هو العزيز الحكيم .

 

 

 

 

 

"38"

 

حقّق يا أخي نظرك في سرعة البرق إذا برق فإنّ برق البرق إذا برق كان سببا لانصباغ الهواء به وانصباغ الهواء سببا لظهور أعيان المحسوسات به وظهور أعيان المحسوسات به سبب في تعلق إدراك الأبصار بها ، والزمان في ذلك واحد مع تعقلك تقدم كل سبب على مسببه ، فزمان إضاءة البرق عين زمان انصباغ الهواء به ، عين زمان ظهور المحسوسات به ، عين زمان إدراك الأبصار لما ظهر منها ، فسبحان من ضرب الأمثال ونصب الأشكال ليقول القائل ثمّ وما ثم فوعزة من له العزة والجلال والكبرياء ما ثمّ إلا اللّه الواجب الوجود الواحد بذاته الكثير بأسمائه وأحكامه القادر على المحال ، فكيف الإمكان والممكن وهما من حكمه ، فو اللّه ما هو إلا اللّه فمنه وإليه يرجع الأمر كله .

انتهى كلام الشيخ رضي اللّه عنه : فإن قلت قد تحققت أن مذهب الشيخ رضي اللّه عنه هو أن الممكنات ما شمت رائحة من الوجود ، وأنها على حالها في الحضرة العلمية ، وأنّ وجودها العيني عبارة عن ظهورها لها وشعورها بذواتها وأحوالها ولوازمها ، وما هي عليه في حضرة علم معبودها ، ولا يلزم من هذا كونها في الخارج ، وأنت قد صرحت أنّ معلومات اللّه قديمة بأسرها وأنه تعالى يعلم جميع المعلومات على الوجه الكلي والجزئي ، فما قولك في ظهور الممكنات الثابتة في العالم القديم لأنفسها ؟ هل علم الباري متعلق به أم لا ؟

فإن لم يكن فما صح قولك أنه تعالى يعلم جميع الأشياء بأسرها ؟

وإن تعلق فإن كان تعلقه قديما فيلزم قدم جميع الموجودات العينية وأنت لا تقول بذلك ، والبديهة تحكم بحدوث الزمانيات . وإن لم يكن فقد حدثت بعض معلومات اللّه وأنت لا تقول بذلك . قلت : هذا السؤال ما صدر إلا عن عاقل عديم الكشف تكلم من مقام العقل ولا قدم له في المقام الذي وراء طور العقل .

والجواب الذي يقبله مثل هذا الرجل لا أقدر عليه لأن الجواب عن هذا السؤال من طريق العقل العادي لا يتصور وأما صاحب العقل الفطري فلا يتصور منه هذا السؤال لأنه قد خرج من جب الزمان ووصل إلى مصر الملأ الأعلى وحبسته زليخا الذات في سجن الأسماء سبعة أعوام ، وهي عبارة عن الصفات الذاتية ، فلما أخرجه الملك التي هو الآله من ذلك السجن وأصطفاه لنفسه واستخلفه على خزائن الأرض التي هي عبارة عن أرض الإمكان لأنه على صورة الملك فإنه حفيظ عليم .

 

نظر الوجود فكان تحت فعاله * من مستواه إلى قرار الماء

ما فوقه من غاية يعنو لها * إلا وفيه مصرف الأشياء

 

 

 

"38"

وعلم عند ذلك أن أمر اللّه واحدة كمثل لمح بالبصر « 1 » واطلع على حقيقة الزمان ، فإنه من أغمض المعلومات . حكى الشيخ رضي اللّه عنه عن الجوهري أنه ذكر عن نفسه أنه خرج بالعجين من بيته إلى الفرن وكانت عليه جنابة ، فجاء إلى شط النيل ليغتسل فرأى وهو في الماء كأنه في بغداد وقد تزوج وأقام مع امرأته ست سنين وأولدها أولادا غاب عني عددهم ، ثم رد إلى نفسه وهو في الماء ففرغ من غسله وخرج ولبس ثيابه وجاء إلى الفرن فأخذ الخبز وجاء إلى بيته وأخبر أهله بما أبصره في واقعته ، فلما كان بعد أشهر جاءت تلك المرأة التي رأى أنه تزوجها في الواقعة تسأل عن داره ، فلما اجتمعت به عرفها وعرف الأولاد وما أنكرهم ، وقيل لها متى تزوج بك ؟ قالت : منذ ست سنين وهؤلاء أولاده مني انتهى . وأعجب من هذه القصة أمر الساعة فإنه كلمح البصر ، أو هو أقرب مع كثرة الخلائق وطول حسابهم ووقوفهم في المواقف خمسين ألف سنة مما تعدون ، فإن زمان وصول الساعة كلمح البصر أو هو أقرب ، وعين وصولها عين حكمها وعين حكمها عين نفوذ المحكم في المحكوم عليهم وعين نفوذه عين تمامه وعين تمامه عين عمارة الدارين فريق في الجنة وفريق في السعير . وحكى الشيخ عن أبي القاسم بن قسيّ رضي اللّه عنهما أنه قال في قوله :كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ[ الأعراف : الآية 29 ] إن اللّه إذا أراد حشر الناس في القيامة الكبرى خلق آدم من تراب كما خلقه أول مرة وأخرج زوجه من ضلعه القصيرى ، فإذا تم خلقهما تناكحا فولدت حواء ما كانت ولدته أول مرة وتناكحت الأولاد وأولاد الأولاد إلى آخر مولود كما كان أول مرة على التدريج والتتالي من غير زيادة ولا نقصان ، وهذا كله في آن واحد مع أنه كان في المرة الأولى في آلاف من السنين ، وهذه أمور لا يدركها العقل ولا يذوقها ولا تسعها العبارة ولا تصل إليها الإشارة ، ومن خرج من مطمورة الزمان وذاق قوله صلى اللّه عليه وسلم : « كان اللّه ولا شيء معه » « 2 » وهو الآن على ما عليه كان هان عليه الاطّلاع على هذه الأسرار والإبصار في الليل والنهار .

................................................................

( 1 ) يشير إلى قوله تعالى :وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ ( 50 )[ القمر : الآية 50 ] .

( 2 ) العجلوني ( كشف الخفاء 2 / 129 حديث رقم ( 2009 ) ) وعزاه إلى ابن حبان والحاكم وابن أبي شيبة ، وقال القاري : ثابت . والزبيدي ( اتحاف السادة المتقين 2 / 94 ) . ورواه البخاري في صحيحه بلفظ : كان اللّه ولم يكن شيء غيره » . وبلفظ : « كان اللّه ولم يكن شيء قبله » . صحيح البخاري بدء الخلق ، باب ما جاء في قول اللّه تعالى :وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ . . .[ الروم : الآية 27 ] حديث رقم ( 3198 ) وكتاب التوحيد ، باب وكان عرشه على الماء ، حديث رقم ( 7418 ) .

 

"39"

 

فصل في أن اللّه تعالى يبصر الأشياء وهي معدومة العين

لا يخفى على من اطّلع على ما قدّمناه في هذه المقدمة أن اللّه سبحانه وتعالى يبصر الأشياء وهي معدومة العين لا قدم لها في الوجود العلمي ولا العيني ، كما أنه يعلمها وهي على حالها في عدمها ما شمت رائحة من الوجودين أصلا ، لأنه لما تعلق علمه بها كانت معدومة في العلم وفي العين ، وليس الوجود بشرط للرؤية كما ذهب إليه بعض الناس . قال الشيخ رضي اللّه عنه : إن الممكنات وإن كانت لا تتناهي وهي معدومة فإنها مشهودة للحق تعالى من كونه يرى ، فإنا لا نعلل الرؤية بالوجود وإنما نعلّل الرؤية للأشياء بكون المرئي مستعدا لقبول تعلق الرؤية به ، سواء كان معدوما لنفسه أو موجودا ، فكل ممكن مستعد للرؤية فالممكنات وإن لم تتناه فهي مرئية للّه تعالى ، لا من حيث نسبة العلم ، بل من نسبة أخرى تسمى رؤية كانت ما كانت ، قال تعالى :أَ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى ( 14 )[ العلق : الآية 14 ] ،

ولم يقل هنا ألم يعلم بأن اللّه يعلم . وقال :تَجْرِي بِأَعْيُنِنا[ القمر : الآية 14 ] ،

وقال :إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى[ طه : الآية 46 ] ،

وقال الشيخ رضي اللّه عنه بعد ما ذكر ما يظهر للبصر من الألوان في الحرباء وأشباه ذلك وأنها لا وجود لها في حد ذاتها وإنما وجودها بالنسبة إلى إدراك البصر : كذلك العالم مدرك للّه تعالى في حال عدمه ، فهو معدوم العين مدرك للّه يراه فيوجده لنفوذ الاقتدار الإلهي . ففيض الوجود العيني إنما وقع على تلك المرئيات في حال عدمها ، فمن نظر إلى وجود تعلق الرؤية بالعالم في حال عدمه ، وأنها رؤية حقيقية لا شك فيها وهو المسمى بالعالم ، ولا يتصف الحقّ بأنه لم يكن يراه ثم رآه بل لم يزل يراه ، فمن قال بالقدم فمن هنا قال ، ومن نظر إلى وجود العالم في عينه لنفسه ولم تكن له هذه الحالة في حال رؤية الحق له قال بحدوثه ، ومن هنا تعلم أن علة الرؤية للأشياء ليس كونها موجودة كما ذهب إليه أكثر المتكلمين من الأشاعرة ، وإنما الحق في ذلك استعداد المرئي للرؤية سواء كان معدوما أو موجودا ، فإن الرؤية تتعلق به . وأما غير الأشاعرة من المعتزلة فاشترطت في الرؤية البصرية أمورا زائدة على هذا تابعة للوجود ، ولهذا صارت الرؤية للعلم خاصة انتهى كلام الشيخ رضي اللّه عنه .مطلب في بيان أن صفة العلم غير صفة البصر

وقد علم منه أن صفة العلم غير صفة البصر ، وهذا خلاف ما قال به جماعة ممن يدّعي اتباع الشيخ رضي اللّه عنه ، وعلم ما معنى قدم العالم وما معنى حدوثه .

 

 

 

 

 

"40"

 

والشيخ رضي اللّه عنه لا يقول بقدم العالم كما تقول به الحكماء ولا بحدوثه كما تقول أرباب الكلام ، وسلك طريقة بين الطريقين وهي أقرب إلى مذهب المتكلم من مذهب الحكيم ، ومن فهم ما أوردناه في هذه المقدمة لا يخفى عليه ، وبعد أن علمت أن اللّه تعالى ما علم الأشياء إلا وهي في العدم المطلق علمت أن غيره لا يعلمها كما علمها الحق وإنما يعلمها من علم الحق وهي موجودة ، ثم بلا شك فما يأخذ غير اللّه معلوماته إلا عن موجود ، والحق يأخذ معلوماته عن العدم المطلق وعن الوجود ، بل إن حققت النظر فإن الحق سبحانه لا يأخذ معلوماته إلا عن ذاته لأنها صور الشؤون المستميتة فيها وهو عين الوجود سبحانه . وبعد أن علمت هذا فإن شئت قلت يأخذ معلوماته عن عدم وإن شئت قلت يأخذها عن وجود يعني عن ذاته ، فإن ذاته قبل تعلق العلم بها كانت واحدة بسيطة من جميع الوجوه وكانت جميع نسبها وإضافاتها مستهلكة فيها غير متميزة عنها بوجه من الوجوه ، وكان لها الإطلاق المطلق لأنها كانت تقتضي الظهور في مرتبة العلم والعين واللاظهور ، وكانت نسبتها إليها على السوية من غير ترجيح أحدهما على الآخر . ولما توجهت إلى الظهور تعلق علمها الذي هو عينها من جميع الوجوه بها ، وأحاط بها إحاطة تامة لأنه عينها ، وعند ذلك تعينت شؤونها التي كانت مستهلكة فيها غير ممتازة عنها بوجه من الوجوه ، وامتازت عنها وعن بعضها في حضرة العلم الذاتي ، وكان من جملتها الشأن العلمي ، فامتاز العلم عن الذات وعن سائر الصفات في نفسه ، وهذا من شرفه ، فإنه حكم على كل ما عداه وما حكم عليه إلا نفسه ، فله الرتبة العلية والتقدم على سائر الصفات ، ولهذا جعله بعض الناس إمام الأئمة ، واعترض على الشيخ رضي اللّه عنه في جعله الاسم الحي إمام الأئمة ، والذي ظهر لنا أن هذا المعترض ما فهم كلام الشيخ رضي اللّه عنه لأن الشيخ يقول بتقدم العلم على سائر الأسماء من هذه الحيثية التي أشرنا إليها ، وبتقدم الاسم الحي من جهة أخرى ، ولولا ضيق الوقت لأوضحنا هذا البحث على أحسن الوجوه وسنومىء إليه في بعض رسائلنا إن شاء اللّه تعالى .

ولما أحاط العلم الذاتي بجميع الحقائق وعين مراتبها وميز حقائقها ، ولم يشذ عنه الإحاطة بمرتبة وعلم جميع المعلومات على الوجه الكلي والوجه الجزئي بالتفصيل ، وما أخذ هذه المعلومات إلا من حقيقته وذاته ، لهذا قيل في الذات إنها غنية عن العالمين لأن جميع الحقائق حاضرة عندها مشهودة لها على وجه لا يتصور أبدع ولا أكمل منه ، إذ نسبتها إلى جميع الموجودات العينية الزمانية والغير الزمانية والموجودات العلمية نسبة واحدة ، وليس للموجودات مطلقا تقدم ولا تأخر بالنسبة

 

 

 

 

"41"

 

إليها ولا بالنسبة إلى بعضها أصلا ، سواء كان التقدم والتأخر بالزمان أو بالذات وإذا كان الأمر على هذه بالنسبة إليها فمفهوم أوليتها عين مفهوم آخريتها لأن مفهوم الأولية عين مفهوم الآخرية ، وإلى هذا أشار الشيخ رضي اللّه عنه بقوله : فأوليته عين آخريته .

ومعناه ما قلنا لا ما يقال من أن المراد أن الأول هو الآخر من جهتين مختلفتين ، لأنه لا يسوغ بهذه المرتبة وإنما يسوغ بالوحدانية التي هي منبع الجهات والحيثيات المختلفة والمؤتلفة . وبعد أن علمت ما أشرنا إليه فإن شئت قلت أوليته عين آخريته ، وإن شئت قلت لا أولية ولا آخرية . ثم إن الشؤون لما تفصلت وتميزت وكانت ذواتها وحقائقها تقتضي التقدم والتأخر على بعضها ، لأن بعضها شأن الذات بلا واسطة ، وبعض شأن الذات بواسطة شأن آخر ، ولهذا كان بعض الحقائق علة وبعضها معلولا ، والعلة أقرب إلى الذات من المعلول ، لهذا لما أراد الحق إيجاد الأعيان الخارجية ، وكان ذلك بتجليه للأعيان الثابتة ، وظهورها فيه ظهور الصور في المرآة كما سبق تقريره ، كان أول تجليه للعقل الأول لأنه أقرب المعلولات إليه ، فلما وجد العقل الأول الذي هو الحقيقة المحمدية في الخارج ، كان ألطف الموجودات وأشرفها وأكملها لأنه ظهر في مرآة الوجود الحق بلا واسطة ، فكانت حقيقة العقل كالحجاب على وجود الحق ، وكل من ينظر بعده في مرآة الحق فلا يرى إلا صورة العقل ، فهو أول الحجب الكونية . ثم إن اللّه جعله مرآة لحقيقة النفس الكلية الثبوتية ، فتجلى لها من خلف حجاب العقل ، كما تجلى للعقل بلا حجاب ، فرأت نفسها في مرآة العقل ، فكانت حقيقتها كالحجاب على حقيقة العقل . ثم إن الحق تعالى جعل حقيقة النفس مرآة للطبيعة فتجلى لحقيقتها الثابتة في علمه من خلف حجاب العقل والنفس ، فأبصرت الطبيعة نفسها في مرآة النفس ، ولما كانت الطبيعة كالحجاب على النفس ، تجلى الحق لحقيقة الهباء من خلف هذه الحجب ، فظهرت في مرآة الطبيعة ، وكذا ظهر الجسم في مرآة الهباء والشكل في مرآة الجسم ، ومجموع هذه الأربعة هو العرش ، فالعرش ما ظهر إلا في مرآة النفس ، وهكذا مجموع السلسلة . وقد ذكرنا كيفية التنزلات في رسالة لنا سميناها بالإنسان الكامل وهي بلسان الفرس .

وإذا علمت ما أشرنا إليه ، علمت أن العقل ثوب الحضرة ، فهو كالقميص الذي لا حائل بينه وبين جسد الإنسان ، والنفس كالجبة التي تكون فوق القميص ، والطبيعة جبة أخرى وهكذا حتى الإنسان وهو الثوب الواسع الذي تضمن جميع الثياب ولبسها . فالحق سبحانه لما نزل من أوج إطلاقه إلى حضيض التقيد ، متعينا بحقائق السلسلة لابسا لصورها صورة فوق صورة حتى بلغ إلى غاية التنزل التي هي حقيقة الإنسان ، انحجب بنفسه

 

 

"42"

 

من حيث التقيد عن نفسه من حيث الإطلاق ، فاشتاق إلى نفسه وأراد رفع الحجب عن حضرة قدسه حتى يتحد المطلق بالمقيد كما كان أول مرة ، فأوحى إلى نفسه من حيث تقيده بكيفية رفع الحجب ، فأول ما أمر نفسه بالتوحيد الصرف لأنه البداية في التنزل ، فينبغي أن يكون هو البداية في الترقي لأن البداية في التنزل نهاية الترقي والنهاية والبداية واحد . ثم أمر نفسه بأنواع من الأعمال والأقوال الواقعة على طبق تنزلاته ونشآته في كل مرتبة ، وأمر نفسه الترقي فيها ، فكل عمل أو قول ارتقى إليه فقد ارتقى إلى ما يطابقه من نشأته ، وهكذا حتى يصل إلى آخرها في الترقي وأولها في التنزل وهو العقل الأول ، وكل نشأة يرتقي عنها تنقص من نشأته الجامعة حتى ينعدم بالكلية ، حينئذ يبقى من لم يزل ويفنى من لم يكن . مثاله الإنسان إذا وصل إلى حيوانيته ، فقد ارتقى عن إنسانيته وترك جزء نشأته وهو الناطق ، وإذا وصل إلى نباتيته فقد ترك حوانيته وهي جزء نشأته ، وإذا وصل إلى معدنيته فقد ترك نباتيته وهي جزء نشأته ، وهكذا إلى آخر النشآت . وإلى هذا أشار الشيخ رضي اللّه عنه بقوله شعر :

وإذا أردت تعرفا بوجوده * قسمت ما عندي على الغرماء

وعدمت من عيني فكان وجوده * فظهوره وقف على إخفائي

 

مطلب في أن التكاليف الشرعية مطابقة لحقيقة الإنسان مطابقة النعل بالنعل

ومن علم ما نبهنا عليه علم أن التكاليف الشرعية مطابقة لحقيقة الإنسان مطابقة النعل بالنعل ، وعلم أن من يدّعي العلم بالحقائق ولا يقول بالتكاليف الشرعية على الوجه المفهوم من ظاهرها ويؤول ذلك ويصرفه إلى أمور باطنة من أجهل الخلق بالحق وبنفسه ، ومن رقى في الأقوال والأعمال والاعتقادات الشرعية حتى وصل إلى الحق سبحانه ، فقد رجع من الطريق التي جاء منها . قال الشيخ رضي اللّه عنه من باب الإشارة : لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً [ المائدة : الآية 48 ]

وهو عين ما قلناه ، وما رأيت من نبه على هذا السر غير الشيخ رضي اللّه عنه ، إلا الحكيم الرباني والعالم الصمداني ، الذي أخذ العلم من الرسل واطلع على حقيقة السبل ، أستاذ الحكماء فيثاغورس رحمه اللّه رحمة واسعة حيث قال : إن النفس الإنسانية بل جميع الموجودات تأليفات عددية أو لحنية ، ولهذا تلتذ النفس عند سماع التأليفات اللحنية المطابقة نشأتها ، والشرائع التي وردت بمقادير الصلوات والزكاة وسائر العبادات إنما هي لإيقاع هذه المناسبات في مقابلة تلك التأليفات الروحانية .

 

 

 

 

"43"

 

مطلب في من يريد العروج إلى الجناب الأقدس

فمن أراد العروج إلى الجناب الأقدس ولم يرق في المعراج الذي نصبته الرسل صلوات اللّه عليهم فقد ضل سواء السبيل ، فلا يصل أحد إلى اللّه إلا من الطريق الذي شرعه بواسطة الرسل صلوات اللّه عليهم .مطلب في بيان من رقي المعراج المشروع ووصل إلى غايته

وإذا وصل الراقي في المعراج المشروع ووصل إلى غايته فشاهد الأمر على ما هو عليه في نفسه ، علم أنه ما رحل من وطنه وما انتقل من مسكنه لأنه على حالة واحدة من الأزل إلى الأبد ، وما كان تنزله إلا بحسب الشعور بالمراتب ، وما كان ترقيه إلا بالغفلة عنها ، وهو على حالة واحدة ما انتقل عنها إلى غيرها ، ولا انتقل غيره إليه ، وذلك أنه لما أراد التنزل في أول الأمر إلى نشأة العقل ، كان تنزله إليها عبارة عن شعوره بها لأنه لما شعر بها وشعوره عينه وعين ما شعر به انصبغت ذاته عنده بها فظهر عند نفسه بصورتها ، لا أنها انتقلت إليه وقامت به ، أو هو انتقل إليها ولبسها ، ثم إن ذاته الظاهرة بصورة العقل عنده لما شعرت بنشأة النفس انصبغت بها ، ولهذا

 

يقول الشيخ رضي اللّه عنه : إن النفس خاطر من خواطر العقل ، وهكذا إلى آخر التنزلات ، ولما أراد الترقي إلى حقيقته الإطلاقية وكانت مراتب شعوراته قد حكمت عليه ، أخذ في تعطيل مداركه ومشاعره بإجماعها ، واستعان على ذلك بالمجاهدة والرياضة الشرعية ، وعلق شعوره وإدراكه بحقيقته المطلقة فقط ، وأعرض عن كل ما عداها ، فلما تعطلت مراتب شعوره انعدمت هذه النشأة التي ظهر فيها عند نفسه عنده ، فعندما وصل إلى حقيقته الإطلاقية علم أنه كان ولا شيء من هذه النشآت ، وهو الآن على ما عليه كان ، وعلم أن تنزله إلى جميع النشآت وتقيده بها إنما كان بالنسبة إلى شعوره وإدراكه لا غير ، وإن ذلك لا يحجبه عن شهود حقيقته لأنها ثابتة في نفس الأمر ، والشيء لا يغفل عن نفسه إلا إذا اشتغل بغيره ، بل لا يغفل عن نفسه أصلا لأن اشتغاله بغيره إنما هو من نفسه بنفسه في نفسه ، فهو مثل الذي يعلم ولا يعلم أنه يعلم ، فلما علم ما قلناه وكان قد شهد في تلك النشآت ما لم يشهده من حقيقته إلا بواسطتها ، علم أن الرجوع إليها أكمل والعود إليها أتم ، فأخذ يلبس الثياب التي خلعها مرة ثانية لكن لا على الوجه الذي لبسها أول مرة لأنه لما خلعها ما رفعها عن نفسه إلا من أذيالها ، فصارت ظواهرها بواطنها وبواطنها ظواهرها ، فلما لبسها في المرة الثانية لم يقبلها حتى تعود إلى حالها الأول بل لبسها

 

 

 

 

 

كذلك ، فصورة اللبس الأول حق ظهر بخلق ، باطنه حق وظاهره خلق ، وفي صورة اللبس الثاني خلق ظهر بحق ، باطنه خلق وظاهره حق ، فلما نزل إلى بني نوعه بهذه الصورة أنشد رضي اللّه عنه :

جلّ الإله الحق أن يبدو لنا * فردا وعيني ظاهر وبقائي

لو كان ذاك لكان فردا طالبا * متحسسا متجسسا لثنائي

هذا محال فليصحّ وجوده * في غيبه في عينه وفنائي

فمتى ظهرت إليكم أخفيته * إخفاء عين الشمس في الأنواء

فالناظرون يرون نصب عيونهم * سحبا تصرفها يد الأهواء

والشمس خلف الغيم تبدي نورها * للسحب والإبصار في الظلماء

فتقول قد بخلت عليّ وإنها * مشغولة بتحلل الأجزاء

لتجود بالمطر الغزير على الثرى * من غير ما نصب ولا اعياء

وكذاك عند شروقها في نورها * تمحو طوالع نجم كل سماء

فإذا مضت بعد الغروب بساعة * ظهرت لعينك أنجم الجوزاء

هذا لمنتها وذاك لحبها * في ذاتها وتقول من رداء

فخفاؤه من أجلنا وظهوره * من أجله والرمز في أولياء

كخفائنا من أجله وظهورنا * من أجلنا فسناه عين ضياء

ثم التقت بالعكس رمزا ثانيا * جلت عوارفه عن الإحصاء

فكأننا سيان في أعياننا * كصفا الزجاجة في صفا الصهباء

فالعلم يشهد مخلصين تكلفا * والعين تعطي واحدا للرائي

فالروح ملتذ بمبدع ذاته * وبذاته من جانب الأكفاء

والحس ملتذ برؤية ربه * فان عن الإحساس بالنعماء

فاللّه أكبر والكبير ردائي * والنور بدري والضياء ذكائي

والشرق غربي والمغارب مشرقي * والبعد قربي والدنو تنائي

والنار غيبي والجنان شهادة * وحقائق الخلق الجديد أمائي

وإذا أردت تنزها في روضة * أبصرت كل الخلق في مرآئي

وإذا انصرفت أنا الإمام وليس لي * أحد أخلفه يكون ورائي

فالحمد للّه الذي أنا جامع * لحقائق المنشيّ والإنشاء

هذا قريضي منبىء بعجائب * ضاقت مسالكها على الفصحاء

 

"45"

 

فصل

اعلم أنه قد نجز ما كنا نريد إيراده في هذه المقدمة للّه الحمد ، وقد حان الشروع في شرح الرسالة المسماة برسالة الأنوار وأنا أريد أوصيك في هذا الفصل بأمور تيقنت حقيقتها ، فإن الدين النصيحة للّه ثم بعد ذلك أشرع في تسويد الشرح إن شاء اللّه ، فاعتمد عليها والزم نفسك الإتيان بها إن كنت ممن يريد نجاة نفسه وراحة قلبه وبدنه .

 

فصل في وصية للشّارح

وصية يا أخي رحمك اللّه قد سافرت إلى أقصى البلاد وعاشرت أصناف العباد ، فما رأت عيني ولا سمعت أذني أشر ولا أقبح ولا أبعد عن جناب اللّه من طائفة تدعي أنها من كمل الصوفية ، وتنسب نفسها إلى الكمل وتظهر بصورتهم ، ومع هذا لا تؤمن باللّه ورسوله ولا باليوم الآخر ، ولا تتقيد بالتكاليف الشرعية ، وتقرر أحوال الرسل وما جاؤوا به بوجه لا يرتضيه من في قلبه مثقال ذرة من الإيمان ، فكيف من وصل إلى مراتب أهل الكشف والعيان . ورأينا منهم جماعة كثيرة من أكابرهم في بلاد أذربيجان وشروان وجيلان وخراسان لعن اللّه جميعهم . فاللّه اللّه يا أخي لا تسكن في قرية فيها واحد من هذه الطائفة لقوله تعالى :وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً [ الأنفال : الآية 25 ]
وإن لم يتيسر لك ذلك فاجهد أن لا تراهم ولا تجاورهم ، فكيف أن تعاشرهم وتخالطهم ، وإن لم تفعل فما نصحت نفسك واللّه الهادي .وصية يا أخي لا تجادل فقهاء الشريعة

وصية يا أخي لا تجادل فقهاء الشريعة رضوان اللّه عليهم على طريق أهل اللّه ، فإنهم أهل حق وقفوا عند الظاهر لأن استعدادهم الغير المجعول أعطى ذلك ، وإن جادلتهم فجادلهم بالتي هي أحسن :إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ [ النّحل : الآية 125 ] .


وصية عليك باعتقاد أهل الحديث

وصية عليك باعتقاد أهل الحديث واجهد أن تكون منهم فإنهم هم ورثة الأنبياء ، وإياك وتقليد أهل الكلام فإنهم ملعبة للشيطان ، ولا تكفر أهل القبلة ولا تتكلم فيهم إلا بالخير .

 

 

 

 

 

 

"46"

وصية إياك والتأويل فإنه دهليز الإلحاد

وصية إياك والتأويل فإنه دهليز الإلحاد والزندقة ، وإذا أولت على طريق أهل الإشارة فإياك أن تنفي الظاهر فإنه مراد الشارع بلا شك ، ومن نفاه فقد كفر بلا شبهة . وليكن حالك في المتشابهات حال مالك رضي اللّه عنه حين سئل عن الاستواء فقال : الاستواء معلوم والكيفية مجهولة ، والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة .

واحذر أن تكون من الذين يتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ، وقف عند وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ [ آل عمران : الآية 7 ] وإياك أن تكون على خلاف هذه الحالة فتكون من الذين في قلوبهم زيغ ، وإذا وفقت لما أمرتك به فلا تأمن من مكر اللّه فتكون من الخاسرين وقل : رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ( 8 ) [ آل عمران : الآية 8 ] .

وصية عليك بالعزلة

وصية عليك بالعزلة كما سنبيّنه لك إن شاء اللّه تعالى ، واعرف زمانك وإخوانك ، وعاملهم معاملة يستحقونها ، وأغلق بابك دون الخلق ، واغتنم الوحدة وكف جوارحك عن الفضول ، وتعرض لنفحات اللّه فإن لربك في أيام دهرك نفحات « 1 » ، وإياك الاختلاط بأهل الدنيا ، وأعرض عنهم : وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغاً [ النّساء : الآية 63 ] وحاسب نفسك قبل أن تحاسب « 2 » ، وعاقبها قبل أن تعاقب ، ومت بالاختيار حتى تحيى عند نزول هادم اللذات « 3 » .

......................................................................

( 1 ) يشير إلى قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إن لربكم في أيام دهركم نفحات فتعرّضوا لها » . الهيثمي ( مجمع الزوائد 10 / 231 ) . والطبراني ( المعجم الكبير 19 / 234 ) . والزبيدي ( إتحاف السادة المتقين 3 / 280 ) .

( 2 ) يشير إلى قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا » . الترمذي ( الجامع الصحيح حديث رقم 2459 ) .

( 3 ) هادم اللذّات ، أي الموت . وورد هذا اللفظ في قوله صلى اللّه عليه وسلم : « أكثروا من ذكر هادم اللذّات » .

الترمذي ( الجامع الصحيح حديث رقم 2307 ) . والموت في اصطلاح الصوفية له عدّة معان جماعها : قمع هوى النفس ، ومنها : عدم رؤية الخلق في الضر والنفع ، ومنها : الموت عن النفس والهوى والإرادة والمنى في الدنيا والآخرة . ومنها : انطواء الأنا الخلقية بالأنا الحقية أي إذا تجلّى القديم تلاشى الحاديث وبقي القديم وهو مقام الفناء الذي يتحقّق فيه السالك بقول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « كان اللّه ولا شيء معه » . ويتحقّق بقوله تعالى :كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ ( 26 ) وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ ( 27 )[ الرحمن : الآيتان 26 ، 27 ] .

 

 

""47"

وصية احفظ اللّه يحفظك

 

وصية احفظ اللّه يحفظك واتق اللّه تجده أمامك ، تعرف إلى اللّه في الرخاء يعرفك في الشدة ، وإذا سألت فاسأل اللّه وإذا استعنت فاستعن باللّه ، فقد جف القلم بما هو كائن ، ولو جهد الخلق أن ينفعوك بشيء لم يكتبه اللّه لك لم يقدروا عليه ، ولو جهد الخلق على أن يضروك بشيء لم يكتبه اللّه عليك لم يقدروا عليه ، فإن استطعت أن تعامل اللّه بالصدق في اليقين فافعل ، فإن لم تستطع فإن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا . واعلم أن النصر مع الصبر ، وأن الفرج مع الكرب ، وأن مع العسر يسرا . وفيما أوردناه كفاية لأرباب العناية ،

فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ [ فاطر : الآية 8 ] وهو الفعال لما يريد . وها أنا أشرع في الشرح ، واللّه المستعان .

 

قال الشيخ رضي اللّه تعالى عنه وعنّا به :

 

 

 

 

 

 

"48"

*

 

"49"

مطلب في المتن

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه واهب العقل ومبدعة وناصب النقل ومشرّعه .

.........................................................

مطلب في المتن ( الحمد ) اعلم أن الحمد الذي هو إظهار الكمال في مرتبتي الجمع « 1 » والفرق « 2 » خالص ( للّه ) المطلق عن جميع القيود ، وحمد الحمد أحق محامد الحق ، فإن قيام الصفة بالموصوف ما فيها دعوى ولا يتطرق إليها احتمال ، والواصف نفسه أو غيره بصفة ما يفتقر إلى دليل على دعواه ( واهب العقل ) من حيث ذاته إن كان عبارة عن قائم بنفسه وإلا فمن حيث صفاته ( ومبدعة ) أي مخترعه لا على مثال وهو من حيث الفيض الأقدس « 3 » ظاهر من وجه ، وأما بالنسبة إلى

.............................................

( 1 ) الجمع : هو لفظ مجمل يعبّر عن إشارة من أشار إلى الحق بلا خلق . قال أبو سعيد الخراز :

معنى الجمع أنه أوجدهم نفسه في أنفسهم بل أعدمهم وجودهم لأنفسهم عند وجودهم له .

والجمع : عين الفناء باللّه وقد غلط قوم وادّعوا أنهم في عين الجمع وأشاروا إلى صرف التوحيد وعطّلوا الأسباب فتزندقوا وإنما الجمع حكم الروح ، والتفرقة حكم القالب وما دام هذا التركيب ( أي الجسم ) باقيّا فلا بد من الجمع والتفرقة . ( عوارف المعارف للسهروردي ) و ( موسوعة مصطلحات التصوّف الإسلامي ) .

( 2 ) الفرق أو التفرقة : إشارة من أشار إلى الكون والخلق ، الفرق إشارة إلى خلق بلا حق وقيل مشاهدة العبودية . وكان الأستاذ أبو علي الدقاق يقول : الفرق ما نسب إليك والجمع ما سلب عنك ، ومعناه أن ما يكون كسبا للعبد من إقامة العبودية وما يليق بأحوال البشرية فهو فرق وما يكون من قبل الحق عن إبداء معان وإسداء لطف وإحسان فهو جمع . ( الرسالة القشيرية ) .

( 3 ) الفيض الأقدس : الفيض : هو التجلّي الدائم الذي لم يزل ولا يزال ؛ أو هو كون الجود الإلهي سببا لحدوث أنوار الوجود في كل ماهية قابلة للوجود . والفيض الأقدس : هو التجلّي من الكثرة الأسمائية غير المجعولة ؛ أو هو عبارة عن التجلّي الحبّي الذاتي الموجب لوجود الأشياء واستعداداتها في الحضرة العلمية . أو هو التجلّي الذاتي والفيض الغيبي من غيوب الشؤون -

 

 

 

 

 

"50"

له المنّة والطّول ومنه « 1 » القوة والحول .

.........................................................

الفيض المقدس « 2 » ففيه خفاء إلا أن يقال بعدم المثال العيني وقدّم الوهب على الإبداع رعاية للقافية ( وناصب النقل ) أي مقيم الأمور الشرعية الواردة عنه كالعلامة التي تنصب ليهتدى بها ( ومشرعه ) أي ومسننه للاهتداء . وكم للّه من علامة موصلة إليه ولم يسنها للاهتداء ، بل عاقب من اهتدى بها مع أنها كلها موصلة إليه ، وهي من هذه الحيثية مستقيمة لا إعوجاج فيها . ألا تراه كيف قال :اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ ( 6 )[ الفاتحة : الآية 6 ] ثم قال لرفع الالتباس :صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ[ الفاتحة :

الآية 7 ] ولما كان من سلك تلك الطرق منعما عليه بالوصول فلم يحصل كمال التمييز قال :غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ[ الفاتحة : الآية 7 ] وما صدرت الشرائع إلا عنه ، وإن كان للرسل بحسب الظاهر دخل في شيء منها فإنه راجع إليه حقيقة ،وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى ( 3 ) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى ( 4 )[ النّجم : الآيتان 3 ، 4 ] كنت لسانه قال اللّه على لسان عبده : سمع اللّه لمن حمده . وقدم هبة العقل على نصب النقل وتشريعه لأن العقل مناط التكليف .

( له المنّة ) المنّة بالضم القوة ، أي : له القوة على هبة العقل وإبداعه . ونصب النقل وتشريعه ، وبالكسر الإنعام أي : الإنعام والجود بذلك يقال منّ عليه منّا أنعم .

والمنان : اسم من أسماء اللّه وحينئذ يكون من قبيل قوله :بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ[ الحجرات : الآية 17 ] ( الطول ) أي الجود ( ومنه القوة والحول ) على استعمال ما وهبه والاهتداء بما نصبه وشرعه لأن المنّة له لا لغيره .

....................................................

الذاتية ؛ أو هو تعيّن المعلومات في العلم الأزلي . ( شرح فصوص الحكم ، مصطفى زادة الحنفي ، دار الكتب العلمية . وشرح فصوص الحكم ، مؤيد الدين الجندي ، بوستان كتاب قم ، مطبعة مكتب الإعلام الإسلامي ) . و ( كشاف اصطلاحات الفنون ، محمد التهانوي ، دار الكتب العلمية - بيروت ) .

 ( 1 ) وفي نسخة « له » .

( 2 ) الفيض المقدس : هو التجلّي الوجودي العيني ؛ أو وجود العوالم في أعيانها ؛ أو ثبوت الحروف ( المعلومات أو الأعيان الثابتة في العلم ) في ألواح الوجود وارتسامها بحسب ما تعيّنت في صفحة أم الكتاب العلمي الأنفس . ( شرح الفصوص ، الجندي ، بوستان كتاب قم ) . أو هو عبارة عن التجلّي الوجودي الموجب لظهور ما تقتضيه تلك الاستعدادات في الخارج ( كشاف اصطلاحات الفنون ، التهانوي ، دار الكتب العلمية - بيروت ) .

 

 

"51"

لا إله إلا هو ربّ العرش العظيم .

وصلّى اللّه على من أقام به أعلام الهدى ، وأنزله بالنور الذي أضلّ به من شاء وهدى « 1 » ، وعلى آله الأكرمين وأصحابه الطاهرين ، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين .

....................................................................

( لا إله ) يعبد ويقصد في السماوات والأرض ( إلا هو ) لأنه عين كل شيء « 2 » .

( رب العرش ) أي مالك العرش الذي هو عبارة عن الروح الكلي « 3 » المحيط بجميع الممكنات ، أو قلب الإنسان الكامل « 4 » المحيط بجميع الحقائق ، أو جسم محيط بعالم الأجسام ، أو مجموع العالم ( العظيم ) من حيث إحاطته .

( وصلّى اللّه ) من حيث أحدية « 5 » جمعه « 6 » ( على من أقام به أعلام الهدى ) بأجمعها لأنه مظهر « 7 » جميع الأسماء الجمالية « 8 » والجلالية « 9 » ، ولهذا كانت شريعته

......................................................

( 1 ) وفي نسخة : وهدى وسلّم .

( 2 ) يشير الشيخ عبد الكريم الجيلي رحمه اللّه تعالى إلى تحقّق السالك إلى اللّه تعالى بالآية الكريمة :فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ[ البقرة : الآية 115 ] ، أي وجوده . وبقوله تعالى :هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ[ الحديد : الآية 3 ] . وبقوله صلى اللّه عليه وسلم : « أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد : ألا كل شيء ما خلا اللّه باطل » . ( البخاري ، كتاب الأدب ، باب ما يجوز من الشعر . . . ) .

( 3 ) الروح الكلي هو : الملك المسمى في اصطلاح الصوفية بالحق المخلوق به والحقيقة المحمدية نظر اللّه تعالى إلى هذا الملك بما نظر به إلى نفسه ، فخلقه من نوره وخلق العالم منه ، وجعله محل نظره من العالم . ( الجيلي ، الإنسان الكامل ، الباب الحادي والخمسون » .

( 4 ) الإنسان الكامل : هو سيّدنا محمد صلى اللّه عليه وسلم ، قال الشيخ عبد الكريم الجيلي : « الباب الموفّى ستين :

في الإنسان الكامل وأنه محمد صلى اللّه عليه وسلم وأنه مقابل للحق والخلق . . . فهو الإنسان الكامل والباقون من الأنبياء والأولياء والكمّل صلوات اللّه عليهم ملحقون به لحوق الكامل بالأكمل ومنتسبون إليه انتساب الفاضل إلى الأفضل » . ( الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل ، ص 207 طبعة دار الكتب العلمية ) .

( 5 ) الأحدية : هي عبارة عن مجلى الذات ليس للأسماء ولا للصفات ولا لشيء من مؤثّراتها فيه ظهور ، فهي اسم لصرافة الذات المجردة عن الاعتبارات الحقيّة والخلقية ( الإنسان الكامل ، الجيلي ، طبعة دار الكتب العلمية ) .

( 6 ) أحدية الجمع : اعتبارها من حيث هي هي بلا إسقاطها ولا إثباتها بحيث يندرج فيها نسبة الحضرة الواحدية التي هي منشأ الأسماء الإلهية . ( اصطلاحات الصوفية ، القاشاني ) .

( 7 ) مظهر ، الجمع مظاهر : قال الجيلي : « بعض المظاهر لما رأت حكمها في الظاهر تخيلت أن أعيانها اتّصفت بالوجود فلما علمنا أن ثمّ في الأعيان الممكنات من هو بهذه المثابة من الجهل بالأمر تعيّن علينا من كوننا على حالنا في العدم مع ثبوتنا أن نعلم من لا يعلم من أمثالنا ما هو

 

 "52"

..................................................

أكمل الشرائع وأجمعها وأوسعها حيطة ، إذ قد جمعت بين التشبيه « 1 » والتنزيه « 2 » والتصريح والتنبيه ( و ) لهذا ( أنزله ) من رتبة ولايته إلى رتبة رسالته ( بالنور ) المسمى بالقرآن لأنه قرن بين الجلال « 3 » والجمال « 4 » واللطف « 5 » والقهر « 6 »

................................................

- الأمر عليه ، ولا سيما وقد اتّصفنا بأنّا مظهر فتمكنّا بهذه النسبة من الإعلام لمن لا يعلم فأفدناه ما لم يكن عنده فقبله فأعلمناه أنه ما استفاد وجودا بكونه مظهرا فتخلّى عن هذا الاعتقاد لا عن الوجود المستفاد ( الرسالة التي بين أيدينا : الإسفار عن رسالة الأنوار ) .

( 8 ) الأسماء الجمالية : من مراتب الوجود كاسمه الرحيم والسلام والمؤمن واللطيف إلى غير ذلك من الأسماء الجمالية ويلحق بها الأسماء الإضافية : وهي الأول والآخر والظاهر والباطن والقريب والبعيد . ( مراتب الوجود ، الجيلي ) .

( 9 ) الأسماء الجلالية : من مراتب الوجود كاسمه الكبير والعزيز والعظيم والجليل والماجد إلى غير ذلك من الأسماء الجلالية ( مراتب الوجود ، الجيلي ) .

 ( 1 ) التشبيه : عبارة عن صور الجمال ، لأن الجمال الإلهي له معان وهي الأسماء والأوصاف الإلهية ، وله صور وهي تجليات تلك المعاني فيما يقع عليه من المحسوس أو المعقول ، فالمحسوس كما في قوله : « رأيت ربي في صورة شاب أمرد » . ( كنز العمال ( 1152 ) والخطيب البغدادي 11 / 214 ) . والمعقول كقوله : « أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء » ( الإتحاف 9 / 169 و 221 ، وابن عساكر 5 / 22 ، وبنحوه أحمد 2 / 315 و 4 / 106 ) . وهذه الصورة هي المرادة بالتشبيه ، ولا شك أن اللّه تعالى في ظهوره بصورة جماله باق على ما استحقّه من تنزيه .

( الإنسان الكامل ، الجيلي ، طبعة دار الكتب العلمية ) .

( 2 ) التنزيه : عبارة عن انفراد القديم بأوصافه وأسمائه وذاته ، كما يستحقه من نفسه لنفسه بطريق الأصالة والتعالي . ( الإنسان الكامل ، الجيلي ، طبعة دار الكتب العلمية ) .

( 3 ) الجلال : عبارة عن ذاته بظهوره في أسمائه وصفاته كما هي عليه على الإجمال ( المرجع السابق ) .

( 4 ) الجمال : عبارة عن أوصافه العليا وأسمائه الحسنى وهو نوعان : الأول معنوي وهو معاني الأسماء الحسنى والأوصاف العلا وهذا النوع مختصّ بشهود الحق إياه . والنوع الثاني صوري وهو هذا العالم المطلق . . . فهو حسن مطلق إلهي ظهر في المجالي الإلهية وسمّيت تلك المجالي بالخلق . ( الإنسان الكامل ، الجيلي ، الباب الثالث والعشرون ) .

( 5 ) اللطف : هو تأييد الحق ببقاء السر ودوام المشاهدة وقرار الحال في درجة الاستقامة إلى حدّ أن قالت طائفة : إن الكرامة من الحق حصول المراد وهؤلاء أهل اللطف ( كشف المحجوب ، الهجويري ) .

( 6 ) القهر : هو تأييد الحق بإفناء المرادات ومنع النفس عن الرغبات من غير أن يكون لهم في ذلك مراد . وقالت طائفة : إن الكرامة هي أن الحق تعالى يردّه عن مراد نفسه إلى مراده ويقهره بغير مراده . ( كشف المحجوب الهجويري ) .

 

 "53"

مطلب في كيفية السلوك إلى ربّ العزّة تعالى

أجبت سؤالك أيها الوليّ الكريم والصفيّ الحميم في كيفية السلوك إلى ربّ العزّة تعالى ، والوصول إلى حضرته ، والرجوع به من عنده إلى خلقه من غير مفارقته .

..........................................................

والوحدة « 1 » والكثرة « 2 » وهو ( الذي أضل اللّه به من شاء ) من حيث إحاطته بالحقائق « 3 » الجلالية ( وهدى ) من حيث إحاطته بالحقائق الجمالية قال اللّه تعالى في حق القرآن :يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً[ البقرة : الآية 26 ] ( وعلى آله الأكرمين وأصحابه الطاهرين والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين ) .

( أجبت سؤالك أيها الوليّ الكريم والصفيّ ) أي المصافي في الودّ ( الحميم ) وهو قريب الرجل الذي يهتم لأمره .

....................................................

( 1 ) الوحدة : يعبّرون بها عن تعقّل الحق نفسه بنفسه وإدراكه لها من حيث تعينه . وهذه هي الوحدة الحقيقية الماحية للاعتبارات والأسماء والصفات والنسب والإضافات . ( لطائف الإعلام في إشارات أهل الإلهام ، القاشاني ) .

( 2 ) الكثرة : هي كثرة الأسماء والصفات ؛ أو هي صور النسب الأسمائية وحجابيتها التعددية . ( شرح فصوص الحكم ، الفص النوحي ، الجندي ) .

( 3 ) الحقائق : هي أسماء الشؤون الذاتية عندما تتصوّر وتتميّز في المرتبة الثانية ، فإن جميع الحقائق الإلهية والكونية إنما تكون شؤونا وأحوالا ذاتية من اعتبارات الواحدية مندرجة فيها ، في المرتبة الأولى على نحو ما بانت وتصوّرت في المرتبة الثانية ، فتسمى الشؤون في هذه المرتبة بالحقائق . فإنه لمّا كان الغالب على أحكام هذه المرتبة الثانية إنما هو حكم تميّزات الأبدية مع آثار ظلمة غيب إطلاق الأزلية لكون هذه المرتبة هي حضرة العلم الذاتي لا يطّلع عليه غير كنه الذات الأقدس تعالى صار ذلك موجبا ، لأن حقّت أحكام هذه المرتبة الثانية بكل شأن من تلك الشؤون ، فكانت تلك الأحكام كحقّه لذلك الشأن فصار ذا حق وحقيقة ، وتسمى عينا ثابتة وماهية . ( لطائف الإعلام في إشارات أهل الإلهام ، القاشاني ، دار الكتب المصرية بالقاهرة ) .

- الحقائق فعلى أربعة : حقائق ترجع إلى الذات المقدسة ، وحقائق ترجع إلى الصفات المنزّهة وهي النسب ، وحقائق ترجع إلى الأفعال وهي كن وأخواتها ، وحقائق ترجع إلى المفعولات وهي الأكوان والمكوّنات . وهذه الحقائق الكونية على ثلاث مراتب علوية وهي : المعقولات ، وسفلية وهي المحسوسات ، وبرزخية وهي المخيلات . ( الفتوحات المكية ، الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي ، دار الكتب العلمية - بيروت ) .

- الحقائق : هي المعاني القائمة بالقلوب وما اتّضح لها وانكشف من الغيوب وهي منح من اللّه وكرامات وبها وصلوا إلى البرّ والطاقات ودليلها قول النبي صلى اللّه عليه وسلم لحارثة كيف أصبحت مؤمنا حقّا الحديث . ( جامع الأصول في الأولياء ، أحمد الكمشخاوي ، المطبعة الوهبية ، مصر 1298 ه ) .

 

"53"

.......................................................

مطلب في كيفية السلوك إلى ربّ العزّة تعالى

( في كيفية السلوك إلى ربّ العزّة تعالى )

قال الشيخ رضي اللّه تعالى عنه :

السلوك عبارة عن الانتقال من منزل عبادة إلى منزل عبادة بالمعنى ، وانتقال بالصورة من عمل مشروع بطريق القربة إلى اللّه إلى عمل مشروع بطريق القربة إلى اللّه بفعل وترك ، فمن فعل إلى فعل ، ومن ترك إلى ترك ، أو من فعل إلى ترك ، أو من ترك إلى فعل ، وما ثم خامس للصورة . وانتقال بالعلم من مقام « 1 » إلى مقام ، ومن اسم إلى اسم ، ومن تجل إلى تجل ، ومن نفس إلى نفس ، والمنتقل هو السالك . والسالكون في سلوكهم أربعة أقسام : منهم سالك يسلك بربه ، وسالك يسلك بنفسه ، وسالك يسلك بالمجموع ، وسالك لا سالك . فيتنوع السلوك بحسب قصد السالك « 2 » ورتبته في العلم باللّه . فأما السالك الذي يسلك بربه ، فهو الذي يكون الحق سمعه وبصره وجميع قواه . والقسم الآخر السالك بنفسه ، وهو المتقرب إلى ربه ابتداء بالفرائض ونوافل الخيرات . وإن كانوا قد سمعوا هذا الخبر الإلهي واعتقدوه إيمانا ، ولكن ما حصل لهم هذا ذوقا ، فيكون الحق قواهم ، فهم السالكون بنفوسهم في جميع مراتب السلوك . وأما السالك بالمجموع ، فهو السالك بعد أن ذاق كون الحق سمعه وبصره ، وعلم سلوكه أولا بنفسه على الجملة من غير شهود نفسه على التعيين ، فلما علم أن الحق سمعه وعلم أن السامع بالسمع ما هو عين السمع ، ورأى ثبوت هذا الضمير وعاين على من عاد ، فعلم أن نفسه وعينه هي السميعة باللّه والناطقة باللّه والمتحركة باللّه والساكنة باللّه ، وأنها المخاطبة بالسلوك والانتقال فسلك بالمجموع . وأما القسم الرابع وهو سالك لا سالك ، فهو أنه رأى نفسه لا تستقل بالسلوك ما لم يكن الحق صفة لها ، ولا تستقل الصفة بالسلوك ما لم تكن نفس المكلف موجودة وتكون

.....................................................

( 1 ) المقام : هو الذي يقوم بالعبد في الأوقات مثل مقام الصابرين والمتوكلين وهو مقام العبد بظاهره وباطنه في هذه المعاملات والمجاهدات والإرادات ، فمتى أقام العبد في شيء منه على التمام فهو مقامه حتى ينتقل منه إلى مقام آخر . ( اللمع ، الطوسي ، دار الكتب العلمية - بيروت ) .

( 2 ) السالك : هو من ترقى في إرادته بالسلوك عن المقامات ولم يصل بعد إلى مقام المعرفة . فمرتبته فوق المريد ودون العارف . ولا يطلق السالك عند الطائفة ( الصوفية ) إلا على من مشى على المقامات بحاله لا بعلمه ، فكان العلم له عينا . ( لطائف الإعلام في إشارات أهل الإلهام ، القاشاني ، دار الكتب المصرية بالقاهرة ) .

 

"55"

……………………………………..

كالمحل لها ، فصدق له أنه سالك بالمجموع ، فإذا تبين له أنه بالمجموع ظهر السلوك ، بان له أن المظهر لا وجود له عينا ، وأن الظاهر تقيد بحكم استعداد المظهر ، ورأى الحق يقول :وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى[ الأنفال : الآية 17 ] . فمن وقف على هذا العلم من نفسه علم أنه سالك لا سالك . ثم اعلم أن السالكين الذين ذكرناهم على مراتب ؛ فمنهم السالك منه إليه ، وهو المنتقل من تجلّ إلى تجلّ . ومنهم السالك منه إليه فيه ، وهو السالك من اسم إلهي إلى اسم إلهي . ومنهم السالك منه لا فيه ولا إليه ، وهو الذي خرج من عند اللّه في الكون إلى الكون . ومنهم السالك إليه لا منه ولا فيه ، وهو الفار إليه في السلوك من الكون كفرار موسى عليه السلام . ومنهم السالك لا منه ولا فيه ولا إليه ، وهو المنتقل في الأعمال الظاهرة من الدنيا إلى الآخرة وهو الزاهد . انتهى كلام الشيخ رضي اللّه عنه .

أقسام الواصلين ( والوصول إلى حضرته ) حضرة الرجل قربه وفناؤه ، وحضرة اللّه عبارة عن أسمائه وصفاته . والوصول إلى اللّه من حيث الذات محال ومن حيث الأسماء واقع .

والواصلون على ثلاثة أقسام : القسم الأول وهو الأعلى هم الواصلون إلى الأسماء الذاتية « 1 » ، والقسم الثاني هم الواصلون إلى الأسماء الصفاتية « 2 » ، والقسم الثالث هم الواصلون إلى الأسماء الفعلية « 3 » ( والرجوع به ) أي باللّه لأنه من وصل إلى اللّه لا

...............................................

( 1 ) الأسماء الذاتية : هي التي لا يتوقف وجودها على وجود الغير وإن توقف على اعتباره وتعقّله ، كالعليم والقدير وتسمى الأسماء الأولية ، ومفاتيح الغيب ، وأئمة الأسماء . ( اصطلاحات الصوفية ، القاشاني ، تحقيق محمد كمال جعفر ، القاهرة ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ) .

والأسماء الذاتية عند الجيلي هي : اللّه والأحد والواحد والفرد والوتر والصمد والقدوس والحيّ والنور والحق ( الإنسان الكامل ، الباب الرابع والعشرون ) .

( 2 ) الأسماء الصفاتية : تنقسم عند الشيخ عبد الكريم الجيلي إلى أسماء صفاتية جلالية كالكبير والمتعال الخ . . . وإلى أسماء صفاتية جمالية كالعليم والرحيم والسلام والمؤمن الخ . . . وإلى أسماء صفاتية كمالية وهي المشتركة بين الجلال والجمال كالرحمن والملك والرب والمهيمن الخ . . . ( الإنسان الكامل ، الجيلي ، الباب الرابع والعشرون ) .

( 3 ) الأسماء الفعلية : من مراتب الوجود وتنقسم إلى قسمين : قسم هي الأسماء الفعلية الجلالية كاسمه المميت والضارّ والمنتقم وأمثالها ، وقسم هي الأسماء الفعلية الجمالية كالمحيي والرزّاق -

 

"56"

بأنه ما ثم في الوجود إلا اللّه وصفاته وأفعاله . فالكل هو وبه ومنه وإليه ، ولو احتجب عن العالم طرفة عين لفني العالم دفعة واحدة ، فبقاؤه بحفظه ونظره إليه .

......................................................................................

يفارقه ، لأن اللّه تعالى ما تجلى لشيء وانحجب عنه ( من عنده ) أي من عند اللّه ( إلى خلقه ) لتكميلهم وإرشادهم ودعوتهم إليه . اعلم أن الراجعين على ثلاثة أقسام : منهم من يرجع من عند اللّه إلى اللّه ، وهو الذي يرى الخلق عين الحق من حيث الأحدية .

ومنهم من يرجع من عند اللّه إلى خلق اللّه وهو الذي يفرق بينهما . ومنهم من يرجع من عند اللّه إلى المجموع وهو أكملهم . ورجوع الأول من اللّه إلى اللّه في اللّه ، والثاني من اللّه إلى الخلق في الخلق ، والثالث من اللّه إلى المجموع في المجموع ، ورجوع هذه الأقسام الثلاثة ( من غير مفارقته ) أي اللّه لأنهم شهدوا سريان الوجود في الحقائق فجزموا .

( بأنه ما ثم في الوجود ) أي العالم ( إلا ) ذات ( اللّه ) التي هي عبارة عن الوجود البحت المطلق المتعين بحقائق الأكوان ( وصفاته الظاهرة ) بواسطة تعيناته « 1 » أو التي هي نفس تعيناته ( وأفعاله ) الصادرة عن صفاته . وإذا كان الأمر على هذا ( فالكل ) أي جميع ما سوى اللّه ( هو ) من حيث الظهور ( وبه ) قائمون ( ومنه ) يصدرون ( وإليه ) يرجعون قال تعالى وإليه يرجع الأمر كله ( و ) من علم هذا علم أنه ( لو احتجب ) الحق من حيث أسماؤه التي توجهت على إيجاد العالم وخفيت بالوجود عينه ( عن العالم ) الذي ظهر في الحق ظهور الصورة في المرآة ( طرفة عين لفني العالم دفعة واحدة ) وإذا ثبت أن وجود العالم بالحق ( فبقاؤه ) أي بقاء العالم لا يكون إلا ( بحفظه ) أي بحفظ الحق ( ونظره إليه ) نظر لطف ورحمة .

- والخلّاق إلى غير ذلك من الأسماء الفعلية الجمالية . ( مراتب الوجود وحقيقة كل موجود ، الجيلي ، مكتبة القاهرة ) .

........................................................

( 1 ) التعينات : التشخصّات أو مظاهر شؤون الذات المسماة أسماء وصفات . والتعيّنات هي المرتبة الثانية من مراتب الذات وهي الرتبة التي تظهر فيها الأشياء وتتميّز ظهورا ، وتميزا علميّا ، ولهذا تسمى هذه الحضرة بحضرة المعاني وبعالم المعاني وهذا التعيّن الثاني هو صورة التعيّن الأول الذي يعنون به الوحدة التي انتشت عنها الأحدية والواحدية ، وهي أول رتب الذات وأول اعتباراتها . ( معجم اصطلاحات الصوفية ، د . أنور أبو خزام ، مكتبة لبنان ) . و ( لطائف الإعلام ، القاشاني ، مادة [ التعين ] ، دار الكتب المصرية بالقاهرة ) .



 

 "57"

...................................................

مطلب شهودهم على وجهين اعلم أن أهل اللّه شهدوا ظهور العالم على وجهين ثابتين الواحد أن الحق مرآة « 1 » الخلق ، فالخلق نظروا نفوسهم ببصر الحق في مرآة الحق وهو الناظر نفسه منهم . والثاني أن الخلق مرآة للحق ، فهو يظهر لهم بصور استعداداتهم « 2 » ويبصر نفسه فيهم بصورهم . وعلى كلا الوجهين لو احتجب الحق عن العالم لفني من حينه دفعة واحدة ، فعدم احتجابه من هذا الوجه لطف بالعالم ورحمة به ، ومن وجه آخر احتجابه عن العالم هو سبب ظهور العالم ، ورد « إن للّه سبعين ألف حجاب من نور » « 3 » وهي الأسماء الثبوتية « 4 » وظلمة وهي الأسماء السلبية « 5 » « لو كشفها لأحرقت

........................................................

( 1 ) مرآة : المرآة عند المحبوب أحبّ شيء لديه وأعزّ مرغوب إليه فاعلم أننا ما جئنا إلى هذا العالم إلا لأخذ المرآة منه وهي القلب السليم ، إذ لا ينفع هناك لا مال ولا بنون سواه ، كما أخبر به الكتاب الكريم . ومن المعلوم أن المرآة لا تري إلا إذا كان لها وجهان : وجه لطيف ووجه كثيف ، وهذا هو السبب في تنزّل لطائف القلوب والأرواح إلى كثائف النفوس والأشباح ، فلا توجد هذه المرآة إلا في هذا العالم وهو قلب ابن آدم الذي له وجهان : لطيف غيبي وكثيف شهادي . ( موسوعة مصطلحات التصوف الإسلامي ، د . رفيق العجم ، مادة مرآة ) .

( 2 ) استعداد : هو أحكام العين الثابتة في العلم الأزلي ، وكل معلومة يظهرها اللّه تعالى في عالم الشهادة حسب استعدادها الأزلي أي حسب أحكامها التي علمها اللّه تعالى عنها ثم أوجدها في الدنيا وفي العوالم الأخرى على وفق ما علمها . وقال مؤيد الدين الجندي في شرح الفصوص :

« الاستعداد حصول التهيّؤ والصلاحية والقابلية فهو مستلزم ظهور صورة الناظر في المنظور فيه ، وهي لا تحصل للمظهر إلا بالفيض الذاتي الذي قبله قبل التسوية القابلة لظهور صورة الحق فيه ( فص حكمة إلهية في كلمة آدمية ) .

( 3 ) الزبيدي ( إتحاف 2 / 72 ، 5 / 137 ، طبعة تصوير بيروت ) . والعراقي ( المغني عن حمل الأسفار 1 / 101 ، عيسى الحلبي ) . والشوكاني ( الفوائد المجموعة 450 ، طبعة السنة المحمدية ) .

( 4 ) الأسماء الثبوتية ، أي والصفات تنقسم إلى موجودة وغير موجودة ، والموجودة هي صفات المعاني وتسمى صفات الذات والصفات الوجودية وهي كالقدرة والإرادة والعلم والحياة والسمع والبصر والكلام . وغير الموجودة هي الصفات المسماة حالا ، فإن لازمت صفة معنى سمّيت حالا معنوية ، ككونه قادرا مريدا الخ . . . ، وإن لم تلازم معنى قائما بالذات سمّيت حالا نفسية كالوجود . ( عون المريد لشرح جوهرة التوحيد ، عبد الكريم تتان وأديب الكيلاني ، دار البشائر ) . و ( عقد اللآلي في شرح بدء الأمالي ، محمد الملا الأحسائي ، تحقيق د . عاصم الكيالي ، جامعة بيروت الإسلامية ) .

(5) الأسماء السلبية أو الصفات السلبية:هي التي تسلب أي تنفي أمرا لا يليق بالمسمّى وهي أسماء

"58"

غير أنه من اشتد ظهوره في نوره بحيث تضعف الإدراكات عنه يسمى ذلك الظهور حجابا .

........................................

سبحات وجهه » « 1 » وهي أنوار التنزيه الذاتي « كل ما أدركه بصره » « 1 » . فمن هذا الوجه احتجابه عن العالم لطف ورحمة ، فشدة ظهوره بالأسماء سبب بطونه بالذات ، وإلى هذا أشار الشيخ بقوله : ( غير أنه من اشتد ظهوره في نوره كالشمس مثلا بحيث تضعف الإدراكات ) الكونية ( عنه يسمى ذلك الظهور حجابا ) « 2 » وهو في الحقيقة ظهور . واعلم أن ظهور الأسماء هو في الحقيقة ظهور الذات لأنها أي الأسماء أمور عدمية والظهور وجودي ، وبطون الذات هو عين ظهور الأسماء ، فظهور الحق عين بطونه وبطونه عين ظهوره من حيثية واحدة لأنه واحد من جميع الوجوه . قال الشيخ رضي اللّه عنه : فعين أوليته عين آخريته ، وعين ظاهريته عين باطنيته ، وإليه كان يشير الخراز بقوله : عرفت اللّه بجمعه بين الضدين ثم يتلو :هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ[ الحديد : الآية 3 ] فافهم . وشدة ظهور الحق إنما هو تغيبه بالكثرات « 3 » ، وذلك عين عدمية أي ليست بموجودة في الخارج . وسمّيت بهذا الاسم لأنها تعرف وتفسّر بالسلب والنفي والعدم كقولنا معنى القديم أو القدم : لا أول لوجوده تعالى ، يعني : أن معنى كل اسم أو صفة من الأسماء والصفات السلبية عدم أمر لا يليق بمولانا جلّ وعزّ وليس معناها صفة موجودة في نفسها كالعلم والقدرة ونحوهما من سائر صفات المعاني فالقدم معناه سلب العدم السابق للوجود وهكذا بقيت الصفات السلبية .

..................................................

( 1 ) هذا الحديث سبق تخريجه .

( 2 ) الحجاب : هو حائل يحول بين الشيء المطلوب المقصود وبين طالبه وقاصده . وهو انطباع الصور الكونية في القلب المانعة لقبول تجلّي الحقائق . قال محمد التهانوي في كشاف اصطلاحات الفنون : « اعلم أن الحجاب الذي يحتجب به الإنسان عن قرب اللّه إما نوراني وهو نور الروح ، وإما ظلماني وهو ظلمة الجسم . والمدركات الباطنة من النفس والعقل والسر والروح الخفي كل واحد له حجاب ، فحجاب النفس الشهوات واللذّات والأهوية ، وحجاب القلب الملاحظة في غير الحق وحجاب العقل وقوفه مع المعاني المعقولة ، وحجاب السر الوقوف مع الأسرار وحجاب الروح المكاشفة ، والحجاب الخفي العظمة والكبرياء ، والحجاب الظلماني هو مثل البطون والقهر والجلال وجملة الصفات الذميمة أيضا ، والحجاب النوراني يعني ظهور اللطف والجمال وجميع الصفات الحميدة أيضا » . ( 1 / 4 ، 376 ، دار الكتب العلمية ) .

( 3 ) هي صور وظلالات للاعتبارات المندرجة في الوحدة تعينا تاليا لها . فذلك هو التعيّن الثاني لا محالة فجميع الأسماء الإلهية المنتمي إليها التأثير والفعل وجميع الشؤون والاعتبارات المندرجة -

"59"

مطلب في السلوك إلى اللّه

فأول ما أبينه لك وفقك اللّه ، كيفية السلوك إلى اللّه ، ثم كيفية الوصول والوقوف بين يديه والجلوس في بساط مشاهدته ، وما يقوله لك ، وكيفية الرجوع من عنده إلى حضرة أفعاله به وإليه والاستهلاك فيه ، وهو مقام دون الرجوع .

.............................................................

خفاء الوحدة « 1 » ، فلو احتجب عن العالم بهذا الوجه لفني العالم لأنه عين الكثرة ، ولو لم يحتجب من حيث الوحدة بالكثرة لفني العالم أيضا ، فالوحدة حجاب الكثرة والكثرة حجاب الوحدة ، وفي ذلك يقول خاتم الولاية رضي اللّه عنه :فخفاؤه من أجلنا وظهوره * من أجله والرمز في الأفياء

كخفائنا من أجله وظهورنا * من أجلنا فسناه عين ضياءمطلب في السلوك إلى اللّه قال الشيخ : ( فأول ما أبينه ) وأكشفه ( لك ) أيها الولي الكريم والصفي الحميم ( وفقك اللّه ) للعلم والعمل ( كيفية السلوك إلى اللّه ) وقد لوحنا بشيء من ذلك ( ثم كيفية الوصول إليه والوقوف بين يديه ) وهما صفات الجلال والإكرام . والوقوف بينهما عبارة عن الكمال « 2 » وهي البرزخية الكبرى « 3 » ( والجلوس في بساط مشاهدته ) « 4 » وهو

في الوحدة مجملة وحدانية فإنها تصير مفصلة متميزة في هذا التعين الثاني الذي يسمى بالمرتبة الثانية وتسمى هذه المرتبة بمرتبة الألوهية ، وبالنفس الرحماني وبعالم المعاني وبحضرة الارتسام وبحضرة العلم الأزلي وبالحضرة العمائية وبالحقيقة الإنسانية الكمالية وبحضرة الإمكان . ( لطائف الإعلام مادة التعين الثاني ) .

...............................................................

( 1 ) الوحدة : يعبّرون بها عن تعقل الحق نفسه بنفسه ، وإدراكه لها من حيث تعينه وهذه هي الوحدة الحقيقية للاعتبارات والأسماء والصفات والنسب والإضافات . ( لطائف الإعلام ، القاشاني ، مادة ( الوحدة ) ) . وتسمى هذه الوحدة أيضا : بالتعين الأول . ( انظر معنى التعينات ) .

( 2 ) الكمال : عبارة عن ماهيته وماهيته غير قابلة للإدراك والغاية فليس لكماله غاية ولا نهاية ، فهو سبحانه وتعالى يدرك ماهيته ويدرك أنها لا تدرك . . . لأنه لا يدرك إلا ما يتناهى وهو ليس له نهاية ، فإدراك ما ليس له نهاية محال ، فإدراكه لماهيته حكمي لاستحقاقه شمول العلم وعدم الجهل بنفسه لا أنه قبلت ماهيته الإدراك بوجه من الوجوه . ( الإنسان الكامل ، الجيلي ، الباب الخامس والعشرون ، دار الكتب العلمية ) .

( 3 ) البرزخية الكبرى : هي البرزخية الأولى وهي النسبة السوائية بين الأحدية والواحدية ، فإن نسبة الأحدية المسقطة للاعتبارات ونسبة الواحدية المثبتة لجميعها إليها على السواء ، فلهذا سميت بالنسبة السوائية وهي أول النسب ، ولهذا سميت بالأولى وبالكبرى إذ لا نسبة تعلوها . ( لطائف الإعلام ، القاشاني ، دار الكتب المصرية 1 / 280 ) .

( 4 ) المشاهدة : رؤية الحق ببصر القلب ( أي بالبصيرة ) من غير شبهة كأنه رآه بالعين ( معجم -

"60"

[مطلب في بيان أن الطرق شتى وطريق الحق مفرد]

فاعلم أيها الأخ الكريم أن الطرق شتى والطريق إلى الحق مفرد .

والسالكون طريق الحق أفراد ، ومع أن طريق الحق واحد ، فإنه تختلف وجوهه بحسب اختلاف سالكيه ، من اعتدال المزاج وانحرافه ، وملازمة الباعث ومغيبه ، وقوة روحانيته وضعفها ، واستقامة همته وميلها ، وصحة توجهه وسقمه .

فمنهم من تجمع له ، ومنهم من يكون له بعض هذه الأوصاف .

.................................................................

ساحة القلب للواصل الراجع والروح للمستهلك ( وما يقوله لك ) ويخاطبك به في سرّك ( وكيفية الرجوع من عنده إلى حضرة أفعاله به وإليه ) وأبين لك ( الاستهلاك فيه ) أي في الحق ( وهو ) أي الاستهلاك ( مقام دون الرجوع ) لأن الاستهلاك فناء لا يحس معه بتنوعات ظهورات الذات واختلاف تنزلاتها في حضرات الأسماء الذي هو من خواص البقاء بعد الفناء وهو العلة الغائية من الظهور والإظهار والمعرفة المحبوبة التي لأجلها خلق العالم .

مطلب في بيان أن الطرق شتى وطريق الحق مفرد ( فاعلم أيها الأخ الكريم أن الطرق ) الموصلة إلى الأكوان أو الأسماء والمخترعة التي اخترعتها العقلاء ( شتى ) متعددة مختلفة ( والطريق ) الموصل ( إلى ) ذات ( الحق ) من حيث الأسماء ( مفرد ) معزول عن سمات تلك الطرق لا يشبهها بوجه من الوجوه لأحديّته من ليس كمثله شيء ، وواحد لأحدية الغاية وهو الذي أشار إليه صلى اللّه عليه وسلم حين خط بيده خطّا في الأرض هكذا « 1 » وتلا :وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ[ الأنعام : الآية 153 ] .

( والسالكون ) من الناس ( طريق الحق أفراد ) آحاد معدودون متفردون عنهم بصفات اختصوا بها دون غيرهم ، فهم على صفة الطريق والطريق على صفة الغاية ،

المصطلحات الصوفية ، أبو خزام ، مكتبة لبنان ) . وقال القاشاني : هي رؤية الحق من غير تهمة .

وتطلق على رؤية الأشياء بدلائل التوحيد ، وتطلق بإزاء التوحيد ، وتطلق بإزاء رؤية الحق في الأشياء ، وتطلق بإزاء حقيقة اليقين من غير شك . ( لطائف الإعلام ، القاشاني ، 2 / 306 ) .

.......................................

( 1 ) ونص الحديث هو كما رواه أحمد في المسند : « عن عبد اللّه بن مسعود قال : خطّ لنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خطّا ثم قال : « هذا سبيل اللّه » ، ثم خطّ خطوطا عن يمينه وعن شماله ، ثم قال : « هذه سبل » ، قال يزيد : متفرقة ، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه ، ثم قرأ : « إن هذا صراطي مستقيما ، فاتبعوه ، ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله » . ( 1 / 563 ، حديث رقم 4141 ، طبعة دار الكتب العلمية - بيروت ) .

"61"

 

فقد يكون مطلب الروحانية شريفا ، ولا يساعده المزاج ، وكذلك حكم ما بقي .

...................................................................

لا بل هم على صفة الغاية والطريق على صفتهم ( ومع أن طريق الحق واحد ) بالشخص لا تعدد فيه ( فإنه تختلف وجوهه بحسب اختلاف سالكية ) كما أن الحق الذي هو غايته واحد بالذات ، وتختلف وجوه تجلياته بحسب اختلاف صفاته ، وما اختلفت وجوه الطريق الواحد إلا ( من ) أجل اختلاف السالكين في ( اعتدال المزاج ) فإنه إذا اعتدل سلمت النفس من غوائل الأفكار الردية والآراء الذميمة والاتصاف بسفاسف الأخلاق ، فكانت ذات نعمة وسرور في سفرها ، محمولة على مركب جيد مطواع سريع السير ، يقرب البعيد ولا يبعد القريب ولا يحيد بصاحبه عن سواء السبيل فليتبعه ( وانحرافه ) وإذا انحرف أدى إلى خلاف ذلك ، فكانت الطريق إلى خلاف ذلك ، فكانت الطريق في حق صاحبه بعيدة وعرة ( وملازمة الباعث ومغيبه ) فإن الباعث على السلوك إذا لازم السالك هوّن عليه عقبات الطريق ، وإذا غاب عنه صعبت عليه . فالعاشق الصّبّ لا تبعد عليه ديار محبوبه ، وإن كانت بعيدة قرّبها الوجد والشوق ( وقوة روحانيته ) ، أي روحانية السالك ( وضعفها ) وذلك أن الروحانية إذا كانت ضعيفة غلبت أحكام الحيوانية على السالك ، فكانت الطريق في حقه مظلمة مخوفة هائلة أجنبية ، فربما وقف في أثنائها وربما وقف في بدايتها ، وإذا كانت قوية كانت أحوال السالك على خلاف ذلك وخذ على هذا القياس ( واستقامة همته ) أي همة السالك وميلها ( وصحة توجهه وسقمه فمنهم ) أي من السالكين من تجتمع له هذه الأوصاف الذميمة ، فتحول بينه وبين السلوك ، أو مقابلاتها فتعينه عليه ( ومنهم من يكون له بعض هذه الأوصاف ) الذميمة أو ما يقابلها فيكون من المتوسطين .

وإذا كان الأمر على ما ذكرناه ( فقد يكون مطلب الروحانية شريفا ولا يساعده المزاج ) لعدم استعداده وقبوله ما تريده الروحانية فيكون صاحبه بمثابة مريض ذهبت قوته ، فهو لا يقدر على القيام والكلام ، وهو يريد أداء الصلاة والسعي إلى القربات ، وبث الحقائق الإلهيات ، فلا يقدر على ذلك بل هو كزمن عديم الأسباب وهو يريد السياحة في العالم للاعتبار ( وكذلك حكم ما بقي ) من الأوصاف التي تماثل ما ذكرناه .

اعلم أن طريق الأنبياء إنما اختلفت من حيث الفروع ، واختلاف الفروع من اختلاف الأمزجة ، واختلاف الأمزجة باختلاف الأعصار ، واختلاف البواعث لاختلاف

"62"

[مطلب ما يتعيّن علينا]

فأول ما يتعين علينا أن نبينه لك ، معرفة أمهات المواطن ، ما تقتضي مما أريد منها ههنا .

..................................................

الأمزجة ، فالطريق في الحقيقة واحد ووجوهه مختلفة ، ولكل نبي ورسول في كل عصر وجه على حسب حقيقته وحقائق أمته ، ورسول كل أمة مجموع تلك الأمة ، ولرسولنا صلى اللّه عليه وسلم جميع الوجوه لأنه مجموع العالم ، ولهذا بعث إلى الأسود والأحمر ونسخت شريعته جميع الشرائع وطريق الأنبياء من حيث الأصول واحد لا تعدد فيه بوجه من الوجوه البتّة ، وأعلم أنه إنما اختلفت الشرائع لاختلاف النسب الإلهية ، لأنه لو كانت النسبة الإلهية لتحليل أمر ما في شرع عين النسبة لتحريم ذلك الأمر بعينه لما صح تعين الحكم ، وإنما اختلفت النسب لاختلاف الأحوال ، ففي حالة المرض يقول : يا معافي ، وفي حالة الجوع يقول : يا رزاق ، وإنما اختلفت الأحوال لاختلاف الأزمان ، فإن أحوال الخلق سبب اختلافها اختلاف الزمان عليها ، فحالها في الربيع يخالف حالها في الصيف ، وحالها في الصيف يخالف حالها في الخريف ، وحالها في الخريف يخالف حالها في الشتاء ، وحالها في الشتاء يخالف حالها في الربيع ، وإنما اختلفت الأزمان لاختلاف الحركات الفلكية ، وإنما اختلفت الحركات لاختلاف التوجّهات ، أي توجهات الحق على إيجاد الأفلاك فلو كان التوجه واحدا عليها لما اختلفت الحركات ، فدل أن التوجه الذي حرك القمر في فلكه غير التوجه الذي حرك الشمس ، وهكذا جميع حركات الأفلاك ، وإنما اختلفت التوجهات لاختلاف المقاصد ، فلو كان قصد الحركة القمرية بذلك التوجهات عين الحركة الشمسية بذلك التوجه لم يتميز أثر عن أثر ، والآثار مختلفة بلا شك ، وإنما اختلفت المقاصد لاختلاف التجليات ، فإن التجليات لو كانت في صورة واحدة من جميع الوجوه لم يصح أن يكون لها سوى قصد واحد ، وقد ثبت اختلاف المقاصد ، وإنما اختلفت التجليات لاختلاف الشرائع ، فإن لكل شريعة طريق موصلة إليه وهي مختلفة ، فلا بد أن تختلف التجليات ، وقد تقدم أن علة اختلاف الشرائع هي اختلاف النسب ، وصار الأمر دوريّا أي شيء أخذته صلح أن يكون أولا وآخرا ووسطا هكذا قال الشيخ رضي اللّه عنه .

مطلب ما يتعيّن علينا ( فأول ما يتعين علينا أن نبينه لك معرفة أمهات المواطن ) وكلياتها لا جزئياتها ، لأنها لا تنحصر حتى نعرف من أين جئت وأين أنت وإلى أين تذهب ، فتعرف ما

 

 

"63"

والموطن عبارة عن محل أوقات الوارد ، الذي يكون فيه ، وينبغي لك أن تعرف ما يريده الحق منك في ذلك الموطن ، فتبادر إليه من غير تثبط ولا كلفة .

.....................................................

يقتضيه كل واحد منها لنفسه بنفسه أو بغيره أو بهما ، وبغيره بنفسه أو بغيره أو بهما على سبيل الإجمال ، فتستعد لمعاملة الموطن الذي أنت فيه بما هو أهله ، وللموطن الذي تنتقل إليه بتحصيل ما يراد له مما أمكن تحصيله في الموطن الذي أنت ( فيه ) وأبين ( ما تقتضي ) هذه المواطن ( مما أريد منها ) أي من المواطن ( ههنا ) أي في الموطن الذي أنت فيه الآن لا مطلقا ، فإن ذلك لا يحصل لك إلا إذا انتقلت إليها ، فلا فائدة في ذكره ، لأن الذي ينبغي للسالك مبادرة الأهم فالأهم ومراعاة كل موطن بما يستحقه لنفسه ، لأن السالك إذا انتقل من موطن وقد فاته فيه ما كان ينبغي له أن يحصله هنالك ، فإنه لا يقضيه أبدا ويؤدي ذلك إلى نقصانه سرمدا ، ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ، والوقت سيف قاطع إن لم تقطعه قطعك ، والصوفي ابن وقته ، والماضي لا يعاد .

واعلم أن العالم في كل آن ينعدم لقهر الأحدية وغلبتها على الكثرة ويوجد مثله لحكم المحبة الذاتية فإن وجوده آن عدمه ، فالظاهر يقضي على الباطن الأول بالظهور فيوجد العالم ، والباطن الآخر يقضي على الظاهر الأول بالبطون فينعدم العالم ، ثم يرجع الحكم إلى الظاهر وهكذا إلى ما لا نهاية له ، وهذا هو المسمى بالخلق الجديد والامتداد المتوهم من سيلان الأمثال ، هو الزمان والحركة مكياله ، فكل ما سوى اللّه زماني ، وإذا استحال بقاء المحدث أزيد من آن كان كل محدث ابن وقته لا غيره ، فهو لازم لوقته ووقته لازم له بل هو عينه ويستحيل انتقاله عن وقته ، فوقته وطنه والأوقات لا نهاية لها ، فالمواطن لا نهاية لها واعلم أن تجدد الأمثال هو أن يعدم الشيء ويعقبه مثله بياض يعدم وبياض يوجد ، وإذا عدم وأعقبه ضده فذلك تغير الخلقة بياض يعدم وسواد يوجد ، وإذا كان وطن الأمثال أوقاتها ، كان وطن أوقاتها الصور التي تتجدد الأمثال عليها ، فالمواطن الكلية التي بالنسبة إلى جميع المواطن كالأمهات عبارة عن هذه الصور ، ولهذا قال الشيخ :

( والموطن عبارة عن محل أوقات الوارد ) أي القادم من العدم إلى الوجود بالخلق الجديد ، وهذا المحل هو ( الذي يكون فيه ) الوارد حالة حدوثه فافهم ، فإنه دقيق ( وينبغي لك ) أيها الطالب بعد معرفتك بالموطن ( أن تعرف ما يريده الحق منك في ذلك الموطن ) الذي أنت حال فيه ( فتبادر إليه ) وتأتي به على أحسن الوجوه ( من غير تثبط ) أي تشاغل

 

"64"

[ مطلب في المواطن ]

والمواطن وإن كثرت ، فإنها ترجع إلى ستة ؛

[ مطلب الموطن الأول ]

الأول : موطنأَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ[ الأعراف : الآية 172 ] وقد انفصلنا عنه بوجودنا العنصري .[ مطلب الموطن الثاني ]

مطلب الموطن الثاني : موطن الدنيا التي نحن الآن فيها .

..............................................................

بأمر يعيقك عنه فإن ذلك يؤدي إلى هلاكك ، ( ولا كلفة ) تجدها في نفسك لصعوبة ما يطلبه الحق منك ، فإن ذلك يؤدي إلى تهاونك وتكاسلك عن الإتيان به على الفور .

مطلب في الموطن الأول ( والمواطن ) التي وعدناك أن نعرفك بها ( وإن كثرت ) من حيث جزئياتها وخرج إحصاؤها عن الطاقة البشرية ( فإنها ترجع ) من حيث الإجمال إلى ( ستة ) مواطن الموطن ( الأول : موطن الست بربكم ) وهو الذي كنت فيه قبل وجودك العنصري في صورة الذّرّ مع زمرة الأرواح ، وعلمت ما يطلبه الحق منك فيه ، حين أعلمك من حيث أنه عينك بمحض الجود والمنّة ، فبادرت إلى الإتيان به على الفور ، ولم تتوقف لأنه أراده وطلبه بلا واسطة وحكم إرادته لا يرد خصوصا إذا قارنه الطلب برفع الوسائط والذي طلبه منك في ذلك الموطن الإقرار بربوبيته

قال تعالى : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى [ الأعراف : الآية 172 ]

وهنا سرّ لطيف يعرفه من اطّلع على حقيقة المكلّف والمكلّف والتكليف ، ثم لما نزلت من أوج عالم الأرواح إلى حضيض عالم الأجسام ، نسيت ذلك الموطن وما جرى لك فيه ، هذا وإن توجهت إلى اللّه بالسير والسلوك ستذكر ذلك إن شاء اللّه تعالى ،

وتقول إذ ذاك كما قال الخاتم المحمدي رضي اللّه عنه شعرا :

شهدت له بالملك قبل وجودنا * على ما تراه العين في قبضة الذر

شهود اختصاص أعقل الآن كونه * ولم أك في حال الشهادة في زعر

لقد كنت مبسوطا طريقا مسرحا * ولم أك كالمحبوس في قبضة الأسر

وقد أشار الشيخ رضي اللّه تعالى عنه إلى الانفصال عن هذه المواطن بقوله :

 

(وقد انفصلنا عنه بوجودنا العنصري ) .

مطلب الموطن الثاني ( والموطن الثاني موطن الدنيا التي نحن الآن فيها ) والدنيا عند الشيخ من مقعر فلك الثوابت إلى وجه الأرض .

 

"65"

[مطلب الموطن الثالث ]

والثالث : البرزخ الذي نصير إليه بعد الموت الأصغر والأكبر .

.......................................................................

مطلب الموطن الثالث والموطن ( الثالث ) هو ( البرزخ ) الحائل بين الدنيا والآخرة ، قال الشيخ رضي اللّه تعالى عنه : اعلم أن البرزخ عبارة عن أمر فاصل بين أمرين ، كالخط الفاصل بين الظل والشمس ، وكقوله تعالى في اختلاط البحرين :بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ ( 20 )[ الرّحمن : الآية 20 ].

 

ومعنى لا يبغيان أي لا يختلط أحدهما مع الآخر لهذا الحاجز الذي فصل بينهما ، ولا يدركه حسّ البصر ، فإذا أدركه فليس ببرزخ ، ولمّا كان البرزخ بين معلوم ومجهول ، ومعدوم وموجود ، ومنفي ومثبت ، ومعقول وغير معقول ، سمّي برزخا ، وهو الخيال ، فإنك وإن أدركته ، وكنت عاقلا تعلم أنك أدركت شيئا وجوديّا وقع بصرك عليه ، وتعلم قطعا أنه ما ثم شيء جملة واصلا ، فما هو هذا الذي أثبت له شيئية ونفيتها عنه في حال إثباتك إياها ، فالخيال لا موجود ولا معدوم ، ولا معلوم ولا غير معلوم ، ولا منفي ولا مثبت وإلى مثل هذه الحقيقة يصير الإنسان في نومه وبعد موته ، فيرى الأعراض صورا قائمة متجسّدة ، ولا يشك فيها ، والمكاشف يرى في يقظته ما يراه النائم في حال نومه ، وما يراه الميت بعد موته ، ثم أن الشارع وهو الصادق سمى هذه الحضرة البرزخية التي تنتقل إليها بعد الموت ونشهد نفوسنا فيها بالصور والناقور ، وهو جمع صورة فينفخ في الصور وينقر في الناقور ، وهو بعينه اختلفت عليه الأسماء .

مطلب في بيان الصور اعلم أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لما سئل عن الصور ما هو فقال عليه الصلاة والسلام : « هو قرن من نور ألقمه إسرافيل » « 1 » ، فأخبر أن شكله شكل القرن ، فوصفه بالسّعة والضيق ، فإن القرن واسع ضيق ، وهو عندنا على خلاف ما يتخيله أهل النظر في الفرق بين ما هو أعلى القرن وأسفله ، ونذكره إن شاء اللّه . فاعلم أن سعة هذا القرن لا شيء أوسع منه ، وذلك أنه يحكم بحقيقته على كل شيء وعلى ما ليس بشيء ، ويصوّر العدم المحض والمحال والواجب والإمكان ، ويجعل الوجود عدما والعدم وجودا ، وفيه يقول النبي صلى اللّه عليه وسلّم : « اعبد اللّه كأنك

.............................................

( 1 ) رواه أبو داود في سننه ، كتاب السنة ، باب ذكر البعث والصور ، حديث رقم ( 4742 ) . ورواه أحمد في المسند عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص ، حديث رقم ( 6514 ) . ورواه غيرهما .

 

 

"66"

........................................................

تراه » ، « 1 » ، أي : تخيّله في قلبك وأنت تواجهه لتراقبه وتستحي منه وتلزم الأدب معه في صلاتك ، فقد صور الخيال ما تستحيل عليه الصورة والتصوّر ، فلهذا كان واسعا ، وأما ما فيه من الضيق فإنه ليس في وسع الخيال أن يقبل أمرا من الأمور الحسية والمعنوية والنسب والإضافات وجلال اللّه وذاته إلا بالصورة ، ولو رام أن يدرك شيئا من غير صورة لم تعط حقيقته ، ذلك لأنه عين الوهم لا غيره ، فمن هنا هو ضيق في غاية الضيق ، فإنه لا يجرد المعاني عن المواد أصلا ، ولهذا كان الحس أقرب شي إليه ، فإنه من الحس أخذ الصور وفي الصور الحسية تجلّي المعاني ، فهذا من ضيقه ، وإنما كان هذا أي ضيقا حتى لا يتّصف بعدم التقيّد وبإطلاق الوجود وبالفعال لما يريد إلا اللّه تعالى وحده ليس كمثله شيء ، فالخيال أوسع المعلومات ومع هذه السعة العظيمة التي يحكم بها على كل شيء قد عجز أن يقبل المعاني مجردة عن المواد كما هي في ذاتها ، فيرى العلم في صورة لبن وخمر ولؤلؤ ، ويرى الإسلام في صورة قبة وعامود ، ويرى القرآن في صورة عسل وسمن ، ويرى الشرع في صورة قيد ، ويرى الحق في صورة إنسان ، فهو الواسع الضيق واللّه واسع على الإطلاق . وأما كون القرن من نور فإن النور سبب الكشف والظهور ، إذ لولا النور ما أدرك البصر

................................................

( 1 ) رواه البخاري في صحيحه ، كتاب الإيمان ، باب سؤال جبريل النبي صلى اللّه عليه وسلم عن الإيمان . . . ، حديث رقم ( 50 ) . ورواه مسلم في صحيحه ، كتاب الإيمان باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان . . . ، حديث رقم ( 1 - 8 ) . ورواه غيرهما . ولفظ رواية مسلم هو : عن عبد اللّه بن عمر قال : حدّثني أبي عمر بن الخطاب ، قال : بينا نحن عند رسول اللّه ذات يوم ، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب ، شديد سواد الشعر ، لا يرى عليه أثر السفر ، ولا يعرفه منّا أحد ، حتى جلس إلى النبي ، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ، ووضع كفّيه على فخذيه ، وقال : يا محمد ! أخبرني عن الإسلام ؟ فقال رسول اللّه : « الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا اللّه وأن محمدا رسول اللّه ، وتقيم الصلاة ، وتؤتي الزكاة ، وتصوم رمضان ، وتحجّ البيت ، إن استطعت إليه سبيلا » .

قال : صدقت . قال : فعجبنا له ، يسأله ويصدقه . قال : فأخبرني عن الإيمان ! . قال : « أن تؤمن باللّه ، وملائكته ، وكتبه ، ورسله ، واليوم الآخر ، وتؤمن بالقدر خيره وشرّه » . قال : صدقت .

قال : فأخبرني عن الإحسان ؟ قال : « أن تعبد اللّه كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه ، فإنه يراك » .

قال : فأخبرني عن الساعة ؟ . قال : « ما المسؤول عنها بأعلم من السائل » . قال : فأخبرني عن أمارتها . قال : « أن تلد الأمة ربّتها . وأن ترى الحفاة العراة ، العالة ، رعاء الشّاء ، يتطاولون في البنيان » . قال ثم انطلق . فلبثت مليّا . ثم قال لي : « يا عمر ! أتدري من السائل ؟» . قلت : اللّه ورسوله أعلم. قال : « فإنه جبريل، أتاكم يعلّمكم دينكم» .

"67"

مطلب الموطن الرابع

والرابع : موطن الحشر بأرض الساهرة والرد في الحافرة .

............................................................................

شيئا ، فجعل اللّه هذا الخيال نورا يدرك به تصوير كل شيء أي أمر كان كما ذكرناه ، فنوره ينفذ في العدم المحض فيصوره وجودا ، فالخيال أحق باسم النور من جميع المخلوقات الموصوفة بالنورية ، وأصحابنا غلطوا في النظر في هذا القرن ، وأكثر العقلاء جعل ضيقه المركز وأعلاه الفلك الأعلى ، وأن الصور التي يحوي عليها هي صور العالم ، فجعلوا أوسع القرن الأعلى وضيقه الأسفل ، وليس الأمر كما زعموا ، بل لما كان الخيال كما قلنا يصور الحق فمن دونه من العالم حتى العدم كان أعلاه الضيق وأسفله الواسع ، وهكذا خلقه اللّه تعالى ، فأول ما خلق منه الضيق وآخر ما خلق منه ما اتّسع ، ولا شك أن حضرة الأفعال والأكوان أوسع ، ولهذا العارف ما له اتساع في العلم إلا بقدر ما يعلمه من العالم ، ثم إنه إذا أراد أن ينتقل إلى العلم بوحدانية اللّه تعالى لا يزال يرقى من السعة إلى الضيق قليلا قليلا فتقل علومه كلما ترقى في ذات الحق إلى أن لا يبقى له معلوم إلا الحق وحده ، وهو أضيق ما في القرن ، فضيقه وهو الأعلى على الحقيقة وفيه الشرف التام . واعلم أن اللّه تعالى إذا قبض الأرواح من هذه الأجسام الطبيعية حيث كانت والعنصرية أودعها صورا جسدية هي مجموع هذا القرن النوري ، فجميع ما يدركه الإنسان بعد الموت في البرزخ من الأمور إنما يدركه بعين الصور التي هو فيها من القرن وبنورها وهو إدراك حقيقي ، ومن الصور هناك ما هي مقيدة عن التصرف ، ومنها ما هي مطلقة كأرواح الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كلهم ، وأرواح الشهداء ، ومنها ما يكون لها نظر إلى عالم الدنيا في هذه الدار ، ومنها ما يتجلى للنائم في حضرة الخيال التي هي فيه ، وإذا تحققت ما أوردناه من كلام الشيخ رضي اللّه تعالى عنه علمت أن هذا البرزخ هو ( الذي نصير إليه بعد الموت الأصغر والأكبر ) معا إن كنا من أهل السلوك ، وإلا فبعد الموت الأكبر فقط إن كنا من أرباب النفس والهوى .

مطلب الموطن الرابع ( الرابع موطن الحشر ) وهو جمع الناس ( بأرض الساهرة ) وهي وجه الأرض ، وسميت ساهرة لأن فيها سهرهم ونومهم ، وأصلها مسهورة ومسهور فيها فصرف من المفعولية إلى الفاعلية كما قيل عيشة راضية أي مرضية ، قال الشيخ رضي اللّه تعالى عنه : اعلم يا أخي أن الناس إذا قاموا من قبورهم ، وأراد اللّه تعالى أن يبدل الأرض غير الأرض فتمد تلك الأرض بإذن اللّه تعالى ويؤتى بالجسر فيكون دون الظلة فيكون

 

"68"

مطلب الموطن الخامس

والخامس : الجنة والنار .[ مطلب الموطن السادس ]

والسادس : موطن الكثيب خارج الجنة .

وفي كل موطن من هذه المواطن مواضع ، هي مواطن في المواطن ، ليس في القوة البشرية الوفاء بها لكثرتها .

ولسنا نحتاج في هذا الموضع ، الذي نحن فيه إلى أن نبين منها إلا موطن الدنيا ، الذي هو محل التكليف والابتلاء والأعمال .

...........................................................

الخلق عليه ، ثم إن اللّه يبدل الأرض كما يشاء ، وكيف يشاء بأرض أخرى تسمى الساهرة ، وهي أرض في علم اللّه ما نام عليها أحد ، فيمدها اللّه سبحانه وتعالى مد الأديم ويزيد في سعتها ما يشاء أضعاف ما كانت من إحدى وعشرين جزء ، إلى تسع وتسعين فيمدها مد الأديم لا ترى فيها عوجا ولا أمتا ( والرد في الحافرة ) وهي أول الأمر وأول كلمة والطريق الذي جاء منه الرجل يقال رجل فلان في حافرته إذا رجع من حيث جاء فمعنى قوله :أَ إِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ[ النازعات : الآية 10 ] ، أي : نعود بعد الموت أحياء .

 

مطلب الموطن الخامس

( والخامس الجنة ) وهي بين مقعر الفلك الأطلس ومحدّب فلك الثوابت ( والنار ) وهي من مقعر فلك الثوابت إلى المركز ، لأن السماوات السبع والعناصر تستحيل من حيث الصورة بعد الفصل والقضاء إلى جهنم .

مطلب الموطن السادس ( والسادس موطن الكثيب ) وهو تلّ من مسك أبيض تكون الخلائق عليه عند رؤية الحق سبحانه وتعالى ، وهو ( خارج الجنة ) لأنه في جنة عدن ، وهي خارجة عن الجنات لأنها قصبة الجنات وقلعتها وحضرة الملك وخواصه لا يدخلها العامة إلا بحكم الزيارة .

( وفي كل موطن من هذه المواطن ) الستة التي أشرنا إليها ( مواضع هي مواطن في المواطن ليس في القوة البشرية الوفاء بها ) أي بإحصائها ( لكثرتها ) .

( ولسنا نحتاج في هذا الموضع الذي نحن فيه إلى أن نبيّن منها إلا موطن الدنيا الذي هو محل التكليف والابتلاء ) أي الاختبار ( والأعمال ) التي توجب النعيم في

 

 

[ مطلب في السفر ]

فاعلم أن الناس مذ خلقهم اللّه ، وأخرجهم من العدم إلى الوجود ، لم يزالوا مسافرين ، وليس لهم حط عن رحالهم ، إلا في الجنة أو في النار ، وكل جنة ونار بحسب أهلها .

..................................................................

المواطن التي بعده ، وليس في المواطن موطن هو محل التكليف إلا هذا الموطن ، وذلك لسر لا يسع الوقت إيراده ، فإن قلت : قد ورد تكليف الصبيان والمجانين في موطن الحشر إن هذا الموطن هو الأصل لبقية المواطن فجميع المواطن التي هي البرزخ والحشر والجنة والنار والكثيب مراتب لظهور هذا الموطن الدنيوي ولهذا أخصّ بالتكليف دونها فافهم غير الذي قلت إن تأمّلت ذلك التكليف وجدته من مواطن الدنيا حقيقة وإن ظهر في الحشر فليس ظهوره في موطن الحشر لذاته إذ موطن الحشر لا يقتضي التكليف لذاته أصلا وإنما يقتضي الحساب والجزاء لا غير بخلاف موطن الدنيا فإنه يقتضي التكليف لذاته ، وقد يقتضي الجزاء لغيره كما اقتضى موطن الحشر التكليف لغيره ولما أشار الشيخ رضي اللّه عنه إلى أمهات المواطن فقرر أنه لا نحتاج في هذا الموضع إلى أن نبين منها إلا موطن الدنيا شرع في ذلك وصدره بما يحصل للمسافر من المشقة في سفره حتى يكون السالك على بصيرة من أمره فتطيب نفسه على تحمّل المشاق فقال :

 

مطلب في السفر ( فاعلم أن الناس مذ خلقهم اللّه تعالى وأخرجهم من العدم ) الإضافي ( إلى الوجود ) الإضافي ( لم يزالوا مسافرين وليس لهم حطّ عن رحالهم إلا في الجنة أو في النار ، وكل جنة ونار بحسب أهلها ) ، فجنة الخواص الوصال ونارهم البعد ، وجنة العوام محسوسة ونارهم معروفة . واعلم أن السفر الذي أشار إليه الشيخ رضي اللّه تعالى عنه لا يصح أن يكون عبارة عن الخلق الجديد ، لأنه لا نهاية له ولو كان فإنه لا ينتهي إلى الجنة أو النار كما لا يخفى ، فلم يبق إلا أن يكون عبارة عن تغيّر الخلقة ، فيكون حط رحال السعداء في موطن الكثيب وهو محسوب من الجنة ، وحط رحال الأشقياء في النار ، أو عبارة عن السفر في أنواع الأعمال والأقوال والأحوال والاعتقادات والعلوم بحسب الفطرة ، أو الرؤية أو بهما ، والسفر الفطري لا يكون إلا في الأحوال والعلوم لا غير ، فالناس مسافرون بالفطرة من حين أخرجوا من العدم إلى وقت التكليف ، ومن وقت التكليف إلى الموت بالرؤية والفطرة ، ومن بعد الموت بالفطرة فقط في حق قوم وهم العوامّ ، وبالفطرة والرؤية معا في حق قوم وهم

 

 

فالواجب على كل عاقل ، أن يعلم ، أن السفر مبنيّ على المشقة وشظف العيش والمحن والبلايا وركوب الأخطار والأهوال العظام .

فمن المحال أن يصح فيه للمسافرين نعيم أو أمان أو لذة ، فإن المياه مختلفة الطعم ، والأهوية مختلفة التصريف ، وطبع كل منهل يخالف طبع المنهل الآخر .

.......................................................................

الخواصّ ، والسفر بالرؤية بعد الموت لا يكون إلا في الأحوال والعلوم ، فإن قلت :

السفر بالحال والعلم لا نهاية له ، قلت : المراد بالسفر في العلم والحال المكتسبين بالأعمال ، والناس من بعد الموت مسافرون في الأحوال والعلوم المكتسبة بالأعمال الدنيوية ، وليس لهم حط عن رحالهم إلا في الجنة أو النار ، لأنه لا حكم للحال والعلم الكسبي هناك ، لأن غايتهما الحصول في الجنة أو النار ، ولا حكم بعد هذا إلا للعناية لا غير ، فإن قلت الرؤية التي هي آخر المواطن لا تحصل إلا على حسب العلم المكتسب ، وهي لا نهاية لها ، قلنا : الرؤية لا تحصل إلا بالعناية ، فإنه ما ثمّ عمل يقاومها وتكون نتيجة عنه ، ولا دخل للعمل المكتسب إلا في مقدار الرؤية لا غير ، فعلى قدر العلم تكون الرؤية ، فمن اتّسع علمه اتّسعت رؤيته ، فالعلم كالشعاع وإذا كان السفر لازما ولا غنى عنه .

 

مطلب في بيان السفر

( فالواجب على كل عاقل ) ناصح لنفسه مشفق عليها ( أن يعلم أن السفر مبني على المشقة وشطف العيش ) بالطاء المهملة والشين المعجمة والفاء أي ضيق العيش ( والمحن ) جمع محنة وهي ما يمتحن به الإنسان من بلية ( والبلايا ) جمع بلاء ( وركوب الأخطار ) أي ارتكاب الأمور الهائلة التي تشرف بمن ارتكبها على الهلاك ( والأهوال ) جمع هول وهو الفزع ( العظام ) وإذا كان السفر على هذه الحالة .

 

( فمن المحال أن يصح فيه للمسافر نعيم أو أمان أو لذة فإن المياه ) جمع ماء ( مختلفة الطعم ) وهي في هذا السفر المعنوي عبارة عن العلوم المتعارضة مثل علم الوحدة والكثرة والجمع والتفرقة وكذلك ( الأهوية ) أيضا فإنها ( مختلفة التصريف ) وهي في هذا السفر عبارة عن النفحات المتعارضة مثل نفحات الجلال والجمال والكمال ( و ) مع هذا فإن ( طبع كل منهل يخالف طبع المنهل الآخر ) والمنهل : المورد ، والمناهل : جمع منهل ، وهي المنازل على طريق المسافر إذا كانت المياه مختلفة الطعم والأهوية مختلفة التصريف والمناهل مختلفة الطبع .

 

 

"71"

ويحتاج المسافر لما يصلح لتلقي كل عالم في منزله ، فإنه عندهم صاحب ليلة أو ساعة وينصرف ، فأنّى يعقل حلول الراحة فيمن هذه حالته .

وما أوردنا هذا ردّا على أهل النعيم في الدنيا ، العاملين لها والمنكبين على جمع حطامها ، فإن أهل هذا الفعل عندنا أقل وأحقر من أن نشتغل بهم ، أو نلتفت إليهم ، وإنما أوردناه تنبيها لمن استعجل للذة المشاهدة في غير موطنها الثابت ، وحالة الفناء في غير منزلها ، والاستهلاك في الحق بطريق المحق عن العالمين .

..................................................................

( ويحتاج المسافر ) إذا كان عاقلا ناصحا لنفسه أن يعلم ما ينبغي له من الأطعمة والأشربة والأدوية الصالحة لكل ماء وهواء ومنهل حتى لا يسقم ولا يهلك في سفره لاختلاف الأهوية والمناهل والمياه الموجبة لانحراف المزاج وفساده ، وينبغي له أن يستعدّ ( لما يصلح لتلقي كل عالم ) يمر به في سفره فإن كان ممن يلاقى بالهدايا والتدليل لاقاه بذلك ، وإن كان ممن يقابل بالحرب والقتال قابله به ، وإن كان ممن يقابل بالهيبة قابله بها ، أو بالإنس قابله به ، وأمثال ذلك ( في منزله ) أي في منزل ذلك العالم ويجوز أن يعود الضمير على المسافر ، فيكون المراد أن المسافر يحتاج لتحصيل هذه الأمور في منزله قبل الشروع في السير ومفارقة المنزل ، لأنه متمكن من ذلك في منزله ، بخلاف منازل العوالم التي يمر عليها ، لأنه لا يتمكن فيها من ذلك ( فإنه عندهم صاحب ليلة أو ساعة وينصرف ) فلا يتسع الوقت لتحصيل ذلك ، والواجب عليه في ذلك الوقت اليسير الذي يكون فيه عندهم أن يعاملهم بما يستحقونه حتى يربح في سفره ، فإذا صرفه في تحصيل ما يصلح للمعاملة لم يمكنه أداء ما يجب لهم عليه ، فرحل عنهم وهو خاسر وإذا كانت حالة المسافر كما ذكرناه ( فأنّى يعقل حلول الراحة في من هذه حالته ) .

( وما أوردنا هذا ) الذي أوردناه من حال السفر والمسافر ( ردّا على أهل النعيم ) الجسماني فقط ( في الدنيا العاملين لها ) لا للّه فهم عبيدها ( والمنكبون على جمع حطامها ، فإن أهل هذا الفعل عندنا أقل وأحقر من أن نشتغل بهم أو نلتفت إليهم ) لأنهم محجوبون عن اللّه معرضون عنه متوجهون إلى غيره يحبون من لعنه ويوالون الذي أبعده ( وإنما أوردناه تنبيها لمن استعجل لذّة المشاهدة ) .

 



 

"72"

..........................................................

مطلب في المشاهدة قال الشيخ رضي اللّه تعالى عنه المشاهدة عند الطائفة رؤية الأشياء بدلائل التوحيد ورؤيته في الأشياء ، وحقيقتها اليقين من غير شك ، فأما قولهم : « رؤية الأشياء بدلائل التوحيد » فإنهم يريدون أحدية كل موجود ، فذلك عين الدليل على أحدية الحق ، فهذا دليل على أحديته لا عينه ، وأما إشاراتهم إلى رؤية الحق في الأشياء فهو الوجه الذي له سبحانه في كل شيء ، وهو قوله :إِذا أَرَدْناهُ[ النّحل : الآية 40 ]

فذلك التوجه هو الوجه الذي له في الأشياء ، فنفى الأثر فيه عن السبب إن كان أوجده عند سبب مخلوق ، وأما قولهم : « حقيقة اليقين بلا شك ولا ارتياب » إذا لم تكن المشاهدة في حضرة التمثيل ، كالتجلي الإلهي في الدار الآخرة الذي ينكرونه ، فإذا تحول لهم في علامة يعرفونه بها أقروا به وعرفوه وهو عين الأول المنكر « 1 » ، وهو هذا الآخر المعروف فما أقروا إلا بالعلامة لا به فما عرفوه إلا محصورا فما عرفوا الحق .

..........................................................

( 1 ) يشير الشيخ الجيلي إلى الحديث الشريف الذي رواه مسلم في صحيحه ، كتاب الإيمان ، باب معرفة طريق الرويّة ، ونص الحديث هو ، عن أبي سعيد الخدري : أن ناسا في زمن رسول اللّه قالوا : يا رسول اللّه ! هل نرى ربنا يوم القيامة ؟ قال رسول اللّه : « نعم » . قال : « هل تضارّون في رؤية الشمس بالظهيرة صحوا ليس معها سحاب ؟ وهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر صحوا ليس فيها سحاب ؟ » . قالوا : لا ، يا رسول اللّه ! قال : « ما تضارّون في رؤية اللّه تبارك وتعالى يوم القيامة إلا كما تضارّون في رؤية أحدهما . إذا كان يوم القيامة أذّن مؤذّن : ليتبع كل أمّة ما كانت تعبد ، فلا يبقى أحد ، كان يعبد غير اللّه سبحانه من الأصنام والأنصاب ، إلا يتساقطون في النار ، حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد اللّه من برّ وفاجر ، وغبّر أهل الكتاب ، فيدعى اليهود ، فيقال لهم : ما كنتم تعبدون ؟ قالوا : كنّا نعبد عزير ابن اللّه . فيقال : كذبتم ما اتخذ اللّه من صاحبة ولا ولد . فماذا تبغون ؟ قالوا : عطشنا . يا ربنا فاسقنا . فيشار إليهم : ألا تردّون ؟ فيحشرون إلى النار كأنها سراب يحطم بعضها بعضا . فيتساقطون في النار . ثم يدعى النصارى . فيقال لهم : ما كنتم تعبدون ؟ قالوا : كنا نعبد المسيح ابن اللّه المسيح . فيقال لهم : كذبتم . ما اتخذ اللّه من صاحبة ولا ولد . فيقال لهم : ماذا تبغون ؟ فيقولون : عطشنا . يا ربنا فاسقنا . قال فيشار إليهم : ألا تردّون ؟ فيحشرون إلى جهنم كأنها سراب يحطم بعضها بعضا ، فيتساقطون في النار ، حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد اللّه تعالى من بر وفاجر ، أتاهم رب العالمين سبحانه وتعالى في أدنى صورة من التي رأوه فيها . قال : فما تنتظرون ؟ تتبع كل أمة ما كانت تعبد . قالوا : يا ربنا ! فارقنا الناس في الدنيا أفقر ما كنا إليهم ولم نصاحبهم . فيقول : أنا ربكم . فيقولون : نعوذ باللّه منك ، لا نشرك باللّه شيئا ( مرتين أو ثلاثا ) حتى إن بعضهم ليكاد أن ينقلب . فيقول : هل بينكم وبينه آية -

 

"73"

.....................................................................

مطلب الفرق بين المسامرة والرؤية ولهذا فرقنا نحن بين المشاهدة والرؤية ، وقلنا في المشاهدة إنها شهود الشاهد الذي في القلب من الحق ، وهو الذي قيّد بالعلامة ، والرؤية ليست كذلك ، ولهذا قال موسى عليه الصلاة والسلام :رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ[ الأعراف : الآية 143 ] ، وما قال :

أشهدني ، فإنه مشهود له ما غاب عنه . انتهى كلام الشيخ رضي اللّه عنه . وفي طلب المشاهدة في الدنيا فقد استعجل المشاهدة ( في غير موطنها الثابت ) لها وهو الآخرة ( وحالة الفناء ) عطف على المشاهدة ( في غير منزلها ) الذي هو موطن الرؤية اعلم أن المراد من الفناء هنا هو الفناء الرابع والخامس والسادس والسابع لا غير ، قال الشيخ رضي اللّه عنه .

مطلب في الفناء الرابع وأما النوع الرابع من الفناء فهو الفناء عن ذاتك ، وتحقيق ذلك أن تعلم أن ذاتك مركبة من لطيف وكثيف ، وأن لكل ذات منك حقيقة وأحوالا تخالف بها الأخرى ، وأن لطيفتك متنوعة الصور مع الأوان في كل حال ، وأن هيكلك ثابت على صورة واحدة وإن اختلفت عليه الأعراض ، فإذا فنيت عن ذاتك بشهودك الذي هو ما شاهدت من الحق وغير الحق ، ولا تغيب في هذه الحال عن شهود ذاتك فيه ، فما أنت صاحب هذا الفناء ، فإن لم تشهد ذاتك في هذا الشهود وشاهدت ما شاهدت ، فأنت صاحب هذا النوع من الفناء ، وإنما قلنا شاهدت ما شاهدت ، ولم نخصص شهود الحق وحده ، فإن صاحب هذا الفناء قد يكون مشهوده كونا من الأكوان ، فإن شاهدت في هذا الفناء تنوع ذاتك اللطيفة ولم تشاهد معها سواها ففناؤك عنك بك لا بسواك ، فأنت فان عن ذاتك ، ولست بفان عن ذاتك فإنك لك بك مشهود من حيث لطيفتك وأنك لك بك مفقود من حيث هيكلك ، فإن شاهدت مركبك في حال هذا الفناء فمشهودك خيال ، ومثال ما هو عينك ولا غيرك بل حالك في هذا الفناء حال النائم صاحب الرؤية .

.........................................................

فتعرفونه بها ؟ فيقولون : نعم . فيكشف عن ساق . فلا يبقى من كان يسجد للّه من تلقاء نفسه إلا أذن اللّه له بالسجود .

ولا يبقى من كان يسجد اتّقاء ورياء إلا جعل اللّه ظهره طبقة واحدة . كلما أراد أن يسجد خرّ على قفاه .

ثم يرفعون رؤوسهم ، وقد تحوّل في صورته التي رأوه فيها أول مرة .

فقال : أنا ربكم .

 

 

"74"

........................................................

مطلب الفناء الخامس وأما النوع الخامس من الفناء وهو فناؤك عن كل العالم بشهودك الحق أو ذاتك ، فإن تحققت من يشهد منك علمت أنك شاهدت ما شاهدته بعين حق ، والحق لا يفنى بمشاهدة نفسه ولا العالم فلا تفنى في هذه الحال عن العالم ، وإن لم تعلم من يشهد منك كنت صاحب هذا الحال وفنيت عن رؤية العالم بشهود الحق أو بشهود ذاتك ، كما فنيت عن ذاتك بشهود الحق أو بشهود كون من الأكوان ، فهذا النوع يقرب من النوع الرابع في الصورة ، وإن كان يعطي من الفائدة ما لا يعطيه النوع الرابع المتقدم .

مطلب الفناء السادس وأما النوع السادس من الفناء فهو أن يفنى عن كل ما سوى اللّه باللّه ولا بدّ ، وتفنى في هذا الفناء عن رؤيتك فلا تعلم أنك في حال شهود حق إذ لا عين لك مشهودة في هذا الحال ، وهنا يطرأ غلط لبعض الناس من أهل هذا الشأن ، وأبينه لك إن شاء اللّه حتى يتخلص لك المقام ، وإن اللّه تعالى ألهمني بهذا البيان ، وذلك أن صاحب هذا الحال إذا فني عن كل ما سوى اللّه تعالى بشهود اللّه فيما يقول فلا يخلو في شهوده ذلك إما أن يرى الحق في شؤونه ، أو لا يراه في شؤونه فإنه لا يزال في شؤونه ولا غيبة له عن العالم ولا عن أثر فيه ، فإن شاهده في شؤونه فما فنى عن كل ما سوى اللّه تعالى ، وإن شاهده في غير شؤونه ، بل في غناه عن العالم فهو صحيح الدعوى ، فإن اللّه غني عن العالمين ، وهذا المشهد كان للصديق الأكبر رضي اللّه تعالى عنه ، فإنه قال : « ما رأيت شيئا إلا رأيت اللّه قبله » فأثبت أنه رآه ولا شيء ، ثم أقيم في مشهد آخر فرأى صدور الشيء عنه وقد كان لا يراه ولا شيء فجعل تلك الرؤية قبل هذا الشهود فقال : ما رأيت شيئا إلا رأيت اللّه قبله ، فقد أبنت لك عن الأمر على ما هو عليه .

وأما النوع السابع من الفناء فهو الفناء عن صفات الحق ونسبها ، وذلك لا يكون إلا بشهود ظهور العالم عن الحق لعين هذا الشخص لذات الحق ، ويفنيه لا لأمر زائد يعقل ولكن لا من كونه علة كما يراه بعض النّظّار ، ولا يرى الكون معلولا وإنما يراه حقّا ظاهرا في عين مظهر بصورة استعداد ذلك المظهر في نفسه ، فلا يرى

 

 

"75"

....................................................

للحق أثرا في الكون ، فما يكون له دليل على ثبوت نسبة ولا صفة ولا نعت ، فيفنيه هذا الشهود عن الأسماء والصفات والنعوت ، بل إن حققه يرى أنه محل التأثير حيث أثر فيه استعداد الأعيان الثابتة من أعيان الممكنات ، وأما قولهم الفناء عن الفناء فما هو نوع ثامن ، وإنما هو الفاني إذا لم يعلم في فناه أنه فان ، فذلك الفناء عن الفناء كصاحب الرؤيا الذي لا يعلم أنه نائم فهو حال تابع في كل نوع من أنواع الفناء ، وحال الفناء لا ينال بتعمّل ، أي : لا بقصد ، وأدناه درجة حكمه في المتفكر فإذا استغرق الإنسان الفكر في أمر ما من أمور الدنيا أو في مسئلة من العلم فتحدثه ولا يسمعك وتكون بين يديه ولا يراك وترى في عينه جمودا في تلك الحالة ، فإذا عثر على مطلوبه أو طرأ أمر يرده إلى إحساسه حينئذ يراك ويسمعك ، فهذه أدنى درجاته في العالم ، وسبب ذلك ضيق المحدث فإنه لا شيء أوسع من حقيقة الإنسان ولا شيء أضيق منها .

مطلب في اتّساع القلب وضيقه فأما اتّساع القلب فإنه لا يضيق عن شيء واحد ، وأما ضيقه فإنه لا يسع خاطرين معا فإنه أحدي الذات فلا يقبل الكثرة ، وهذه هي التي تسمى خلوة الحق ، لا يفوز به إلا أخصّ أهل اللّه ، وهو للعقول المنوّرة ، والمحق يفوز به أهل الخصوص وهو للنفوس المنورة جعلنا اللّه ممن محق محقه فانفرد به حقه ، وهذه التي تسمى خلوة الحق ، فإنه لا يشهد ولا يرى وإن علمه بعض الناس فلا يكون مشهودا له ، ومن هذه الحقيقة اتخذ أهل اللّه الخلوة للانفراد ، لما رأوه تعالى اتخذها للانفراد بعبده ، ولهذا لا يكون في الزمان إلا واحدا يسمى الغوث والقطب وهو الذي ينفرد به الحق ويخلو به دون خلقه ، فإذا فارق هيكله انفرد بشخص آخر لا ينفرد بشخصين في زمان واحد ، وهذه الخلوة الإلهية من علم الأسرار التي لا تزاع ولا تفشى . وما ذكرناها وسميناها إلا لتنبيه قلوب الغافلين عنها بل الجاهلين بها ، فإني ما رأيت أحدا ذكرها قبلي ولا بلغني مع علمي بأن خاصة أهل اللّه بها عالمون ، وذلك العبد عين اللّه في كل زمان لا ينظر الحق في زمانه إلا إليه ، وهو الحجاب الأعلى والسر الأزهى والقوام الأبهى فتوحات في باب 355 في المحق ، وقال في أول باب المحق : هو فناؤك في عينه ، ومحق المحق ثبوتك في عينه ، وأهل محق المحق يشهدون اللّه باللّه ويشهدون الكون بنفوسهم لا باللّه ، فافهم فهو من حيث هذه الحقيقة

 

 

[ مطلب في الاستهلاك في الحق ]

فإن السادة منا أنفوا من ذلك لما فيه من تضييع الوقت ، نقص المرتبة ، ومعاملة الموطن بما لا يليق به .

.........................................................

في الحكم الإلهي معنى قوله :إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ[ العنكبوت : الآية 6 ] وفي الرتبة الأخرى في قوله : أحببت أن أعرف « 1 » .

مطلب في الاستهلاك في الحق ( والاستهلاك في الحق ) هذا عطف تفسير الفناء ( بطريق المحق عن العالمين ) قال الشيخ رضي اللّه تعالى عنه : المحق ظهورك في الكون به بطريق الاستخلاف والنيابة عنه فلك التحكّم في العالم ، ومحق المحق ظهورك بطريق الستر عليه والحجاب فأنت تحجبه في محق المحق فيقع شهود الكون عليك خلقا بلا حق لأنهم لا يعلمون أن اللّه أرسلك سترا دونهم حتى ينظروا إليه ، فمحق المحق يقابل المحق ما هو مبالغة في المحق وإنما هو مثل عدم العدم ، فإذا أقيم العبد في خروجه عن حضرة الحق إلى الخلق بطريق التحكيم فيهم من حيث لا يشعرون وقد يشعرون في حق بعض الأشخاص من هذا النوع كالرسل صلوات اللّه وسلامه عليهم الذين جعلهم اللّه تعالى خلفائه في الأرض يبلغون إليهم حكم اللّه فيهم ، وأخفى ذلك في الورثة فهم خلفاء من حيث لا يشعر بهم ، واعلم أن محق المحق أتم عند أهل اللّه في الدنيا ، والمحق أتمّ في الآخرة ، ومحق المحق لا يفوز به إلا أخص أهل اللّه وهو للعقول المنورة ، والمحق يفوز به الخصوص وهو للنفوس المنورة جعلنا اللّه ممن محق محقه فانفرد به حقه ، ونحن لا نقول بالمشاهدة والفناء والاستهلاك في الحق بالمحق في دار الدنيا .

( فإن السادة منا ) معاشر الأولياء ( أنفوا من ذلك ) أي استنكفوا منه ، ويقال أنف منه أنفا وأنفة استنكف ومنه قوله تعالى :لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ[ النّساء : الآية 172 ] ( لما فيه من تضييع الوقت ) الذي لا ينبغي أن يصرف إلا في المجاهدة والمراقبة ، وتحصيل العلوم الإلهية بالتقوى ولما فيه من ( نقص المرتبة ) في دار الآخرة عند الرؤية والمحق لأن رؤية الحق سبحانه في دار الآخرة لا تكون إلا على قدر العلم باللّه الحاصل في الدنيا ، فالدنيا لتحصيل العلم بالمجاهدة والآخرة دار
----------------------------------

( 1 ) يشير الجيلي إلى الحديث الشريف : « كنت كنزا لا أعرف ، فأحببت أن أعرف ، فخلقت خلقا فعرّفتهم بي فعرفوني » . ( العجلوني ، كشف الخفاء ، حديث رقم 2014 ، طبعة دار الكتب العلمية ) .

 

 

"77"

[ مطلب في بيان أن الدنيا سجن الملك لا داره ]

فإن الدنيا سجن الملك لا داره ، ومن طلب الملك في سجنه من غير ترحيل عنه رحلة كلية ، فقد أساء الأدب ، وفاته أمر كبير .

............................................................

الراحة والمشاهدة ، فالزمان الذي تصرفه في الدنيا في المشاهدة يفوتك فيه علم لو حصلته لزادت مشاهدتك في الدار الآخرة فتكون بالمشاهدة الدنيوية الموجبة لعدم حصول هذا العلم لك ناقص المرتبة في دار الآخرة عند المشاهدة لأن المشاهدة على قدر العلم ، فما شهدته في الدنيا حين شهدته إلا بعد أن علمته بوجه ما فما شاهدت إلا صورة علمك فقد اشتغلت بعلمك الحاصل لك عن تحصيل علم لو حصلته لعظمت مشاهدتك في دار الآخرة ، فإن فاتتك المشاهدة في الدنيا لتحصيل العلم لم تفتك في الآخرة وإن فاتك العلم في الدنيا للمشاهدة فإنها فناء لا يكون معه شعور فاتتك المشاهدة في الآخرة هذا نقص المرتبة عند الرؤية ، وأما نقصها عند المحق فاعلم أن الظهور بالنيابة والخلافة لا يصلح إلا لدار الآخرة لأنه لا تكليف ولا تحجير فيها وفيها يقول الإنسان للشيء كُنْ فَيَكُونُ [ الأنعام : الآية 73 ] .

كذا ورد أن اللّه يرسل إلى أهل الجنة بكتاب مضمونه هذا واللّه أعلم . هذا كتاب من الحي الذي لا يموت إلى الحي الذي لا يموت ، أما بعد . . . فإني أقول للشيء كن فيكون وقد جعلتكم تقولون للشيء كن فيكون فما يقولون لشيء كن إلا ويكون . وهذا هو عين الظهور بالخلافة والدنيا لا تصلح لذلك لأنها دار محنة وتكليف ، وبقدر ما يظهر من الخلافة في الدنيا ينقص منها في الآخرة قال تعالى : أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا [ الأحقاف : الآية 20 ] ،

فهذا إذا لم يكن الظهور بالخلافة في الدنيا عن أمر إلهي ، وأما إذا كان عن أمر إلهي كما هو للرّسل فلا ، وانفوا من ذلك لما فيه من ( معاملة المتوطّن ) الذي هو دار الدنيا ( بما لا يليق به ) وهو الظهور بالخلافة وترك تحصيل العلم .

مطلب في بيان أن الدنيا سجن الملك لا داره ( فإن الدنيا سجن الملك ) الحق سبحانه ، وهو محل الحجاب والبعد فالذي ينبغي أن يظهر فيه هو الذل والعبودية والمجاهدة والمكابدة ، والذي ينبغي أن يطلب فيه هو التقرّب إلى الملك بالعلم به وحضرته ( لا داره ) أي دار الملك التي هي محل المشاهدة ورفع الحجب والظهور بالعزة وأطوار الربوبية ، ( ومن طلب ) من ( الملك ) أن يأتيه ( في سجنه ) ومحل قهره وحجابه ويباسطه فيه ويتجلى له ( من غير ترحيل عنه ) ، أي : عن السجن ( رحلة كلية ) بالموت الطبيعي لا رحلة ما بالموت الإرادي ، ( فقد

 

 

 

"78"

فإن زمان الفناء في الحق زمان ترك مقام أعلا مما هو فيه ، لأن التجلي على قدر العلم وصورته ، فما حصل لك من العلم به منه في مجاهدتك وتهيئك في الزمان الأول مثلا ، ثم شهدت في الزمان الثاني ، فإنما تشهد منه صورة عملك المقررة في الزمان الأول .

فما زدت سوى انتقالك من علم إلى عين ، والصورة واحدة ، فقد حصلت ما ينبغي لك أن تؤخره لموطنه ، وهو الدار الآخرة التي لا عمل فيها ،

.......................................................................

أساء الأدب ) في هذا الطلب ( وفاته أمر كبير ) من المشاهدة في دار الملك إذا صار إليها .

( فإن زمان الفناء ) بالمشاهدة والمحق ( في الحق ) في دار الدنيا ( زمان ترك مقام ) من مقامات المشاهدة في دار الآخرة لترك تحصيل العلم الموجب للمشاهدة في دار الآخرة بالفناء والمحق في الحق في الدنيا وذلك المقام الذي تركه ( أعلا مما هو فيه ) من المشاهدة ( لأن التجلي ) الإلهي الواقع في دار الآخرة لا يكون إلا ( على قدر العلم ) الحاصل في الدنيا ( و ) على قدر ( صورته ) يقع التجلي . وإذا كان الأمر على هذا ( فما حصل لك ) أيها المشاهد في دار الدنيا ( من العلم به ) ، أي بالحق ( منه ) ، أي من الحق من باب قوله :وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ[ البقرة : الآية 282 ] ( في مجاهدتك ) الجسمانية والنفسانية ( وتهيّئك ) بالذكر والخلوة ونفي الخواطر لما يرد عليك من الحق سبحانه ( في الزمان الأول مثلا ، ثم شهدت ) الحق سبحانه وتعالى ( في الزمان الثاني فإنما تشهد منه ) أي من الحق ( صورة عملك المقررة ) عندك الثابتة لديك الحاكمة عليك ( في الزمان الأول ) لا غير لأن تجلي الحق من حيث الإطلاق عن الاستعدادات محال ، وإنما يتجلى بحسب استعداد المتجلي له فهو كالماء لا لون ولا شكل له ، ويظهر بالأشكال والألوان بحسب الأواني ، وإذا كان أمر التجلي على هذا الأسلوب .

( فما زدت ) أيها المشاهد في الدنيا على علمك ( سوى انتقالك من علم ) حصلته بالتقوى ( إلى عين والصورة ) المعلومة والمشهودة ( واحدة فقد حصلت ) أيها المشاهد في الدنيا التي هي دار العمل وتحصيل العلم لا دار التجلي والمشاهدة ( ما ) كان ( ينبغي لك أن تؤخره لموطنه وهو الدار الآخرة التي لا عمل ) يكون سببا لحصول علم ( فيها ) لأنها دار التجلي والمشاهدة لا دار المجاهدة والمكابدة ، وكان الواجب عليك

 

 

"79"

فإن زمان مشاهدتك ، لو كنت فيه صاحب عمل ظاهر وتلقي علم باللّه باطن كان أولى بك لأنك تزيد حسنا وجمالا في روحانيتك الطالبة ربها بالعلم الذي تلقته منه بالأعمال والتقوى ، وتزيد حسنا في نفسانيتك الطالبة جنتها .

فإن اللطيفة الإنسانية تحشر على صورة علمها ، والأجسام تحشر على صورة عملها من الحسن والقبح ، وهكذا إلى آخر نفس ، فإذا انفصلت من عالم التكليف ، وموطن المعارج والارتقاءات ، فحينئذ تجني ثمرة غرسك .

فإذا فهمت هذا ،[ مطلب إذا أردت الدخول إلى حضرة الحق ]

فاعلم وفقنا اللّه وإياك : أنك إذا أردت الدخول إلى حضرة الحق ، والأخذ منه بترك الوسائط .

.............................................................

أن تعكس القضية ( فإن زمان مشاهدتك ) في الدنيا ( لو كنت فيه صاحب عمل ) جسماني ( ظاهر وتلقي علم ) من اللّه ( باللّه ) روحاني ( باطن كان ) ذلك ( أولى بك لأنك تزيد ) به ( حسنا وجمالا في روحانيتك الطالبة ) مشاهدة ( ربها بالعلم الذي تلقته منه بالأعمال والتقوى وتزيد به حسنا في نفسانيتك الطالبة جنتها ) بالأعمال .

( فإن اللطيفة الإنسانية ) الروحانية ( تحشر على صورة علمها ) الذي اكتسبته في حال تدبير جسدها ، وترى ربّها على الصورة التي حشرت عليها ( والأجسام تحشر على صورة عملها ) الذي اكتسبته في حال حياتها ولا يحصل لها من الجنة إلا على قدر أعمالها ( من الحسن والقبح وهكذا ) حالك أيها المشاهد بالنسبة إلى كل مشاهدة وعلم كما قررناه سابقا ( إلى آخر نفس ) يكون لك في الدنيا ( فإذا انفصلت ) بالموت الطبيعي ( من عالم التكليف وموطن المعارج والارتقاءات ) الذي هو موطن الدنيا واتصلت بعالم الآخرة ( فحينذ تجني ) في الدار الآخرة ( ثمرة ) أعمالك وعلومك التي هي عبارة عن ( غرسك ) الذي غرسته في دار الدنيا وثمرة الأعمال الجنة وثمرة العلم المشاهدة .

 

( فإذا أفهمت هذا ) وأبيت إلا طلب المشاهدة وحالة الفناء والاستهلاك في الحق بطريق المحق في دار الدنيا واستعجلت ذلك ، ( فاعلم وفقنا اللّه وإياك ) لما فيه صلاحنا .

مطلب إذا أردت الدخول إلى حضرة الحق ( أنك إذا أردت الدخول إلى حضرة الحق ) برفع التعينات الوهمية وسلب الإضافات الاعتبارية وخلع الملابس الكونية بالمجاهدات والرياضات الجسمانية والروحانية ( و ) أردت ( الأخذ منه بترك الوسائط ) أعلم أن الأخذ عن اللّه تعالى على

 

 

والأنس به .

..............................................

ثلاثة أنواع ، الأول : الأخذ عن مخلوق أخذ عن اللّه كما أخذ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم القرآن عن جبريل عليه السلام ، بل كما أخذ اللوح عن القلم فإن جبريل يأخذ عن إسرافيل وهو عن اللوح وهو عن القلم وهو عن اللّه ، وكما أخذت الصحابة رضوان اللّه تعالى عليهم عن رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلّم ما أخذه عن ربه في الوقت الذي له مع اللّه الذي لا يسعه فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل .

الثاني : الأخذ عن اللّه تعالى من حيث الوجه الخاص سواء كان من ذات الأخذ أو من غيرها .

الثالث : الأخذ عن اللّه بعد قطع سلسلة الوسائط بالمعراج التحليلي الروحاني والوصول إلى أحدية الجمع ، والرجوع إلى الوطن الأصلي الذي هو عبارة عن برزخ البرازخ وكمال الصحو بعد كمال المحو فافهم ولا تتوهم واللّه تعالى أعلم .

 

مطلب الأنس باللّه ( و ) أردت ( الأنس به ) الذي باللّه قال الشيخ رضي اللّه تعالى عنه : اعلم أن الأنس عند القوم ما تقع به المباسطة من الحق للعبد ، وقد تكون هذه المباسطة على الحجاب وعلى الكشف ، والأنس حال القلب من تجلّي الجلال ، وهو عند أكثر القوم من تجلي الجمال ، وهو غلط من جملة ما غلطوا فيه ، لأن لهم أغاليط في العبارة لعدم التمييز بين الحقائق ، فما كل أهل اللّه رزقوا التمييز والفرقان مع الشهود الصحيح ، وللأنس باللّه تعالى علامة عند صاحبه فإنه موضع يغلط فيه كثير من أهل الطريق ، فيجدون أنسا في حال ما يكون عليه فيتخيل أن ذلك أنس باللّه تعالى ، فإذا فقد ذلك الحال فقد الأنس باللّه ، فعندنا وعند الجماعة أن أنسه كان بذلك الحال لا باللّه لأن الأنس باللّه تعالى إذا وقع لم يزل موجودا عنده في كل حال ،

ولذلك تقول :

القوم من أنس باللّه في الخلوة وفقد ذلك الأنس في الملأ فإنه بالخلوة لا باللّه واعلم أنه لا يصح الأنس باللّه عند المحققين ، وإنما يكون الأنس باسم إلهي خاص لا باسم اللّه ، فالعالم كله ذو أنس باللّه ولكن بعضه لا يشعر أن الأنس الذي هو عليه هو باللّه لأنه لا بدّ أن يجد أنسا بأمر ما بطريق الدوام وبطريق الانتقال بالأنس بأمر آخر ، وليس لغير اللّه تعالى في الأكوان حكم فأنسه لم يكن إلا باللّه وإن كان لا يعلم ، والذي ينظر فيه أنه أنس به فذلك صورة من صور تجليه ولكن قد يعرف وقد ينكر فيستوحش العبد من عين ما يأنس به ولا يشعر لاختلاف الصور ، فما فقد أحد الأنس باللّه ولا استوحش أحد إلا من اللّه ، والأنس مباسطة والاستيحاش انقباض ، وأنس العلماء باللّه

 

 

"81"

أنه لا يصح لك ذلك ، وفي قلبك ربانية لغيره ، فإنك محكوم لمن حكم عليك سلطانه ، هذا لا شك فيه .

[ مطلب العزلة ]

فلا بد لك من العزلة عن الناس وإيثار الخلوة على الملأ ثانيا ، فإنه على قدر بعدك من الخلق يكون قربك من الحق ظاهرا وباطنا .

............................................................

إنما هو بنفوسهم لا باللّه ، إذ قد علموا أنهم ما يرون من اللّه سوى صورتهم ولا يقع أنس إلا بما يرون ، وغير العارفين ما يرون الأنس إلا بالغير فيستوحشون مع الانفراد بنفوسهم ، وكذلك الاستيحاش إنما يستوحشون من نفوسهم لأن الحق مجلاهم فهم بحسب ما يرونه فيه من أحوالهم فيقع الحكم فيهم بالأنس أو بالوحشة ، أو حقيقة الأنس إنما يكون بالمناسب ، فمن يقول بالمناسبة يقول بالأنس ، ومن يقول بارتفاع المناسبة يقول لا أنس باللّه ولا وحشة منه ، وكلّ بحسب ذوقه ، فإنه الحاكم عليه ، ومن له الإشراف مثلنا على المقامات والمراتب ميز وعرف كل شخص من أين تكلم ومن أنطقه وأنه مصيب في مرتبته غير مخطىء بل لا خطأ مطلقا في العالم ، انتهى كلام الشيخ رضي اللّه تعالى عنه .

وإذا علمت معنى الدخول إلى حضرة الحق والأخذ منه بترك الوسائط والأنس به علمت ( أنه لا يصح لك ذلك وفي قلبك ربانية لغيره ) واستيلاء لسواه بوجه من الوجوه ، فإن القلب الذي يليق لتجلي الحق هو القلب المقدس المطهر المعمور باللّه لا الملوث المدنس بغيره ،

قال تعالى لإبراهيم الروح وإسماعيل النفس : أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ [ البقرة : الآية 125 ] ،

يعني القلب من غيري لِلطَّائِفِينَ [ البقرة : الآية 125 ]

وهم الواردات الإلهية ، وَالْعاكِفِينَ [ البقرة : الآية 125 ]

وهم الأسماء الإلهية ، وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ [ البقرة : الآية 125 ] وهم الحقائق الكونية من حيث إنهم عين في الظهور ( فإنك محكوم لمن حكم عليك سلطانه ) واستولى عليك قهره وإحسانه ( هذا لا شك فيه ) عند كل عاقل سليم الفطرة .

وإذا كان حصول هذه الأمور يتوقف على ما ذكرناه ( فلا بد لك من العزلة عن الناس ) كما يأتي :

مطلب العزلة ( فلا بد لك من العزلة عن الناس ) أولا قال الشيخ رضي اللّه تعالى عنه :

إذا اعتزلت فلا تركن إلى أحد * ولا تعرج على أهل ولا ولد



 

"82"

........................................................

ولا توالي إذا وليت منزلة * وغب عن الشرك والتوحيد بالأحد

وانزع إلى طلب العلياء منفردا * بغير فكر ولا نفس ولا جسد

وسابق الهمة العلياء تحظ بمن * سمّى بأسمائه الحسنى بلا عدد

واعلم بأنك محبوس ومكتنف * بالنور حسّا خليّا لا إلى أمد

وقال الشيخ رضي اللّه عنه ولتقدم أولا قبل دخولك إلى الخلوة رياضة وعزلة عن الخلق وصمتا وتقليلا من الطعام وترك شرب الماء جملة أجهد فيه فإنه يسير المؤنة ، فإذا أنست النفس بالوحدة عند ذلك تدخل الخلوة . وقال رضي اللّه تعالى عنه : اعلم أن العطش جرّبناه فوجدناه من الشهوات الكاذبة وجرّبه غيرنا فوجده كذلك ، فعوّد نفسك أن تمسكها عن الماء وإن عطشت فإنك إن جاهدتها قليلا تنعّمت بها كثيرا وتقيم واللّه الشهور الكثيرة نعم والسنين وأكثر لا تشرب فيها ماء ولا تشتهيه ولا يؤثر في مزاجك ولا في بدنك ، وتقنع الطبيعة بما تستمده من الرطوبات التي في الغذاء ، ولهذا نستحبّ بل نوجب المجاهدة والرياضة في العزلة قبل الخلوة حتى يصير ذلك طبعا وعادة لا تحس النفس به كما لا تحس بالعادات فتدخل الخلوة عقيب ذلك مستريحا نشيطا طيب النفس فارغا من المجاهدة خالي المحل من المكابدة مهيأ فارغا للذكر والمذكور والتجلي والمطلوب والوارد الآتي عليك ، فإن المجاهدة في الخلوة تذهب بجمعية الخلوة التي هي روحها لأنها شغل في الوقت فتحفظ من ذلك جهدك ، وقدم العزلة ولا بد واجعل مجاهدتك فيها حتى تأنس النفس بذلك وتدرج منها إلى الخلوة المطلوبة ليسرع إليك الفتح إن شاء اللّه ، ومهما تكلّفت شيئا في خلوتك من سهر أو جوع أو عطش أو برد أو حديث نفس أو وحشة فأخرج منها إلى عزلتك حتى تستحكم ذلك . وقال رضي اللّه عنه : العزلة سبب لصمت الإنسان ، فمن اعتزل عن الناس لم يجد من يحادثه فأداه ذلك إلى الصمت باللسان . والعزلة على قسمين : عزلة المريدين وهي بالأجسام عن مخالطة الأغيار ، وعزلة المحقّقين وهي بالقلوب عن الأكوان ، فليست قلوبهم محلا لشيء سوى العلم باللّه تعالى الذي هو شاهد الحق فيها الحاصل من المشاهدة . وللمعتزلين نيات ثلاثة نية اتقاء شر الناس ونية اتقاء شره المتعدّي إلى الغير وهو أرفع من الأول ، فإن في الأول سوء الظن بالناس وفي الثاني سوء الظن بنفسه ، وسوء الظن بنفسك أولى لأنك بنفسك أعرف ، ونية إيثار صحبة المولى عن جانب الملأ ، فأعلى الناس من اعتزل

 

"83"

..........................................................

بنفسه إيثارا لصحبة ربه ، فمن آثر العزلة على المخالطة فقد آثر ربه على غيره ، ومن آثر ربه لم يعرف أحد ما يعطيه اللّه من الأسرار والمواهب ، ولا تقع العزلة أبدا في القلب إلا من وحشة تطرأ على القلب من المعتزل عنه وآنس بالمعتزل إليه وهو الذي يسوقه إلى العزلة ، فمن لازم العزلة وقف على سر الوحدانية الإلهية ، هذا ينتج له من المعارف ومن الأسرار أسرار الأحدية التي هي الصفة وحال العزلة التنزيه عن الأوصاف سالكا كان المعتزل أو محققا ، وأرفع أحوال العزلة الخلوة فإن الخلوة عزلة في العزلة فنتيجتها أقوى من نتيجة العزلة العامة ، فينبغي للمعتزل أن يكون صاحب يقين مع اللّه تعالى حتى لا يكون له خاطر متعلق خارجا عن بيت عزلته ، فإن حرم اليقين فليستعد لعزلته قوت زمان عزلته حتى يتقوى يقينه بما يتجلى له في عزلته لا بد من ذلك ، هذا شرط محكم من شروط العزلة والعزلة تورث معرفة لدنية ( و ) لا بدّ لك من ( إيثار الخلوة على الملأ ثانيا ، فإنه على قدر بعدك من الخلق يكون قربك من الحق ظاهرا وباطنا ) .

مطلب في الخلوة قال الشيخ رضي اللّه عنه : اعلم وفّقك اللّه تعالى وإياي أن الخلوة أصلها في الشرع « من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير من ملئه » « 1 » وأصل الخلوة من الخلاء الذي وجد فيه العالم .

شعرفمن خلا ولم يجد فما خلا * فهي طريق حكمها حكم البلادوقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « كان اللّه ولا شيء معه » « 2 » . وسئل رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلّم : أين كان ربنا قبل أن يخلق الخلق ؟ قال : « كان في عماء ما فوقه

...............................................................

( 1 ) هذا الحديث القدسي روي بألفاظ كثيرة متقاربة منها ما رواه مسلم في صحيحه ، كتاب الذكر والدعاء . . . ، حديث رقم ( 2 - 2675 ) ولفظه عن أبي هريرة ، قال : قال رسول اللّه : « يقول اللّه عزّ وجلّ : أنا عند ظن عبدي بي . وأنا معه حين يذكرني ، إن ذكرني في نفسه ، ذكرته في نفسي ، وإن ذكرني في ملأ ، ذكرته في ملأ هم خير منهم . وإن تقرّب مني شبرا ، تقربت إليه ذراعا ، وإن تقرب إلي ذراعا ، تقربت منه باعا . وإن أتاني يمشي ، أتيته هرولة » .

( 2 ) هذا الحديث سبق تخريجه .

 

 

"84"

....................................................

هواء وما تحته هواء ، ثم خلق الخلق وقضى القضية وفرغ من أشياء وهو كل يوم في شأن وسيفرغ من أشياء ثم يعمر المنازل بأهلها إلى الأبد » « 1 » . الخلوة أعلى المقامات وهو المنزل الذي يعمره الإنسان ويملؤه بذاته فلا يسع معه فيه غيره ، فتلك الخلوة ونسبتها إليه ونسبته إليها نسبة الحق إلى قلب العبد الذي وسعه ولا يدخله حتى لا يكون فيه غيره فيكون خاليا من الأكوان كلها ، فيظهر فيه بذاته ، ونسبة القلب إلى الحق أن يكون على صورته فلا يسع سواه ، وأصل الخلوة في العالم الخلاء الذي ملأه العالم ، فأول شيء ملأه الهباء وهو جوهر مظلم ملأ الخلاء بذاته ، ثم تجلى له الحق في اسمه النور فانصبغ به ذلك الجوهر وزال عنه حكم الظلمة وهو العدم ، فاتصفت بالوجود فظهر لنفسه بذلك النور المنصبغ به وكان ظهوره به على صورة الإنسان ، ولهذا تسميه أهل اللّه الإنسان الكبير ، وتسمى مختصره الإنسان الصغير ، لأنه موجود أودع اللّه فيه حقائق العالم الكبير كلها فخرج على صورة العالم مع صغر جرمه ، والعالم على صورة الحق ، فالإنسان على صورة الحق وهو قوله : « إن اللّه تعالى خلق آدم على صورته » « 2 » . ولما كان الأمر على ما قررناه

ولذلك قال تعالى :لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ( 57 )[ غافر : الآية 57 ] لكن يعلم ذلك قليل من الناس ، فالإنسان عالم صغير والعالم إنسان كبير ، ثم انفتحت في العالم صور الأشكال من الأفلاك والعناصر والمولدات ، فكان الإنسان آخر مولود في العالم أوجده اللّه تعالى جامعا لحقائق العالم كله ليجعله خليفة فيه ، فأعطاه قوة كل صورة موجودة في العالم ، فذلك الجوهر الهبائي المنصبغ بالنور هو البسيط ، وظهور صورة العالم فيه هو الوسيط ، والإنسان الكامل هو

.............................................................

( 1 ) القسم الأول من الحديث رواه أحمد في المسند عن أبي رزين العقيلي . ورواه الترمذي في الجامع الصحيح ، كتاب تفسير القرآن باب ومن سورة هود ، حديث رقم ( 3109 ) . ورواه غيرهما . ونص رواية أحمد هي عن وكيع بن حدس عن عمه أبي رزين العقيلي أنه قال : يا رسول اللّه ، أين كان ربنا عزّ وجلّ قبل أن يخلق السماوات والأرض ؟ قال : في عماء ، ما فوقه هواء وما تحته هواء ، ثم خلق عرشه على الماء » . والقسم الثاني من الحديث لم أجده فيما لديّ من مصادر ومراجع .

( 2 ) رواه مسلم في صحيحه ، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها ، باب يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير ، حديث رقم ( 28 - 2841 ) . ورواه أحمد في المسند عن أبي هريرة ، حديث رقم ( 8191 ) . ورواه غيرهما .

 

 

"85"

الوجيز ، قال اللّه تعالى :سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ[ فصّلت : الآية 53 ] أن الإنسان عالم وجيز من العالم فيه الآيات التي في العالم ، فأول ما يكشف لصاحب الخلوة آيات العالم قبل آيات نفسه لأن العالم قبله كما قال تعالى :سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ[ فصّلت : الآية 53 ] ، ثم بعد هذا يريه الآيات التي أبصرها في العالم في نفسه ، فلو رآها أولا في نفسه ثم رآها في العالم ربما تخيل أنه رأى ما في نفسه في العالم ، فرفع عنه هذه الأشكال بأن قدم له رؤية الآيات في العالم ، كالذي وقع في الوجود فإنه أقدم من الإنسان ، وكيف لا يكون أقدم وهو أبوه فأبانت له رؤية تلك الآيات في الآفاق وفي نفسه أنه الحق لا غيره وتبين له ذلك ، فالآيات هي الدلالات على أنه الحق الظاهر في مظاهر أعيان العالم ، فلا يطلب على أمر آخر صاحب هذه الخلوة فإنه ما ثم جملة واحدة ، ولهذا تمّم تعالى في التعريف فقال :أَ وَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ[ فصّلت : الآية 53 ] .

من أعيان العالم شهيد على التجلّي فيه والظهور ، وليس في قوة العالم أن يدفع عن نفسه هذا الظاهر فيه ولا أن لا يكون مظهرا ، وهو المعبر عنه بالإمكان ، فلو لم تكن حقيقة العالم الإمكان لما قبل النور وهو ظهور الحق فيه الذي تبين له بالآيات ثم تمم وقال :إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ[ فصّلت : الآية 54 ]

من العالم مُحِيطٌ [ البقرة : الآية 19 ] ، والإحاطة بالشيء تستر ذلك الشيء فيكون الظاهر المحيط لا ذلك الشيء ، فإن الإحاطة به تمنع من ظهوره ، فصار ذلك الشيء وهو العالم في المحيط كالروح للجسم والمحيط كالجسم للروح الواحد شهادة وهو المحيط الظاهر والآخر غيب وهو المستور بهذه الإحاطة وهو عين العالم ،

ولمّا كان الحكم للموصوف بالغيب في الظاهر الذي هو الشهادة وكانت أعيان شيئيات العالم على استعدادات في أنفسها حكمت على الظاهر فيها بما تعطيه حقائقها ، فظهرت صورها في المحيط وهو الحق فقيل عرش وكرسي وأفلاك وأملاك وعناصر ومولدات وأحوال تعرض وما ثم إلا اللّه ،

فالحق تعالى من كونه محيطا كبيت الخلوة لصاحب الخلوة ، فيطلب صاحب الخلوة فلا يوجد فإن البيت يحجبه فلا يعرف منه إلا مكانه ، ومكانه يدل على مكانته ، فقد أعلمتك مرتبة الخلوة التي ترد في هذا الكتاب لا الخلوة المعهودة عند أصحاب الخلوات .

وإذا لم يعمر الخلاء إلا العالم فهو في الخلوة بنفسه هذا أصله ، ثم لما انصبغ بالنور كان في خلوة بربه وبقي في تلك الخلوة إلى الأبد لا يتقيد بالزمان لا بأربعين يوما ولا بغير ذلك ، فالعارف إذا

"86"

..................................................................

عرف ما ذكرناه عرف أنه في خلوة بربه لا بنفسه ومع ربه لا مع نفسه ، فيرى من حيث أثره في المحيط بالصورة التي ظهر بها المحيط نفسه ومن حيث تعدّد أعيانه يرى منه به كل عين مغايرة لصاحبتها ، ولذلك اختلفت صور العالم وإن كان واحدا كما اختلفت صور الإنسان في نفسه وإن كان واحدا ، فالخلوة من المقامات المستصحبة دنيا وآخرة إلى الأبد ، من حصلت له لا تزول فإنه لا أثر بعد عين . وأما الخلوة المعروفة المعهودة فليست مقاما ولا تصح إلا لمحجوب ، وأما أهل الكشف فلا تصح لهم خلوة أبدا فإنهم يشاهدون الأرواح العلوية والأرواح النارية ويرون الكائنات ناطقة أكوان ذاته وأكوان بيت خلوته ، فهو في ملأ كما هو في نفس الأمر ، فإذا أخذ اللّه عن بصره هذه المدركات وفصل بين الحيوان والجماد والملكية وعالم الصمت من عالم الكلام وعالم السكون من عالم الحركات وجب أن يخلو بربه حتى لا يشغله عنه نطق كون ولا حركة كون ، فمنهم من يطلب الخلوة لمزيد علم باللّه من اللّه لا من نظره وفكره . وهذا أتم المقاصد فإنه مأمور بذلك والعمل على الأمر الإلهي هو غاية كمال العمل واللّه يقول له : وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً [ طه : الآية 114 ]

فمن تحدّث في خلوته في نفسه مع كون من الأكوان فما هو في خلوة قال بعضهم لصاحب خلوة : اذكرني عند ربك في خلوتك .

فقال له : إذا ذكرتك فلست معه في خلوة . ومن هنا تعرف قوله : أنا جليس من ذكرني » ، فإنه لا يذكره حتى يحضر المذكور في نفسه ، إن كان المذكور ذا صورة أحضره في خياله وإن كان من غير عالم الصور أو لا صورة له أحضرته القوة الذاكرة ، فإن القوة الذاكرة من الإنسان تضبط المعاني ، والقوة المتخيلة تضبط المثل التي أعطتها الحواس ، وما ركبت القوة المصورة من الأشكال الغريبة التي استفادت جزئياتها من الحس لا بد من ذلك ، لأنها ليس لها تصرف إلا فيه ، فمن شرط الخلوة في هذا الطريق الذكر النفسي لا الذكر اللفظي ، فأول خلوة الذكر الخيالي وهو تصور لفظة الذكر من كونه مركبا من حروف رقمية أو لفظية يمسكها الخيال سمعا أو رؤية فيذكر بها من غير أن يرتقي إلى الذكر المعنوي الذي لا صورة له وهو ذكر القلب ، ومن الذكر القلبي ينقدح له المطلوب والزيادة من المعلوم وبذلك العلم الذي انقدح له يعرف ما المراد بصور المثل إذا أقيمت له وأنشأها الحس في خياله في نوم أو يقظة أو غيبة أو فناء ، فيعلم ما رأى وهو علم التعبير للرؤيا . ومنهم من يأخذ الخلوة لصفاء الفكر ليكون صحيح النظر

 

 

"87"

.................................................................

فيما يطلبه من العلم ، وهذا لا يكون إلا للذين يأخذون العلم من أفكارهم فهم يتخذون الخلوات لتصحيح ما يطلبونه إذا ظهر لهم بالموازين المنطقية وهو ميزان لطيف أدنى هواء يحركه فيخرجه عن الاستقامة ، فيتخذون الخلوات ويسدون منافذ الأهوية لئلا تؤثر في الميزان حركة تفسد عليهم صحة المطلوب ، ومثل هذه الخلوة لا يدخلها أهل اللّه تعالى وإنما لهم الخلوة بالذكر وليس للفكر عليهم سلطان ولا له فيهم أثر ،

وأي صاحب خلوة استحكمه الفكر في خلوته فليخرج ويعلم أنه لا يراد لها وأنه ليس من أهل العلم الإلهي الصحيح ، إذ لو أراده اللّه تعالى لعلم الفيض الإلهي لحال بينه وبين الفكر .

ومنهم من يأخذ الخلوة لما غلب عليه من وحشة الإنس بالخلق فيجد انقباضا في نفسه برؤية الخلق حتى أهل بيته حتى أنه ليجد وحشة الحركة فيطلب السكون فيؤديه ذلك إلى اتخاذ الخلوة .

ومنه من يتخذ الخلوة لاستحلاء ما يجده فيها من الالتذاذ وهذه أمور كلها معلولة لا تعطي مقاما ولا رتبة ، وصاحب الخلوة لا ينتظر واردا ولا صورة ولا شهودا وإنما يطلب علما بربه ، فوقتا يعطيه ذلك في غير مادة ووقتا يعطيه ذلك في مادة ، ويعطيه العلم بمدلول تلك المادة ، الخلوة لها الدعوى وصاحبها مسبول الحجاب الأقرب وهي نسبة ما هي مقام أعني الخلوة المعهودة عند القوم لا الخلوة التي هي مقام التي ذكرناها في أول الباب ، وهذه وإن لم تكن مقاما فإنها تحصل لصاحبها بالذكر مقامات .

 

وقال رضي اللّه تعالى عنه : ثم ليكن بيت خلوتك على ما أذكره لك ولتكن فيه أنت على حسب ما نحدّه لك ، فأما صفة البيت المخصوص بهذه الخلوة فينبغي أن يكون لكل خلوة إن أمكن أن يكون ارتفاعه قدر قامتك وطوله قدر سجودك وعرضه قدر جلستك ولا يكون فيه ثقب ولا كوة أصلا ولا يدخل عليك ضوء رأسا وتكون بعيدا ، من أصوات الناس ويكون بابه قصيرا وثيقا في غلقه ولكن في دار معمورة فيها ناس ، وإن يمكن أن يبيت أحد بقرب باب الخلوة فهو أحسن .

وأما صورتك فيها ابتدأ فهو أن تغتسل بها وتنظف ثيابك ، ولا بد من النية بالتقرب إلى المتوجه إليه لا إله إلا هو العزيز الحكيم ، ولا سبيل لكثرة الحركة فيها ولا تزيد عن الفرائض والرواتب والركعتين عند كل طهارة من الحدث ، والقعود على طهارة واستقبال القبلة دائما ، وإذا أردت الحاجة فليكن موضع خلائك قريبا من خلوتك وتحفظ عند خروجك من الهواء الغريب فإنه يؤثر فيك تفريقا زمانا طويلا ، وليكن ماؤك لا يتغير عليك ، وإذا خرجت لحاجتك

"88"

......................................................

سد عينيك وأذنيك وليكن غذاؤك معك في بيتك معدّا أو خلف باب بيتك محفوظا ، ومن شرط هذه الخلوة بل كل خلوة إن قدرت أن لا يعرف أحد أنك في خلوة أصلا ، وإن كان لا بد فلا يعرف ذلك منك إلا أقرب الناس إليك في خدمتك ممن يجهل ما أنت عليه ولا يعرف ما تقصده ، وإنما يمنع من ذلك لتشوف النفس إلى النفوس المتشوقة لخروجه بماذا يخرج وهي علة كبيرة وفحش يحجب تقريب الفتح على الشخص وهذا يبعده ، فإنه لا سبيل إلى الفتح وفي النفس أثر .

وقال رضي اللّه تعالى عنه فيما ينبغي أن يكون عليه صاحب الخلوة : ينبغي أن يكون شجاعا مقداما لا يكون جبانا خوارا ، فإن كان حاكما على وهمه غير مقهور تحت سلطان تخيله زاهدا في كل ما سوى مطلوبه عاشقا بمن توجه إليه عارفا بقواطعه من قوة الأمور القواطع التي بين يديه نافذ الهمة مصدق الخاطر ثابتا عند زعقة عظيمة أو وقع جدار أو مفاجأة أمر هائل ، غير طائش كثير السكون دائم الفكر غائبا على أكثر الحالات ساهيا عن لذة المدح وعن ألم الذم صاحب قوت طيب ومعنى قولي طيب ، لا يجد في نفسه عند أكله أثرا يريبه من باب الورع .

فلهذا قال بعض أئمتنا : ما رأيت أسهل من الورع كل ما حاك له في نفسي شيء تركته .

وهو قول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « دع ما يريبك إلى ما لا يريبك » « 1 » ، قائما بما يحتاج إليه من أسباب خلوته لا يتكلف له أحد ذلك ، حينئذ له أن يدخل الخلوة ، وإن لم يكن على شيء من هذا فلا سبيل له إلا الخلوة لكنه يستعمل العزلة ويدرب نفسه ويهذبها ويروضها بما ذكرناه إلى أن يعتاد فإن الخير عادة ، فإذا حصل هذا الأمر دخل الخلوة إن شاء اللّه ، وليقدم صاحب الخلوة بين يدي خلوته صدقة إن كان له شيء ولو لم يكن له سوى ثوبين يتصدق بأحدهما أو ثوب واحد يمكن أن يباع بثوبين يستبدل له بغيره ويتصدق بالفضل . وقال رضي اللّه عنه : ثم اعرف ما يستحقه كل عالم من الحيوان الناطق وغير الناطق والنبات والجماد ، ومما ينبغي أن يعامل به من الخلق الذي يوافق غرضه إن كان ذا غرض مع حفظه الشرع وهو كل الحيوان أو ما يوافق الحكمة في عالم الأغراض له كالنبات والجماد ، وهي ترك العبث به فلا تقلع نباتا ولا تفسد نظامه وتربيته عبثا لغير

....................................................

( 1 ) رواه النسائي في سننه الصغرى ، كتاب آداب القضاء ، باب الحكم باتفاق أهل العلم حديث رقم ( 5408 ) . ورواه الترمذي في سننه ، كتاب صفة القيامة والرقائق . . . ، باب ( 60 ) ، حديث رقم ( 2518 ) . ورواه أحمد في المسند ( 12106 ) .

 

 

"89"

[ مطلب في وجوب طلب العلم ]

فأول ما يجب عليك ، طلب العلم الذي تقيم به طهارتك وصلاتك وصيامك وتقواك ، وما يفرض عليك طلبه خاصة لا تزيد على ذلك شيئا ، وهو أول باب السلوك ، ثم العمل به .

................................................................

فائدة تعود منه على حيوان تجلب بذلك المنفعة له أو دفع مضرة عنه ، وكذلك لا تستشل حجرا عن موضعه عبثا والجامع من هذا كله أن لا ترسل شيئا من حواسك عبثا ، هذا شرط لا بد منه فمهما زال انحل النظام ، ثم معرفة الذنوب صغيرها وكبيرها خفيها وجليها وانسحاب التوبة عليها ورد المظالم المقدور على ردها من عرض ومال لا من دم ، وتطهير عالمك الباطن من كل مذموم شرعا وعرضا وطبعا ، وتقيده عن الجولان في مراتب الكون وتفريغه عن الفكر فإن الفكر آخر شيء في هذا الاستعداد في جميع الخلوات لا يصح به أبدا ولا تظهر لصاحبها ثمرة صحيحة إلا بحكم الاتفاق ، فاللّه اللّه احفظ نفسك منه ، وكذلك حديث النفس وتصريفاتها في مراتب الكون لا تساعدها على ذلك فإنه تمريج وتخليط ، وأما قدر ما تلبس من الثياب فهو ما يكون به بدنك معتدلا وليكن من وجه لا يريبك مثل الأكل سواء ، وليكن عندك حفاظ نقي يباشر عورتك تغسله في أكثر الأوقات ، ولا سبيل إلى الاظطجاع ولا إلى النوم إلا عن غلبة .

وقال رضي اللّه تعالى عنه في تحديد الخلوة بالزمان : وما حد من حد الخلوات بالزمان إلا على حسب ما وجد ، فأخباره عن وجوده صحيح وهو مخطىء في طرد الحد الزماني فإن الأمزجة تختلف وفراغ قلوب الخلق من الأكوان ليس على مرتبة واحدة وإنما هو على قدر الباعث والطبع المساعد ، فقد يفتح لواحد في يومين عين ما يفتح لآخر في شهرين ولآخر في سنتين ولا يفتح لآخر أبدا ، وقد يؤهل للّه لقاء والتنزيل وآخر لكشف الحقائق وآخر ما يتعدى به الخيال والمنال وكل له مقام معلوم وحد مرسوم تقتضيه جبلته ، فالحد الزماني في الخلوة لا يتصور .

انتهى ما نقلته عن الشيخ رضي اللّه تعالى عنه . واعلم أنك إذا أردت الدخول في الخلوة أنه يجب عليك تحصيل العلم المتعلق بالعبادات حتى تقيمها على أحسن الوجوه فإنها هي الأصل والعمدة في هذا الطريق وإلى هذا أشار الشيخ بقوله .

 

مطلب في وجوب طلب العلم ( فأول ما يجب عليك ) أيها الطالب للسلوك ( طلب العلم ) الذي طلبه فريضة على كل مسلم وهو العلم ( الذي تقيم به طهارتك ) الظاهرة والباطنة ( وصلاتك ) الجسمية

 

"90"

[ مطلب في الورع ]

ثم الورع .

........................................................

والروحية ( وصيامك ) الحسّي والمعنوي ( وتقواك ) على كل ما ينبغي لك ( و ) طلب كل ( ما يفرض عليك طلبه خاصة لا تزيد على ذلك شيئا ) أصلا فإن العمر قصير وصرف الوقت إلى الأولى أولى ( و ) تحصيل ما يجب عليك تحصيله ( هو أول باب السلوك ) وهذا كلام مجمل يحوي على جملة من العلوم والمعارف إن علمتها وعملت بمقتضاها سعدت سعادة الأبد ( ثم ) بعد تحصيل هذا العلم الذي أشرنا إليه يجب عليك ( العمل به ) فإن العلم بلا عمل لا نتيجة له إلا الخسران . وقد ورد أن العالم الذي لا يعمل بعلمه يعذب قبل عباد الوثن .

( ثم ) بعد ذلك يجب عليك ( الورع ) .

مطلب في الورع ( الورع ) وهو أصل هذا الأمر الذي تطلبه ، فإياك أن تتهاون به ، قال الشيخ رضي اللّه تعالى عنه : الورع اجتناب ، وهو في الشرع اجتناب الحرام والشبهة لا اجتناب الحلال . قال عليه الصلاة والسلام في هذا الباب : « دع ما يريبك إلى ما لا يريبك » « 1 » . وهذا عين ما قلناه ، وهذا الحديث من جوامع الكلم وفصل الخطاب .

وقال بعضهم : ما رأيت أسهل علي من الورع كل ما حاك له شيء في نفسي تركته عملا بهذا الحديث .

فأما الحرام النص فمأمور باجتنابه لأنه ممنوع تناوله في حق من منع منه لا في عين الممنوع فإن ذلك الممنوع بعينه قد أبيح لغيره على صفة ليست فيمن منع منه إباحته لك تلك الصفة بإباحة الشرع ، فلهذا قلنا لا في عين الممنوع فإنه ما حرم شيء لعينه جملة واحدة ، ولهذا قال إلا ما اضطررتم إليه فعلمنا أن الحكم بالمنع وغيره أن مبناه على حال المكلف وفي مواضع على اسم الممنوع فإن تغير الاسم لتغير قام بالمحرم تغير الحكم على المكلف في تناوله إما بهجة الإباحة أو الوجوب ، وكذلك إن تغير حال المكلف الذي خوطب بالمنع من ذلك الشيء واجتناب لأجل تلك الحالة فإنه يرتفع عنه هذا الحكم ولا بد ، وإذا كان الأمر على هذا فما ثم عين محرمة لنفسها ، وأما اجتناب الشبهة فالشبهة هي التي لها وجه إلى الحرام ووجه إلى الحلال على السواء من غير تغليب فليس اجتنابها ، بأولى من تناولها ولا تناولها بأولى من اجتنابها فالورع بترك تناولها ترجيحا لجانب الحرمة في ذلك

..............................................

( 1 ) هذا الحديث سبق تخريجه .

 

 

"91"

[ مطلب في الزهد والتوكل ]

ثم الزهد .

ثم التوكل .

......................................................................

وغيره لا بترك ذلك فبينهما هذا القدر ، وأما ترك ما لا شبهة فيه فذلك الحلال المحض فإن تركه أعني ترك الفضل منه لأنه لا يصح إلا ترك الفضل منه فذلك الترك زهد ، لا ورع فإن الزهد في الحرام والشبهة ورع والترك في الحلال الفاضل زهد ، وأما غير الفاضل هو الذي تدعو إليه الحاجة فالزهد فيه معصية وما بقي إلا توقيت الحاجة إلى ذلك ، وما حد الفاضل منه الذي يصح فيه الزهد فنذكر ذلك في باب الزهد إن شاء اللّه ، والورع من المقامات المشروطة وسيصحب العبد ما دام مكلفا ، ولا يتعين استكماله إلا عند وجود شروطه وهو عام في جميع تصرفات المكلف وما هو مخصوص بشيء من أعماله دون شيء بل له السريان في جميع الأعضاء المكلفة في حركتها وسكونها وما ينسب إليها من عمل وترك ، والجامع لباب الورع أن تجتنب في ظاهرك وباطنك وجميع أعمال أعضائك المكلفة كل عمل وترك لا يكون للّه على الحد المشروع فيه المخلص للّه الذي لا شبهة تصده ولا تقدح فيه فهذا اللام التي في للّه هو الرابط لهذا الباب .

مطلب في الزهد والتوكل ( ثم ) يجب عليك ( الزهد ) بعد الورع قال الشيخ رضي اللّه تعالى عنه : الزهد لا يكون إلا في الحاصل في الملك والطلب حاصل في الملك ، فالزهد في الطلب زهد لأن أصحابنا اختلفوا في الفقير الذي لا ملك له هل يصح عليه اسم الزهد أو لا قدم له في هذا المقام ، فمذهبنا أن الفقير متمكن من الرغبة في الدنيا والتعمل في تحصيلها ولو لم تحصل فتركه لذلك العمل والطلب والرغبة عنه يسمى زهدا بلا شك ، وذلك الطلب في ملكه حاصل فلهذا حددناه بما ذكرناه .

( ثم ) يجب عليك ( التوكل ) بعد الزهد وهو ركن عظيم من أركان هذا الطريق .

قال الشيخ رضي اللّه تعالى عنه : التوكل اعتماد القلب على اللّه تعالى مع عدم الاضطراب عند فقد الأسباب الموضوعة في العالم التي من شأن النفوس أن تركن إليها ، فإن اضطرب فليس بمتوكل وهو من صفات المؤمنين فما ظنك بالعلماء من المؤمنين ، وإن كان التوكل لا يكون للعالم إلا من كونه مؤمنا كما قيده اللّه به وما قيده سدى فلو كان من صفات العلماء ويقتضيه العلم النظري ما قيده بالإيمان ، فلا يقع في التوكل مشاركة من غير مؤمن بأي شريعة كان ، وسبب ذلك أن اللّه تعالى لا يجب

 

 

"92"

وفي أول حال من أحوال التوكل ، يحصل لك أربع كرامات ، هي علامات وأدلة على حصولك في أول درجة التوكل ، وهي طي الأرض والمشي على الماء واختراق الهواء والأكل من الكون ، وهو الحقيقة في هذا الباب .

ثم بعد ذلك تتوالى عليك المقامات والأحوال والكرامات والتنزلات إلى الموت .

....................................................................

عليه شيء عقلا إلا ما أوجبه على نفسه فيقبله بصفة الإيمان لا بصفة العلم ، فإنه فعّال لما يريد فلما ضمن ما ضمن وأخبرنا بأنه يفعل أحد الممكنين اعتمدنا عليه في ذلك على التعيين وصدقناه لأنه بالدليل ، والعلم النظري نعلم صدقه فسكوتنا وعدم اضطرابنا عند فقد الأسباب إنما هو من إيماننا بضمانه ، فلو بقينا مع العلم اضطربنا فالعالم إذا سكن فمن كونه مؤمنا وكونه مؤمنا من كونه عالما بصدق الضامن . انتهى كلام الشيخ رضي اللّه تعالى عنه .

( وفي أول حال من أحوال التوكل يحصل لك أربع كرامات هي علامات وأدلة على حصولك في أول درجة التوكل ) ودرجاته عند العارفين أربعمائة وسبعة وثمانون ، درجات الملامتيين فيه أربعمائة وست وخمسون هكذا قال الشيخ رضي اللّه تعالى عنه ، ( وهي ) أي الكرامات ( طيّ الأرض والمشي على الماء واختراق الهواء والأكل من الكون وهو ) أي التوكل ( الحقيقة ) المعتمد عليها ( في هذا الباب ) أي باب السلوك .

( ثم بعد ذلك تتوالى عليك المقامات والأحوال ) والمقام كل صفة يجب الرسوخ فيها ولا يصح التنقل عنها كالتوبة والحال ، كل صفة تكون فيها وقت دون وقت كالسكر والمحو والغيبة ، وكل مقام في طريق اللّه تعالى فهو مكتسب ثابت ، وكل حال فهو موهوب غير مكتسب غير ثابت إنما هو مثل بارق برق ، فإذا برق إما أن يزول لنقيضه وإما أن تتوالى أمثاله ، فإن توالت أمثاله فصاحبه خاسر ، كذا ذكره الشيخ رضي اللّه تعالى عنه . ( والكرامات ) قال الشيخ رضي اللّه تعالى عنه : الكرامات من الحق من اسمه البرّ ، ولا تكون إلا للأبرار من عباده جزاء وفاقا ، فإن المناسبة تطلبها وإن لم يقيم طلب بمن ظهرت عليه ، وهي على قسمين حسية ومعنوية ، فالعامة لا تعرف إلا الكرامة الحسية مثل الكلام على الخاطر والأخبار بالمغيبات الماضية والكائنة والآتية والأخذ من الكون والمشي على الماء واختراق الهواء وطي الأرض والاحتجاب عن الأبصار وإجابة الدعوى في الحال فالعامة لا تعرف الكرامة إلا مثل هذا ، وأما الكرامة المعنوية فلا يعرفها إلا الخواص من عباد اللّه ، والعامة لا تعرف ذلك وهي أن يحفظ

 

 

"93"

.................................................................

عليه أدب الشريعة وأن يوفق لإتيان مكارم الأخلاق واجتناب سفاسفها ، والمحافظة على آداء الواجبات مطلقا في أوقاتها ، والمسارعة إلى الخيرات ، وإزالة الغل للناس من صدره ، والحسد والحقد ، وطهارة القلب من كل صفة مذمومة ، وتحليته بالمراقبة في الأنفاس ، ومراعاة حقوق اللّه في نفسه في الأشياء وتفقد آثار ربه في قلبه ، ومراعاة أنفاسه في دخولها وخروجها فيتلقاها بالأدب ويخرجها وعليها خلعة الحضور ، هذه كلها عندنا هي كرامات الأولياء المعنوية التي لا يدخلها مكر ولا استدراج ، فإن ذلك كله دليل على الوفاء بالعهد وصحة المقصود والرضاء بالقضاء في الموجود ، ولا يشارك في هذه الكرامات إلا الملائكة المقربون وأهل اللّه المصطفون الأخيار ، وأما الكرامات التي ذكرنا أن العامة تعرفها فكلها يمكن أن يدخلها المكر ، ثم إذا فرضناها كرامة فلا بد أن تكون نتيجة عن استقامة لا بد من ذلك ، وإلا فليست بكرامة وإذا كانت الكرامة نتيجة استقامة فقد يمكن أن يجعلها اللّه حظ عملك وجزاء فعلك فإذا قدمت عليه يمكن أن يحاسبك بها ، وما ذكرناه من الكرامات المعنوية فلا يدخلها شيء مما دعاه فإن العلم يصحبها وقوة العلم وشرفه يعطيك أن المكر لا يدخلها ، فإن الحدود الشرعية لا تنصب حبالة للمكر الإلهي فإنها عين الطريق الواضحة إلى نيل السعادة ، والعلم يعصمك من العجب بعملك فإن العلم من شرفه أن تستعملك ومتى استعملك جردك منه وأضاف ذلك إلى اللّه تعالى وأعلمك أنه بتوفيقه وهدايته ظهر منك ما ظهر من طاعته والحفظ لحدوده ، فإذا ظهر عليه من كرامات العامة ضج إلى اللّه منها فسأل اللّه ستره بالعوائد وإن لا يتميز عن العامة بأمر يشار إليه فيه ما عدا العلم لأن العلم هو المطلوب وبه تقع المنفعة ولو لم يعمل به فإنه لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون فالعلماء هم الآمنون من التلبيس ، فالكرامة من اللّه لعبادة إنما تكون للوافدين عليه من الأكوان ومن نفوسهم لكونهم لم يروا وجه الحق فيهما ، فأسنى ما أكرمهم من الكرامات العلم خاصة لأن الدنيا موطنه وأما غير ذلك من خرق العادات فليست الدنيا بموطن لها ولا يصح كون ذلك كرامة إلا بتعريف إلهي لا بمجرد خرق العادة ، وإذا لم يصح إلا بتعريف إلهي فذلك هو العلم ، فالكرامة الإلهية إنما هي ما يهبهم من العلم به سبحانه ، سئل أبو يزيد رضي اللّه تعالى عنه عن طي الأرض فقال : ليس بشيء فإن إبليس يقطع من المشرق إلى المغرب في لحظة واحدة وما هو عند اللّه بمكان ، وسئل عن اختراق الهواء فقال : إن الطير يخترق الهواء

 

 

 

"94"

فاللّه اللّه لا تدخل خلوتك حتى تعرف أين مقامك وقوتك من سلطان الوهم ، فإن كان وهمك حاكما عليك ، فلا سبيل إلى الخلوة إلا على يد شيخ مميز عارف .

.....................................................................

والمؤمن عند اللّه أفضل من الطير ، فكيف يحسب كرامة من شاركه فيها طائر ، وهكذا علل جميع ما ذكر له ثم قال : إلهي إن قوما طلبوك لما ذكروه فشغلتهم به وأهلتهم له اللهم مهما أهلتني لشيء فأهلني لشيء من أشيائك أي : من أسرارك ، فما طلب إلا العلم لأنه أسنى تحفة وأعظم كرامة انتهى كلام الشيخ رضي اللّه تعالى عنه ( والتنزلات إلى الموت ) اعلم أنه كل ما عدا الوجود البحت والإطلاق فهو تنزل إلهي من أوج الإطلاق إلى حضيض التقييد ، وأول التنزلات هي الوحدة وآخرها الإنسان ، وبينهما تنزلات لا يتّسع الوقت لإيرادها لكثرتها ، وهي تنزلات كلية ، وأما التنزلات الجزئية فلا نهاية لها .

واعلم أن السالك إذا تجرد عن هيكله وانسلخ منه وارتقى عن التقيد بالطبع بالرياضات والخلوات ودوام الذكر والحضور والمراقبة ، وأخذت لطيفته في المعراج في العروج الروحاني فعند اختراقه السماوات والأفلاك وتجاوزه مقامات الأرواح ومراتب الأسماء ينزل إليه الحق سبحانه وتعالى في كل منزل من هذه المنازل فيلاقيه فيه ويهبه ما شاء ، وهذا هو المسمى بالمنازلة ، فالتداني صفة السالك والتدلي نعت المالك ، فاعلم ذلك وتحققه فإن ذلك في خلاصته علوم المكاشفة .

 

وإذا علمت معنى الخلوة والتوجه إلى رب العزّة مما أسلفناه لك وأردت الدخول إلى الخلوة ( فاللّه اللّه لا تدخل خلوتك حتى تعرف أين مقامك وقوتك من سلطان الوهم فإن كان وهمك حاكما عليك ) بأن تفزع من صيحة عظيمة تسمعها على غفلة ، أو تخاف من المشي في الظلمة ، أو من مشاهدة صورة هائلة تقبل عليك ، أو شرر تبصره يتطاير ويسقط عليك فتخاف منه ، أو من المبيت مع ميت في قبر ( فلا سبيل ) لك ( إلى الخلوة ) أصلا لأنه قد يظهر لك في الخلوة من الأمور الهائلة ما يختلّ به عقلك وينحرف له مزاجك ولا يرجى صلاحك بعده إلا بعناية الفاعل المختار سبحانه وتعالى ( إلا على يد شيخ ) كامل وأصل قد سلك الطريق وملك أزمة التحقيق ( مميز ) بين الواردات الشيطانية والرحمانية والتجليات الإلهية والكونية ( عارف ) بما يراد منها وبما يتقي به ضرر بعضها وما يكون سببا للعبور عنها صاحب قوة ربانية يربيك بها ويحفظك بهمته من جميع الآفات التي تعرض للسالك في سلوكه .

 

 

 

"95"

فإن كان وهمك تحت سلطانك ، فخذ الخلوة ولا تبالي

،[ مطلب في الرياضة ]

وعليك بالرياضة قبل الخلوة ، والرياضة عبارة عن تهذيب الأخلاق وترك الرعونة وتحمل الأذى ، فإن الإنسان إذا تقدم فتحه قبل رياضته ، فلن يجيء منه رجل أبدا إلا في حكم النادر . فإذا اعتزلت عن الخلق ، فاحذر من قصدهم إليك مع إقبالهم عليك ، فإنه من اعتزل عن الخلق لم يفتح بابه لقصد الناس إليه ، فإن المراد من العزلة ترك

....................................................................

( فإن كان وهمك تحت سلطانك فخذ الخلوة ) وتوجه إلى اللّه تعالى كمال التوجه واطلب منه أن يوصلك إليه وأن يكون صاحبك في السفر كما أنه الخليفة في الحضر ( ولا تبالي ) بعد هذا بأهوال الطريق ( وعليك بالرياضة قبل الخلوة ) حتى تصفو نفسك من الكدورات وتدخل الخلوة وأنت مستريح من المجاهدة فارغ من المكابدة للمشاهدة والمراقبة والتوجه .

مطلب في الرياضة ( والرياضة عبارة عن تهذيب الأخلاق ) أي تنقيتها وتطهيرها مما لا يليق بها . واعلم أنه ما ثم خلق محمود إلا وهو مذموم بالنسبة إلى حال من الأحوال ، وكل من قال : إن التخلي عن الأخلاق المذمومة عبارة عن إخراجها بالكلية وعدم استعمالها بوجه من الوجوه فهو جاهل بالحقيقة الإنسانية وبقوله صلى اللّه عليه وسلم :

« خلق اللّه آدم على صورته » « 1 » ، إلا إذا عنى بذلك أن الأخلاق المذمومة عرفا ليست بمذمومة إلا حالة تصريفها فيما لا ينبغي أن تصرف فيه ، وأما إذا صرفت فيما ينبغي فهي محمودة ، وأن المراد بإخراج الأخلاق الذميمة إخراجها من الحيثية الأولى بالمجاز فإنه من المحققين الأكابر ( وترك الرعونة ) وهي المحق والاسترخاء والعجلة ( وتحمل الأذى ) الذي يصدر عن الخلق والعفو عنهم والاستغفار لهم ( فإن الإنسان إذا تقدم فتحه قبل رياضته فلن يجيء منه رجل أبدا إلا في حكم النادر ) لأن الأخلاق الدنسة والصفات الذميمة واللوازم البهيمية ما انحسمت مادتها من حقيقته ، فقد تظهر لوازمها بعد الفتح فتطفي نوره لأنه ما تمكن في محله لأنه كدر غير صاف بسبب تلك الأخلاق الردية وقد لا تظهر وهو قليل جدّا ( فإذا اعتزلت عن الخلق فاحذر من قصدهم إليك مع إقبالهم عليك فإنه من اعتزل عن الخلق لم يفتح بابه لقصد الناس إليه ، فإن المراد من العزلة ترك

 .......................................................

( 1 ) هذا الحديث سبق تخريجه .

 

 

"96"

الناس ومعاشرتهم ، وليس المراد من ترك الناس ترك صورهم ، وإنما المراد أن لا يكون قلبك ، ولا أذنك وعاء لما يأتون به من فضول الكلام ، فلا يصفو القلب من هذيان العالم إلا بالبعد عنهم ، فكل من اعتزل في بيته وفتح باب قصد الناس إليه ، فإنه طالب رياسة وجاه ، مطرود عن باب اللّه ، والهلاك إلى مثل هذا أقرب من شراك نعله ، فاللّه اللّه تحفظ من تلبيس النفس في هذا المقام ، فإن أكثر الخلق هلكوا فيه ، فأغلق بابك دون الناس ، وكذلك باب بيتك بينك وبين أهلك .

.......................................................................

الناس ومعاشرتهم وليس المراد من ترك الناس ترك صورهم ، وإنما المراد أن لا يكون قلبك ولا أذنك وعاء لما يأتون من فضول الكلام ، فلا يصفو القلب من هذيان العالم إلا بالبعد عنهم ، فكل من اعتزل في بيته وفتح باب قصد الناس إليه فإنه طالب رياسة وجاه ، مطرود عن باب اللّه ، والهلاك إلى مثل هذا أقرب من شراك نعله ، فاللّه اللّه تحفّظ من تلبيس النفس في هذا المقام فإن أكثر الخلق هلكوا فيه ) فإن النفس تظهر الباطل بصورة الحق وتلبسه به وإذا أردت العزلة ( فأغلق بابك دون الناس ) حتى لا يأتوا إليك ويمنعونك من المراد من العزلة ( وكذلك ) أغلق ( باب بيتك ) الذي تعتزل فيه ( بينك وبين أهلك ) فإن ضررهم المتعدي إليك أشد من ضرر الأجانب ، وفي نسخة :

وكذلك باب بيتك دونك بينك وبين أهلك ، وفيه إشارة حسنة وهي أن المعتزل كما يجب عليه أن يعتزل عن الناس بقلبه ولبه لربه كذلك يجب عليه أن يعتزل عن نفسه فلا يرى لنفسه تحققا ولا وجودا بل يراها معدومة العين موهومة الحكم ، وإذا غلب عليه هذا الحال بالنسبة إلى نفسه تخلى عن كل ما سوى اللّه لا محالة ، ويجوز أن يكون المراد بالأهل القوى والجوارح الظاهرة والباطنة وبالبيت القلب .

واعلم أن المراد من العزلة التي هي مقدمة الخلوة ليس إلا تمرين النفس على الانفراد وقلة الطعام والمنام والكلام وحفظ القلب من الخواطر المشتتة المتعلقة بالأكوان لا مطلق الخواطر ،

لأن حقيقة النفس تعطي أن لا تكون خالية من صورة في آن من الآنات لأنها مخلوقة على الصورة وهو سبحانه كل يوم هو في شأن واليوم الثاني هو الآن ،

فمن المحال أن تنتفي خواطر النفس بالكلية إذ لو انتفت لا نعدمت النفس ، وهنا سر جليل فتش عليه فإنك إن وجدته علمت ما يراد منك ،

وإذا كان الأمر كما ذكرنا فمراد الطائفة بنفي الخواطر نفي الخواطر الكونية وتعلق القلب بالجناب الإلهي لا غير ، وإذا تحكم فيهم هذا الإقبال والأعراض فأي خاطر خطر لهم جزموا بحقيقته لأنه لا تعمل لهم في حصوله ، ومن كان مع اللّه بالمراقبة التامة والتوجه الكامل فليس للشيطان عليه

 

 

"97"

[ مطلب الذكر في الخلوة ]

واشتغل بذكر اللّه تعالى بأي نوع شئت من الأذكار ، وأعلاها الاسم الأعظم ، وهو قولك : اللّه ، اللّه ، لا تزيد عليه شيئا .

...........................................................

سلطان البتة لأنه من عباد اللّه بلا شك ، فلم يبق إلا أن يكون ذلك الخاطر من الحضرة الإلهية وليس للباطل فيها دخل بوجه من الوجوه فهو حق بلا شك ، هذا من نتائج عزلة السر وهي نتيجة عن عزلة الخلق .

( و ) إنك إذا عودت النفس بالانفراد وترك المألوفات ودوام المراقبة والإقبال على اللّه والأعراض عما سواه وألفت ذلك ولم تمجه ولا تستثقله بل تتألم لعدمه وطابت له وطاب لها فأدخل الخلوة .

مطلب الذكر في الخلوة ( اشتغل بذكر اللّه تعالى ) فإن القلوب تصدأ بارتكاب المناهي وملاحظة الأغيار كما يصدأ الحديد وجلاؤها ذكر اللّه تعالى ، والذكر ينتج مجالسة الحق وهي من أسنى المواهب ( بأي نوع شئت من الأذكار ) مثل سبحان اللّه والحمد للّه ولا إله إلا اللّه واللّه أكبر ولا حول قوة إلا باللّه العلي العظيم وأمثالها ( وأعلاها ) قدرا ورتبة ونتيجة ( الاسم الأعظم وهو قولك : اللّه ، اللّه ، لا تزيد عليه شيئا ) . قال الشيخ رضي اللّه عنه : وليكن ذكرك الاسم الجامع الذي هو اللّه اللّه اللّه وإن شئت هو هو لا تتعدى هذا الذكر ، وتحفظ أن يفوه به لسانك وليكن قلبك هو القائل ، ولتكن الأذن مصغية لهذا الذكر حتى يبعث الناطق من سرك ، فإذا أحسست بظهور الناطق فيك بالذكر فلا تترك حالك التي كنت عليها فإنها قوة عرضية إن أخللت بجمعيتك لم تلبث أن تزول سريعا . وقال رضي اللّه تعالى عنه : الذكر نعت إلهي وهو نفسي ومليء في الحق وفي الحق ومع كونه نعتا إلهيّا فهو جزاء .

ذكر الخلق قال تعالى :فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ [ البقرة : الآية 152 ] فجعل وجود ذكره عن ذكره وكذلك حاله فقال : « إن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم » « 1 » .

فأنتج الذّكر وحال الذّكر حال الذّكر ، وليس الذّكر هنا بأن تذكر اسمه بل لتذكر اسمه من حيث ما هو مدح له وحمد ، إذ الفائدة ترتفع بذكر الاسم من حيث دلالته على العين فقط في حقك وفي حقه فإن قلت : رجح أهل اللّه ذكر لفظة الجلالة اللّه وذكر لفظته على الأذكار التي تعطي النعت ووجدوا لها فوائد ، قلت : صدقوا وبه أقول ، ولكن ما قصدوا بذكرهم اللّه اللّه نفس دلالته على

 

 

"98"

........................................................

العين ، وإنما قصدوا هذا الاسم أو الهو من حيث أنهم علموا أن المسمى بهذا الاسم أو هذا الضمير هو من لا تقيده الأكوان ومن له الوجود التام ، فإحضار هذا في نفس الذاكر عند ذكر الاسم بذلك وقعت الفائدة ، فإنه ذكر غير مقيد فإذا قيده بلا إله إلا اللّه لم ينتج له إلا ما تعطيه هذه الدلالة ، وإذا قيده بسبحان اللّه لم يتمكن له أن يحضر إلا مع حقيقة ما يعطيه التسبيح ، وكذلك اللّه أكبر والحمد للّه ولا حول ولا قوة إلا باللّه وكل ذكر مقيد بقيد لا ينتج إلا ما تقيد به لا يمكن أن تجتني منه ثمرة عامة ، فإن حالة الذكر تقيده . وقد عرفنا اللّه تعالى أنه ما يعطيه إلا بحسب حاله في قوله :

« إن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي » الحديث . فلهذا رجحت الطائفة ذكر لفظة اللّه وحدها أو ضميرها من غير تقيد ، فما قصدوا لفظة دون استحضار ما يستحقه المسمى وبهذا المعنى يكون ذكر الحق لعبده باسم عام بجميع الفضائل اللائقة به التي تكون في مقابلة ذكر العبد ربه بالاسم اللّه ، فالذكر من العبد باستحضار والذكر من الحق بحضور لأنا مشهودون له معلومون وهو لنا معلوم لا مشهود فلذا كان لنا الاستحضار وله الحضور ، فالعلماء يستحضرونه في القوة الذاكرة والعامة تستحضره في القوة المتخيلة ومن عباد اللّه العلماء باللّه من يستحضره في القوتين فيستحضره في القوة الذاكرة عقلا وشرعا وفي القوة المتخيلة شرعا وكشفا ، وهذا أتم الذكر لأنه ذكره بكله ومن ذلك الباب يكون ذكر اللّه تعالى له ، ثم إن اللّه ما وصف بالكثرة شيئا إلا الذكر وما أمر بالكثرة من شيء إلا من الذكر . فقال : وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِراتِ [ الأحزاب : الآية 35 ] ، وقال : اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً [ الأحزاب : الآية 41 ] ، وما أتى الذكر قط إلا بالاسم اللّه خاصة معرّى من التقيد فقال : اذْكُرُوا اللَّهَ [ الأحزاب : الآية 41 ] ،

وما قال بكذا وقال : وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ [ العنكبوت : الآية 45 ] ،

ولم يقل بكذا ، وقال : وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ [ البقرة : الآية 203 ] ،

ولم يقل بكذا ، وقال : فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها [ الحجّ : الآية 36 ] ،

ولم يقل بكذا ، وقال : فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ [ الأنعام : الآية 118 ] ،

ولم يقل بكذا ، وقال عليه الصلاة والسلام :

« لا تقوم الساعة حتى لا يبقى على وجه الأرض من يقول اللّه اللّه » « 1 » فما قيده بأمر زائد على هذا اللفظ لأنه ذكر الخاصة من عباده الذين يحفظ اللّه تعالى بهم عالم

.....................................................

( 1 ) رواه الترمذي ، كتاب الفتن ، باب ما جاء في أشراط الساعة ؛ باب منه ، حديث رقم 2207 . ورواه الحاكم في المستدرك ، كتاب الفتن والملاحم ، حديث رقم 8513 ( 4 / 540 ) . ورواه غيرهما .

 

 

"99"

[مطلب في كيفية انسلاخ الروح والتحاقه بالملأ الأعلى ]

فتحفظ من طوارق الخيالات الفاسدة أن تشغلك عن الذكر .

..........................................................

الدنيا وكل دار يكونون فيها فإذا لم يبق في الدنيا منهم أحد لم يبق للدنيا سبب حافظ يحفظها اللّه تعالى من أجله فتزول وتخرب ، وكم من قائل اللّه باق في ذلك الوقت لكن ما هو ذاكر في الاستحضار ، الذي ذكرناه فلهذا لم يعتبر اللفظ دون الاستحضار فإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا لأنهم لم يسمعوا ذكر شركائهم واشمأزت قلوبهم ، هذا مع علمهم بأنهم هم الذين وضعوها آلهة ولهذا قال : قل سموهم فإنهم إن سموهم قامت الحجة عليهم فلا يسمى اللّه إلا اللّه ( فتحفظ من طوارق الخيالات الفاسدة أن تشغلك عن الذكر ) .

 

مطلب في كيفية انسلاخ الروح والتحاقه بالملأ الأعلى فإن المطلوب منه الحضور مع المذكور ، واعلم أن النفس الناطقة التي هي الأمر العاقل المدرك من الإنسان هي التي تستحضر المذكور وتتوجه إليه حالة الذكر ، فبسبب إعراضه عن الهيكل وأحواله بلزوم الخلوة وتعطيل القوى ودوام التوجه والمراقبة تنسلخ عن الهيكل وتلتحق بالملأ الأعلى ، وليس انسلاخها عنه إلّا نفس التفاتها إلى حقيقتها بواسطة الإعراض عنه لأنها لما تعلقت به وغرقت في بحر محبته واشتغلت بتدبيره وعشقت ما حصل لها بواسطته من طريق الحواس غفلت عن نفسها حتى أنها لم تثبت إلا إياه لشدة اتحادها به وصح بحقها قول أنا من أهوى ومن أهوى أنا ، فإذا أعرضت عنه واشتغلت بما هو خارج عن عالم الأجسام بل عن عالم الإمكان بظهور قبائحه عندها وتحققها بأنه من الغابرين ، وتحكم هذا فيها امتازت عنه من حيث الشعور لأن اتحادها به ما كان إلا من حيث الشعور ولا يتحكم هذا فيها إلا إذا ثابرت عليه وصار ملكة لها ، وهو لا يصير ملكة لها إلا إذا لم تتوجه إلى غيره ولا تلتفت إليه أصلا وتدوم على ذلك بحيث يستغرقها هذا التوجه ويأخذها عن غيره ، وعند ذلك تمتاز عن الهيكل وتدبره باختيارها وتصير نسبة سائر الأجسام إليها كنسبته إليها ولهذا تؤثر في أي جسم أرادت مثل ما تؤثر فيه ، وإذا وصلت إلى هذه المرتبة وارتقت عن شهود الأجسام ولوازمها ولم يبق لها شهود إلا إمكانها وأحكمت التوجه إلى من هو خارج عن عالم الإمكان في هذه الحالة وتحكم سلطانه فيها أدى ذلك إلى انحجاب أماكنها عنها لاستغراقها في الواجب بالتوجه إليه فاتحدت به مثل اتحادها السابق بالهيكل وقالت : أنا الحق وسبحاني ما أعظم شأني ، وما هذا إلا لمغلوبية شعورها فإنها لم تتحد بالواجب سبحانه وتعالى بل استغرقت في التوجه إليه

 

"100"

[مطلب في غذاء الجسم وقت الخلوة وتفصيله ]

وتحفظ في غذائك ، واجتهد أن يكون دسما ، ولكن من غير حيوان فإنه أحسن ، واحذر من الشبع ، ومن الجوع المفرط .

............................................................

بحيث غفلت عمن سواه فظنت أنها هو كما ظنت أولا أنها عين الهيكل وهي غيره فافهم فإنه من لباب المعرفة واللّه أعلم .

مطلب في غذاء الجسم وقت الخلوة وتفصيله ( وتحفظ في غذائك ) وأبذل جهدك في أن يكون من وجه لا يريبك فإن الورع في المطعم عماد طريق اللّه ، ولا يصح السلوك ولا ينتج إلا به ( واجتهد أن يكون دسما ) حتى لا ينحرف المزاج لغلبة اليبس ( ولكن من غير حيوان ) فإن دسم الحيوان يقوي الحيوانية ويغلب أحكامها على أحكام الروحانية ، وذلك لأن كل جسم ظهرت فيه الحياة السببية لتعلق روح من الأرواح به إذا صار غذاء جسم آخر واختلط بالروح البخاري الساري فيه واستحال إليه وإلى الدم ، فإن خاصية روحه تتبعه لأنها معه وتظهر فيما استحال إليه ، وإذا كان الأمر على هذا فعليك بالدسم الغير الحيواني مثل دهن اللوز والسمسم والزيتون ( فإنه أحسن ، واحذر من الشبع ) المؤدي إلى النوم والكسل وتقوية شهوة الفرج والحركة المستغنى عنها وكثرة الكلام والغضب وفضول الجوارح ( ومن الجوع المفرط ) المؤدي إلى سقوط القوة ويبس الدماغ وفساد الخيال وانحراف المزاج .

 

قال الشيخ رضي اللّه عنه : ولا تأكل إلا عن فاقة ، ولا تشبع ولا تكثر شرب الماء ولا تأكل تصنعا ولا تعززا ولكن كل على قدر حاجتك إلى الطعام ، ولا تشره إليه لجوعك بل خذ اللقمة متوسطة فإذا جعلتها في فيك فاشدد مضغها ، وسمّ اللّه تعالى عليها فإذا مضغتها فابلعها ثم أحمد اللّه الذي سوّغها وحينئذ تمد يدك إلى لقمة أخرى فتسمي اللّه أيضا مثل الأخرى حتى تبلعها ثم تحمد اللّه تعالى وحينئذ تمد يدك إلى لقمة غيرها حتى تأخذ حاجتك ، وكل مما يليك ولو كنت وحدك لئلا تعتاد سوء الأدب ، واحذر الشهوة ولا تنظر إلى وجه أكيلك ولا إلى يده ولتنظر بقلبك في ذلك إلى تنزيه من يطعم ولا يطعم فيتبين لك نقصك وعجزك فتكون في عبادة في أكلك ، ولا تلتفت ولا تصغ لمن يقول لك إنك تأكل قليلا فيؤذيك ذلك إلى تركه رياء حتى يقال : إنك تأكل قليلا ، وإذا حضرت على مائدة طعام فكن آخر من يرفع يده ولا تفم حتى ترفع المائدة ، ولا تأكل في بيتك ثم تأتي الجماعة فتأكل معها بالتعزز كأنك قليل الأكل فإن ذلك من شيم المنافقين ، وليكن أكلك من وقت إلى وقت انتهى . ولا يصح تعيين الغذاء فإن الأغذية تابعة للمزاج فتختلف باختلافه قال الشيخ رضي اللّه عنه : وأما

 

"101"

.................................................

الأكل فخذه ما دمت تدبر نفسك واحذر أن تجوع الجوع المشغل ولا تشبع الشبع المثقل ولا تترك الطبيعة تتغذا منك ولا تترك عندها فضلا عن الوقت حتى يكون آخر خلاء المعدة أول تحصيل الغذاء وهو قوله عليه الصلاة والسلام : « حسب ابن آدم لقيمات يقمن بها صلبه » « 1 » لكن من وجه لا يريبك ولا يتضرر فيه مخلوق بكلفة ، ولا سبيل إلى أكل حيوان البتة ولا أن يتسخر لك في غذائك سواك بل تستعد غذاءك لخلوتك وعزلتك ولا يتصرف في تحصيله غيرك البتّة ، وإن جهلت مزاجك فأعرض نفسك على الأطباء فهم ينظرون لك في الغذاء الذي يلائم طبعك ويصلح لمزاجك ولتقل لهم ما تريد أن تفعله في التقليل وعدم الفضول من التصريف والحركات والثقل المؤدي إلى النوم والكسل فهم يركبون لك غذاء تبقى عليه الأيام الكثيرة لا تحتاج فيه لغذاء ولا لبراز ، وإنما لم نعين في هذه الأوراق غذاء مخصوصا لما ذكرناه من اختلاف الأمزجة ، والذين يقرؤون هذه الأوراق كثيرون فربما يستعمل ذلك الغذاء من لا يلائم طبعه فيتضرر فنعاقب عند اللّه ، هذا وإن حصرت الأمزجة في أمهات ولكن فيها دقائق وتفصيل لا يعرف إلا بمشاهدة الشخص في الوقت ، ويحتاج في الغذاء بعد معرفة الشخص وسنه إلى معرفة الزمان والمكان فهذا منعني من أن أبين غذاء ، لكن الذي لنا تبين الأمر الكلي وهو أن لا يستعمل إلا الغذاء الخفيف الملائم للطبع البطيء الهضم المشبع الذي لا يحتاج معه لتصرف . انتهى كلام الشيخ رضي اللّه تعالى عنه .

واعلم أن المطلوب الكلي من الجوع هو السهر كما أن المطلوب من العزلة الصمت فإثنان فاعلان وهما الجوع والعزلة واثنان منفعلان عنهما وهما السهر والصمت . وبهذه الأربعة تصير الأبدال أبدالا ، وقد أبان الشيخ رضي اللّه تعالى عنه عن حقائقها في حلية الأبدال فعليك بها إن أردت معرفتها ، وللشيخ فيها كلام طويل إن أوردناه طال الأمر وفيما أتينا به كفاية لأهل الدراية .

.................................................................

( 1 ) رواه ابن ماجة في سننه ، كتاب الأطعمة ، باب الاقتصاد في الأكل وكراهة الشبع حديث رقم ( 3349 ) ، ونصّه : « ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطن . حسب الآدمي لقيمات يقمن صلبه ، فإن غلبت الآدمي نفسه ، فثلث للطعام ، وثلث للشراب ، وثلث للنفس » . ورواه ابن حبان في صحيحه كتاب الأطعمة ، باب آداب الأكل ، ذكر وصف أكل المسلمين الذي يجب عليهم استعماله رجاء ثواب نوال الخير في الدارين به ، حديث رقم ( 5213 ) . ورواه غيرهما .

 

 

والزم طريق اعتدال المزاج ، فإن المزاج إذا أفرط فيه اليبس أدى إلى خيالات فاسدة وهذيان طويل ، وإذا كان الوارد هو الذي يعطي الانحراف ، فذلك هو المطلوب

،[ مطلب في الفرق بين الوارد الرحماني والشيطاني والملكي وغيره ]

تفرق بين الواردات الروحانية النورية الملكية ، والواردات الروحانية النارية الشيطانية ، بما تجده في نفسك عند انقضاء الواردات .

وذلك أن الوارد إذا كان ملكيّا ، فإنه يعقبه برد ولذة ، ولا تجد له ألما ولا تتغير لك صورة ، ويترك علما . وإذا كان شيطانيّا ، فإنه يعقبه تهريس في الأعضاء ،

...........................................................

( والزم طريق اعتدال المزاج فإن المزاج ) إذا انحرف امتنعت النفس من الذي يراد منها في الخلوة من التوجه والمراقبة والإعراض عن غير اللّه لأنه إذا أفرطت فيه الرطوبة والبرودة أدى إلى الذهول ( وإذا أفرط فيه اليبس ) والحرارة ( أدى إلى خيالات فاسدة وهذيان طويل ) وهذا كله مذموم ( وإذا كان الوارد هو الذي يعطي الانحراف ) في المزاج كما كان يأخذ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عند ورود جبريل عليه السلام عليه ونزوله على قلبه المطهر البرحاء وهو المعبر عنه بالحال فإن الطبع لا يناسبه فلذلك كان يشتد عليه وينحرف له مزاجه ويعرق جبينه ( فذلك هو المطلوب ) .

مطلب في الفرق بين الوارد الرحماني والشيطاني والملكي وغيره وينبغي لك أن ( تفرق بين الواردات الروحانية الملكية والواردات الروحانية النارية الشيطانية بما تجده في نفسك عند انقضاء الواردات ) .

( وذلك أن الوارد إذا كان ملكيّا فإنه يعقبه برد ولذة ) كما كان حال النبي صلى اللّه عليه وسلم في بدء الوحي ، فإنه صلى اللّه عليه وسلم كان حالة تحنثه في غار حراء إذا أتى إليه جبريل عليه السلام بوحي أخذه البرد وأتى إلى بيت خديجة رضي اللّه تعالى عنها وهو يرتعد من البرد فيقول : دثروني دثروني ( ولا تجد له ) أي للوارد ( ألما ) لأن الوارد الملكي لا يرد إلا على روحانيتك وهي لا تتألم منه لأنه من جنس عالمها بل تستلذ به ، وإنما انحرف المزاج لوروده لأنه لما ورد على النفس وشغلها بما ألقي إليها عن تدبير الهيكل وأخذها عنه دفعة واحدة انزعج المزاج لذلك وانجرف ( ولا تتغير لك صورة ) الوارد إن كان وروده عليك في عالم المثال وإن كان في عالم المجردات فلا تتغير لك صورة أثره فيك ( و ) إذا صدر عنك ( يترك ) لك ( علما ) لأن الوارد الملكي لا يأتي إلا بخير ( وإذا كان ) الوارد ( شيطانيّا فإنه يعقبه تهريس في الأعضاء ) والهرس الدق ومنه الهريسة

 

 

وألم وكرب وحيرة وذلة ، ويترك تخبيطا ، فتحفظ ، ولا تزل ذاكرا بقلبك حتى ينزعه اللّه عن قلبك ، وهو المطلوب .

...............................................................

( وألم وكرب وحيرة وذلة ) وتتغير لك صورتك ( ويترك تخبيطا ) وذلك لأن الشيطان من مارج من نار فإذا ورد على القلب زادت حرارته وأخذه الخفقان وغلى ذلك الدم وتموج في مجاريه وتعبت العروق والأعصاب من شدة حركته وتموجه ، فإذا صدر عنه دفعة خدرت المفاصل وسكن اضطراب العروق فأدى ذلك إلى ألم وتهريس في الأعضاء وكرب لغلبة الحرارة على القلب وحيرة في النفس لأنها متأهبة لما يرد عليها من الحق ، فإذا كان الوارد شيطانيّا ظنت النفس أنه إلهي فتوجهت إلى قبوله فرأت سرعة تغيره واستحالته لأنه مخلوق من نار فأدى ذلك إلى تحيرها ، ولهذا إذا صدر يترك تخبيطا لأنه حير النفس وأزعج المزاج ويعقبه ذلة لأنه ذليل من حين طرد ولعن فلا يكون أثره إلا على وفق طبعه ، وبعد أن علمت الفرق بين الواردات الشيطانية والملكية وورد شيطان عليك ( فتحفظ ) منه بالتوجه والمراقبة ، واحذر أن يتخلل مراقبتك فتور فإنك متى فترت مراقبتك ظهر الشيطان فيك بسلطانه ، ولا يرد عليك أبدا إلا إذا تخلل الفتور لمراقبتك ومتى لم يتخلل فلا يرد أبدا ، وإذا ورد تخلله وجمعت نفسك على التوجه خسيء وذهب عنك وهو منكوب مطرود تطرده الملائكة الموكلة بك فإن اللّه يحفظ من اشتغل به وأعرض عن غيره ، وإلى هذا أشار الشيخ رضي الله تعالى عنه بقوله ( ولا تزل ذاكرا بقلبك حتى ينزعه اللّه عن قلبك وهو المطلوب ) فإن اللّه جليس من ذكره والشيطان مبعود عن اللّه تعالى فلا يجمع اللّه والشيطان مجلس أبدا .

 

مطلب في بيان الفرق بين الخاطر الشيطاني والملكي وينبغي لك أن تفرق بين الخواطر كما فرقت بين الواردات ، فإذا خطر لك خاطر في محظور أو مكروه فاعلم أنه من الشيطان بلا شك ، وإذا خطر لك خاطر في مباح فلتعلم أنه من النفس بلا شك ، فخاطر الشيطان بالمحظور والمكروه ، اجتنبه فعلا كان أو تركا ، والمباح أنت مخير فيه فإن غلب عليك طلب الأرباح فاجتنب المباح واشتغل بالواجب والمندوب ، غير أنك إذا تصرفت في المباح فتصرف فيه على حضور أنه مباح ، وأن الشارع لولا ما أباحه لك ما تصرفت فيه فتكون مأجورا في مباحك لا من حيث كونه مباحا بل من حيث إيمانك به أنه شرع من عند الله ، وإن خطر لك خاطر في فرض فقم إليه بلا شك فإنه من الملك ، وإذا خطر لك خاطر في

 

 

"104"

.................................................................

مندوب فاحفظ أول الخاطر فأثبت عليه ، فإذا خطر لك أن تتركه لمندوب آخر هو أعلى منه أو أولى بك فإن الخاطر الثاني قد يكون من إبليس فلا تعدل عن الأول وأثبت عليه واحفظ على الثاني وافعل الأول ولا بد ، فإذا فرغت منه أشرع في الثاني فافعله أيضا فإن الشيطان يرجع خاسئا بلا شك ، هذا كلام الشيخ رضي اللّه تعالى عنه . وإنما تعرض الخواطر الردية لمن يفتر عن الذكر والمراقبة ، وأما من لم يفتر فلا تعرض له إلا الخواطر المحمودة .

واعلم أن الخواطر أربعة : ملكي ونفسي وشيطاني وقد عرفتها وإلهي وستعرفه إن شاء اللّه الواردات أربعة بلا واسطة .

قال الشيخ رضي اللّه تعالى عنه : إن الوارد الإلهي يرفع الوسائط الروحانية ليسري في كلية الإنسان ويأخذ كل عضو بل كل جوهر فرد فيه حظّا من ذلك الوارد الإلهي من لطف وكثافة ولا يشعر بذلك جليسه ولا يتغير عليه من حاله الذي هو عليه من جليسه شيء ، إن كان يأكل بقي على أكله في حاله أو شربه أو حديثه ، الذي هو عليه في حديثه فإن ذلك الوارد يعم وهو قوله تعالى :وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ[ الحديد : الآية 4 ] انتهى .

وعلى هذا المنوال هو الخاطر الإلهي فإنه يعم الواجب والمباح والمندوب والمحظور من حيث العلم لا من حيث العمل والترك ، فإنهما مخصوصان بالملك والنفس والشيطان وليس لهما دخل في الوارد الرباني لأنه لا يأتي بهما وإنما يأتي ، بالعلم ، ولو كان أتى بهما لكان آمرا بالفحشاء ، واللّه لا يأمر بالفحشاء وهو للأنبياء عليهم الصلاة والسلام بحكم الأصل ولغيرهم بالتبعيّة ، ووارد إلهي بواسطة الملك وهو إذا ورد على صاحبه وكان قويّا لما يرد به من الإجمال ، غاية فعله في الجسم أن يضجعه ويغيبه عن إحساسه ولا تصدر منه حركة أصلا بوجه من الوجوه ، سواء كان من الرجال الأكابر أو الأصاغر ، وهكذا قال الشيخ رضي اللّه تعالى عنه . وقال : وإنما يضجعه لأن نشأة الإنسان مخلوقة من تراب ،

قال تعالى :مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى ( 55 )[ طه : الآية 55 ]

وإن كان فيه من جميع العناصر لكن العنصر الأعظم التراب ، قال تعالى فيه أيضا :إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ[ آل عمران : الآية 59 ]

والإنسان في قعوده وقيامه بعيد عن أصله الذي منه نشأ فإن قعوده وقيامه وركوعه فروع ، فإذا جاءه الوارد الإلهي وللوارد الإلهي صفة القيومية وهي في الإنسان من حيث جسميته بحكم العرض ومن حيث روحه بحكم الأصل وهي المدبر هو الذي كان يقيمه ويقعده ، فإذا اشتغل الروح

 

 

"105"

......................................................

الإنساني المدبر عن تدبيره بما يتلقاه من الوارد الإلهي من العلوم الإلهية لم يبق للجسم من يحفظ عليه قيامه ولا قعوده ، فرجع إلى أصله وهو لصوقه بالأرض المعبر عنه بالاضطجاع ، ولو كان على سرير فإن السرير هو المانع له من وصوله إلى التراب ، فإذا فرغ روحه من ذلك التلقي وصدر الوارد إلى ربه رجع الروح إلى تدبير جسده فأقامه من ضجعته ، فهذا سبب اضطجاع الأنبياء عند نزول الوحي ، انتهى .

كلام الشيخ رضي اللّه تعالى عنه . ووارد طبيعي وهو لا يرد إلا على النفس الحيوانية عند استماع النغمات الحسنة والأصوات الطيبة ، فإذا ورد على صاحبه غيبه عن الإحساس وأظهر فيه الاضطراب والتخبّط والحركة وقد تكون دورية وهو مخصوص بأهل السماع المقيد بالنغمة ووارد شيطاني وقد عرفته .

مطلب ظهور الرقيقة الجبريلية على قلب الولي فصل اعلم أن الملائكة صلوات اللّه تعالى وسلامه عليهم لا ترد على الأولياء بوحي وحكم لأن ذلك من خواص النبوة والرسالة ، وقد سد هذا الباب بوجود محمد صلى اللّه عليه وسلم وقال صلى اللّه عليه وسلم : « إن النبوة والرسالة قد انقطعت فلا نبي بعدي ولا رسول » « 1 » ، وإنما ترد

.......................................................

( 1 ) لم أجده بهذا اللفظ إنما ورد بألفاظ وروايات أخرى منها ما رواه مسلم في صحيحه ، كتاب الإمارة ، باب وجوب الوفاء ببيعة الخلفاء ، الأول فالأول . ورواه البخاري في صحيحه كتاب الأنبياء ، باب ما ذكر عن بني إسرائيل . ورواه أبو داود في سننه ، كتاب الفتن والملاحم ، باب ذكر الفتن ودلائلها ، حديث رقم 4252 ، لفظه عن ثوبان ، قال : قال رسول اللّه : « إن اللّه تعالى زوى لي الأرض ، أو قال : إنّ ربي زوى لي الأرض فأريت مشارقها ومغاربها ، وإن ملك أمتي سيبلغ ما زوى لي منها ، وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض ، وإني سألت ربي تعالى لأمتي أن لا يهلكها بسنة بعامّة ولا يسلّط عليهم عدوّا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم ، وإن ربي قال لي : يا محمد إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يردّ ولا أهلكهم بسنة بعامة ولا أسلّط عليهم عدوّا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم ولو اجتمع عليهم من بين أقطارها أو قال بأقطارها - حتى يكون بعضهم يهلك بعضا وحتى يكون بعضهم يسبي بعضا ، وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلّين ، وإذا وضع السيف في أمتي لم يرفع عنها إلى يوم القيامة ، ولا تقوم الساعة حتى تلحق قبائل من أمتي بالمشركين وحتى تعبد قبائل من أمتي الأوثان ، وإنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون ، كلهم يزعم أنه نبي ، وأنا خاتم النبيين ، لا نبي بعدي . ولا تزال طائفة من أمتي على الحق . قال ابن عيسى : ظاهرين - ثم اتفقا لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر اللّه تعالى » . ورواه غيرهم .

 

"106"

.......................................................

رقائق الملائكة على قلوب الأولياء بشرع الرسول فيعلم الولي ما جاءت به ، وهو شرع الرسول صلى اللّه عليه وسلم من غير أن يطالع الكتب ويأخذ ذلك عن علماء الرسوم فيكون على بصيرة من ربه ، وقد تظهر رقيقة من الحقيقة الجبريلية لولي من الأولياء ، وتنزل على قلبه بحكم يخالف ما نص عليه الفقهاء ، فيتخيل أنه قد أوحي إليه وأنه قد وصل إلى درجة النبوة ، وأن تلك الرقيقة هي جبرائيل وليس الأمر كما توهمه ، وهو ما أخطأ في كشفه وإنما أخطأ في نظره وحكمه والأمر على ما نقوله ،

وذلك أن الفقهاء لا يأخذون الأحاديث التي يأخذونها ، ويحكمون بموجبها إلا من الرواة فقد يكون بعضها من الموضوعات وتقبله الفقهاء كلهم أو بعضهم لاعتمادهم على رواته ، وقد يكون بعضها من الصحاح ولا تقبله لعدم ثقتهم ببعض رواته ، فهم مع غلبة ظنهم وتعديلهم وتجريحهم ، وإذا كان الأمر على هذا فقد تنص الفقهاء على أمر بلغوا إليه باجتهادهم ورأيهم ولا يوافق الشرع المقرر في نفس الأمر ، وإن كان هو شرعا أيضا لأن اللّه تعالى اعتبر حكم المجتهد وإن أخطأ وجعل له من الأجر نصف ماله إن أصاب ، وإذا نزلت رقيقة الملك على قلب الولي أعلمته بما هو الأمر عليه في نفسه لا أنها تأتي إليه بحكم لا يأتي به الرسول ، هذا ما لا يقول به أحد من أهل الكشف إلا من لم ير به أستاذ متشرّع ، فما يحصل للولي من تنزل رقيقة الملك إلا ثلج الصدر باليقين الحاصل له منها بالشرع المقرر في نفس الأمر ، ولهذا إذا صدرت عنه يأخذه البرد والقشعريرة لثلج صدره فافهم . وللشيخ رضي اللّه تعالى عنه في هذا المقام كلام طويل وأطناب عظيم إن أوردناه طال الأمر ، وستقف على شيء منه في هذا الكتاب إن شاء اللّه .

وقد يشهد الكمل من الأولياء حقيقة محمد صلى اللّه عليه وسلم وهي تتلقى من حقيقة جبرائيل عليه السلام الشرع الذي نزل عليها في الحياة الدنيا ، فيعقله هذا الولي بالطبيعة لأن خطاب الحقيقة الجبريلية في ذلك المشهد إنما هو للحقيقة المحمدية وللولي بحكم التبعية ، وأصحاب هذا المشهد هم أنبياء الأولياء ، وإذا وردت عليها الواردات الإلهية أو الملكية أو الشيطانية وأنت في خلوتك ومراقبتك فاحذر أن تتوجه إليها فتشغلك عن الذكر والتوجه فتنقطع رابطتك التي اتصلت بها فإنها ما صارت ملكة لك ، ولا تخف من قوة ما أتى به إليك الملك فإن الذكر يحفظه اللّه عليك ، وأنت إذا حصلت الحق حصلت كل شيء ، وإذا فاتك الحق فاتك كل شيء .

 

 

"107"

واحذر أن تقول ماذا ، وليكن عقدك عند دخولك خلوتك أن اللّه ليس كمثله شيء .

..................................................

 

( واحذر ) عند ورود الواردات عليك ( أن تقول : ماذا ) يعني أي شيء هو هذا ، فإن هذا القول هو عين التوجه إليه ، ويجب عليك أن تحلي نفسك بعقدين ( وليكن عقدك ) أي عهدك واعتقادك الأول الذي هو أصلك الذي تبني عليه جميع أحوالك ( عند دخولك إلى خلوتك أن اللّه ) الذي قصدت الوصول إليه بخلوتك وتفريغ قلبك ومراقبتك ( ليس كمثله شيء ) أي ليس مثل مثله شيء ، فتفرض المثل من باب فرض المحال وتنزهه عن المماثلة ، وهذا أعظم في التنزيه لأنك إذا نزهت مثله عن المماثلة فهو أحق به ، وكذلك يقول : مشير الملك ووزيره عند نصحه له : مثلك لا يليق به هذا ، ولا يجسر أن يقول : أنت لا يليق بك هذا فإن مقام الملك أجل من أن يخاطب مثل هذا الخطاب ، هذا إذا كانت الكاف غير زائدة ، وأما إذا كانت زائدة فلا إشكال ، وأن إرسال الرسل حق وكل ما أتوا به مما علمته ومما لم تعلمه حق ، واحترز من التأويل فإنه نار محرقة ، وكل ما لم يبلغه علمك فكله إلى اللّه وقل آمنت باللّه وبرسله وما أتوا به من عند اللّه على مراد اللّه ومرادهم . وإياك أن تؤول الأمور الأخروية ، فإن ذلك من شيم جهال الحكماء والمتصوفة ، وهو من أقبح القبائح ، وأخبث الخبائث ، وصاحبه مبعود عن اللّه مطرود عن بابه .

مطلب أن اعتقاد الشيخ هو اعتقاد أهل الإسلام في جميع الأمور الأخروية والنبوة والرسالة اعلم أن اعتقاد الشيخ رضي اللّه عنه في جميع الأمور الأخروية وأحوال النبوة والرسالة هو اعتقاد عامة الإسلام من الفقهاء والمحدثين ، ولولا مخافة التطويل لأوردنا كلامه في ذلك ، لكن من طالع مصنفاته وفهم كلامه لا يخفى عليه ما ذكرناه ، ولا تلتفت يا أخي إلى جهال زماننا ممن يدعي فهم كلام الشيخ رضي اللّه تعالى عنه ولا يقول بما قالته الفقهاء : رضوان اللّه تعالى عليهم في الأمور الأخروية وحقيقة النبوة والرسالة ، ويسلك في ذلك نهج الحكماء ، ويدعي أن الشيخ رضي اللّه تعالى عنه يقول بذلك فإن من هذا شأنه أبلد من الحمار وهو واللّه كاذب فيما نسبه إلى الشيخ لأن جميع مصنفاته مملوءة بخلافه ونفيه ، وإن أردت أن تعلم صدق ما قلته فعليك بتتبع كلامه رضي اللّه عنه ، ولا تنجس قلبك ببغض أحد من خلق اللّه خصوصا بعض أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فإن ذلك حرمان وصاحبه لا يفلح أبدا ،

 

 

"108"

[مطلب في بيان ما يتجلى للسالك في الخلوة ]

فكل ما يتجلى لك من الصور ويقول لك : أنا اللّه ، فقل : سبحان اللّه آمنت باللّه .

واحفظ صورة ما رأيت واله عنها ، واشتغل بالذكر دائما ، هذا عقد واحد . والعقد الثاني : أن لا تطلب منه في خلوتك سواه ،

..................................................................

فكيف أن يصل إلى مقامات الكمل ، وأنت إن أخللت بشيء مما ذكرته لك فلا تتعب نفسك ولا تدخل الخلوة بل ولا العزلة فإنها لا تنتج لك إلا الخيبة والخسران ، فإن الإسلام والإيمان أول الطريق الموصل إلى اللّه ، ومن زعم أنه يصل إليه بدونهما فهو جاهل كذاب ، هذا لا شك فيه عند من شم رائحة من العلم ، ولا نعني بالإيمان إلا التصديق بما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام على النحو الذي عليه الفقهاء وأرباب الحديث لا غير ، وأما النحو الذي اخترعه من لا خلاق له فهو كفر وضلال ، ونعوذ باللّه من ذلك ، وإذا كان اعتقادك على هذا الأسلوب القويم فأنت على الصراط المستقيم ، وأبشر بإنتاج خلوتك إذا أيقنت أن اللّه ليس كمثله شيء .

مطلب في بيان ما يتجلى للسالك في الخلوة ( فكل ما يتجلى لك من الصور ) الروحانية والجسمانية والعقلية ( ويقول لك : أنا اللّه ) لأن هوية الحق سبحانه وتعالى سارية في جميع الموجودات ، فللحق في كل موجود وجه خاص منه يقول لك ذلك الموجود أنا اللّه ، كما جاء الخطاب والنداء لموسى عليه السلام من الشجرة ( فقل ) في جوابه ( سبحان اللّه ) أن يتقيد في مظهر لأنه مطلق عن جميع القيود وقد ( آمنت باللّه ) أنه يظهر بأي صورة شاء لأنه مطلق عن قيد الإطلاق ، وفي نسخة أنت باللّه . وفيه إشارة حسنة لأنك بعد التسبيح عن التقييد تخاطب الحق سبحانه من حيث الوجه الخاص الظاهر في تلك الصورة وتنزهه عن الإطلاق كما نزهته عن التقييد .

( واحفظ صورة ما رأيت ) فإن ذلك ينفعك إذا بلغت إلى مقام التكميل والتربية ، فإن أكثر المشايخ غلطوا في التربية لأنهم فرطوا فيما شهدوه في بدايتهم ( واله عنها ) أي عن الصورة واحذر أن تشغلك عن التوجه ( واشتغل ) عنها ( بالذكر ) والمراقبة ( دائما ) بحيث لا يتخلل ذلك غفلة أصلا ( هذا ) الذي ذكرناه ( عقد واحد ) وهو العقد الأول . ( و ) أما ( العقد الثاني ) فهو ( أن لا تطلب منه ) أي من الحق ( في خلوتك سواه ) أي سوى الحق فإنك إن فعلت ذلك فسدت قواعد خلوتك لأنك بنيتها على عدم الاختيار وأحدية المقصد وعدم الالتفات إلى غير الحق ، وهذا معنى الإرادة فإن المريد

 

 

ولا تعلق الهمة بغيره ، ولو عرض عليك كل ما في الكون فخذه بأدب ، ولا تقف عنده ، وصمم على طلبك ، فإنه يبتليك . ومهما وقفت مع شيء فاتك ، وإذا حصلته لم يفتك شيء .

فإذا عرفت هذا ، فاعلم أن اللّه تعالى يبتليك بما يعرضه عليك ، فأول ما يفتح لك أن أعطاك الأمر على الترتيب كما أقوله لك .

[مطلب في بيان كشف العالم الحسي ]

وهو كشفك العالم الحسي الغائب عنك ، فلا تحجبك الجدران والظلمات

............................................................................

للحق من لا إرادة له في غير الحق ( ولا تعلق الهمة بغيره ) أي بغير الحق ( ولو عرض عليك كل ما في الكون فخذه بأدب ) والأدب في الأخذ هو أن لا تأخذ إلا ما أمرت بأخذه وإذا أخذته فلا تأخذه من حيث إنه سوى الحق فإنك تخسر بالتوجه إليه ، وإن خيرت بين الأخذ والترك ، فاختر الترك فإنه أولى من الأخذ عند التخيير على الإطلاق ، بالنسبة إلى كل شخص سواء كان من أهل البدايات أو أصحاب النهايات ( ولا تقف عنده ) أي عندما أخذته عن الأمر الرباني ( وصمم على طلبك ) للحق وتوجهك إليه ( فإنه ) ما يعرض عليك المملكة حتى تتوجه إليها وتعرض عنه ، وإنما عرضها عليك حتى ( يبتليك ) أي يختبرك هل تقف مع غيره أو لا تلتفت إلا إليه ، فإن وقفت مع غيره طردك عن بابه بنفس وقوفك مع غيره ، وإن لم تقف قربك إلى جنابه وهو عين عدم وقوفك مع غيره ( ومهما وقفت مع شيء ) من الأشياء التي يعرضها عليك ( فاتك ) الحق أو ذلك الشيء والأول أظهر ( وإذا حصلته لم يفتك شيء ) لأنه عين كل شيء .

( فإذا عرفت هذا ) الذي أشرنا إليه وتحققته ( فاعلم أن اللّه تعالى يبتليك ) أي يختبرك ( بما يعرضه عليك ) من كونه ( فأول ما يفتح لك أن أعطاك الأمر على الترتيب ) الواقع في نفس الأمر بين الأشياء الآفاقية والأنفسية ، فإن خلاف ذلك لا يصح للسالك ، وإنما يصح للمجذوب والترتيب الواقع بين الأشياء التي يفتح عليك بها هو ( كما أقوله لك ) .

مطلب في بيان كشف العالم الحسي ( وهو ) أي أول ما يفتح عليك ( كشفك العالم الحسي ) وهو جميع عالم الأجسام ولوازمها ( الغائب عنك ) على حسب العادة لبعده أو لاحتجابه ، وإذا حصل لك هذا الكشف ( فلا تحجبك الجدران والظلمات ) والبعد

 

 

"110"

عما يفعله الخلق في بيوتهم ، إلا أنه يجب عليك التحفظ أن لا تكشف سر أحد عند أحد إذا أطلعك اللّه عليه ، فإن بحت به ، وقلت هذا زان ، وهذا شارب ، وهذا سارق ، وهذا مغتاب ، فاتهم نفسك ، فإن الشيطان قد دخل عليك ، فتحقق باسم الستّار . وإن جاءك ذلك الشخص فانهه ما بينك وبينه على الستر ، وأوصه أن يستحي من اللّه ، ولا يتعدى حدود اللّه ، واله عن ذلك الكشف جهد طاقتك ، واشتغل بالذكر .

..........................................................

( عما يفعله الخلق في بيوتهم إلا أنه يجب عليك التحفظ أن لا تكشف سر أحد عند أحد إذا أطلعك اللّه عليه ) فإن اللّه تعالى لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء ، ومع هذا ستر قبائح عباده في الدنيا وفي الآخرة ، وظهر ذلك في جميع الشرائع ، ومن تأمل في شهود الزنا وعدتهم وشروط شهادتهم علم قطعا أن اللّه تعالى ما أراد بذلك إلا الستر على عبده العاصي ، وذلك لسر يعلمه أهل طريقتنا ( فإن بحت به وقلت هذا زان ، وهذا شارب ) مسكرا ( وهذا سارق ، وهذا مغتاب ، فاتهم نفسك ) بذنب عظيم عند اللّه تعالى ، وهو هتك أستار الخلق التي ندب اللّه تعالى إلى عدم هتكها ، ومدح نفسه بذلك ، ولا تؤول ذلك بأن تقول : إنما أفعل ذلك غيرة على محارم اللّه تعالى ( فإن الشيطان قد دخل عليك ) بهذا التأويل واستخفك به فأطعته فلا تأمن منه فإنه يظهر الباطل بصورة الحق والحق بصورة الباطل ولا يخلص من تلبيسه إلا من له قدم راسخة في العلم الإلهي ، وأكثر أهل الطريق هلكوا من تدليسه وما نجي منهم إلا من رحمه اللّه بأن حققه بعبوديته حتى صار من عباد اللّه الذين ليس للشيطان عليهم سلطان ، فإذا دخل عليك الشيطان بهذا التأويل ( فتحقق باسم ) اللّه ( الستّار ) وتخلق به واجعله صفة لك ( وإن جاءك ذلك الشخص ) الذي رأيته في كشفك قد تعدى حرمات اللّه تعالى ( فانهه ) عن ذلك بلطف ورحمة ، وتجنب في نصحك له الفظاظة والغلظة فإنها تورث العداوة وتوجب عدم قبوله لقولك ، وليكن ذلك ( ما بينك وبينه على الستر ) فإن النصح في الملأ تقريع ، وقل أن يخلو الناصح في الملأ من العجب والتكبر والنفاسة وهي من أقبح الذنوب فهو كمن قال اللّه تعالى في حقه أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم ( وأوصه أن يستحي من اللّه ) فإن اللّه تعالى معه أينما كان وعلى أي حالة كان ( ولا يتعدى حدود اللّه ) فإنه من يتعدى حدود اللّه هلك ( واله عن ذلك الكشف جهد طاقتك ) فإنه بداية الأمر وتوجه إلى اللّه تعالى بالمراقبة ( واشتغل بالذكر ) حتى يرفعه اللّه عنك .

 

 

[مطلب في بيان الفرق بين كشف عالم الحس والخيال ]

وأما التفرقة بين الكشف الحسّي والخيالي ، فنبينه لك ، وذلك إذا رأيت صورة شخص ، أو فعلا من أفعال الخلق أن تغلق عينيك ، فإن بقي لك الكشف فهو في خيالك ، وإن غاب عنك فإن الإدراك تعلق به في الموضع الذي رأيته فيه .

...........................................................................

مطلب في بيان الفرق بين كشف عالم الحس والخيال ( وأما التفرقة بين الكشف الحسّي والخيالي ) الذي غلط فيه أكثر أهل الكشف الصوري ( فنبينه لك ) لأنه من الواجبات ( وذلك إذا رأيت صورة شخص أو فعلا من أفعال الخلق أن تغلق عينك ، فإن بقي لك الكشف فهو في خيالك ) لأن الكشف الخيالي إنما هو بعين الخيال لا بالعين التي تدرك المحسوسات الحقيقية فلا يغيب ما يكشف بها عند غلق العين الظاهرة ( وإن غاب عنك فإن الإدراك تعلق به في الموضع الذي رأيته فيه ) لأنك ما أدركته إلا بالعين الظاهرة ، وهي لا تدرك الأشياء إلا على ما هي عليه في أمكنتها ، والعجب أن صاحب الكشف الحسي لا تحجبه الجدران السميكة الكثيفة عما خلفها ، وإذا أغمض عينه حجبه جفنها وما ذلك إلا من رحمة اللّه حتى تكون له علامة يفرق بها بين الكشف الحسي والخيالي ، كي لا يلتبس عليه الأمر فيقع في الحيرة في أول سلوكه فيؤديه ذلك إلى عدم الثقة بالطريق . واعلم أن جهال المتصوفة من أهل زماننا لا يقولون بالكشف الحسي ويزعمون أنه ما ثم إلا الكشف الخيالي وهو غلط صريح وما تقدم لك من كلام الشيخ رضي اللّه عنه في التفرقة بين الكشف الحسي والخيالي نص على وجود الكشف الحسي .

قال الشيخ رضي اللّه تعالى عنه : إن عالم الغيب يدرك بعين البصيرة ، كما أن عالم الشهادة يدرك بعين البصر .

وكما أن البصر لا يدرك عالم الشهادة ما لم يرتفع عنه حجاب الظلمة أو ما أشبهه من الموانع ، فإذا ارتفعت الموانع وانبسطت الأنوار على المحسوسات أدرك البصر المبصرات ، فإدراكها مقرون بنور البصر ونور الشمس أو السراج وأشباههما من الأنوار ، وكذلك عين البصيرة له حجاب وهو الريون والشهوات وملاحظات الأغيار إلى مثل هذا من الحجب ، فتحول بينه وبين إدراك الملكوت أعني عالم الغيب ، فإذا عمد الإنسان إلى مرآة قلبه وجلاها بأنواع الرياضات والمجاهدات حتى أزال عنها كل حجاب ، واجتمع نورها مع النور الذي ينبسط على عالم الغيب وهو النور الذي يترائى به أهل الملكوت ، وهو بمنزلة الشمس في المحسوسات ، اجتمع عند ذلك نور البصيرة مع نور التمييز فكشف المغيبات على ما هي عليه ، غير أن بينهما لطيفة معنى

 

 

ثم إذا لهيت عنه ، واشتغلت بالذكر ، انتقلت من الكشف الحسي إلى الكشف الخيالي فتنزل عليك المعاني العقلية في الصور الحسية ، وهو تنزل صعب ، فإن علم ما أريد بتلك الصورة ، ولا يعرفها إلا نبي أو من شاء اللّه من الصديقين ، فلا تشتغل به .

.........................................................

وذلك أن الحس تحجبه الجدران والبعد المفرط والقرب المفرط والأجسام الكثيفة الحائلة بينه وبين من يريد إدراكه ، وهذا القصور عادة ، وقد تنخرق لنبي أو ولي كقول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إني أراكم من وراء ظهري » « 1 » . وفي الأولياء ابتداء المكاشفات لهم في أول سلوكهم ، وأن المريد أول ما يكشف له عن المحسوسات فيرى رجلا مقبلا أو على حالة ما وبينهما البعد المفرط والأجسام الكثيفة بحيث أن يراه بمكة ، أو يرى الكعبة وهو بأقصى المغرب ، وهذا كثير عند المريدين في أول أحوالهم ذقت ذلك كله والحمد للّه .

( ثم إذا لهيت عنه ) أي عن الكشف الحسي ( واشتغلت بالذكر ) والتوجه ( انتقلت من الكشف الحسي إلى الكشف الخيالي ) .

مطلب الكلام على الخيال ومراتبه ولقد توهم من لا خبرة له بطريق أهل اللّه أن أول ما يكشف للمريد عالم الخيال ، ثم بعد ذلك يكشف له عن عالم الحس طرف عالم الخيال وأول ما يعبر السالك على عالم الحس ثم بعد ذلك يدخل إلى عالم الخيال وبعده إلى عالم الأرواح وبعده إلى عالم الصفات ، واعلم أن الخيال عبارة عن مرتبة من مراتب الشعور تلطف الكثيف وتكثف اللطيف ولهذه المرتبة أربع مراتب .

المرتبة الأولى وهي الخيال المطلق وهي الخيال المطلق المعبّر عنه بالعماء ، وهذه المرتبة تجعل اللطيف المطلق أعني الواجب سبحانه في مرتبتها كثيفا ، لأنه يظهر فيها بصور الممكنات ، وتجعل الكثيف المطلق أعني الممكن المعدوم لطيفا لأنه لا يظهر فيها بصورة الواجب وليس إلا الوجود ، فالخيال المطلق برزخ بين اللطيف المطلق والكثيف المطلق ، وأصل

.....................................................

( 1 ) رواه البخاري في صحيحه ، كتاب الأذان ، باب إقبال الإمام على الناس عند تسوية الصفوف ، حديث رقم ( 718 ) . ورواه أحمد في المسند عن أنس بن مالك حديث رقم ( 12017 ) . ورواه غيرهما .

 

 

"113"

........................................................

الخيال المنفصل الذي هو العماء نفس الرحمن لأن النفس إذا تكاثف ظهر العماء وهو عين النفس ، وليس النفس بأمر زائد على الشعور الأول ، فإن الحق قبل أن يتعلق علمه بذاته كانت جميع الحقائق الإلهية والكونية مستجنة في ذاته غير متميزة المراتب لا في العلم ولا في العين لكن لها صلاحية التميز فيها ، فكانت لعدم هذا التعين في كرب وضيق وحصر لانعدام أعيانها واستهلاكها في الوحدة الذاتية ، فلما تعلق العلم الذاتي الذي هو عين الذات من جميع الوجوه بالذات تميزت مراتب الحقائق المستجنة في عرصته وزال عنها ما كانت تجده من الكرب والضيق بسبب كمونها واستجنانها في وحدة الذات ، وما تعلق هذا العلم بالذات إلا من حكم الرحمة التي هي عين الوجود الذي وسع كل شيء وهذا العلم هو المعبر عنه بنفس الرحمن الذي يأتي للكمل من قبل اليمن الذي هو عبارة عن الوجود البحت ، فلما تميزت مراتب الحقائق الإلهية والكونية في عرصة العلم الذاتي وكان من جملتها حقيقة العلم كان تعلق هذا العلم الممتاز بالأعيان والمراتب المتميزة في عرصة العلم الذاتي المعبر عنها بالأعيان الثابتة عين وجود الأشياء في الخارج ، وذلك العلم هو العماء الذي انفهقت فيه صور كل ما سوى اللّه تعالى ، فكان كالهيولى لها فالعلم الأول هو نفس الرحمن لأنه نفّس عن الحقائق المستجنة ما كانت تجده من كرب الاستجنان ، فلما تكاثف بامتيازه عن ذات اللطيف سبحانه كان عبارة عن العماء الذي وجد فيه العالم ، وعلى هذا فالعلم الثاني لا يتعلق بما لا نهاية له لأن كل ما هو موجود في الخارج متناه وهو الذي يحدث تعلقه عند حدوث معلومه فيه ، بخلاف العلم الأول فإنه لا يحدث له تعلق أصلا ، ونسبة الكليات والجزئيات إليه على السواء ، وكذا النسبة الزمانية وغيرها إليه على السواء ، فافهم فإنه من لباب المعرفة .

المرتبة الثانية وهي الخيال المقيد هي الخيال المقيد والخيال المتصل ، وهذه المرتبة تكثف اللطيف المقيد مثل العلم فإنه يظهر فيه بصورة اللبن ، وتلطف الكثيف المقيد مثل المحسوسات فإنها تظهر فيها بصورة خيالية ، ومنشأ هذه المرتبة هي القوة التي في البطن الأول من الدماغ ، واعلم أنك إذا أخذت جميع الصور التي تظهر فيها جميع المحسوسات وغير المحسوسات في هذه المرتبة ، ولا حظت أنها جملة من الصور الممتازة عن ما عداها

 

 

..................................................................

في حد ذاتها كامتياز الأربعة عن الثلاثة ، ظهر لك عالم مستقل هو برزخ بين جميع المجردات والماديات في نفس الأمر مع قطع النظر عن القوة الدماغية وما فيها من الصور الخيالية ، وقد يسمى بعض الكمل هذه المرتبة الثانية بالخيال المطلق والمنفصل .

 

المرتبة الثالثة وهي مرتبة الشعور هي مرتبة الشعور المشهودة في النوم ، وسبب شهودها أن الإنسان لما تعطلت حواسه بواسطة النوم ارتقت نفسه عن عالم الحس إلى عالم الخيال المقيد ، فشهدت من صوره في القوة الدماغية ما يناسب حالها ويناسب ما كانت عليه في يقظتها .

 

المرتبة الرابعة هي مرتبة الشعور بالصور التي تظهر فيها الأرواح بعد الموت .

الروح اعلم أن الروح لما كان من عالم المجردات لم يكن له ذوق ولا قدم في عالم الأجسام ، فلما أهبط من عالمه إليه وتعلق بالهيكل وشهد ما هي الأجسام عليه وما تنتجه مما لم يشهده في عالمه تولع بعالم الأجسام وعشق الهيكل وأحبه محبة لا يتصور أعظم منها ، وذلك لأنه هو الواسطة في شهوده لعالم الأجسام وتحصيل ما لا يحصل إلا منها ، وإنما أحب الروح الظهور لأن الوجود الحق الساري في جميع الموجودات أحبه كما أخبر عن نفسه بقوله : « كنت كنزا مخفيّا » الحديث ، ولما كانت محبة عالم الأجسام خصوصا الهيكل متمكنة من الروح وقد حكم سلطانها عليه بحيث ذهل عن نفسه ولم يثبت إلا الجسد كما هو رأي طائفة من الناس بل كما يذوقه جميع الناس إلا أهل الانسلاخ وأنشد لسان حاله : أنا من أهوى ومن أهوى أنا كان عند مفارقته لهيكله الذي استغرق شعوره فيه حالة تعلقه به لا يتصور إلا هو ولا يحصل في باله غيره ، فكان لذلك يرى نفسه بعد الموت على صورة الهيكل ولا يقدر أن ينفك عنه لأنه لا يغفل عن ملاحظته طرفة عين ولو غفل عنه لما أدرك ذاته إلا مجردة ، فملاحظة الكمل اختيارية ، ولهذا تقول ساداتنا : إن الكمل لا تتقيد في برازخها ، وملاحظة العوام اضطرارية ، وللكلام على هذه المرتبة مجال رحب إن

 

 

وإن سيقت لك مشروبات ، فاشرب الماء منها ، فإن لم يكن فيها ماء ، فاشرب اللبن ، وإن جمعت لك ، فاجمع بين الماء واللبن ، وكذلك العسل اشربه . وإياك أن تشرب الخمر إلا أن يكون ممزوجا بماء المطر ، فإن كان

............................................................

اشتغلنا به فات المقصود ، ومن دقق النظر فيما أوردناه علم أن هذه المرتبة عين المرتبة الثالثة من وجه وغيرها من وجه ، وأنا ما عرفنا جميع المراتب إلا من المرتبة الثالثة ، وأن المرتبة الثانية هي مصدر الثالثة والرابعة ، وإذا علمت حقيقة عالم الخيال ومراتبه ، علمت أن صاحب الكشف الخيالي الذي تنزل عليه المعاني العقلية في الصور الحسية ، ما يشهد إلا صور عالم الخيال المقيد الذي هو المرتبة الثانية في القوة الخيالية التي هي في البطن الأول من دماغه وهي المرتبة الثالثة ، فصور المعاني التي هي في المرتبة الثانية تنزل منها إلى المرتبة الثالثة ،

وإن شئت قلت : إن المعاني تنزل من العالم العقلي في صورة المرتبة الثانية إلى المرتبة الثالثة وإلى هذا أشار الشيخ رضي اللّه تعالى عنه بقوله : ( فتنزل عليك المعاني العقلية ) مثل العلم المطلق وعلم الشرائع والدين ( في الصور الحسية ) مثل الماء واللبن والقيد ( وهو تنزّل ) الاطلاع على حقيقته ( صعب ) في غاية الصعوبة ( فإن علم ما أريد بتلك الصورة ) الظاهرة في عالم الخيال عند المكاشف لا يحصل لكل أحد ولا يطلع على التعبير به إلا الكمل ( ولا يعرفها ) أي الصور أنها صور ماذا ولماذا نزلت ( إلا نبي ) قد أعلمه اللّه مراده فيها بالوحي أو الإلهام ( أو من شاء اللّه ) أن يعلم ذلك ( من الصديقين ) الذين هم ورثة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ورتبتهم تلي رتبة النبوة وإذا حصل لك هذا التنزل ( فلا تشتغل به ) عن التوجه والمراقبة فيفوتك المطلوب .

 

( وإن سيقت لك ) في هذا الكشف ( مشروبات فاشرب الماء منها ) فإنه صورة العلم المطلق ( فإن لم يكن فيها ماء فاشرب اللبن ) تصب الفطرة كما فعل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حين عرج به إلى السماء فإن اللبن صورة علم الشرائع ( وإن جمعت لك ) المشروبات ( فاجمع بين الماء واللبن ) لأن ذلك صورة الاشتراك بين سائر العلوم والعلم المشروع ونسبة كل واحد منها إليه ونسبته إلى كل واحد منها ( وكذلك العسل اشربه ) فإنه صورة العلوم الشرعية الحكمية والنواميس التي وضعتها الحكماء والرهبانية المبتدعة ابتغاء مرضات اللّه ( وإياك أن تشرب الخمر ) بلا مزج فتضل به فإنه صورة علم الأحوال ( إلا أن يكون ممزوجا بماء المطر ) الذي هو صورة العلم الوهبي فترشد به لأن الأحوال إذا تعرّت عن العلوم الوهبية التي لا خطأ فيها ضل صاحبها ( فإن كان

 

 

ممزوجا بماء الأنهار ، أو العيون فلا سبيل إلى شربه .

واشتغل بالذكر حتى يرفع عنك عالم الخيال ، ويتجلى لك عالم المعاني المجردة عن المادة ، واشتغل بالذكر حتى يتجلى لك مذكورك .

.................................................................

الخمر ممزوجا بماء الأنهار أو العيون ) الذي هو صورة علم الطبيعة ( فلا سبيل إلى شربه ) فإنه يؤدي إلى الزندقة والإلحاد وفساد الاعتقاد ، وكذلك إذا كان ممزوجا بماء الجب الذي هو صورة العلم الفكري ، فإن الأحوال إذا خالطها الفكر كثر الخطأ وقلّت الإصابة ، واشرب ماء العيون والأنهار بلا مزج ، وكذلك إذا مزج بماء المطر واللبن ، ولا تشربه إذا مزج بماء الجب أو العسل ، ولا تشرب ماء الجب إلا إذا مزج بماء المطر أو اللبن ، واعلم أن الماء الخالص من وجه هو صورة العلم العقيم الذي لا ينتج أبدا وهو علم الذات ، فإن كان ممزوجا أو خالصا بعد المزج بماء طرأ عليه من التردد في أطوار الاستحالات فإنه ينتج ، فإن كان ممتزجا أنتج العلم بالصفات وإن كان خالصا بعد المزج أنتج العلم بالإعادة والنشأة الآخرة ، وتميز طبقات ذلك العالم كل طبقة على انفرادها مخلصة من المزج والتداخل ، فلا يظهر الشقي بصورة السعيد وهو قوله تعالى :وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ( 59 ) [ يس : الآية 59 ] وفي الجملة فلا يظهر أحد بصورة غيره كما هو في الدنيا . وإن مزج بماء الأنهار والعيون بعد أن خلص أنتج العلم بتنزل المعاني الروحانية المنشأة من القوالب الجسمانية والملائكة المخلوقة من الأنفاس ، ومن قولي اعلم إلى ههنا بعض من عبارة الشيخ رضي اللّه تعالى عنه وبعضه عبارتي فلا يشتبه عليك ، وإنما نبّهت على هذا حتى يعلم الناظر في هذا الكتاب أني ما أنقل كلام أحد بوجه يتوهم منه أنه كلامي كما هو دأب بعض الناس ، بل كل كلام أنقله عن أحد أميزه عن كلامي وأنسبه إليه وكلاما لم أتعرض له فهو كلامي للّه الحمد والمنة وإياك يا أخي أن تتقيد بالكشف الخيالي بل أعرض عنه وتوجه إلى اللّه تعالى .

( واشتغل بالذكر حتى يرفع عنك عالم الخيال ويتجلى لك عالم المعاني المجردة عن المادة ) وتصل إلى العالم العقلي بانسلاخك عن هيكلك وصعودك إلى عالم الأرواح ورقيك عن عالم الأجسام والجسمانيات ( واشتغل بالذكر حتى ) ترتقي عن عالم الأرواح المجردات وتنسلخ من تعينك الروحي كما انسلخت من تعينك الجسمي وتصل إلى عالم الصفات ( ويتجلى لك مذكورك ) خلف حجب الصفات .

 

 

"117"

[مطلب في بيان الفناء والفرق بين المشاهدة والنومة ]

فإذا أفناك عن الذكر به فتلك عين المشاهدة ، أو النومة . وسبيل التفرقة بينهما ، أن المشاهدة تترك شاهدها ، وتقع اللذة عقيبها .

............................................................................

مطلب في بيان الفناء والفرق بين المشاهدة والنومة ( فإذا أفناك ) تجليه الصفاتي عن تعينك الروحي و ( عن الذكر به ) الضمير يعود إلى المذكور ( فتلك عين المشاهدة أو النومة ) وقد نقلنا كلام الشيخ رضي اللّه تعالى عنه في المشاهدة فيما تقدم فلينظر هناك ، واعلم أن المشاهدة والنومة يشتركان في الغيبة عن الإحساس بل عن الأنانية ، ولهذا يتوهم صاحب النومة أنه صاحب مشاهدة ( وسبيل التفرقة بينهما أن المشاهدة ) إذا غيبت المشاهد عن نفسه فإنها ( تترك ) بعد انقضاء الغيبة في المحل الذي أثرت فيه ( شاهدها وتقع اللذة عقبها ) أي عقيب المشاهدة ، فإن اللذة بالشهود لا تحصل للمشاهد قبل المشاهدة ، وذلك ظاهر ولا في حالة المشاهدة لأنه في تلك الحالة فان عن نفسه بمشهوده ولا بد من الاستلذاذ به ، فلم يبق إلا أن تكون عقيب المشاهدة ، وأما الشاهد الذي تتركه المشاهدة في المحل ، فاعلم أن الشيخ رضي اللّه تعالى عنه يقول : لما كان الشاهد حصول صورة المشهود فيعطي خلاف ما تعطيه الرؤية ، فإن الرؤية لا يتقدمها علم بالمرئي والشهود يتقدمه علم بالمشهود وهو المسمى بالعقائد ، ولهذا يقع الإنكار والإقرار في الشهود ولا يكون في الرؤية إلا الإقرار ليس فيها إنكار ، وإنما سمي شاهدا لأنه يشهد له ما يراه بصحة ما اعتقده ، فكل مشاهدة رؤية وما كل رؤية مشاهدة ، ولكن لا يعلمون فما يرى الحق إلا الكمل من الرجال ، ويشهده كل أحد ولا يكون عن الرؤية شاهد ، وقال تعالى في إثبات الشاهد :أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ[ هود : الآية 17 ] .

ويتلوه شاهد منه فيكون العبد على كشف من اللّه تعالى لما يريده به أو منه ، وذلك لا يكون له إلا بإخبار إلهي أو إعلام بالشيء قبل وقوعه وهو قول الصديق رضي اللّه عنه : « ما رأيت شيئا إلا ورأيت اللّه قبله » ، ثم إن ذلك الأمر لا يكون له عين إلا من اسم إلهي يكون ذلك أثر ذلك الاسم ، فيقوم الاسم في قلب العبد ويحضر فيه فيشهده العبد ، ثم يرى ظهور ذلك الأثر ووجوده في نفسه أو في الآفاق من الذي تقدم له به الإعلام ، فيسمى ذلك الاسم شاهدا حيث شهده هذا العبد متعلق ذلك الأثر المعلوم عنده ، وهذا لا يكون إلا للكمل من الرجال فهم أصحاب شهود في كل أثر يشهدونه بعد العلم الإلهي لهم به على طريق الخبر . وقال رضي اللّه تعالى عنه : الشاهد ما تعطيه المشاهدة من الأثر في قلب المشاهد فذلك هو الشاهد وهو على حقيقة ما يضبطه القلب من صور المشهود انتهى .

 

 

والنومة لا تترك شيئا ، فيقع التيقظ عقيبها ، والاستغفار والندم .

ثم إن اللّه عزّ وجلّ يعرض عليك مراتب المملكة ابتلاء ، بأن رتب لك الفرض ،

...................................................................

( والنومة ) إذا غيبت السالك عن نفسه فإنها ( لا تترك ) بعد انقضاء الغيبة ( شيئا ) لأنها ذهول وهو عدمي وأثره عدمي مثله بخلاف المشاهدة فإنها وجودية وأثرها مثلها ولما كانت النومة ذهولا لهذا قال الشيخ رضي اللّه عنه ( فيقع التيقظ عقيبها والاستغفار والندم ) فإنه من سلك حتى وصل إلى حضرة الأسماء لغلبة عشقه وحبه لتلك الحضرة وغفل فيها فقد غفل في الحضرة التي يجب فيها كمال الشعور لأنها حضرة حاضرة لا بد أن يندم بعد انقضاء الذهول على فوت الزمان الذي انقضي في الغفلة عن محبوبه ، ويستغفر اللّه من كل ذلك لأنه ذنب عظيم ، ولا تظن أن الذهول لا يكون إلا للمتوسطين فإنه يقع للكمل أيضا ، قال سيد الكل في الكل : « إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر اللّه في كل يوم مائة مرة » « 1 » ، أو كما قال .

( ثم إن اللّه عزّ وجلّ ) بعد أن يذيقك حلاوة مشاهدته لا بد أن يمتحنك حتى يعلم هل أنت ممن يليق بجنابه أو ممن يطرد من بابه ، فإن كنت الأول اصطفاك لنفسه وإن كنت الثاني ردك إلى شهود نفسك وذلك عين طرده إياك عن بابه ، وما قدم المشاهدة على الامتحان إلا لتقوم له الحجة عليك ، فإنه ربما لو قدم الامتحان على المشاهدة لقلت عند طرده إياك عن بابه لتوجهك إلى غيره : يا رب لم طردتني لأجل توجهي إلى غيرك وأنت لم تذقني حلاوة مشاهدتك حتى تأخذني عن سواك واشتغل بها عن غيرها ، فلما قدم المشاهدة على الامتحان لم يكن لك أن تقول مثل هذا القول ، وصورة امتحانه لك بعد المشاهدة هو أن ( يعرض عليك مراتب المملكة ابتلاء ) وهو كما أذكره إن شاء اللّه وذلك ( بأن ) عرض عليك جميع مملكته على الوجه الذي سنذكره و ( رتب لك الفرض ) على وفق الترتيب الواقع في المملكة من التقدم والتأخر وذلك ليحصل لك العلم بحقيقة الأسباب والمسببات والعلل والمعلولات ، فتعرف حقائقها وما تستحقه ذواتها لمراتبها ، وهذا من رحمته بك ، واحذر أن تلتفت إلى ما

........................................................................

( 1 ) رواه مسلم في صحيحه كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار ، باب استحباب الاستغفار والاستكثار منه ، حديث رقم ( 41 - 2702 ) . ورواه أبو داود في سننه ، كتاب الوتر ، باب في الاستغفار ، حديث رقم ( 1515 ) . ورواه غيرهما .

 

 

[مطلب في الكشف المعدني وبعده الكشف النباتي ]

فإنك ستكشف أولا على أسرار الأحجار المعدنية وغيرها ، وتعرف سر كل حجر وخاصيته في المضار والمنافع .

فإن تعشقت بذلك ، أبقيت معه ، وطردت ، ثم سلب عنك كل شيء حفظته ، وخسرت . وإن استغنيت عنه ، واشتغلت بالذكر ، ولجأت إلى جانب المذكور ، رفع عنك ذلك النمط ، وكشف لك عن النباتات ، ونادتك كل عشبة بما تحمله من خواص المضار والمنافع ، فليكن حكمك معها كحكمك أولا ، وليكن غذاؤك عند الكشف الأول ما كثرت حرارته ورطوبته ، وفي الكشف الثاني ما اعتدلت حرارته ورطوبته .

.....................................................................

يعرضه عليك أو تأخذه وتتصرف فيه من غير إذن ، فإنك إن فعلت ذلك طردك عن بابه بلا شك ، وليس طرده لك إلا نفس ملاحظتك لغيره « إنما هي أعمالكم ترد عليكم » أو تتعشق بما ينكشف لك .

مطلب في الكشف المعدني وبعده الكشف النباتي وما يحتاجه السالك من استعمال الأغذية فيهن ( فإنك ستكشف أولا على أسرار الأحجار المعدنية وغيرها ) من الأحجار ( وتعرف سر كل حجر وخاصيته في المضار والمنافع ) .

 

( فإن تعشقت بذلك أبقيت معه وطردت ) عن باب اللّه بنفس وقوفك مع غيره ( ثم سلب عنك كل شيء حفظته وخسرت وإن استغنيت عنه واشتغلت بالذكر ولجأت إلى جانب المذكور ) بالتوجه إليه والإعراض عن غيره ( رفع عنك ذلك النمط وكشف لك عن النباتات ونادتك كل عشبة ) معلّمة لك ( بما تحمله من خواص المضار والمنافع فليكن حكمك معها كحكمك أولا ) مع الأحجار المعدنية ، ( وليكن غذاؤك عند الكشف الأول ) أعني كشف الأحجار المعدنية ( ما كثرت حرارته ورطوبته ) حتى لا ينحرف المزاج لغلبة البرودة واليبوسة عليه من الكشف المعدني الذي طبيعته البرودة واليبوسة ، ( وفي الكشف الثاني ) أعني كشف النباتات وخواصها ( ما اعتدلت حرارته ورطوبته ) حتى يوافق طبع غذائك طبيعة كشفك ، وهذه الموافقة محمودة لأن الحرارة والرطوبة كلما غلبت على مزاج السالك حفظته من الميل إلى اليبس والبرودة التي نتيجتهما السلوك فيبقى على طريق الاعتدال ، ولهذا قال الشيخ رضي اللّه تعالى عنه : إن الغذاء عند الكشف الأول ينبغي أن يكون ما غلبت حرارته ورطوبته حتى

 

 

وإذا لم تقف معه ، رفع لك عن الحيوانات ، فسلمت عليك ، وعرفتك بما تحمله من خواص المضار والمنافع ، وكل عالم يعرّفك بتحميده وتسبيحه .

..............................................................................

يعتدل مزاج السالك به ، لأنه قد أثرت فيه البرودة واليبوسة من جهة الكشف المعدني ومن جهة الرياضة . وقال في الكشف الثاني : إن الغذاء ينبغي أن يكون ما اعتدلت حرارته ورطوبته لأن المزاج قد غلبت عليه اليبوسة والبرودة من الرياضة فيعتدل به فيقاوم ما يحصل من السلوك من البرودة واليبوسة ويحصل الاعتدال ، هذا إذا كان مزاج السالك على طريق الاعتدال ، وأما إذا كان مزاجه في غاية الحرارة واليبوسة فينبغي أن يكون غذاؤه عند الكشف الأول ما كثرت برودته ورطوبته أو كان مزاجه حارّا رطبا بحيث يقاوم برودة هذا الكشف ويبسه ، فينبغي أن يكون غذاؤه في غاية الاعتدال بين هذه الكيفيات ، وإن كان مزاجه باردا يابسا بحيث يماثل طبع هذا الكشف أو يزد عليه أو ينقص عنه فينبغي أن يكون غذاؤه ما أفرطت حرارته ورطوبته وإن كان الغالب على مزاجه عند الكشف الثاني الحرارة والرطوبة بحيث يماثل طبع هذا الكشف أو يزيد عليه أو ينقص عنه فينبغي أن يكون غذاؤه ما اعتدلت برودته ويبوسته ، وفي الجملة الواجب على السالك أن يكون عارفا بدقائق السلوك حتى يراعي طريق الاعتدال في جميع أحواله على الإطلاق ، فإن التفريط والإفراط مذموم والاقتصاد محمود ومن تتبع حقائق الآفاق والأنفس وجدها جميعها على نهج الاعتدال ، إذا خليت وطبعها بل مطلقا سواء خليت وطبعها أو تصرفت فيها الآراء ، وهذا لا يذوقه إلا الكمل من الرجال وبهذا وردت الشرائع والقرآن مملوءة من هذا القبيل .

 

شعرجرى مثل دل السماع مع الحجا * عليه على مر الزمان قديم

توسط إذا ما شئت أمرا فإنه * كلا طرفي قصد الأمور ذميم( وإذا ) بلغت إلى الكشف النباتي و ( لم تقف معه ) ولم تتعشق به ( رفع لك ) الستر ( عن ) عالم ( الحيوانات ) وأمرت بالتوجه إليك ( فسلمت عليك ) بلسان فصيح كما يسلم الناس على بعضهم ( وعرفتك بما تحمله من خواص المضار والمنافع ، وكل عالم ) من هذه العوالم الثلاثة التي تمر عليها في سلوكك وتطلع عليها في كشفك ( يعرّفك ) عند وصولك إليه وكشفك له ( بتحميده وتسبيحه ) الذي يختص به فإن كل عالم قد علم

 

 

[مطلب عالم الخيال أو الحقيقي ]

وهنا نكتة عجيبة ، وذلك أن تنظر ما أنت مشتغل به من الأذكار ، فإن رأيت هؤلاء العوالم مشتغلين بهذا الذكر الذي أنت عليه ، فكشفك خيالي لا حقيقي ، وإنما ذلك خيالك أقيم لك في الموجودات . وإذا شهدت في هؤلاء تنوّعات أذكارهم ، فهو الكشف الصحيح .

..................................................................

صلاته وتسبيحه ( وهنا نكتة عجيبة ) تدل على أن هذه العوالم التي ذكرناها إنها تظهر لك وإنك تطلع عليها في كشفك قد تظهر للسالك في خياله فيتوهم أنه رآها في الخارج على ما هي عليه فيه ، وقد تظهر له فيبصرها ويسمع تسبيحها في الخارج كما هي فيه وهو المعتبر المعوّل عليه ، وقد يتوهم من لا خبرة له بطريق أهل الكشف أن ظهور هذه العوالم كما ذكره الشيخ رضي اللّه تعالى عنه لا يكون إلا في عالم الخيال ، وأما عالم الحس فظهور ذلك فيه على النهج الذي ذكره الشيخ لا يصح ولا يتصور ، لأن اجتماع جميع حيوانات العالم ونباتاته وأحجاره المعدنية وغيرها عند شخص جالس في خلوة صغيرة مغلقة عليه مع أن كل واحد من الحيوانات والنباتات والمعادن في مكانه ومحله ما رحل عنه من قبيل المحالات ، ولو رحلوا من أمكنتهم لفقدناهم فيها ولو كان لما وسعهم إقليم فكيف أن تسعهم بلدة هذا السالك الذي هو فيها ، ولا بدّ في الرؤية البصرية من شروط أحدها عدم البعد المفرط وعدم الحجب الكشفية ، وبعض الحيوانات في أقصى المشرق . وهذا المكاشف في أقصى المغرب مثله ، وإذا كان الأمر على هذا فلا معنى لظهور هذه العوالم عند المكاشف في عالم الحس ، وإنما تظهر له في عالم الخيال ، وهذا قول رجل ما رحل عن عالم الحس ولا تخلص من أثر العبادات ، وسنبين حقيقة الحال إن شاء اللّه ، وإن كشف هذه العوالم في عالم الحس ما هو من المحالات وهو مذهب الشيخ رضي اللّه تعالى عنه وإليه أشار بقوله في بيان النكتة .

مطلب عالم الخيال أو الحقيقي ( وذلك أن تنظر ما أنت مشتغل به من الأذكار فإن رأيت هؤلاء العوالم مشتغلين بهذا الذكر الذي أنت ) مواظب ( عليه ، فكشفك خيالي لا حقيقي ، وإنما ذلك خيالك أقيم لك في الموجودات ، وإذا شهدت في هؤلاء ) العوالم ( تنوّعات أذكارهم فهو الكشف الصحيح ) المطابق لنفس الأمر ، واعلم أن الناس اختلفوا في معنى قوله :وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ[ الإسراء : الآية 44 ] ، فقالت : النظار من أهل الإيمان :

هذا التسبيح بلسان الحال ، كما تقول الأرض للوتد : لم تشقني ، فيقول لها الوتد :

 

 

"122"

.................................................

سلي من يدقني ، وكما يقول الحوض : إذا امتلأ قطن ، وأمثال ذلك . وقال الصوفية :

بل هو بلسان فصيح لأنا لما دخلنا طريق أهل الرياضة فتح اللّه أسماعنا فسمعنا تسبيح الموجودات بآذاننا كما يسمع بعضنا كلام بعض وما ذلك على اللّه بعزيز :وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ[ البقرة : الآية 284 ] ،

وأتوا بما يصدق دعواهم من الكتاب والسنة ما تضيق هذه الأوراق عنه وهو مذهب الشيخ رضي اللّه تعالى عنه ، وقد صرح بذلك في مواضع كثيرة ولولا مخافة التطويل لأوردناها واللّه تعالى أعلم .

فصل قد علمت في المقدمة أن وجود الأشياء في الخارج إنما هو عند المدارك والمشاعر ، ولهذا يختلف باختلافها ، وعلمت مما تقدم أن وجود الأجسام في الخارج مثل ظهور العلم في صورة اللبن ، وليس الفرق إلا أن الأجسام الموجودة في الخارج تظهر في الخيال المنفصل الذي هو العماء ، والعلم لا يظهر في صورة اللبن إلا في الخيال المتصل ، وحقيقة الخيال واحدة ، وعلى هذا فالعالم كله خيال ،

وإذا انتبهت إلى ذلك فاعلم أنه قد ظهر لنا من كلام الشيخ رضي اللّه تعالى عنه ، أن الرجل إذا أفضى إلى زوجته وواقعها وكانا في تلك الحالة كالمقدمتين الكبرى والصغرى وكان الإخليل كالحد الأوسط الجامع بين المقدمتين واتحدا لهذا الاجتماع المخصوص وعمّتهما اللذة لهذا الاجتماع عند ذلك ينفصل من روحهما روح الولد الذي هو النتيجة ومن جسديهما جسد الولد وليس إلا النطفة ، وإذا كان جسد كل إنسان عين روحه لتجسده في الخيال المنفصل كما تجسد الروح الأمين لمريم ولمحمد صلى اللّه عليه وسلم . كان الروح المنفصل من روحهما عين النطفة المنفصلة من جسديهما وللكلام في هذا المقام مجال رحب لا يتسع الوقت لإيراده وقد أفردنا لمعرفة ذلك رسالة ، وإذا انفصلت النطفة من الوالدين واستقرت في الرحم دبرت نفسها إلى أجل مسمى وهو زمان انطلاقها عن قيد التجسد إما بالموت الإرادي أو الطبيعي وبعد أن فهمت هذا أو ذقته .

مطلب في التحليل قبل العروج فاعلم أن السالك إذا دام على التوجه إلى اللّه وأعرض عن غيره وصار ذلك ملكة له فإنه أول ما ينفصل عن عالم الأجسام لأنه أول ما يعرض عنه ، وإعراضه عنه

 

 

"123"

[مطلب في التحليل قبل العروج ]

وهذا المعراج هو معراج التحليل على الترتيب ، والقبض مصاحب لك في هؤلاء العوالم .

...........................................................

عين انفصاله عنه ولا يكون على الترتيب الواقع في نشأته المطابق للترتيب الواقع في الآفاق ، فأول ما ينفصل عن ركن التراب ثم عن الماء ثم عن الهواء ثم عن النار ، وإذا انفصل عن أركانه عند ذلك يلج السماء الدنيا بروحه . قال الشيخ رضي اللّه تعالى عنه : فلما أراد اللّه إسرائي ليريني من آياته في أسمائه من أسمائي أزالني عن مكاني وعرج بي على براق إمكاني فزج بي في أركاني فلم أر أرضي بصحبتي فقيل لي أخذه الوالد الأصلي الذي خلقه اللّه تعالى من تراب ، فلما فارقت ركن الماء فقدت بعضي فقيل لي إنك مخلوق من ماء مهين فإهانته ذلّته فألصقته بالتراب . فلهذا فارقته فنقص مني جزءان ، فلما جئت ركن الهواء تغيرت علي الأهواء وقال لي :

الهواء ما كان فيك مني فلا يزول عني ، فإنه لا ينبغي له أن يتعدى قدره ولا يمد رجله في غير بساطه ، فإن عليك مطالبة بما غيره من تعفينك فإنه لو لاه ما كانت مسنونا فإني طيب بالذات خبيث بصحبة من جاورني ، فلما خبثتني صحبته ومجاورته قيل فيه : حمأ مسنون فعاد خبثه عليه فإنه هو المنعوت وهو الذي غيرني في مشام أهل الشم من أهل الروائح ، فقلت له : ولماذا أتركه عندك ، قال : حتى يزول عنه هذا الخبث الذي اكتسبه من عفنك ومجاورة طينك وماءك ، فتركته عنده ، فلما وصلت إلى ركن النار قيل : قد جاء الفخار ، فقيل : وقد بعث إليه ؟ قال : نعم ، قيل : ومن معه ؟ قيل : جبرائيل الجبر فهو مضطر في رحلته ومفارقة بينه ، فقال : عنده في نشأته جزء مني ولا أتركه معه إذ قد وصل إلى الحضرة التي يظهر فيها ملكي واقتداري وتفرد تصرفي فنفذت إلى السماء الأولى وما بقي معي من نشأتي البدنية شيء أعول عليه وانظر إليه . انتهى كلام الشيخ رضي اللّه تعالى عنه . ( وهذا المعراج هو معراج التحليل ) فإن النشأة الجسمية تتحلل فيه كما أشار إليه الشيخ رضي اللّه تعالى عنه ، وانحلالها إنما هو بالنسبة إلى شعور السالك كما أن تركيبها إنما كان بالنسبة إلى شعوره ، وقد علمت حقيقة ذلك ، وهذا التحليل لا يكون إلا ( على الترتيب ) بين العناصر في الخارج ، واعلم أنك إذا وصلت إلى السماء الدنيا فإنك ستنزل عند آدم عليه السلام ويفيدك من علم الأسماء على قدر ما يحمله مزاجك ، فإن للنشأة الجسمية العنصرية أثرا في النفوس الهوائية فما كلها على مرتبة واحدة في القبول هكذا قال الشيخ رضي اللّه تعالى عنه .

ويفيدك علم الوجه الخاص الإلهي الذي لكل موجود

 

 

"124"

.................................................................

سوى اللّه الذي يحجبه عن الوقوف مع علته وسببه ، وتعلم ما لهذا الفلك من الحكم في الأركان الأربعة والمولدات وما أوحى اللّه تعالى في هذه السماء من الأمر المخصوص بها ، وتعلم العلم الإلهي الحاصل للنفوس الجزئية مما هو لهذا الفلك خاصة وما نسبة وجود الحق من ذلك وما له فيها من الصور ومن أين صحت الخلافة لهذه النشأة الإنسانية ولا سيما وآدم المنصوص عليه صاحب هذه السماء ، وصورة الاستخلاف في العلم الإلهي والاستخلاف العنصري في تدبير الأبدان وعلل الزيادة والربو والقوة في الأجساد القابلة لذلك والنقص ، وتعلم أن كل أمر علمي يكون في اليوم المتعلق بالقمر أعني يوم الاثنين فمن روحانية آدم عليه السلام ، وكل أثر علوي في الهواء والنار فمن سباحة القمر ، وكل أثر سفلي في عنصر الماء والتراب فمن حركة فلك السماء الدنيا ، وتعلم حقيقة البدل الذي يستمد من حقيقة آدم وكيف يحفظ اللّه به الإقليم السابع ، وتعلم علم السعادة والشقاء وعلم المد والجزر ، ويكون الناظر إليك في هذه السماء الاسم المنير وهو ربها والاسم الحي وهو رب يوم الاثنين وحرف الدال المهملة ومنزلة الإكليل وسورة لقمان . وهكذا قال الشيخ رضي اللّه تعالى عنه . ومن قولي : اعلم إلى هنا بعض من عبارة الشيخ رضي اللّه تعالى عنه وبعض من عبارتي ، وهكذا أفعل بعد هذا في كل كلام أقول بعده هكذا قال الشيخ رضي اللّه تعالى عنه ، فلا يلتبس عليك واعذرني في ذلك فإن الاختصار مطلوب ، وكل كلام أصدره بقال الشيخ وأختمه بتم كلام الشيخ فهو من كلام الشيخ رضي اللّه تعالى عنه .

وليس فيه من كلامي أو من غير كلام الشيخ كلمة واحدة أصلا فاعتمد عليه ، واللّه تعالى أعلم . قال الشيخ رضي اللّه تعالى عنه بعدما أوردناه من كلامه في معراج التحليل :

السماء الأولى فنفذت إلى السماء الأولى وما بقي معي من نشأتي البدنية شيئا أعوّل عليه وأنظر إليه ، فسلّمت على والدي وسألني عن تربتي ، فقلت له : إن الأرض أخذت مني جزؤها وحينئذ خرجت عنها وعن الماء بطينتي ، فقال لي : يا ولدي هكذا جرى لها مع أبيك فمن طلب حقه فما تعدى ولا سيما وأنت لها مفارق ولا تعرف هل ترجع إليها أم لا ، فإنه يقول :إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ[ عبس : الآية 22 ] ، ولا يعلم أحد ما في مشيئة الحق إلا أن يعلمه الحق بذلك ، فالتفت فإذا أنا بين يديه وعن يمينه في نسم

 

 

"125"

.............................................................

بنيه ، فقلت له : هذا أنا ، فضحك ، فقلت له : فأنا بين يديك وعن يمينك ، قال :

نعم ، هكذا رأيت نفسي بين يدي الحق حين بسط يده فرأيتني وبني في اليد ورأيتني بين يديه ، فقلت له : فما كان في اليد المقبوضة الأخرى ؟ قال : العالم ، فقلت :

فيمين الحق تقضي بالسعادة ، قال : نعم ، تقضي بالسعادة ، فقلت له : فقد فرّق الحق لنا بين أصحاب اليمين وأصحاب الشمال ، فقال لي : يا ولدي ذلك يمين أبيك وشماله ألا ترى نسم بني على يميني وعلى شمالي وكلتا يدي ربي يمين مباركة فبني في يميني وشمالي وأنا وبني في يمين الحق ، وما سوانا من العالم في اليد الأخرى الإلهية ، قلت : فإذا لا نشقى ؟ فقال : لو دام الغضب لدام الشقاء فالسعادة دائمة وإن اختلف المسكن ، فإن اللّه تعالى جاعل في كل دار ما يكون به نعيم أهل تلك الدار فلا بد من عمارة الدارين ، وقد انتهى الغضب في يوم العرض الأكبر وأمر بإقامة الحدود فأقيمت وزال الغضب ، فإن إرساله يزيله فهو عين إقامة الحدود على المغضوب عليه ، فلم يبق إلا الرضى وهو الرحمة التي وسعت كل شيء ، فإذا انتهت الحدود صار الحكم للرحمة العامة في العموم ، فأفادني آدم هذا العلم ولم أكن به خبيرا فكان في ذلك بشرى معجلة إلهية في الحياة الدنيا ومنتهى القيامة بالزمان ، كما قال : خمسون ألف سنة مدة إقامة الحدود ويرجع الحكم بعد انقضاء هذه المدة إلى الرحمن الرحيم ، وللرحمن الأسماء الحسنى التي هي الحسنى لمن تتوجه عليه بالحكم ، فالرحيم برحمته ينتقم من الغضب وهو شديد البطش به مزيل مانع بحقيقته فيبقى الحكم في تعارض الأسماء بالنسب ، والخلق بالرحمة مغمورون فلا يزال حكم الأسماء تعارضها فينا فافهم ، فإنه علم غريب دقيق لا يشعر به بل الناس في عماية عنه وما منهم إلا من لو قلت له : ترضى لنفسك أن يحكم عليك ما يسؤك من هذه الأسماء لقال لا ويجعل حكم ذلك الاسم الذي يسوء في حق غيره . فهذا من أجهل الناس بالخلق وهو بالحق أجهل ، فأفاد هذا الشهود بقاء أحكام الأسماء في الأسماء لا فينا وهي نسب تتضاد بحقائقها فلا تجتمع أبدا ، ويبسط اللّه تعالى رحمته على عباده حيث كانوا فالموجود كله مغمور برحمته . انتهى كلام الشيخ رضي اللّه . واعلم أنك إذا وصلت إلى السماء الدنيا أتتك روحانية فلك القمر ، وهو العقل العاشر عند الحكماء فيقف في خدمتك لأنه خادم آدم وأنت ضيفه ، وهذا العقل أو الملك مهما شئت قل هو الذي يتصرف في المولدات والعناصر ، فهو الحاكم عليها ، فإذا توجه

 

 

"126"

...................................................................

إلى خدمتك أعطاك مرتبة التصرف ، وحينئذ تتصرف في عالم الكون والفساد كيف شئت ، وترى صور جميع المولدات مرتسمة في ذاته ، وتعلم أنها هي التي نراها في عالمنا لا بمعنى أن مثالها يوجد عندنا بل بمعنى أن ما نراه من المولدات ما نراه إلا في ذات العقل العاشر كما قلنا في الأعيان الثابتة فافهم فإنه في غاية الغموض ، ولا يذوق ما قلنا إلا من له القدم الراسخة في العلم بعالم الخيال وتجسد المعاني ، وعلى هذا فجميع حوادث عالم الكون والفساد موجودة عند العقل العاشر كما هي موجودة عندنا ، غير أنه ليس عنده فيها تقدم ولا تأخر زماني فلا يحدث عنده شيء وإنما تحدث الأشياء عندنا ، وكل ما نراه في عالم الكون والفساد إنما نراه في مرآة ذاته ، ولهذا إذا وصل السالك إلى هذه السماء تأتي إليه جميع المعادن والنباتات والحيوانات فتسلم عليه وتعلمه بما تحمله من خواص المضار والمنافع لأنه حينئذ عين حقيقة العقل العاشر الحاكم عليها المحيط بها ، وإذا فهمت ما أشرت إليه علمت أن كشفك للمعادن والنباتات والحيوانات إنما هو كشف حسي حقيقي لا خيالي إذ سمعت تنوعات أذكارها ، وأن ذلك ليس من قبيل المحالات لأنك حينئذ لا تشهدها إلا من ذاتك فلا يعوقك عن مشاهدتها البعد المفرط والحجب الكثيفة ( و ) علمت أن ( القبض مصاحب لك في ) كشفك واطلاعك على ( هؤلاء العوالم ) كلها لأنك في معراج التحليل الذي تفني فيه ذاتك وذلك يوجب القبض بلا شك .

السماء الثانية عند عيسى ويحيى عليهما السلام ثم بعد ذلك ترقى إلى السماء الثانية وتنزل عند عيسى ويحيى بن خالته عليهما الصلاة والسلام ، ويقف الكاتب في خدمتك لأنه خادمهما وأنت نزيلهما فيوقفك على صحة رسالة المعلّم الأعظم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بدلالة إعجاز القرآن ، فإنها أعني هذه السماء حضرة الخطابة والأوزان وحسن مواقع الكلام وامتزاج الأمور وظهور المعنى الواحد في الصور الكثيرة ، ويحصل لك الفرقان في مراتب خرق العوائد ، ومن هذه الحضرة تعلم علم السيمياء الموقوفة على الحروف والأسماء لا على البخورات والدماء وغيرها ، وتعرف شرف الكلمات وجوامع الكلم وحقيقة كن واختصاصها بكلمة الأمر لا بخبر الماضي ولا الحال المستأنف ، وظهور الحرفين من هذه الكلمة مع كونها مركبة من ثلاثة ، ولماذا حذفت الكلمة الثالثة المتوسطة البرزخية التي بين الكاف والنون وهي الواو الروحانية التي تعطي ما للملك في نشأة

 

 

"127"

ثم بعد ذلك يكشف لك عن سريان عالم الحياة السببية في الأحياء ، وما تعطي من الأثر في كل ذات بحسب استعداد الذوات ، وكيف تندرج العبارات في هذا السريان .

..............................................................

المكون من الأثر مع ذهاب عينها ، وتعلم سر التكوين من هذه السماء وكون عيسى عليه السلام أحيا الموتى وأنشأ صورة الطير ونفخه في صورته ، وتكوين الطائر طيرا هل هو بإذن اللّه أو تصوير عيسى عليه السلام خلق الطير هو بإذن الله ، وبأي فعل من الأفعال اللفظية يتعلق قوله : بإذني أو بإذن اللّه هل العامل فيه يكون أو تنفخ ، فعند أهل اللّه تعالى العامل فيه يكون وعند مثبت الأسباب العامل فيه تنفخ فيحصل لك جميع ذلك إذا دخلت إلى هذه السماء ، هكذا قال الشيخ رضي اللّه تعالى عنه وإليه أشار بقوله :

( ثم بعد ذلك يكشف لك عن سريان عالم الحياة السببية في الأحياء وما تعطي من الأثر في كل ذات بحسب استعداد الذوات وكيف تندرج العبارات في هذا السريان ) يعني رضي اللّه تعالى عنه أنه يكشف لك حين تدخل إلى السماء الثانية بعد المكاشفات التي ذكرنا أنها تحصل لك إذا دخلت إلى الأولى عن سريان عالم الحياة السببية مثل الحياة الظاهرة على يد عيسى عليه السلام في الأحياء التي كانت حياتهم بسببه مثل الأموات من الأنس والطيور المسواة من الطين التي أحياها ، وما تعطي تلك الحياة السببية من الأثر في كل ذات من ذوات الأموات التي تحيى بهذه الحياة السببية حسب استعداد تلك الذات ، فإن كانت الذات ذات طير حييت بهذه الحياة السببية حياة طير ، وإن كانت ذات إنسان حييت بها حياة إنسان ، والحياة السببية حقيقة واحدة اختلفت آثارها بحسب اختلاف استعدادات من أثّرت فيه وكيف تندرج العبارات في هذا السريان

مثل قوله تعالى : وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى بِإِذْنِي [ المائدة : الآية 110 ] ،

وقوله تعالى : فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ [ آل عمران : الآية 49 ] ،

وتعلم في هذه السماء أن عيسى عليه الصلاة والسلام روح اللّه ، ويحيى له الحياة ، فكما أن الروح والحياة لا يفترقان ، كذلك هذان النبيان لا يفترقان ، لما يحملانه من هذا السر فإن لعيسى عليه السلام في علم الكيمياء الطريقتين طريقة الإنشاء وهو خلقه الطائر من الطين والنفخ فظهر عنه الصورة باليدين والطيران بالنفخ الذي هو النفس ، وطريقة إزالة العلل الطارئة وهو في عيسى عليه

 

"128"

...................................................................

السلام إبراء الأكمه والأبرص ، وتعلم علم المقدار والميزان الروحاني والطبيعي ، وأن الحياة العلمية هي التي تحيي بها القلوب كقوله تعالى : أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ [ الأنعام : الآية 122 ] ،

وهذه السماء حضرة جامعة فيها من كل شيء ، ومنها يكون الإمداد للخطباء لا للشعراء لأنها الحضرة التي منها الإعجاز بالفصاحة والبلاغة للقرآن فليس للشعر فيها مدخل البتة ، ولما كان لمحمد صلى اللّه عليه وسلم جوامع الكلم خوطب من هذه الحضرة وقيل له : وما علمناه الشعر وما ينبغي له ، لأنه لو علمه الشعر لما صح إعجاز القرآن ، وكان يقال إنه من كلامه لأنه شاعر ، وإعجاز القرآن هو ظهوره من رجل أمي ما قرأ ولا خط ولا يعلم الشعر ،

ولهذا قال تعالى : قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ [ يونس : الآية 38 ]

ولأنه صلى اللّه عليه وسلم أرسله مبينا مفصلا والشعر شعور فحليته الإجمال لا التفصيل ، وهو خلاف البيان وتعلم من هذه السماء تقلبات الأمور وأنه منها توهب الأحوال لأصحابها ، وكلما ظهر في العالم العنصري من النار نجيات الأسمائية فمن هذه السماء ، وأما الفلكيات فمن غير هذه الحضرة ، ولكن إذا وجدت فأرواحها من هذه السماء ، لا أعيان صورها الحاملة لأرواحها ، وتعلم سرعة الإحياء فيما من شأنه أن لا يقبل ذلك إلا في الزمن الطويل ، فإن ذلك من علم عيسى عليه السلام لا من الأمر الموحى به في ذلك الفلك ، ولا في سياحة كوكبه وهو من الوجه الخاص الإلهي الخارج عن الطريق المعتاد في العلم الطبيعي الذي يقتضي الترتيب السببي الموضوع بالترتيب الخاص ، وهذه مسألة يغمض دركها فإن العالم المحقق يقول :

بالسبب فإنه لا بد منه ولكن لا يقول بهذا الترتيب الخاص في الأسباب ، فعامة أهل هذا العلم إما ينفون الكل أو يثبتون الكل ، ولم أر منهم من يقول بإبقاء السبب معنى في ترتيبه الزماني فإنه علم عزيز يعلم من هذه السماء فما يتكون عن سبب في مدة طويلة يتكون عن ذلك السبب في لمح البصر أو هو أقرب وقد ظهر ذلك فيه نقل في تكوين عيسى عليه السلام ، وفي تكوين خلق عيسى الطائر ، وفي إحيائه الميت من قبره قبل أن يأتي المخاض الأرض في إبراز هذه المولدات ليوم القيامة ، وهو يوم ولادتها ، فألق بالك واشحذ فؤادك عسى ربك أن يهديك سواء السبيل ، وتعلم أن كل أمر علمي يكون في اليوم المتعلق بالكاتب أعني يوم الأربعاء فمن روحانية عيسى عليه الصلاة والسلام وهو يوم النور ، وكل أثر في عنصر النار والهواء فمن روحانية سباحة عطارد ، وكل أثر سفلي في ركن الماء والتراب فمن حركة فلك هذه السماء ،

  

 

"129"

...........................................................

وتعلم حقيقة البدل الذي يستمد من حقيقة عيسى عليه السلام وكيف يحفظ اللّه تعالى به الإقليم السادس ، وتعلم علم الأوهام والإلهام والوحي والآراء والقياس والرؤيا والاختراع الصناعي والفطري وعلم الغلط الذي يتعلق بعين الفهم وعلم النجوم وعلم الزجر والكهانة والسحر وعلم الطلسمات والعزائم ، ويكون الناظر إليك في هذه السماء الاسم المحصي وهو ربها والاسم المريد وهو رب يوم الأربعاء ، وحرف الطاء المهملة ومنزلة الزبانية وسورة الروم ، ومن هذه الحضرة تعلم سر وجوب صلاة العصر هكذا قال الشيخ رضي اللّه تعالى عنه . وقال الشيخ رضي اللّه تعالى عنه بعد ما أوردناه من كلامه فيما جرى بينه وبين آدم عليه الصلاة والسلام في السماء الأولى :

ثم رحلت عنه عن آدم عليه السلام بعد ما دعا لي فنزلت بعيسى عليه الصلاة والسلام فوجدت عنده ابن خالته يحيى عليه الصلاة والسلام فكانت الحياة الحيوانية ، ولو كان يحيى ابن خاله لكان روحا ، ولما كانت الحياة الحيوانية ملازمة للروح ، وجدت يحيى عند روح اللّه عيسى عليهما السلام لأن كل روح حي بلا شك وما كل حي روح ، فسلمت عليهما فقلت له : بما زدت علينا حتى تسمّيت بالروح ، فقال : ألم تر إلى من وهبني لأمي ؟

ففهمت ما قال ، فقال لي : لولا هذا ما أحييت الموتى ، قلت له : لقد رأينا من أحيى الموتى ممن لم تكن نشأته كنشأتك ، فقال : ما أحيى الموتى من رأيته إلا بقدر ما ورثه مني فلم يقم في ذلك مقامي كما لم أقم أنا مقام من وهبني في إحياء الموتى ، فإن الذي وهبني ما يطأ موضعا إلا حيي ذلك الموضع وأنا ليس كذلك بل حظنا أن نقيم الصور بالوطىء خاصة والروح الكلي يتولى أرواح تلك الصور ، وما يطأه الروح الذي وهبني هو يعطي الحياة في صورة ما أظهره الوطيء فاعلم ذلك .

ثم رددت وجهي إلى يحيى عليه السلام قلت له : أخبرت أنك تذبح الموت بين الجنة والنار ، قال : نعم ، ولا ينبغي ذلك إلا لي فإني يحيى فلا يبقى ضدّي معي ، وهي دار الحيوان فلا بد من إزالة الموت فلا مزيل له سواي ، فقلت له : صدقت فيما أشرت إليّ ولكن في العالم يحيى كثير ، قال لي : وأين مرتبته الأولية ؟

فإن اللّه ما جعل لي من قبلي سميّا فكل يحيى تبع لي في ظهوري لا حكم لهم فنبهني على شيء لم يكن عندي ، فقلت : جزاك اللّه تعالى خيرا من صاحب مورث . فقلت : الحمد للّه الذي جمعكما في سماء واحدة حتى أسألكما عن مسألة بحضور كل واحد منكما ، إنكما اختصصتما بسلام الحق لكن عيسى عليه السلام أخبر

 

 

"130"

..........................................................

عن نفسه بسلام الحق عليه ، والحق أخبرنا بسلامه على يحيى فأيّ مقام أتم ؟ فقال لي : ألست من أهل القرآن ؟ قلت : بلى ، فقال : انظر فيما جمع الحق بيني وبين ابن خالتي أليس قد قال اللّه تعالى فيّ : وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ [ آل عمران : الآية 39 ] فعيّنني في النكرة . قلت له : نعم ، قال : ألم يقل عن عيسى ابن خالتي إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ [ الأنبياء : الآية 75 ] ، كما قال عنّي فعيّنه في النكرة ؟ قلت له : نعم ، قال عيسى : هذا لما كان كلامه في المهد دلالة على براءة خالتي ، لم يترجم عن اللّه إلا هو نفسه ، فقال : وَالسَّلامُ عَلَيَّ [ مريم : الآية 33 ]

يعني من اللّه ، قلت له : صدقت ، ولكن سلّم بالتعريف وسلام الحق عليك بالتنكير أعمّ فقيل لي : ما هو تعريف عين ، بل هو تعريف جنس فلا فرق بينه بالألف واللام وعدمهما فأنا وإياه في السلام على السواء في الصلاح كذلك ، وجاء الصلاح لنا بالبشرى فيّ وفي عيسى بالملائكة ، فقلت له :

أفدتني أفادك اللّه تعالى ، فلم كنت حصورا ؟ قال : ذلك من أثر همّة والدي زكريا لما شاهد خالتي وهي بتول مقطوعة من الرجال ، واستفرغت مشاهدته إياها طاقته بحيث لم يبق فيه مساغ لغيرها لما دخل عليها المحراب ورأى حالها فدعى اللّه تعالى أن يرزقه ولدا مثلها فخرجت حصورا منقطعا عن النساء ، فما هي صفة كمال وإنما كانت أثر همّة فإن في الإنتاج عين الكمال . قلت له : فنكاح الجنة ما فيه نتاج ؟ فقال : لا تفعل بل هو نتاج ولا بد وولادته نفس يخرج من الزوجة عند الفراغ من الجماع فإن الإنزال ريح كما هو في الدنيا ماء فيخرج ذلك الريح بصورة ما وقع عليه الاجتماع بين الزوجين فمنا من شهده كما هو الأمر في الدنيا فهو عالم غيب لمن غاب عنه وعالم شهادة لمن شهده ، قلت له : أفدتني أفادك اللّه من نعمة العلم به ، فقلت له :

فهذه سماؤك ؟ قال لي : لا أنا أتردد بين هارون وعيسى أكون عند هذا وقتا وعند هذا وقتا ، قلت له : فلماذا خصصت هارون دون غيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ؟

فقال لي : لحرمة النسب ما جئت لعيسى إلا لكونه ابن خالتي فأزوره في سمائه فآتي إلى هارون لكون خالتي أختا له دينا ونسبا . فقلت : فما هو أخوها لأن بينهما زمانا طويلا وعالما ، فقال لي قوله : وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً [ الأعراف : الآية 73 ]

ما هذه الأخوّة أترى هو أخا ثمود لأبيه وأمه فهو أخوهم فسمي القبيل باسم ثمود ، وكان صالح من نسل ثمود فهو أخوهم بلا شك ثم جاء بعد ذلك الدين ، ألا ترى أصحاب الأيكة لما لم يكونوا من مدين وكان شعيب من مدين فيقال في شعيب أخو مدين

  

 

"131"

مطلب بيان اللوائح الحالية

وإن لم تقف مع هذا ، رفعت لك اللوائح اللوحية .

.................................................................

فقال : وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً [ الأعراف : الآية 85 ] ، ولما جاء ذكر الأيكة

قال :إِذْ قالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ [ الشّعراء : الآية 177 ] ولم يقل أخوهم لأنهم ليسوا من مدين ، وشعيب من مدين ، فزيارتي لهما صلة رحم وأنا لعيسى أقرب مني لهارون . تم كلام الشيخ رضي اللّه تعالى عنه .

مطلب بيان اللوائح الحالية واعلم أنك ( إن لم تقف مع هذا ) الذي ذكرنا لك أنك ستطلع عليه في هذه السماء ( رفعت لك اللوائح اللوحية ) في هذه السماء أيضا ، ولا أعلم ما معنى اللوائح اللوحية ، والمعروف عندنا اللوائح الحالية كما ستقف عليه فيما نورده من كلام الشيخ رضي اللّه عنه إن شاء الله ، ومن وقف على معنى ذلك فليلحقه بهذا الموضع من هذا الكتاب حتى تقع الفائدة واللّه تعالى أعلم . قال الشيخ رضي اللّه تعالى عنه : اللوائح عند القوم ما يلوح للأسرار الظاهرة من السمو من حال إلى حال . وعندنا ما يلوح للبصر إذا لم يتقيد بالجارحة من الأنوار الذاتية والسبحات الوجهية من جهة الإثبات لا من جانب السلب ، وما يلوح من أنوار الأسماء الإلهية عند مشاهدة آثارها فتعلم من أنوارها إما السمو من حال إلى حال ، فهو أن لا يرجع إلى الحال الذي انتقل عنه إلى ما فوقه ، والمراد بذلك ما يأتي به الحال من الواردات الإلهية ، والمعرفة باللّه وهي المنازل ما هي الكرامات ، فإن الأحوال قد تعود مرارا ولكن لا يحمد صاحبها فيها إلا إذا زادته علما باللّه لم يكن عنده لا بد من ذلك ، وتلك الزيادة هي اللائحة ، فإن لم ترقه تلك الزيادة في الحال فليست بلائحة مع صحة الحال ، والحال كونك باقيا أو فانيا أو صاحيا أو سكرانا أو في جمع أو في تفرقة أو في غيبة أو في حضور ، والأحوال معروفة وهي الأبواب التي ذكرناها في هذا الفصل وفيها أمر اللّه تعالى نبيه صلى اللّه عليه وسلم أن يقول : وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً [ طه : الآية 114 ] يرقى به عنده منزلة لم تكن له ، وهذه الأحوال لا يختص بها البشر ولا موطن الدنيا بل هي دائمة أبدا في الدنيا والآخرة وهي لكل مخلوق ، فاللوائح كلها مبادئ الكشوف ولهذا قد تثبت وقد يسرع زوالها إلا أنه لا بد لها فيمن تلوح له من زيادة علم يرقى به درجة عند اللّه تعالى هذا يشترط في اللوائح ،

وقلنا : من شرط اللائحة أن يكون الإدراك بالبصر لا بالبصيرة في الحال الذي لا يتقيد البصر بالجارحة بل بحقيقة البصر المنسوب إلى النفس الناطقة ، ثم يزاد إلى ذلك أمر آخر وهو أن يكون الحق بصره ، فهو الشاهد له والبينة من ربه على أن بصره لم يتقيد بالجارحة ، وقد صح

  

 

"132"

.............................................................

هذا المقام عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كما صح عنه لما سئل عن رؤية ربه بعينه ذات الطبقات فقيل له : هل رأيت ربك ؟ أراد السائل رؤية البصر المقيد بالجارحة ، فقال : « نور أنّى أراه » « 1 » ؟ أي نور هذا الإدراك يضعف عن ذلك النور الإلهي ، وإن كان للبصر المقيد إدراك في النور الإلهي على حد مخصوص ، فإن النور الإلهي كما قبل التشبيه بالمصباح الوارد في القرآن على الصفات المخصوصة المذكور كذلك يقبل إدراك البصريات إذا حصل تلك الشرائط كلها ، فتدبرها في نفسك ، ويخرج قوله تعالى : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ [ الأنعام : الآية 103 ] على وجهين : الوجه الواحد أنه نفى أن تدركه الأبصار على طريق التنبيه على الحقائق وإنما يدركه المبصرون بالإبصار لا الأبصار ، والوجه الثاني : لا تدركه الأبصار المقيدة بالجارحة كما قررنا ، فإذا لم تتقيد أدركته وهو عين النور الذي وقع فيه التشبيه بالمصباح ، وهو النور الذي ليس كمثله شيء فلا يقبل التشبيه ، لأنه لا صفة له وكل من له صفة فإنه يقبل التشبيه ، لأن الصفات تنوع في المقابلين لها بحسب ما تعطيه حقيقة الموصوف ، كالعلم يتصف به الحق والسمع والبصر والقدرة والإرادة والقول وغير ذلك من الصفات ويتصف بها المخلوق ، ومعلوم أن نسبتها إلى المخلوق لا يكون على حد نسبتها إلى الخالق بل نسبتها إلى البشر تخالف نسبتها إلى الملك وكلاهما مخلوقان فاعلم ذلك ، فهذه اللوائح التي تلوح للبصر مشاهدة ذاتية ثبوتية ما هي سلبية ، فإن الوصف السلبي ليس من إدراك البصر بل ذلك من إدراك العقول ، وما يدرك بالعقل لا يدخل في اللوائح وإنما ما يلوح من أنوار الأسماء الإلهية عند مشاهدة آثارها فتعلم بأنوارها أي تظهرها أنوارها ، فالاسم الإلهي روح لا أثر له وأثره صورته والبصر لا يقع من الاسم إلا على أثره الذي هو صورته ، كما يقع على صورة زيد الجسمية ، ويصح أن يقال رأى زيدا من غير تأويل ويصدق مع كون زيد له روح مدبرة هي غيب فيه لها صورة وهي جسديتها ، فأثر الأسماء الإلهية صور الأسماء فمن شاهد الآثار فقد صدق في أنه شاهد الأسماء ، فلوائحها أن يجمع بين نسبة ذلك الأثر المشهود وبين الاسم الذي هو ورح صورة ذلك الأثر ، كما ترى شخصا ولكن لا تعرف أنه زيد المطلوب عندك ، ويراه آخر ممن يعرفه فيعرف أنه زيد ، فهذا العارف هو صاحب اللوائح ، والآخر ليس هو من أصحاب اللوائح لأنه ما لاح له

.........................................................

( 1 ) رواه مسلم في صحيحه ، كتاب الإيمان ، باب في قوله صلى اللّه عليه وسلم : « نور أنّى أراه » حديث رقم ( 291 - 178 ) . ورواه غيره .

 

 

"133"

وخوطبت بالمخاوف ، وتنوّعت لك الحالات

[مطلب في بيان تلطّف الكثيف وتكثّف اللطيف ]

وأقيم لك دولاب تعاين فيه صور الاستحالات ، وكيف يصير الكثيف لطيفا ، واللطيف كثيفا ، وما أشبه ذلك .

...............................................................

ارتباط الاسم بهذه الصورة ، والفرق بين الشخصين المذكورين معلوم فما كل من رأى علم ما رأى ، فهذه اللوائح الحالية لمن أراد معرفتها على الاختصار والاقتصاد واللّه تعالى الهادي . انتهى كلام الشيخ رضي اللّه تعالى عنه .

واعلم أنك إذا رفعت لك اللوائح اللوحية أو الحالية ( وخوطبت بالمخاوف ) فإنما تخاطب بها من حقيقة يحيى عليه الصلاة والسلام ، لأنه كان مظهر الجلال والقبض كما يعلم من أخباره ( وتنوّعت لك الحالات ) التي هي عين اللوائح من وجه ، فإنما تنوعت من هذه الأسماء ، وقد علمت فيما تقدم أن الأحوال لا توهب لأربابها إلا من هذه السماء سواء كانت جلالية مثل القبض والهيبة والخوف أو جمالية مثل البسط والأنس والرجاء ، فالأحوال الجلالية إنما تظهر من حقيقة يحيى عليه الصلاة والسلام لأنه حامل سر الجلال ، والأحوال الجمالية إنما تظهر من حقيقة عيسى عليه السلام لأنه حامل سر الجمال ، وقد ورد في الحديث ما معناه أن يحيى وعيسى عليهم الصلاة والسلام تفاوضا فقال يحيى لعيسى كالمعاتب له لبسطه : كأنك قد أمنت مكر اللّه وعذابه ، فقال عيسى : كأنك أيست من فضل اللّه ورحمته ، فمن حقيقة عيسى ويحيى تتنوع لك الحالات الجلالية والجمالية في حالة إقامتك في هذه السماء ، فتارة تكون فيها في حالة القبض وأخواتها من حقيقة يحيى عليه السلام ، وتارة تكون فيها في حالة البسط من حقيقة عيسى عليه السلام .

مطلب في بيان تلطّف الكثيف وتكثّف اللطيف ( و ) إذا ( أقيم لك دولاب ) معنوي ( تعاين فيه صور الاستحالات ) الحسية والمعنوية ( وكيف يصير الكثيف ) مثل الماء والتراب وجسد الإنسان ( لطيفا ) مثل النار والهواء والمجرد ( واللطيف ) مثل النار والهواء والملك ( كثيفا ) مثل الماء والتراب والإنسان ( وما أشبه ذلك ) فإنما يقام لك من حضرة عيسى عليه السلام ، لأنه وجد عن هذه الحقيقة لما تجسد الروح الأمين لأمه ، فكان ذلك عبارة عن تكثف اللطيف ، ثم رفعه اللّه تعالى إليه فكان ذلك عبارة عن تلطف الكثيف ، ثم ينزل من السماء وهو عبارة عن تكثف اللطيف ، ثم يموت وهو عبارة عن تلطيف الكثيف ، وهذا دولاب دائر من لطيف إلى كثيف ومن كثيف إلى لطيف ، فافهم فإنه من لباب المعرفة . واعلم

 

 

"134"

وإن لم تقف مع هذا رفع لك نور متطاير الشرر ، فتطلب الستر عنه ، فلا تخف

،[ مطلب في التخلص من آفات هذا المقام ]

ودم على الذّكر ، فإنك إذا دمت على الذّكر لم تصبك آفة ، وإن لم تقف معه رفع لك عن نور الطوالع ، ورفع لك عن صورة التركيب الكلي ، وعاينت آداب الدخول إلى الحضرة الإلهية ، وآداب الوقوف بين يدي الحق جل وعلا ، وآداب الخروج من عنده إلى الخلق ، والمشاهدة الدائمة بالوجوه المختلفة من الظاهر والباطن ، والكمال الذي لا يشعر به كل أحد .

..................................................

أنه قد أعلمناك فيما أسلفناه لك أن هيكل كل إنسان ليس إلا روحه المجرد حالة تجسده في عالم الخيال المطلق كما يتجسد العلم في الخيال المقيد ويظهر بصورة اللبن وهو هو ، وإن تجسد الروح وظهورها بصورة الهيكل ليس إلا في شعورها لا غير ، فإذا زال عنها ذلك الشعور بالموت الطبيعي أو الإرادي بقيت عند نفسها على ما كانت عليه في نفس الأمر من التجرّد ، فإنها في حالة تجسدها في شعورها كانت في نفس الأمر مجردة ، ولكن لما ذهلت عن نفسها بملاحظتها للحقيقة الجسدانية ظهرت عند نفسها بصورة جسدية ، وهذا عين تكثف اللطيف ، وإذا زال عنها هذا الذهول بالموت الطبيعي أو الإرادي كما قال :فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ[ ق : الآية 22 ] كان ذلك عين تلطف الكثيف ، وإذا علمت أنك مجرد في حال تجسدك ومجسد في حال تجردك ، هان عليك القول بالحشر الجسماني كما ذهبت إليه عامة أهل الإسلام ، وكذلك القول بالمعراج الجسماني للرسول صلى اللّه عليه وسلم كما هو اعتقاد عامة أهل الحديث والفقه ، وكذلك القول بعروج عيسى عليه السلام إلى السماء الثانية ، وإدريس إلى السماء الرابعة بجسدهما العنصري الطبيعي ، ولا تحتاج إلى أن تؤول ذلك بأمور معنوية أو خيالية ، وهكذا القول بأن الميت يعذب في قبره ويصيح ، وأن عذابه حسي وأمثال ذلك فافهم فإنه من العلم المكنون .

( و ) اعلم أنك ( إن لم تقف مع هذا ) الذي ذكرناه لك ( رفع لك نور متطاير الشرر فتطلب الستر عنه ) بطبعك فإنك تتخيل أنه يذهب عينك ( فلا تخف ) فإنه ما ظهر إلا منك ( ودم على الذكر ) والتوجه إلى اللّه تعالى ولا تعبأ به فإنه لا يضرك وإياك أن تفتر عن الذكر .

مطلب في التخلص من آفات هذا المقام ( فإنك إذا دمت على الذكر لم تصبك آفة وإن لم تقف معه رفع لك عن نور الطوالع ) قال الشيخ رضي اللّه تعالى عنه : الطوالع المصطلح عليها عند الطائفة أنوار

 

 

"135"

...........................................................................

التوحيد تطلع على قلوب العارفين فتطمس سائر الأنوار ، وهذه أنوار الأدلة النظرية لا أنوار الأدلة الكثفية النبوية ، فالطوالع تطمس أنوار الكشف ، وذلك أن التوحيد المطلوب للّه من عباده وواجب النظر فيه إنما هو توحيد المرتبة ، وهو كونه إلها خاصة فلا إله غيره ، وعلى هذا يقوم الدليل الواضح ، وعند بعض العقول فضول من أجل القوى التي هي الآية ، فتعطيه في بعض أمزجة تراكيبها فضولا يؤديه ذلك الفضول إلى النظر في ذات اللّه ، وقد حجر الشّارع التفكّر في ذات اللّه فزال هذا العقل في النظر في ذلك وتعدى وظلم نفسه ، فأقام الأدلة على زعمه وهي أنوار الطوالع على أن ذات الإله لا ينبغي أن تكون كذا ولا أن تكون على كذا ، ونفت عنه جميع ما ينسب إلى المحدثات حتى يتميز عندها فجعلته محصورا غير مطلق بما دلت عليه أنوار أدلته ثم عدلت بعد ذلك إلى الكلام في ذاته وصفاته ، فاختلفت في ذلك أشعة أنوارهم أعني طرق أدلتهم على ما ذكر في علم النظر ، ثم عدلوا إلى النظر في أفعاله فاختلفوا في ذلك بحسب اختلاف أشعة أنوارهم مما قد ذكر وسطر ، وليس هذا الكتاب بمحل لما تعطيه أدلة الأفكار فإنه موضوع لما يعطيه الكشف الإلهي فلهذا لم نسردها على ما قررها أهلها في كتبهم ، ثم عدلوا إلى النظر في السماعيات ، وهو علمنا الذي نعول عليه في الحكم الظاهر ويؤخذ بالكشف الإلهي عند العمل بالتقوى ، فيتولى اللّه تعالى تعليمنا بالتجلي فنشهد ما لا تدركه العقول بأفكارها مما ورد به السمع وأحاله العقل وتأوله عقل المؤمن أو سلمه المؤمن الصرف ، فجاءت أنوار الكشف بأن الذات التي حجر التفكر فيها رأيناها على النقيض مما دلت عليه العقول بأفكارها ، فشاهد صاحب الكشف يمين الحق ويده ويديه والعين والأعين المنسوبة إليه والقدم والوجه ، ثم من النعوت الفرح والتعجب والضحك والتحول من صورة إلى صورة . هذا كله شاهدوه ، فاللّه الذي يعبده المؤمن وأهل الشهود من أهل اللّه ما هو الذي يعبده أهل التفكر في ذات اللّه ، فحرموا العلم لكونهم عصوا اللّه ورسوله في أن فكروا في ذات اللّه ، وتقدموا مرتبة الكلام والنظر في كونه إلها واحدا إلى ما لا حاجة لهم به ، وقد فعل ذلك من ينتمي إلى أهل اللّه كأبي حامد وغيره وهي مزلّة قدم ، وإن كان جعل ذلك سترا له فإنه قد نبه في مواضع على خلاف ما أثبته ، وفي الجملة من فعل ذلك أساء الأدب ، فمن حكم على نفسه فكره ونظره وأدخل عقله تحت سلطان نظره في ذلك وتخيل أنه على نور من ربه في نظره فطمس بأنظار أفكاره أنوار اللّه التي

 

 

"136"

..............................................................................

ظهرت بأعين أهل الشهود والكشف ، وجاء في ذلك بما لم يجئ عن رسول ونبي في كتاب أو سنّة ، فإن كان صاحب أنوار النظرية مؤمنا صادقا في إيمانه تأول ذلك في حق الرسول حتى لا يرجع عن النظر بنور فكره لأن اعتماده عليه وهو الذي أنشأ في نفسه ربّا يعبده كما ينبغي لنظره فعبد عقله ، ثم إنه نقل الأمر في التأويل لقصوره من التشبيه بالأجسام لحدوثها إلى التشبيه بالمعاني المحدثة أيضا ، فما انتقل من محدث إلا إلى المحدث فكان فضيحة الدهر عند المؤمنين والذين شاهدوا الأمر على ما هو عليه ، وأصل ذلك كله أنه نتيجة عن معصيته ، إذ قد نهاه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى عن التفكر في ذات اللّه فلم يفعل ، جعلنا اللّه تعالى وإياكم من أهل الشهود والوجود ، فيا ليت هذا المؤمن إذا لم يكن من أهل الشهود أن يسلم الأمر للّه على علم اللّه تعالى فيه ولا يتعدى ، وأما إذا جاء بمثل هذه العلوم غير الرسول عند هذا النظري كفره وزندقة وبهذا بعينه آمن به لما جاء به الرسول ، فأيّ حجاب أعظم من هذا الحجاب ؟ فيقول له : الأمر على كذا ، فيقول : هذا كفر وزندقة ، فإذا قلت له كذا ورد في الصحيح عن النبي صلى اللّه عليه وسلم : « ما هو قولي » سكت ، وقال بعد أن جاء عن النبي صلى اللّه عليه وسلم فله تأويل ينظر فيه فلا يقبله ذلك القبول لولا رائحة هذا النظر الذي يرجوه في تأويله ، فما أبعده من الحق المبين ، وقد يريد أصحابنا بالطوالع طوالع أنوار الشهود فتطمس أنوار الأدلة النظرية ، فما كان ينفيه عقلا عاد يثبته كشفا ولم يبق لذلك النور الفكري في عقله عين ولا أثر ولا جعل له عليه سلطانا ، فهذا معنى الطوالع . انتهى كلام الشيخ رضي اللّه تعالى عنه . ( و ) إن لم تقف مع نور الطوالع ( رفع لك عن صورة التركيب الكلي ) وهو عبارة عن ظهور الحق بصورة الخلق فتعلم أن الموجود العيني مركب من حق وخلق ، وهذا لا يحصل لك إلا إذا تجاوزت نور الطوالع ، فإن لم تجاوزه ووقفت عنده فأنت كما قال الشيخ رضي اللّه تعالى عنه تفرد الحق عن الخلق والخلق عن الحق ، وكل تركيب ظهر في العالم فهو فرع هذا التركيب الكلي وهذا التركيب الكلي أصله .

شعرفلا تنظر إلى الحق * وتعرّيه عن الخلق

ولا تنظر إلى الخلق * وتكسوه سوى الحق

ونزّهه وشبهه * وقم في مقعد الصدق

 

 

"137"

..........................................................

مطلب في بيان أدب الوقوف بين يدي الحق وبيان الجلال والجمال وحكمهما وإذا اطلعت على حقيقة التركيب الكلي ( وعاينت آداب الدخول إلى الحضرة الإلهية ) هل ينبغي أن تدخل عليها بالتنزيه النظري ولا سبيل إلى ذلك ، أو بالتنزيه المشروع وهو قوله : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [ الشّورى : الآية 11 ] ، و سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ ( 180 ) [ الصّافات : الآية 180 ]

أو تنزيه التنزيه وهو في طي التنزيه المشروع وهو أكمل التنزيه ، كما أن حمد الحمد أكمل الحمد ، أو بالتشبيه العقلي ولا سبيل إليه ، أو بالتشبيه المشروع وهو قوله : وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [ الشّورى : الآية 11 ] ، أو تنزيه التشبيه وهي قوله : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [ الشّورى : الآية 11 ] على أن لا تكون الكاف زائدة ، فتعلم جميع هذا من معاينتك للتركيب الكلي ، ولهذا المقام من الفروع والتفاصيل ما لم يمكن حصره ( و ) إذا عاينت آداب الدخول إلى الحضرة الإلهية فسوف تعاين ( آداب الوقوف بين يدي الحق جل وعلا ) بعد الدخول إلى حضرته ، فتعلم بماذا ينبغي أن يتصف الواقف ، هل يتصف بالقبض والبسط ، وإذا اتصف بهما هل يقابل الجمال بالبسط ؟ والجلال بالقبض كما هو المشهور عند عامة القوم ، أو يقابل الجمال بالقبض والجلال بالبسط كما هو مذهب الشيخ رضي اللّه تعالى عنه ، قال رضي اللّه عنه : أما بعد فإن الجلال والجمال مما اعتنى بهما المحققون العالمون باللّه من أهل اللّه من أهل التصوف ، وكل واحد نطق فيهما بما يرجع إلى حاله ، وإن أكثرهم جعلوا الأنس بالجمال مربوطا والهيبة بالجلال مربوطة ، لا وليس الأمر كما قالوه بوجه ، وذلك أن الجلال والجمال وصفان للّه تعالى والهيبة والأنس وصفان للإنسان ، فإذا شاهدت حقائق العارفين الجلال هابت وانقبضت ، وإذا شاهدت الجمال أنست وانبسطت ، فجعلوا الجلال للقهر والجمال للرحمة وحكموا في ذلك بما وجدوه في أنفسهم ، وأريد إن شاء اللّه أن أبين عن هاتين الحقيقتين على قدر ما يساعدني اللّه تعالى به في العبارة فأقول أولا : إن الجلال للّه معنى يرجع منه إليه ، وهو الذي منعنا من المعرفة به تعالى ، والجمال : معنى يرجع منه إلينا وهو الذي أعطانا هذه المعرفة التي عندنا به ، والتنزلات والمشاهدات والأحوال ، وله فينا أمران الهيبة والأنس ، وذلك لأن لهذا الجمال علوّا ودنوا فالعلو جلال الجمال وفيه يتكلم العارفون ، وهو الذي يتجلى لهم ويتخيلون أنهم يتكلمون في الجلال الأول الذي

"138"

.....................................................

ذكرناه ، وقد اقترن معه منا الأنس ، والجمال الذي هو الدنو قد اقترنت معه منا الهيبة ، فإذا تجلى لنا جلال الجمال أنسنا ولولا ذلك لهلكنا فإن الجلال والهيبة لا يبقى لسلطانهما شيء ، فيقابل ذلك الجلال منه بالأنس منا لنكون في المشاهدة على الاعتدال حتى نعقل ونرى ولا نذهل ، وإذا تجلى لنا الجمال هبنا فإن الجمال مباسطة الحق لنا ، والجلال عزته عنا ، فتقابل بسطه معنا في جماله بالهيبة ، فإن البسط مع البسيط يؤدي إلى سوء الأدب وسوء الأدب في الحضرة سبب الطرد والبعد ، ولهذا قال من عرف هذا المعنى من المحققين : اقعد على البساط وإياك والانبساط ، فإن جلاله في أنسنا يمنعنا في الحضرة من سوء الأدب ، كما أن هيبتنا في جماله وبسطه يمنعنا من سوء الأدب ، فكشف أصحابنا صحيح ، وحكم بأن الجلال يقبضهم والجمال يبسطهم غلط ، وإذا كان الكشف صحيحا فلا تبالي فهذا هو الجلال والجمال كما تعطيه الحقائق انتهى . واعلم أن يدي الحق سبحانه وتعالى عبارة عن الجمال وجلال الجمال ، لا كما يتوهمه الدخيل من أنهما عبارتان عن الجمال والجلال المطلق ، لأن الجلال المطلق ما توجه على خلق آدم ولا غيره ، ولو كان لعرفه من توجه على خلقه لأنه يكون على صورة وهو لا صورة له ، ولو كان لورد في القرآن وما ورد إلا الجمال وجلاله ، قال الشيخ رضي اللّه تعالى عنه : اعلم أن القرآن يحوي على جلال الجمال وعلى الجمال ، وأما الجلال المطلق فليس لمخلوق في معرفته مدخل ولا شهود انفرد الحق به ، وهو الحضرة التي يرى فيها الحق نفسه بما هو عليه ، فلو كان لنا مدخل فيه لأحطنا علما باللّه وبما عنده وهذا محال ، انتهى .

وقال رضي اللّه عنه في معنى القبضتين واليدين : واعلم يا أخي أن اللّه تعالى لما كان له الحقيقتان ووصف نفسه باليدين ، وعرفنا بالقبضتين خرج على هذا الحد الوجود فما في الوجود شيء إلا وفيه ما يقابله ، وغرضنا في هذه المقابلة ما يرجع إلى الجلال والجمال خاصة ، وأعني بالجلال جلال الجمال كما ذكرنا ، فليس في الحديث المأثور عن المخبرين عن اللّه تعالى شيء يدل على الجلال إلا وفيه ما يابله في الجمال ، وكذلك في الكتب المنزلة وفي كل شيء ، كما أنه ما من آية في القرآن تتضمن رحمة إلا ولها أخت تقابلها تتضمن نقمة .

كقوله تعالى : غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ [ غافر الآية 3 ]:

يقابله شَدِيدُ الْعِقابِ [ المائدة : الآية 98 ] ،

وقوله تعالى : نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ( 49 ) [ الحجر : الآية 49 ] يقابله وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ ( 50 ).

 

 

"139"

.............................................................

[ الحجر : الآية 50 ] ، وقوله تعالى : وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ ( 27 ) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ ( 28 ) [ الواقعة : الآيتان 27 ، 28 ] الآية تقابلها وَأَصْحابُ الشِّمالِ ما أَصْحابُ الشِّمالِ ( 41 ) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ ( 42 ) [ الواقعة : الآيتان 41 ، 42 ] الآية ، وقوله تعالى : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ ( 22 ) [ القيامة : الآية 22 ]

يقابلها باسِرَةٌ [ القيامة : الآية 24 ] ، وقوله : يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ [ آل عمران : الآية 106 ] يقابلها وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ [ آل عمران : الآية 106 ] ،

وقوله : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ ( 2 ) عامِلَةٌ ناصِبَةٌ ( 3 ) تَصْلى ناراً حامِيَةً ( 4 ) [ الغاشية : الآيات 2 - 4 ] الآية يقابله وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ ( 8 ) لِسَعْيِها راضِيَةٌ ( 9 ) [ الغاشية : الآيتان 8 ، 9 ] ،

وقوله : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ( 38 ) ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ ( 39 ) [ عبس : الآيتان 38 ، 39 ] يقابله وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ ( 40 ) تَرْهَقُها قَتَرَةٌ ( 41 ) [ عبس الآيتان : 40 ، 41 ] ،

وإذا تتبعت القرآن وجدته كله في هذا النوع على هذا الحد وهذا كله من أجل الرقيقتين الإلهية في قوله : كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ [ الإسراء : الآية 20 ] ،

وقوله : فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها ( 8 ) [ الشمس : الآية 8 ] ،

وقوله في المعطي المصدق : فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى ( 7 ) [ الليل : الآية 7 ]

ويقابله في البخيل المكذب فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى ( 10 ) [ الليل : الآية 10 ] .

انتهى كلام الشيخ رضي اللّه تعالى عنه .

مطلب في بيان الخروج من عند الحق إلى الخلق ( و ) اعلم أنك إذا عاينت آداب الوقوف بين يدي الحق فسوف تعاين بعد ذلك ( آداب الخروج من عنده إلى الخلق ) فتعلم بماذا ينبغي أن تخرج من عنده هل تخرج به فقط أو بنفسك فقط أو بهما ، فإن خرجت به فهو الظاهر وأنت الباطن فمن رآك رآه ، وإن خرجت بنفسك كان الأمر بالعكس ، وإن خرجت بهما كان الأمر على الاعتدال وتعلم من هذا المعنى .

مطلب في المشاهدة الدائمة بالوجوه المختلفة « من الظاهر والباطن » ( والمشاهدة الدائمة بالوجوه المختلفة من الظاهر والباطن : ) اعلم أن للحقائق استعدادات ذاتية مختلفة ، ولوازم صفاتية غير مؤتلفة ، يقتضي كل واحد منها ما لا يقتضيه الآخر ، ولهذا حكمت الحقائق على الظاهر بها أن يكون على صورتها في الظهور ، فلا يظهر في حقيقة منها إلا بحسب ما تعطيه ذاتها وصفاتها كما قيل لون الماء لون إنائه ، فذات الظاهر من حيث هي لا تتقيد بوصف واستعداد لأنها مطلقة

 

"140"

فإن كل ما نقص من الوجه الظاهر أخذه الوجه الباطن ، والذات واحدة فما ثم نقص .

.............................................................

بالإطلاق الذي لا يشوبه تقيد بوجه من الوجوه ، وعلى هذا فما هي ظاهرة إلا بالنسبة إلى بعض الحقائق إن كان الظهور عبارة عن تعلق العلم بها ، أو إلى جميعها إن كان عبارة عن البروز بالوجود ، وهكذا كونها باطنة ، ولهذا كانت ذوات الحقائق وجوهها المختلفة من حكم الظاهر والباطن ، وهذا لا يقدح في إطلاقها الذاتي ووحدتها الحقيقية لأنه راجع إلى شهود الممكنات كما هي عليه في مراتبها وما تقتضيه استعداداتها الخصيصة بها ، وذلك لا يتعدى عرصة إدراكها ، فمشاهدة الحق على ما قررناه من أمر الظهور سواء كانت عبارة عن رؤية الأشياء بدلائل التوحيد أو رؤية الحق في الأشياء ، أو حقيقة اليقين من غير شك فإنها لا تختلف باختلاف الوجوه من الظاهر والباطن من حيث حقيقة المشهود الواحد الأحد ، وإنما تختلف من حيث ظهوراته وهي لا دخل لها في مشاهدة الحقيقة ، وإنما هي آلة للمشاهدة ، وإن اختلفت مشاهدة الحقيقة لاختلاف الآلة فإن ذلك راجع إلى المشاهد لا إلى المشهود ، فالمشهود واحد في ذاته مطلق عن جميع القيود والاستعدادات ، واختلاف آلة المشاهدة لا يقدح في وحدته وإطلاقه ، وإنما يقدح في شهود المشاهد ، ألا تراك لو رأيت زيدا في ألف حلية لا تشك في أنك رأيته واختلاف الحلية لا يقدح في رؤيته فافهم فإنه في غاية الدقة ، وبعد أن أعلمناك بحقيقة الحال فإن شئت جعلت متعلق قوله من الظاهر والباطن المشاهدة ، وإن شئت جعلته الوجوه المختلفة وكل واحد منهما سايغ لا يخل بالمعنى ( و ) إذا علمت أن المشاهدة لا تختلف باختلاف وجوه الظاهر والباطن علمت ( الكمال الذي لا يشعر به كل أحد ) وهو الكمال الذاتي الذي لا يطرق إليه نقص بوجه من الوجوه ولو في مرتبة من المراتب ، فإن قلت فما تقول في أحوال الأشقياء فإنه قد نقصتهم السعادة ، وهكذا أحوال الجهال وأصحاب المحن قلت هذا النقص إنما وقع في الصفات لا في نفس الذات .

( فإن كل ما نقص من الوجه الظاهر ) بالنسبة إلينا ( أخذه الوجه الباطن ) بالنسبة إلينا ( والذات ) المتصفة بالظهور وبالبطون النسبي ( واحدة فما ثم ) فيها ( نقص ) أصلا لأن كل ما فاتها في الظاهر لا يفوتها في الباطن وبالعكس فهي كاملة ليس للنقصان إليها سبيل وإلا لم تكن مرجع الأمر كله ، ألا ترى إلى القمر كيف هو بدر دائما ومحاق دائما وهما وجها الظاهر والباطن وإنما يزيد وينقص بالنسبة إلينا لا بالنسبة إلى

 

 

"141"

مطلب في بيان كيفية تلقّي العلوم من اللّه

وتعلم بعد هذا كيفية تلقّي العلوم الإلهية من الله تعالى ، وما ينبغي أن يكون عليه المتلقي من الاستعداد ، فاعلم .

................................................................

ذاته ، ولما كانت ذاته متحركة حركة دورية وضعية ظهرت الزيادة والنقصان فيها بالنسبة إلينا ، فبقدر ما ينقص من النور من وجهه البدري يزيد في الوجه الآخر ، وبقدر ما يزيد فيه ينقص منه من الطرف الآخر ويقوم مقام ما نقص من الوجه البدري هذا لا شك فيه عند من فكر في خلق السماوات والأرض ، فكلما نقص من وجهه الظاهر أعني الوجه البدري أخذه الوجه الباطن أعني الوجه الممحوق على ميزان مخصوص لا ينخرم أصلا ، وهكذا الليل والنهار وهما الظاهر والباطن فبقدر ما ينقص من الليل يزداد في النهار وبقدر ما ينقص في النهار يزداد في الليل على نسبة واحدة لا تنخرم أبدا ، واليوم الذي هو مجموع الليل والنهار ما زاد ولا نقص وهكذا في المقادير فإنك إذا أخذت شمعة ومددتها فبقدر ما يزداد في طولها ينقص من عرضها ، وبقدر ما ينقص من طولها إذا بسطتها يزداد في عرضها على نسبة واحدة ، والمقدار هو بعينه ما زاد ولا نقص فسبحان من جعل العالم علامة عليه لأنه خلقه على صورته ، هذا في الكمال الذاتي ، وأما الكمال الصفاتي فإن كماله بوجود النقص فلو لا النقص ما صح الكمال للكمال ، وإليه أشار الشيخ رضي اللّه تعالى عنه بقوله :

شعروإني لأهوى النقص من أجل من أهوى * لأن به كان الكمال لمن يدري

وما جاء بالنقصان إلا مخافة * من العين مثل البدر في آخر الشهر

وما نقص البدر الذي تصرونه * ولكنه بدر لمن غاص في الفكر

يراه تماما كاملا في ضيائه * على أكمل الحالات في البطن والظهر

فلو لم يكن في الكون نقص محقق * لكان وجود الحق ينقص في القدر

فبي كان للحق الإله كماله * مع النقص فانظر ما تضمنه شعريمطلب في بيان كيفية تلقّي العلوم من اللّه وما ينبغي للمتلقّي أن يكون عليه من الاستعداد وآداب الأخذ والعطاء والقبض والبسط وكيف يحفظ القلب من الهلاك المحرق وأن الطرق كلها مستديرة وما ثم طريق خطي ( وتعلم بعد هذا كيفية تلقي العلوم الإلهية من اللّه تعالى وما ينبغي أن يكون عليه المتلقي من الاستعدادات ) هل ينبغي أن يكون المتلقي في حالة التلقي متوجها إلى

 

 

"142"

ومن آداب الأخذ والعطاء والقبض والبسط ، وكيف يحفظ القلب ، الذي هو مورد الأحوال من الهلاك المحرق ، وأن الطرق كلها مستديرة ، وما ثم طريق خطي ، وغير ذلك مما تضيق هذه الرسالة عنه .

.................................................................

اللّه تعالى معرضا عن غيره فلا يتوجه إلى ما يتلقاه ، وذلك سوء أدب من وجه ، أو ينبغي أن يتوجه إلى ما يتلقاه فقط وهو سوء أدب أيضا ، أو يتوجه إليهما والحال أنه لا يمكن التوجه إلى اللّه تعالى حالة التوجه إلى غيره وهذا مقام حيرة ( فاعلم ) أنه ينبغي للمتلقي أن يتوجه إلى ما يلقى إليه من حيث أنه مظهر من مظاهر الحق ، وهو غاية الأدب لأنه ما توجه إلى الحق فقط حتى يفوته ما هو المقصود من الإلقاء ، فإن اللّه تعالى يريد من العبد حالة الإلقاء أن يعلم ما يلقى إليه وما يراد منه ، فيبادر إليه من غير تثبط ولا إلى غيره فيكون من المطرودين ، ولا إليهما بوجه لا يصح .

 

( ومن ) هنا تعلم ( آداب الأخذ ) من غير اللّه ( والعطاء ) لغيره ما هي وهل ينبغي للمعطي أن يعطي بيد اللّه أو بيد نفسه والأول هو الأولى وهكذا الأخذ ( و ) تعلم آداب ( القبض والبسط ) هل ينبغي أن تتوجه بالقبض إلى الجلال وبالبسط إلى الجمال أو بالعكس وقد مرّ تحقيق ذلك فيما نلقناه من كلام الشيخ رضي اللّه تعالى عنه ( و ) تعلم ( كيف ) ينبغي أن ( يحفظ القلب الذي هو مورد الأحوال من الهلاك المحرق ) الذي يفسد عينه وهو ملاحظة الأغيار وملاحظة الأسباب والعلل وعدم شهود وجه الحق فيها ، هل ينبغي أن يحفظ بالإعراض عنها فقط ؟ أو بالتوجه إلى اللّه فقط أو بهما ، والثاني هو الأولى والأول حرمان ( و ) تعلم ( أن الطرق كلها مستديرة ) سواء كانت حقية أو خلقية ( و ) أنه ( ما ثم طريق خطي ) مستقيم لا ميل فيه ( وغير ذلك مما تضيق هذه الرسالة عنه ) .

 

اعلم رحمك اللّه تعالى أن الطائفة تقول الطرق إلى اللّه تعالى بعدد أنفاس الخلائق ، وهذا الكلام دقيق في غاية الغموض ، وما رأيت من يتفطن له والذي ظهر لي من بركة التوجه نحو أنفاس الشيخ رضي اللّه تعالى عنه التي تهب من توجه إليها سر الربوبية هو أن إيجاد العالم مستند إلى العالم من حيث القبول وإلى اللّه من حيث التأثير ، فإنه أعني العالم لولا ما هو قابل وممكن ما أثرت فيه القدرة ، لأنها لا تنفذ في الممتنعات وهي التي لا تقبل التأثير ، فالعلة التامة لوجود العالم إنما هي مجموع التأثير والتأثر وهو نفس الإمكان ، والإمكان أمر موهوم لأن الماهيات إما معدومة أو موجودة ولا واسطة وصلاحية العالم لقبول التأثير غير مجعولة فهي قديمة فما كان

 

 

"143"

......................................................

العالم لا يقبل التأثير فيكون من الممتنعات ثم قبله حتى يلزم من ذلك انقلاب الحقائق ، وإذا كان الأمر على هذا فالعالم قديم أعني في علم القديم سبحانه فإني لا أقول بقدم فرد من أفراد العالم في الخارج ، وذلك لأن للعالم قبولا للوجود العلمي وهو قبول أول ، وقبول للوجود الخارجي وهو قبول ثان ، وبالنظر إلى قبوله الأول يصح القول بأن اللّه أوجد الأشياء بالفيض الأقدس لا عن شيء فهو البديع سبحانه ، وبالنظر إلى الثاني يصح القول بأن اللّه تعالى أوجد الأشياء عن الوجود .

مطلب في معنى قول الشيخ الحمد للّه الذي أوجد الأشياء عن عدم وإليه الإشارة بقول الشيخ رضي اللّه تعالى عنه الحمد للّه الذي أوجد الأشياء عن عدم وعدمه ، فإن الفيض الأقدس لا يختص بالممكنات وذلك لسعة فلك الوجود وإطلاق عمومه بخلاف الفيض المقدس فإنه مخصوص بالممكنات ، واعلم أن الطرق وإن كثرت فإنها ترجع إلى طريقين هما أصل جميع الطرق ؛ طريق من العدم إلى الوجود وأعني بالعدم العدم المطلق وبالوجود الوجود الإضافي وسلاك هذه الطرق الممتنعات والممكنات ، وطريق من الوجود الإضافي ، وإن شئت قل العدم جميع الوجود الإضافي إلى الوجود ممكن الوجود الإضافي وسلاك هذه الطريق الممكنات ، وهذه الطرق تحتوي على طرق منها الطريق الموصل من العلم القديم إلى حقيقة العقل الأول ، ومنها الطريق الموصل من العقل إلى النفس ومن النفس إلى العرش وهكذا إلى آخر سلسلة الوسائط ، وكل طريق من هذه الطرق تحتوي على طرق ليس في القوة البشرية الإحاطة بها من حيث التفصيل . ثم اعلم أن سلاك الطريق الأول ما سافر من سافر منه إلا من العدم المطلق إلى الوجود المطلق ، وعلى هذا فلا يصح القول باستدارة طريقها إلا أن الممكنات إذا سلكت على الطريق الثاني الذي هو أحد الطريقين المذكورين آنفا فإن البداية التي يفارقونها هي الحق وليس إلا نفس امتيازهم عنه في الخارج ، فلو خرجوا على خط مستقيم لم تكن له غاية يقصدونها فكانوا إذا صدروا عن اللّه تعالى لا يعودون إليه بل لا تكون الحركة إلا لتحصيل كمال هو بالقوة عند المتحرك وهو يريد أن يحصله بالفعل فلا يتصور التوجه بالحركة إلى العدم المطلق أو الوجود المطلق ، وما هو عند المتحرك بالقوة لا يتصف بالعدم المطلق ولا بالوجود المطلق بل بالوجود الإضافي والعدم الإضافي ، والوجود من حيث هو أعم

 

 

"144"

.........................................................................

من الوجود الإضافي ، والحقيقي وهو حقيقة واحدة لا تعدد فيها ، فغاية هذا الطريق الثانية عين بدايتها من وجه فما فارقته الممكنات إلا حضرة من حضرات الوجود وما توجهت إلا لحضرة من حضراته ، فمنه صدرت وإليه رجعت ، ولا يصح أن ترجع من الطريق الذي سلكت عليه حالة صدورها عنه لأنه لا تكرار في التجلي ، وإذا ثبت هذا صح أن الطريق دوري ، ولما كانت عين مفارقة الممكنات للغاية عين وصولها للنهاية لاتحادهما لهذا لم تلبث في الطريق ، إلا أن وجودها هو عين امتيازها ثم تعود إلى ما منه صدرت ، وإن فهمت ما أشرنا إليه علمت معنى الخلق الجديد وأن كل موجود سوى اللّه في كل آن يعدم ويوجد مثله كما تقول الأشاعرة في الأعراض وظهور هذه الأمثال هو أنفاس الخلائق ، ولا تتوهم أن مراد الطائفة بأنفاس الخلائق غير هذا فإنه لا يصح فلكل موجود سوى اللّه في كل آن نفس هو عين وجوده ثم ينعدم ويوجد مثله ووجوده عين تنفسه ، فإن اللّه تعالى نفس عن حقائق الممكنات بنفسه لما كانت تجده من كربة العدم ونفسه عين وجودهم الإضافي ، فهو سبحانه وتعالى في كل آن متنفس والممكن في كل آن متنفس ، واعلم أن كل سالك إلى اللّه سواء كان سلوكه بالفكر أو الذكر فإنه في كل آن ينعدم ويوجد مثله فله في كل آن طريق ، لأنه لا يصح من شخصين أن يتفقا من جميع الوجوه ولو اتفقا لما امتاز كل واحد عن الآخر ، وإذا كان اختلاف الأشخاص واجبا فالاستعدادات مختلفة ، وإذا كانت الاستعدادات مختلفة فالتجلي مختلف ، وإذا كان التجلي مختلفا فالطريق الموصلة إليه مختلفة وهو عين ما أشارت إليه الطائفة ، فالحق بالنسبة إلى هذا الطريق كما قالكُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍيَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ( 29 )[ الرحمن : الآية 29 ] والخلق بالنسبة إلى الطريق الذي قبله في « خلق جديد » وما يظهر ما قلناه إلا لقلب شهيد وبصر حديد ، وإلى هذا أشار الشيخ رضي اللّه تعالى عنه بقوله : إن الشؤون التي يتقلب فيها الحق عين أحوال الخلق فافهم . وإن تأملت في الحقائق وجدتها جميعها مائلة إلى الاستدارة سواء كانت حسية أو معنوية ، ألا ترى إلى طريق أرباب الفكر كيف هي مستديرة لأنهم إذا أرادوا الوصول إلى أمر بترتيب أمور فلا بد أن يكون ذلك الأمر معلوما عندهم من وجه ومجهولا من وجه ، فإذا رتّبوا المقدمات وصلوا إلى وجهه المجهول فكانت نهايتهم عين بدايتهم ، وذلك عين استدارة الطريق فافهم ، وإذا علمت ما ذكرناه من أمر الاستدارة وعدمها في الطريق وحصلت ذلك من طريق الكشف .

 

 

"145"

[مطلب في بيان مراتب العلوم النظرية وصور المغالط التي تطرأ عليها وغير ذلك]

فإن لم تقف معه ، رفع لك عن مراتب العلوم النظرية ، والأفكار السليمة ، وصور المغالط التي تطرأ على الأفهام ، والفرق بين الوهم والعلم ، وتولد الممكنات بين عالم الأرواح والأجسام ، وسريان السر الإلهي في عالم العناية ، وسبب من ترك الكون عن مجاهدة وعن لا مجاهدة ، وغير ذلك مما يطول شرحه .

...............................................................

مطلب في بيان مراتب العلوم النظرية وصور المغالط التي تطرأ عليها وغير ذلك ( فإن لم تقف معه ، رفع لك ) من حقيقة عيسى عليه السلام ( عن مراتب العلوم النظرية ) المطابقة للواقع فتعلم ما هو الأعلى منها وما هو الأدنى وما ينبغي أن يقدم منها وما ينبغي أن يؤخر ( و ) رفع لك عن حقيقة ( الأفكار السليمة ) المستقيمة السالمة من الزلل ( وصور المغالط التي تطرأ على الأفهام ) لانحراف قام بمزاج صاحبها ( والفرق بين الوهم والعلم ) وقليل من أهل العلم من يعرف ذلك وجمهور النظار لا يفرقون بينهما في أكثر الأحوال ( وتولد الممكنات بين عالم الأرواح والأجسام ) كما تولد عيسى عليه السلام بين مريم وجبريل عليهما السلام والنفس بين الروح والجسد وسبب ذلك التوالد ( وسريان السر الإلهي في عالم العناية ) وهو الوحدة الذاتية في عالم الأسماء ووحدة العقل في عالم الأرواح ووحدة العرش في عالم الأجسام ، وهذه الوحدة عين الرحمة ، فأهل العناية سرت فيهم الوحدة حتى تخللت ذواتهم وصفاتهم وأفعالهم ، كما تخللت الذات والعقل والعرش ، وظهر ذلك في مللهم ونحلهم ، وأهل الشقاء بالعكس ، وإن رقيت معي وتبعتني فقل ما ثم شقاء فإن السر الإلهي قد سرى في جميع العالم فما ثم شقاء ، فكل ما سوى اللّه هو عالم العناية لأنه في قبضة الحق وما في قبضته فهو عنده وما عند اللّه خير وأبقى ، والشقاء شر والشر ليس إليه فافهم . فأني أدرجت في هذه الكلمات بحرا من الحقائق المعارف إن وفقت إلى الغوص فيه واستخرجت درره فأنت سيد وقتك واللّه تعالى الهادي لا رب غيره ( و ) إذا علمت سريان السر الإلهي في أهل العناية علمت أن ( سبب ) ترك الكون عن مجاهدة نفسية ورياضة بدنية والتوجه إلى اللّه تعالى والإعراض عن غيره إنما هو امتزاج اللطف والقهر وإن ( من ترك الكون عن مجاهدة ) فإنما تركه لهذا السبب ( و ) إن من تركه ( عن لا مجاهدة ) فإنما تركه لأن السبب في تركه لا عن مجاهدة إنما هو اللطف فقط ( و ) يرفع لك في هذه السماء عن ( غير ذلك مما يطول شرحه ) وتضيق هذه الأوراق عن إيراد بعضه .

 

 

"148"

[مطلب في عالم التصوير والتحسين والجمال]

فإن لم تقف معه ، رفع لك عن عالم التصوير والتحسين والجمال ، وما

.............................................................

مطلب في عالم التصوير والتحسين والجمال ( فإن لم تقف معه ) ورقيت إلى السماء الثالثة ( رفع لك عن عالم التصوير والتحسين والجمال ) المقيد فإنك ستنزل عند يوسف عليه السلام وتقف الزهرة في خدمتك لأنها خادمة ليوسف عليه السلام وأنت نزيله ، فتتلقى منه ما خصه اللّه به من العلوم المتعلقة بصور التمثيل والخيال ، فإن يوسف عليه السلام كان من الأئمة في علم التعبير ، فتحضر بين يديك الأرض التي خلقها اللّه تعالى من بقية طينة آدم عليه الصلاة والسلام ، ويحضر لك سوق الجنة وأجساد الأرواح الملكية والمعاني العلوية ، ويعرفك بأوزانها ومقاديرها ونسبها ، فيريك السنين في صور البقر وخصبها في سمنها وجدبها في عجافها ، ويريك العلم في صورة اللبن والثبات في الدين في صورة القيد . . . وفي الجملة يعلمك تجسد المعاني والنسب في صورة الحس والمحسوس ، ويعرفك معنى التأويل في ذلك كله ، فإنها سماء التصوير التام والنظام ، ومن هذه السماء يكون الإمداد للشعراء والنظم والإتقان والصور الهندسية في الأجسام وتصويرها في النفس من السماء الثانية ، ومن هذه السماء تعلم معنى الإتقان والإحكام والحسن الذي يتضمن وجوده الحكمة والحسن الفرضي الملائم لمزاج خاص ، وتعلم أن من الأمر الموحي إلى هذه السماء حصل ترتيب الأركان التي تحت مقعر فلك القمر ، ولولا هذا الترتيب ما صح وجود الاستحالة فيهن ولا كان منهن ما كان من المولدات ولا ظهر في المولدات ما ظهر من الاستحالات ، وأنه من هذه السماء رتب اللّه في هذه النشأة الجسدية الأخلاط الأربعة على النظم الأحسن والاتقان الأبدع ، فجعل مما يلي نظر النفس المدبرة المرة الصفراء ثم يليها الدم ثم يلي الدم البلغم المرة السوداء وهو طبع الموت ، ولولا هذا الترتيب العجيب في هذه الأخلاط لما حصلت للطبيب المساعدة فيما يرومه من إزالة ما يطرأ على هذا الجسد من العلل ، أو فيما يرومه من حفظ الصحة عليه ، وأنه من هذه السماء ظهرت الأربعة الأصول التي يقوم عليها بيت الشعر كما قام الجسد على الأربعة الأخلاط ، وهي السببان والوتدان السبب الخفيف والسبب الثقيل والوتد المفروق والوتد المجموع ، فالوتد المفروق يعطي التحليل والوتد المجموع يعطي التركيب والسبب الخفيف يعطي الروح والسبب الثقيل يعطي الجسم وبالمجموع يكون الإنسان ، فانظر ما أتقن وجود هذا العالم كبيره وصغيره وهكذا قال الشيخ رضي اللّه تعالى عنه ( و ) تعلم ( ما

 

 

"147"

ينبغي أن تكون عليه العقول ، من الصور المقدسة والنفوس النباتية ، من حسن الشكل والنظام ، وسريان الفتور واللين والرحمة في الموصوفين بها ، ومن هذه الحضرة يكون الإمداد للشعراء ، وهي قبله يكون الإمداد للخطباء .

.........................................................................

ينبغي أن تكون عليه العقول ) المطهرة من رذائل الطبيعة ( من الصور ) الإلهية ( المقدسة ) والأخلاق الربانية المنزهة مثل العفة والصبر وسياسة الخلق وأمثالها مما كانت من أحوال يوسف عليه السلام ( و ) تعلم من الزهرة ما ينبغي أن تكون عليه ( النفوس النباتية من حسن الشكل و ) حسن ( النظام و ) تعلم من يوسف عليه الصلاة والسلام كيفية ( سريان الفتور واللين والرحمة في الموصوفين بها ) لأنها كانت أحواله عليه السلام مع زليخا وستقف على ذلك فيما ننقله من كلام الشيخ رضي اللّه تعالى عنه إن شاء اللّه ( ومن هذه الحضرة ) اليوسفية التي هي حضرة الجمال ومنصة عالم الخيال ( يكون الإمداد للشعراء ) لأنهم أصحاب التخيلات والإبهامات والمجازات ولهم تولع عظيم بالحسن والجمال المقيد ومدار طريقهم على ذلك ( و ) من الحضرة العيسوية التي ( هي قبله يكون الإمداد للخطباء ) وقد أشرنا إلى ذلك فيما تقدم ، وتعلم أن كل أمر علمي يكون في اليوم المتعلق بالزهرة أعني يوم الجمعة فمن روحانية يوسف عليه السلام ، وكل أثر علوي يكون في ركن النار والهواء فمن نظر الزهرة ، وكل أثر سفلي يكون في الماء والأرض فمن حركة فلك الزهرة ، وتعلم حقيقة البدل الذي يستمد من حقيقة يوسف عليه السلام وكيف يحفظ اللّه تعالى به الإقليم الخامس ، وتعلم علم التصوير من حضرة الجمال والأنس ، وعلم الأحوال مثل المحبة والعشق وطلب الوصلة وأخواتها ، ويكون الناظر إليك في هذه السماء الاسم المصور وهو ربها ، والاسم العليم وهو رب يوم الجمعة ، وحرف الراء ومنزله المغفرة وسورة العنكبوت ، ومن هذه الحضرة يعلم سر وجوب صلاة المغرب هكذا قال الشيخ رضي اللّه تعالى عنه .

وقال رضي اللّه عنه بعد ما أوردنا من كلامه فيما جرى بينه وبين عيسى عليه السلام في السماء الثانية : ثم عرج بي إلى يوسف عليه السلام فقلت له بعد أن سلمت عليه فرد وسهل بي ورحب : يا يوسف لم لم تجب الداعي حين دعاك ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول عن نفسه : « إنه لو ابتلي بمثل ما ابتليت به » ودعى لأجاب الداعي ولم يبق في السجن حتى يأتيه الجواب من الملك بما تقوله النسوة ، قال لي : بين الذوق والفرض ما بين السماء والأرض ، كثير بين أن تفرض الأمر أو تذوقه من نفسك ، لو نسب إليه صلى اللّه عليه وسلم ما نسب إليّ لطلب صحة البراءة بغيبته فإنها أدل على براءته من حضوره ،

 

 

"148"

..................................................................

ولما كان رحمة كان من عالم السعة والسجن ضيق فلذا جاء لمن حاله هذا سارع إلى الانفراج ، وهذا فرض فالكلام مع التقدير المفروض ما هو مثل الكلام مع الذائق ألا تراه صلى اللّه عليه وسلم ما ذكر ذلك إلا في معرض نسبة الكمال إلي فيما تحملته من الغربة علي فقال ذلك أدبا معي لكوني أكبر منه بالزمان كما قال في إبراهيم : نحن أحق بالشك من إبراهيم ، وكما قال في لوط : يرحم اللّه أخي لوطا لقد كان يأوي إلى ركن شديد ، أتراه أكذبه حاشا للّه فإن الركن الشديد الذي أراده لوط هو القبيلة والركن الشديد الذي ذكره رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم هو اللّه تعالى ، فهذا تنبيه لك أن لا تجري نفسك فيما لا ذوق لك فيه مجرى من ذاق فلا تقل لو كنت أنا عوض فلان لما قيل له كذا وقال كذا ما كنت أقوله لا واللّه ، بل لو نالك ما ناله لقلت ما قاله فإن الحال الأقوى حاكم على الحال الأضعف ، وقد اجتمع في يوسف وهو رسول اللّه حالان حال السجن وحال كونه مفترى عليه والرسول يطلب أن يقرر في نفس المرسل إليه ما يقبل به دعاءه ربه فيما يدعوه به إليه ، والذي نسب إليه معلوم عند كل أحد أنه لا يقع من مثل من جاء بدعوته إليهم فلا بد أن يطلب البراءة من ذلك عندهم ليؤمنوا بما جاء به من عند ربه ولم يحضر بنفسه ذلك المجلس حتى لا تدخل الشبهة في نفوس الحاضرين بحضوره وكثير بين من يحضر في مثل هذا الموطن وبين من لا يحضر ، فإذا كانت المرأة لم تخن يوسف في غيبته لما برأته وأضافت المراودة لنفسها ليعلم أن يوسف لم يخن العزيز في أهله ، وعلمت أنه أحق بهذا الوصف منها في حقه ،

فما برأت نفسها بل قالت إن النفس لأمارة بالسوء فمن فتوة يوسف عليه السلام إقامته في السجن بعد أن دعاه الملك إليه وما علم قدر ذلك إلا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حيث قال عن نفسه : لأجبت الداعي ثناء على يوسف عليه السلام ،

فقلت له فالاشتراك في أخبار اللّه تعالى عنك إذ قال : وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها [ يوسف : الآية 24 ]

ولم يعين في ماذا يدل في اللسان على اتحاد المعنى ، فقال ولهذا قلت للملك على لسان رسوله أن يسأل من النسوة عن شأن الأمر ، فما ذكرت المرأة إلا أنها راودته عن نفسه وما ذكرت أنه راودها ، فزال ما كان يتوهم من ذلك لما لم يسم اللّه في التعبير عن ذلك أمرا ولا عين في ذلك حالا ، فقلت له : فلا بد من الاشتراك في اللسان ، قال : صدقت فإنها همت بي لتقهرني على ما تريده مني ، وهممت أنا بها لأقهرها في الدفع عن ذلك فالاشتراك وقع في طلب القهر مني ومنها

فلهذا قال : وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ [ يوسف : الآية 24 ] يعني

 

"149"

[مطلب في بيان القطب الأكبر وهو إدريس عليه السلام ]

فإن لم تقف معه ، رفع لك عن المواضع القطبية ، وكل ما شاهدته قبل هذا ، فهو من عالم اليسار لا من عالم اليمين ، وهذا الموضع هو القلب .

.............................................................

في عين ما هم بها وليس إلا القهر فيما يريد كل واحد من صاحبه ، دليل ذلك قولها الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه ، وما جاء في السورة قط أنه راودها عن نفسها ، فأراه اللّه تعالى البرهان عند إرادته القهر في دفعها عنه فيما تريده فكان البرهان الذي رآه أن يدفع عن نفسه بالقول اللين كما قال لموسى عليه السلام وهارون عليه السلام :فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً[ طه : الآية 44 ] أي لا تعنف عليها وسسها إنها امرأة موصوفة بالضعف على كل حال فقلت له : أفدتني أفادك اللّه تعالى . انتهى كلام الشيخ رضي اللّه تعالى عنه .

مطلب في السماء الرابعة واعلم أنك إن لم تقف مع ما يكشف لك في هذه السماء ، وارتقيت إلى السماء الرابعة التي هي قلب العالم ومكان القطب الأكبر ، الذي هو إدريس عليه السلام ، ونزلت عنده وأتت الغزالة إلى خدمتك ، فإنك ستعلم منه علم تقلب الأمور الإلهية ، ومعنى قوله عليه الصلاة والسلام : « قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن » . وترى في هذه السماء غشيان الليل النهار ، والنهار الليل وكيف يكون كل واحد منهما لصاحبه ذكرا وقتا وأنثى وقتا ، وسر النكاح والاحتلام بينهما ، وما يتولد فيهما من المولدات بالليل والنهار ، والفرق بين أولاد الليل وأولاد النهار ، فكل واحد منهما أب لما يولد في نقيضه ، وأم لما يولد فيه ، وتعلم من هذه السماء علم الغيب والشهادة ، وعلم السر والتجلي ، وعلم الحياة والموت ، واللباس والمسكن ، والمودة والرحمة وما يظهر من الوجه الخاص من الاسم الظاهر في المظاهر الباطنة ، ومن الاسم الباطن في الظاهر من حكم استعداد المظاهر ، فتختلف على الظاهر الأسماء لاختلاف الأعيان ، هذا كله تعلمه من هذه السماء ( فإن لم تقف معه رفع لك ) في هذه السماء التي هي محل القطب الأكبر .

مطلب في بيان القطب الأكبر وهو إدريس عليه السلام ( عن المواضع القطبية وكل ما شاهدته قبل هذا ) في السماء الأولى والثانية والثالثة ( فهو من عالم اليسار ) أي يسار القطب وهو الوجه الشمالي الذي يدبر صور العالم بأجمعه ( لا من عالم اليمين ) أي يمين القطب وهو الوجه الجنوبي الذي يدبر

 

 

"150"

.............................................................................

أرواح العالم . اعلم أن الشيخ رضي اللّه تعالى عنه يقول في هذا المقام : اعلم أن الأمور كثيرة مختلفة في العالم فكل شيء يدور عليه أمر ما من الأمور فذلك الشيء قطب ذلك الأمر وما من شيء إلا هو مركب من روح وصورة ، فلا بد أن يكون لكل قطب روح وصورة ، فروحه تدور عليه أرواح ذلك الأمر الذي هذا قطبه ، وصورة ذلك القطب تدور عليه صورة ذلك الأمر الذي هذا قطبه ، يسمى الوجه الواحد من القطب جنوبيّا وهو الروح ، والآخر شماليّا وهو الصورة انتهى . ولما كانت حقيقة القطب جامعة بين الروح والصورة لأنه قلب العالم ورئيسه وسبب حياته وخلاصته والقلب حقيقة جامعة بين القوى الروحانية والجسمانية كان موضع القطب قلب العالم وهو السماء الرابعة التي هي أعلى الأمكنة والمكان الذي كان يدور عليه رحى عالم الأفلاك ، لأن فوقها سبعة أفلاك وتحتها سبعة أفلاك كما صرح به الشيخ رضي اللّه تعالى عنه في الفص الأدريسي ، والشمس هي التي تربي عالم الكون والفساد وتفيض النور على العالم السفلي والعلوي على مذهب ، وقد ذهب الشيخ رضي اللّه تعالى عنه إلى أن نور جميع الكواكب من نور الشمس ، وإن كان قد صرح في موضع بخلافه في هذه السماء فهي بأحوالها كالقطب المدبر للعالم المفيض عليه نور الوجود وإلى هذا

 

أشار الشيخ رضي اللّه تعالى عنه بقوله : ( وهذا الموضع ) أي الموضع الذي إذا وصلت إليه رفع لك عن مرافع القطبية ( هو القلب ) الذي للعالم وما تحته عالم اليسار وهو السماوات الثلاثة والأطلس والعرش والكرسي ، وهو جامع لحقائق ما فوقه وما تحته ، وفلك المنازل والقطب الذي هذا موضعه هو إدريس عليه الصلاة والسلام ، وبعد أن علمت أنه لا بد للقطب من روح وجسد طبيعي حتى يدبر الأجسام بجسمه ويدبر الأرواح بروحه ، ولا يصح عليه اسم القطب إلا إذا كان له روحانية وجسمانية كما ستقف عليه فيما تنقله من كلام الشيخ رضي اللّه تعالى عنه فاعلم : أن القطب هو خليفة اللّه في أرضه ، أعني عالم الإمكان لأنه أرض ، وعالم الوجوب سماؤه ، ولا بد للخليفة من أن يكون على صورة من استخلف ، وإلا فما هو خليفة له خصوصا هذا النوع من الاستخلاف ، فإنه استخلاف في إفاضة الوجود وحفظه ، ولا بد أن يكون بين المفيض والمستفيض مماثلة يعبر عنها بالمناسبة حتى يحصل الفيض ، والعالم مخلوق على صورة الحق ، فلا بد أن يكون الخليفة على صورة الحق ، وقد ورد « أن اللّه تعالى خلق آدم على

"151"

....................................................

صورته » « 1 » ولو لم يخلقه على صورته لما قبل تعليم الأسماء ، وقد بسطنا القول في معنى الصورة في رسالة السبحات لنا ، ولما كان القطب على صورة الحق لم يصح أن يكون أزيد من واحد ، لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا [ الأنبياء : الآية 22 ]

 

ولم يصح أن يموت بعد وصوله إلى مقام القطبية ، لأن اللّه تعالى حي لا يموت ، ولهذا مات قبل رقيه إلى السماء ، وقصته معروفة ، ولهذا لا ينبغي له أن يلبث بعد القطبية في عالم الكون والفساد ، وهو المستثنى في قوله : فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ [ الزّمر : الآية 68 ]

 

وهو القطب وهو على قلب محمد صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، وجميع الأقطاب التي تأتي وتذهب وتتوارث القطبية كما هو المعلوم عند العامة نوابه وهو القطب الأكبر . قال الشيخ رضي اللّه تعالى عنه : اعلم أن للّه تعالى في كل نوع من المخلوقات خصائص ، وهذا النوع الإنساني هو من جملة الأنواع وللّه فيه خصائص وصفوة ، وأعلى الخواص فيه من العباد الرسل عليهم الصلاة والسلام ولهم مقام النبوة والولاية والإيمان ، فهم أركان بيت هذا النوع ، والرسل أفضلهم مقاما وأعلاهم حالا ، أي المقام الذي يرسل منه أعلا منزلة عند اللّه تعالى من سائر المقامات ، وهم الأقطاب والأئمة والأوتاد الذي يحفظ اللّه تعالى بهم العالم كما يحفظ البيت بأركانه ، فلو زال ركن منها زال كون البيت بيتا ، إلا أن البيت هو الدين إلا أن أركانه هي الرسالة والنبوة والولاية والإيمان ، إلا أن الرسالة هي الركن الجامع للبيت وأركانه ، إلا أنها هي المقصودة من هذا النوع ، فلا يخلو هذا النوع أن يكون فيه رسول من رسل اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، كما لا يزال الشرع الذي هو دين اللّه تعالى فيه ، إلا أن ذلك الرسول هو القطب المشار إليه الذي ينظر الحق إليه فيبقى به هذا النوع في هذه الدار ولو كفر الجميع ، إلا أن الإنسان لا يقع عليه هذا الاسم إلا أن يكون ذا جسم طبيعي وروح .

 

ويكون موجودا في هذه الدار الدنيا بجسده وحقيقته ، فلا بد أن يكون الرسول الذي يحفظ به هذا النوع الإنساني موجودا في هذا النوع في هذه الدار بجسده وروحه يتغذى ، وهو مجلى الحق من آدم إلى يوم القيامة ، ولما كان الأمر على ما ذكرناه ، ومات رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بعد ما قرر الدين الذي لا ينسخ والشرع الذي لا يبدل ودخلت

...................................................

( 1 ) هذا الحديث سبق تخريجه .

 

"152"

................................................

الرسل كلهم في هذه الشريعة يقومون بها ، والأرض لا تخلو من رسول حي بجسده فإنه قطب العالم الإنساني ، ولو كانوا ألف رسول لا بد أن يكون الواحد من هؤلاء هو الإمام المقصود ، فأبقى اللّه تعالى بعد رسوله صلى اللّه عليه وسلم من الرسل الأحياء بأجسادهم في هذه الدار الدنيا ثلاثة وهو إدريس عليه الصلاة والسلام بقي حيّا بجسده وأسكنه اللّه تعالى السماء الرابعة ، والسماوات السبع هن من عالم الدنيا وتبقى ببقائها وتفنى صورتها بفنائها ، وهي جزء من الدار الدنيا ، فإن الدار الآخرة تبدل فيها السماوات والأرض بغيرها ، كما تبدل هذه النشأة الترابية منا بنشأة أخرى غير هذه كما وردت الأخبار في السعداء من الصفاء والرقة واللطافة ، فهي نشأة طبيعية جسمية لا تقبل الأثقال فلا يغوطون ولا يبولون ولا يتمخطون كما كانت هذه النشأة الدنيوية ، وهكذا أهل الشقاء وأبقى في الأرض أيضا الياس وعيسى عليهما السلام وكلاهما من المرسلين وهما قائمان بالدين الحنيفي الذي جاء به محمد صلى اللّه عليه وسلم ، فهؤلاء ثلاثة من الرسل المجمع على أنهم رسل ، وأما الخضر عليه السلام وهو الرابع فهو من المختلف فيه عند غيرنا لا عندنا ، فهؤلاء باقون بأجسامهم في الدار الدنيا وكلهم الأوتاد والاثنان منهم الإمامان وواحد منهم القطب الذي هو موضع نظر الحق من العالم ، فما زال المرسلون ولا يزالون في هذه الدار إلى يوم القيامة وإن لم يبعثوا بشرع ناسخ ولا هم على غير شرع محمد صلى اللّه عليه وسلم ولكن أكثر الناس لا يعلمون ، فالواحد من هؤلاء الأربعة الذين هم عيسى والياس وإدريس والخضر عليهم الصلاة والسلام هو القطب وهو أحد أركان بيت الدين وهو ركن الحجر الأسود ، واثنان منهم هما الإمامان ، وأربعتهم الأوتاد ، فبالواحد يحفظ اللّه تعالى الإيمان ، وبالثاني يحفظ اللّه تعالى الولاية ، وبالثالث يحفظ اللّه تعالى النبوة ، وبالرابع يحفظ اللّه تعالى الرسالة ، وبالمجموع يحفظ الدين الحنيفي ، فالقطب من هؤلاء لا يموت أبدا أي لا يصعق ، وهذه المعرفة التي أبرزنا عينها للناظر من لا يعرفها من أهل طريقنا إلا الأفراد منا ، ولكل واحد من هؤلاء الأربعة من هذه الأمة في كل زمان شخص على قلوبهم مع وجودهم ، فهم نوابهم فأكثر الأولياء من عامة أصحابنا لا يعرفون أن القطب والإمام والوتد إلا النواب لهؤلاء المرسلين الذين ذكرناهم ، ولهذا يتطاول كل واحد من هذه الأمة لنيل هذه المقامات فإذا حصلوا وخصوا بها عرفوا عند ذلك أنهم نواب لذلك القطب ونائب الإمام يعرف أن الإمام غيره وأنه نائب عنه

 

"153"

………………………………………….........

وكذلك الوتد ، فمن كرامة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم محمد أن جعل من أمته وأتباعه رسلا وإن لم يرسلوا كمن ذكرنا فهم من أهل المقام الذي منه يرسلون . وقد كانوا أرسلوا فاعلم ذلك ، ولهذا صلّى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ليلة إسرائه بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام في السماوات لتصح له الإمامة على الجميع حسّا بجسمانيته وروحه ، فلما انتقل صلوات اللّه وسلامه عليه بقي الأمر محفوظا لهؤلاء الرسل ، فثبت الدين قائما بحمد اللّه ما أنهد منه ركن وإذ كان له حافظ يحفظه ، وإن ظهر الفساد في العالم إلى أن يرث اللّه تعالى الأرض ومن عليها وهذه ( نكتة ) فاعرف قدرها فإنك لست تراها في كلام أحد منقول عن أسرار هذه الطريقة غير كلامنا ، ولولا ما ألقي عندي في إظهارها ما أظهرتها لسر يعلمه اللّه ما أعلمنا به ولا يعرف ما ذكرناه إلا نوابهم خاصة لا غيرهم من الأولياء ، فاحمدوا اللّه يا إخواننا حيث جعلكم اللّه تعالى ممن قرع سمعه أسرار اللّه تعالى المحفوظة في خلقه التي اختص اللّه بها من شاء من عباده فكانوا لها قابلين مؤمنين بها ولا تحرموا التصديق بها فتحرموا خيرها ، قال أبو يزيد البسطامي رضي اللّه تعالى عنه وهو أحد النواب لأبي موسى الدبيل . يا أبا موسى إذا رأيت من يؤمن بكلام أهل هذه الطريقة فقل له يدعو لك فإنه مجاب الدعوة .

انتهى كلام الشيخ رضي اللّه تعالى عنه .

 

 

"154"

[خاتمة ]

خاتمة فإذا تجلى لك هذا العالم علمت الانعكاسات ودوام الدائمات وخلود الخوالد

........................................................................

خاتمة لهذا المبحث اعلم أن الأقطاب الصالحين إذا سمعوا بأسماء معلومة لا يدعون هناك إلا بالعبودية إلى الاسم الذي يتولاهم قال تعالى : وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ [ الجنّ : الآية 19 ] فسماه عبد اللّه وإن كان أبوه قد سماه محمدا وأحمد فالقطب أبدا يختص بهذا الاسم الجامع فهو عبد اللّه هناك ، ثم أنهم يفضل بعضهم بعضا مع اجتماعهم في هذا الاسم الذي يطلبه المقام ، فيختص بعضهم باسم ما غير هذا الاسم من باقي الأسماء الإلهية ، فيضاف إليه وينادى به في غير هذا المقام القطبية كموسى عليه الصلاة والسلام اسمه عبد الشكور ، وداود عليه السلام اسمه الخاص به عبد الملك ، ومحمد صلى اللّه عليه وسلم عبد الجامع ، وما من قطب إلا وله اسم يخصه زائد على الاسم العام الذي له الذي هو عبد اللّه ، سواء كان القطب نبيّا في زمان النبوة المقطوعة أو وليّا في زمان شريعة محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وكذلك الإمامان لكل واحد منهما اسم يخصه ينادي به كل إمام في وقته هنالك ، فالإمام الأيسر وهو الذي يخلف القطب ونظره إلى الملكوت اسمه عبد الملك ، والإمام الأيمن وهو الذي يخلف عبد الملك ونظره إلى الملك اسمه عبد ربه ، هكذا قال الشيخ رضي اللّه تعالى عنه .

( فإذا تجلى لك هذا العالم ) أي عالم القلب ( علمت ) من روحانية الشمس حقيقة ( الانعكاسات ) ما هي سواء كانت معنوية أو حسية ( و ) علمت من إدريس عليه السلام سبب ( دوام الدائمات ) من أي نوع كانت ( و ) هكذا ( خلود الخوالد ) لأنه متحقق بسر

 

 

"155"

وترتيب الموجودات وسريان الوجود فيها ، وأعطيت الحكم الإلهية والقدرة على حفظها والأمانة على تبليغها إلى أهلها ، وأعطيت الرمز والإجمال والقوة على الستر والكشف .

...............................................................

الديمومية والخلود كما عرفت ( و ) علمت حكمة ( ترتيب الموجودات ) ( و ) كيفية ( سريان الوجود ) الحقّ ( فيها وأعطيت الحكم الإلهية ) المتعلقة بإيجاد العالم وبقائه والترتيب الواقع فيه ( و ) أعطيت ( القدرة على حفظها ) أي حفظ الحكم الإلهية فإنه ما كل أحد يقدر على ذلك ( و ) أعطيت ( الأمانة على تبليغها إلى أهلها وأعطيت الرمز والإجمال والقوة على الستر والكشف ) وغير ذلك مما يطول ذكره ، وتعلم أن كل أمر علمي يكون في اليوم المتعلق بالشمس أعني يوم الأحد فمن روحانية إدريس عليه الصلاة والسلام ، وكل أثر علوي يكون في عنصري الهواء والنار في ذلك اليوم فمن سباحة الشمس ونظرها ، وما يكون من أثر في عنصري الماء والتراب في ذلك اليوم فمن حركة الفلك الرابع ، وتعلم حقيقة البدل الذي يستمد من حقيقة إدريس عليه السلام وكيف يحفظ اللّه به الإقليم الرابع ، وتعلم علم أسرار الروحانيات ، وعلم النور والضياء ، وعلم البرق والشعاع ، وعلم كل جسم مستنير ولماذا استنار وما المزاج الذي أعطاه هذا القبول كالحباحب من الحيوان وكأصول شجر التين من النبات وكحجر المهى والياقوت وبعض لحوم الحيوان ، وعلم الكمال في المعدن والنباتات والحيوان والإنسان والملك ، وعلم الحركة المستقيمة حيث ظهرت في حيوان أو نبات ، وعلم معالم التأسيس وأنفاس الأنوار ، وعلم خلع الأرواح المدبرات وإيضاح الأمور المبهمات وحل المشكل من المسائل الغامضة ، وعلم النغمات الفلكية والدولابية وأصوات آلات الطرب من الأوتار وغيرها ، وعلم المناسبة بينها وبين طباع الحيوان وما للنبات منها ، وعلم ما إليه تنتهي المعاني الروحانية والروائح العطرية ، وما المزاج الذي عطرها ولماذا يرجع وكيف ينقلها الهواء لإدراك الشمس وهل هو جوهر أو عرض ، ويكون الناظر إليك في هذه السماء الاسم النور وهو ربها والاسم السميع وهو رب يوم الأحد وحرف النون ومنزلة السماك وسورة القصص هكذا قال الشيخ رضي اللّه تعالى ، وقال رضي اللّه عنه بعد ما أوردناه من كلامه فيما جرى بينه وبين يوسف عليه السلام :

ثم ودعته وانصرفت إلى إدريسي عليه السلام فسلمت عليه فرد وسهل ورحب وقال : مرحبا بالوارث المحمدي ، فقلت له : كيف أبهم عليك الأمر على ما وصل

 

 

"156"

.........................................................................

إلينا فما علمت علم الطوفان علما لا تشك فيه والنبي صلى اللّه عليه وسلم واقف مع ما يوحى به إليه ، فقال : « وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون » فهذا مما أوحي به إلي ، فقلت له :

وصلني عنك أنك تقول بالخرق ، فقال : فلو لا الخرق ما رفعت مكانا عليّا ، فقلت :

فأين مكانك من مكانتك ، فقال : الظاهر عنوان الباطن ، قلت : بلغني أنك ما طلبت من قومك إلا التوحيد لا غير ، قال : وما فعلوا ؟ فإني كنت نبيّا أدعو إلى كلمة التوحيد لا إلى التوحيد فإن التوحيد ما أنكره أحد قلت : هذا غريب . ثم قلت : يا واضع الحكمة الاجتهاد في الفروع مشروع عندنا وأنا لسان علماء الزمان . قال وفي الأصول مشروع فإن اللّه تعالى أجل من أن يكلف نفسا إلا وسعها ، قلت : فلقد كثر الاختلاف في الحق والمقالات فيه ، قال : لا يكون إلا كذلك فإن الأمر تابع ، قلت :

فرأيتكم معاشر الأنبياء ما اختلفتم فيه فقال : لأننا ما قلناه عن نظر وإنما قلناه عن إلّ واحد ، فمن علم الحقائق علم أن اتفاق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أجمعهم على قول واحد في اللّه بمنزلة قول واحد من أصحاب النظر . فقلت : فهل الأمر في نفسه كما قيل لكم فإن أدلة العقول تحيل أمورا مما جئتم به في ذلك . فقال : الأمر كما قيل لنا وكما قال من قال فيه ، فإن اللّه عند قول كل قائل ، ولهذا ما دعونا الناس إلا إلى كلمة التوحيد لا إلى التوحيد ، ومن تكلم في الحق من نظره ما تكلم في محظور فإن اللّه شرع لعباده توحيد المرتبة . وما ثم إلا من قال بها قلت : فالمشركون قال ما أخذوا إلا بالوضع من كونهم كذبوا في أوضاعهم واتخذوها قربة ولم ينزلوها منزلة صاحب تلك الرتبة الأحدية . قلت : فإني رأيت في واقعتي شخصا بالطواف أخبرني أنه من أجدادي وسمّى لي نفسه فسألته عن زمان موته فقال لي : أربعون ألف سنة فسألته عن آدم عليه السلام لما تقرر عندنا في التاريخ من مدته فقال لي : عن أي آدم تسأل عن آدم الأقرب فقال : صدق إني نبي اللّه ولا أعلم للعالم مدة يقف عندها بجملتها إلا أنه بالجملة لم يزل خالقا ولا يزال دنيا وآخرة والآجال في المخلوق بانتهاء المدد لا في الخلق فالخلق مع الأنفاس يتجدد فما أعلمناه علمناه ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء فقلت : فما بقي من ظهور الساعة ؟ فقال : اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون . قلت : فعرفني بشرط من شروط اقترابها .

فقال :

وجود آدم من شروط الساعة . قلت : فهل كان قبل الدنيا دار غيرها ؟ قال : دار الوجود واحدة والدار ما كانت دنيا إلا بكم ، ولا الآخرة ما تميزت عنها إلا بكم

 

 

"157"

..................................................................

وإنما الأمر في الأجسام أكوان واستحالات وإتيان وذهاب لم تزل ولا تزال . قلت ما ثم قال : ما تدري وما لا تدري . قلت : فأين الخطأ من الصواب ؟ قال : الخطأ أمراضا ، والصواب هو الأصل فمن عرف اللّه وعرف العالم وعرف أن الصواب هو الأصل المستصحب الذي لا يزال ، وأن الخطأ بتقابل النظرين ولا بد من التقابل فلا بد من الخطأ ، فمن قال بالخطأ قال بالصواب ، وجعل الخطأ من الصواب قلت : من أي صفة صدر العالم . قال : من الجود . قلت : هكذا سمعت بعض الشيوخ يقول قال : صحيح ما قال . قلت : وإلى ماذا يكون المآل بعد انتقالنا من يوم العرض قال رحمة اللّه وسعت كل شيء قلت أي شيء قال النسبتان فالباقي أبقاه برحمته والذي أوجده أوجده برحمته . ثم قال : محال المعاني أرض ثابتة في وجودها والعوارض تتبدل عليها بالأمثال والأضداد . قلت : ما الأمر الأعظم . قال : العالم به أعظم انتهى كلام الشيخ رضي اللّه تعالى عنه .

 

مطلب السماء الخامسة لهارون عليه السلام

واعلم أنك إن لم تقف مع ما يكشف لك عنه في هذه السماء وارتقيت إلى السماء الخامسة ، فإنك ستنزل عند هارون عليه السلام ويأتي الأحمر أعني المريخ فيقف في خدمتك ، لأنه خادم لهارون عليه السلام وأنت نزيله ، فعندما يرى مباسطة هارون لك يتعجب من ذلك ويسأله عنك ، فيقول له هارون عليه السلام هذه سماء الهيبة والخوف والشدة والبأس ، وهي نعوت توجب القبض ، وهذا ضيف ورد من اتباع الرسول صلى اللّه عليه وسلم تجب كرامته ، وقد ورد يبتغي علما ويلتمس حكما إلهيّا يستعين به على أعداء خواطره لئلا يتعدى حدود سيده فيما رسم له ، فاكشف له عن محياها وباسطه حتى يكون قبوله لما التمسه على بسط نفس بروح قدس . ثم يرد هارون عليه السلام وجهه إليك ويقول لك : هذه سماء الخلافة البشرية ، فضعف حكم إمامها وقد كان أصلها قوي المباني فأمر باللين للجبابرة الطغاة فقيل لنا : قولا له قولا لينا ، وما يؤمر بلين المقال إلا لمن قوته أعظم من قوة من أرسل إليه ، لكنه لما عرف الحق أنه قد طبع على قلب مظهر الجبروت والكبرياء ، وأنه في نفسه أذل الأذلاء أمر أن يعامله بالرحمة واللين لمناسبة باطنه واستنزال ظاهره من جبروته وكبريائه ، فيتذكر بما يقابله من اللين والمسكنة ما هو في باطنه عليه ، ليكون الظاهر والباطن على السواء ، فعليك أيها الأخ التابع باللين في الأمور فإن النفوس الأبية تنقاد بالاستمالة ، ثم يأمرك بأن

 

 

فإن لم تقف معه ، رفع لك عن عالم الحمية والغضب والتعصّب للحق والباطل ، ومنشأ الخلاف الظاهر في العالم ، واختلاف الصور والعداوة والبغضاء .

........................................................................

تجعل ما تقتضيه هذه السماء من سفك الدماء في القرابين والأضاحي ، فإن هذه السماء تقتضي القتل وسفك الدماء والغضب والنزاع وأمثال ذلك ، هكذا قال الشيخ رضي اللّه تعالى عنه وإليه أشار بقوله :

( فإن لم تقف معه ) أي مع ما يكشف لك في السماء الرابعة ( رفع لك عن عالم الحمية والغضب والتعصّب للحق والباطل ومنشأ الخلاف الظاهر في العالم ، واختلاف الصور والعداوة والبغضاء ) وتعلم أن كل أثر علوي يكون في اليوم المتعلق بالأحمر ، أعني : يوم الثلاثاء . فمن روحانية هارون عليه السلام وكل أثر علوي يكون في عنصري الهواء والنار ، فمن روحانية الأحمر وكل أثر سفلي في ركن الماء والتراب فمن حركة فلكه ، وتعلم حقيقة البدل الذي يستمد من حقيقة هارون عليه السلام ، وكيف يحفظ اللّه تعالى به الإقليم الثالث ، وتعلم علم تدبير الملك وسياسته ، وعلم الحماية وترتيب الجيوش والقتال ومكايد الحروب ، وعلم القربات بذبح الحيوان ، وعلم أسرار أيام النحر وسريانه في سائر البقاع ، وعلم الهدى والضلال والشبهة وتميزها من الدليل ، ويكون الناظر إليك في هذه السماء الاسم القاهر وهو ربها ، والاسم البصير وهو رب يوم الثلاثاء وحرف اللام ومنزلة [ عو ] « 1 » أو سورة النمل ، هكذا قال الشيخ رضي اللّه تعالى عنه وقال : بعد ما أوردناه من كلامه فيما جرى بينه وبين إدريس عليه السلام .

ثم ودعته وانصرفت فنزلت بهارون عليه السلام فوجدت يحيى قد سبقني إليه .

فقلت له : ما رأيتك في طريقي فهل ثم طريق آخر . فقال : لكل شخص طريق لا يسلك عليها إلا هو . قلت : فأين هي هذه الطريق قال : تحدث بحدوث السلوك .

فسلمت على هارون عليه السلام فرد وسهل ورحب وقال : مرحبا بالوارث المكمل قلت : أنت خليفة الخليفة مع كونك رسولا نبيّا . فقال : أما أنا فنبي بحكم الأصل ما أخذت الرسالة إلا بسؤال أخي ، فكان يوحي إلي بما كنت عليه . قلت : يا هارون إن أناسا من العارفين زعموا أن الوجود بنعدم في حقهم ، فلا يرون إلا اللّه ولا يبقى للعالم عندهم ما يلتفتون به إليه في جنب اللّه تعالى ، ولا شك أنهم في المرتبة دون

......................................................

( 1 ) هكذا وردت في الأصل .

 

"160"

................................................................

أمثالكم ، وأخبرنا الحق سبحانه أنك قلت لأخيك في وقت غضبه : فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ [ الأعراف : الآية 150 ] . فجعلت لهم قدرا ، وهذا الحال يخالف حال أولئك العارفين قال : صدقوا فإنهم ما زادوا على ما أعطاه ذوقهم ، ولكن انظر هل زال من العالم ما زال عندهم قلت : لا . قال : فنقصهم من العلم بما هو الأمر عليه على قدر ما فاتهم ، فعندهم عدم العالم فنقصهم من الحق على قدر ما انحجب عنهم من العالم ، فإن العالم كله هو عين مجلى الحق لمن عرف الحق ، فأين تذهبون إن هؤلاء إلا ذكر للعالمين بما هو الأمر عليه .

شعر

فليس الكمال سوى كونه * فمن فاته ليس بالكامل

فيا قائلا بالفناء اتئد * وحوصل من السبيل الحاصل

ولا تركننن إلى فايت * ولا تبع النقد بالأجل

ولا تتبع النفس وأغراضها * ولا تمزج الحق بالباطل

انتهى كلام الشيخ رضي اللّه تعالى عنه .

 

مطلب السماء السادسة لموسى عليه الصلاة والسلام

واعلم أنك إن لم تقف مع ما يكشف لك في هذه السماء وارتقيت إلى السماء السادسة فإنك ستنزل عند موسى عليه السلام ، ويقف البرجيس أعني المشتري في خدمتك لأنه خادم لموسى عليه السلام ، وأنت نزيله وتستفيد من موسى عليه السلام اثنى عشر ألف علم من العلم الإلهي سوى ما يفيدك من علوم الدور والكور ، ويعلمك أن التجليات الإلهية إنما تقع في صور الاعتقادات وفي الحاجات فتحفظ ، ثم يذكر لك طلبه النار لأجله وأنه ما تجلى له الحق إلا فيها إذا كانت عين حاجته ، فلا يرى إلا في الافتقار ، وكل طلب فهو فقير إلى مطلوبه ضرورة ، ويعلمك خلع الصور من الجوهر وإلباسه صورا غيرها ليعلمك أن الأعيان أعيان الصور لا تنقلب ، فإنه يؤدي ذلك إلى انقلاب الحقائق ، وإنما الإدراكات تتعلق بمدركات تلك المدركات لها صحيحة لا يشك فيها ، فيتخيل من لا علم له بالحقائق أن الأعيان انقلبت وما انقلبت ، ومن هنا يعلم تجلي الحق في القيامة في صور يتعوذ أهل الموقف منها وينزهون الحق عنها ويستعيذون باللّه منها وهو الحق ما

 

"160"

...................................................................

هو غيره « 1 » ، وذلك التغيير في أبصارهم فإن الحق منزه عن قيام التغير به والتبدل قال عليم الأسود لرجل وقف فضرب عليم بيده إلى أسطوانة في الحرم فرآها الرجل ذهبا . ثم قال عليم : يا هذا إن الأعيان لا تنقلب ولكن هكذا تراه لحقيقتك بربك ، يشير إلى تجلي الحق يوم القيامة وتحوله في عين الرائي ، ومن هذه السماء تعلم العلم الغريب الذي لا يعلمه قليل من الناس فأحرى الكثير ، وهو معنى قوله تعالى لموسى عليه السلام ، وما علم أحد ما أراد اللّه إلا موسى ومن اختصه اللّه تعالى وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى ( 17 ) [ طه : الآية 17 ] فقال : هِيَ عَصايَ [ طه : الآية 18 ] والسؤال عن الضروريات ما يكون من العالم بذلك إلا لمعنى غامض ، ثم قال في تحقيق كونها عصى أتوكؤ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى ، كل ذلك من كونها عصى أرأيتم أنه أعلم الحق بما ليس بمعلوم عند الحق ، وهذا جواب علم ضروري عن سؤال عن علم مدرك بالضرورة فقال له : أَلْقِها [ طه : الآية 19 ] ، فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى ( 20 ) [ طه : الآية 20 ]

قالَ خُذْها وَلا تَخَفْ [ طه : الآية 21 ] إما لخوف ظهر من موسى عليه السلام ، أو خطاب لما جرت به العادة من خوف الإنسان من الحية لعداوتها الطبيعية .

ثم قال : سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى [ طه : الآية 21 ] أي ترجع عصا كما كانت في رأي عينك ، فاعلمه أنها عصى في رأي عينه كما كانت حية في رأي عينه ، ليعلم موسى عليه السلام من يرى وبما يرى ، وهذا تنبيه إلهي له ولنا ، وهو ما قاله عليم سواء ، فإن كنت فطنا فقد نبهتك على علم فيما تراه من الموجودات وتقول هو ضروري من حيث إنك لا تقدر على إنكاره ، وللّه أعين في بعض عباده يدركون بها العصى حية في حال كونها عصى والحية عصى في حال كونها حية وهو إدراك إلهي وهكذا في جميع الموجودات سواء أنظر أم لا لولا نظر العين لما قلت هذا : جماد لا يحس ولا ينطق وما به من حياة ، وهذا نبات وهذا يحس ويدرك ، وهذا إنسان يعقل هذا كله أعطاه نظرك ، ويأتي شخص آخر تسلم عليه الجمادات وتخاطبه كل ذلك يراه بعينه ويسمعه في حال رؤية عين الآخر له جمادا لا ينطق ، وهذا يقول بعيني رأيته صامتا لا ينطق والآخر يقول بعيني رأيته ينطق وسمعته أذني ، وواحد يقول واللّه

.........................................................

( 1 ) سبقت الإشارة إلى حديث التحوّل بالصور .

 

 

[مطلب في بيان عالم الغيرة]

فإن لم تقف مع هذا رفع لك عن عالم الغيرة ، وكشف الحق على أتم وجوهه ، والآراء السليمة والمذاهب المستقيمة والشرائع المنزلة ، وترى عالما قد زينهم اللّه في المعارف القدسية بأحسن زينة .

.....................................................

ما رأيت إلا حية ، وآخر يقول أحلف ما رأيت إلا عصى وكل صادق فيما أخبر لم يخالف رؤية كل واحد ما هو الأمر عليه في نفسه ، فهو الأول والآخر من عين واحدة ، وهو الأول في التجلي الأول لا غيره ، وهو الآخر في التجلي الثاني لا غيره فقل إله وقل عالم وقل أنا وقل أنت وقل هو ، والكل في حضرة الضمائر ما برحت وما زالت ، فزيد يقول في حقك هو وعمر يقول عنك أنت وأنت تقول عنك أنا ، فأنا عين أنت وعين هو ، وما هو غير أنت وغير أنا ، فاختلفت النسب وهنا بحور طامية لا قعر لها ولا ساحل ، وعزة ربي لو عرفتم ما فهمت به لطربتم طرب الأبد ولخفتم الخوف الذي لا يكون معه أمن لأحد ، تدكدك الجبل عين ثباته وإفاقة موسى عليه السلام عين صعقته .

شعر

انظر إلى وجهه في كل حادثة * من الكيان ولا تعلم به أحد

 

ثم نقول لك أيها الوارث المحمدي : لا تغفل عما نبهتك عليه ، ولا تبرح في كل صورة ناظرا إليه ، فإن المجلى أجلى هكذا قال الشيخ رضي اللّه تعالى عنه وإليه أشار بقوله :

مطلب في بيان عالم الغيرة ( فإن لم تقف مع هذا ) أي مع الذي يكشف لك عنه في سماء هارون عليه السلام ( رفع لك عن عالم الغيرة ) في سماء موسى عليه السلام لأنه كان مظهر الاسم الغيور كما يعلم من أخباره ويفهم من آثاره ( و ) عن ( كشف الحق على أتم وجوهه ) وامتيازه عن الباطل وامتياز الباطل عنه ( و ) عن ( الآراء السليمة ) عن الخطأ ( و ) عن ( المذاهب المستقيمة ) المنزهة عن الإعوجاج ( و ) عن ( الشرائع المنزلة ) على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام . بطريق الوحي والإلهام وعلى غيرهم بطريق الإلهام مثل المسائل الاجتهادية في هذه الأمة والرهبانية المبتدعة في غيرها ، فتعلم عند ذلك سر وضع الشريعة وحقيقته على الوجه المطابق للواقع ، وأن ما قاله أرباب الفكر في ذلك هو بعض وجوهه وقد غلطوا في الحصر فيه ( وترى ) بعد ذلك ( عالما ) من الأرواح ( قد زينهم اللّه في المعارف القدسية ) التنزيهية ( بأحسن زينة ) فإنها معارف وهبية لا فكرية ،

 

 

وما من مقام يكشف لك عنه إلا وهو يقابلك بالتعزيز والتوقير والتعظيم ، ويعرب لك عن مقامه ورتبته في الحضرة الإلهية ، ويعشقك بذاته .

.............................................................

وإذا كانت المعارف التنزيهية فطرية فهي زين ، وأما إذا كانت فكرية فهي شين لأن ذلك سوأ أدب مع اللّه تعالى حيث يحكم فيه من هو من مخلوقاته ومبدعاته ، ونفى عنه ما نسبه إلى نفسه على ألسنة رسله الذين هم أعلم الخلق به .

( وما من مقام ) ولا حال من الأحوال والمقامات التي ذكرنا أنه ( يكشف لك عنه ) في السماوات والعناصر والمولدات ( إلا وهو يقابلك بالتعزيز والتوقير والتعظيم ويعرب لك عن مقامه ورتبته في الحضرة الإلهية ويعشقك بذاته ) وهذا ابتلاء من اللّه تعالى حتى يعلم صحة توجهك إليه وصدقك في طلبه وأعراضك عن غيره ، فإن تعشقت بما يعرضه عليك من نفائس ما عنده ووقفت عنده طردك عن بابه وخسرت ، وإن صممت على طلبه وأعرضت عن غيره ووصلت إلى جناب قدسه ربحت وفزت وتحكمت بأمره في كل ما عرضه عليك بل لا ترضى إذ ذاك بأن تعيره طرفك ولو طرفة عين ، لأنك في شهور جماله ومعاينة كماله المطلق ، وتعلم أن كل أمر علمي يكون في اليوم المتعلق بهذه السماأ أعني يوم الخميس فمن روحانية موسى عليه الصلاة والسلام ، وكل أثر علوي في ركن النار والهواء فمن روحانية المشتري ، وكل أثر سفلي في ركن الماء والتراب فمن حركة فلكه ، وتعلم حقيقة البدل الذي يستمد من حقيقة موسى عليه السلام ، وكيف يحفظ اللّه به الإقليم الثاني ، وتعلم علم النباتات والنواميس الحقية والخلقية ، وعلم أسباب الخير ومكارم الأخلاق ، وعلم القربات الإلهية ، وعلم قبول الأعمال وأين تنتهي بصاحبها ، ويكون الناظر إليك في هذه السماء الاسم العليم وهو ربها ، والاسم القدير وهو رب يوم الخميس وحرف الضاد المعجمة ، ومنزلة الصرفة وسورة الشعراء ، هكذا قال الشيخ رضي اللّه تعالى عنه بعد ما أوردناه من كلامه فيما جرى بينه وبين هارون عليه السلام في السماء الخامسة :

ثم ودعته ونزلت بموسى عليه السلام فسلمت عليه فرد وسهل ورحب فشكرته على ما صنع في حقنا مما اتفق بينه وبين محمد صلى اللّه عليه وسلم في المراجعة في حديث فرض الصلوات . فقال لي : هذه فائدة علم الذوق فللمباشرة حال لا يدرك إلا بها . قلت :

ما زلت تسعى في حق الغير حتى أنتج لك الخير كله . قال سعي الإنسان في حق الغير إنما يسعى لنفسه في نفس الأمر ، فما يزده ذلك إلا شكرا للّه تعالى ، والشاكر ذاكر اللّه بأحب المحامد للّه ، والساعي منطقه بتلك المحامد ، والساعي ذاكر اللّه بلسانه

 

.......................................................................

ولسان غيره قال اللّه تعالى لموسى عليه السلام : يا موسى اذكرني بلسان لم تعصني به . فأمره أن يذكره بلسان الغير ، فالأمر بالإحسان والكرم . ثم قلت له : إن اللّه اصطفاك على الناس برسالته وبكلامه ، وأنت سألت الرؤية ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : إن أحدكم لا يرى ربه حتى يموت . قال : وكذلك كان لما سألته الرؤية أجابني فخررت صعقا فرأيته تعالى في صعقتي . قلت : موتا . قال : موتا . قلت : فإن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم شك في أمرك إذ وجدك في يوم البعث فلا يدري أجوزيت بصعقة الطور فلم تصعق في النفخ فإن نفخة الصعق ما تعم فقال : صدقت كذلك كان جازاني اللّه تعالى بصعقة الطور فما رأيته تعالى حتى مت ثم أفقت فعلمت من ما رأيت ولذلك قلت : تبت إليك فإني ما رجعت إلا إليه . فقلت : أنت من جملة العلماء باللّه فما كانت رؤية اللّه تعالى عندك حين سألتها ؟ فقال : واجبة وجوبا عقليّا قلت : فبما ذا اختصصت به دون غيرك ؟ قال : كنت أراه ولا أعلم أنه هو ، فلما اختلف علي الموطن ورأيته علمت من ما رأيت ، فلما أفقت ما انحجبت فاستصحبتني رؤيته إلى أبد الأبد ، فهذا الفرق بيننا وبين المحجوبين عن علمهم بما يرونه ، فإذا ماتوا رأوا الحق فميزه لهم الموطن ، فلو ردوا لقالوا مثل ما قلنا ، فلو كان الموت موطن رؤيته لرآه كل ميت ، وقد وصفهم اللّه تعالى بالحجاب عن رؤيته . قال : نعم هم المحجوبون عن العلم به أنه هو ، وإذا كان في نفسك لقاء شخص لست تعرفه بعينه واسمه وأنت طالب له وحاجتك إليه فلقيته وسلمت عليه وسلم عليك في جملة من لقيته ولم يتعرف إليك فقد رأيته وما رأيته ، فلا تزال طالبا له وهو بحيث تراه فلا معول إلا على العلم ، ولهذا قلنا في العلم إنه عين ذاته ، إذ لو لم يكن عين ذاته لكان المعول عليه غير إله ولا معول إلا على العلم ، قلت : إن اللّه دلك على الجبل وذكر عن نفسه أنه تجلى للجبل فقال : لا يثبت لتجليه شيء فلا بد من تغيير الحال فكان الدك للجبل كالصعق لي فالذي دكه أصعقني . قلت له : إن اللّه تعالى تولى تعليمي فعلمت منه على قدر ما أعطاني .

فقال : هكذا فعله مع العلماء به فخذ منه لا من الكون فإنك لم تأخذ إلا على قدر استعدادك فلا يحجبنك عنه بأمثالنا فإنك لم تعلم منه من جهتنا إلا ما نعلم منه من تجلّيه ، فإنا لا نعطيك منه إلا على قدر استعدادك فلا فرق فانتسب إليه فإنه ما أرسلنا لندعوكم إلينا وإنما أرسلنا لندعوكم إليه ، فهي كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا اللّه ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون اللّه قلت : هكذا جاء في

 

 

..............................................

القرآن . قال : وهكذا هو . قلت : بما ذا سمعت كلام اللّه تعالى ؟

قال : بسمعي . قلت :

وما سمعك ؟ قال : هو . قلت : فيما ذا خصصت ؟

قال : بذوق في ذلك لا يعلمه إلا صاحبه . قلت له : فكذلك أصحاب الأذواق قال : نعم والأذواق على قدر المراتب .

انتهى كلام الشيخ رضي اللّه تعالى عنه . واعلم أنك إن لم تقف مع ما يكشف لك عنه في هذه السماء .

مطلب السماء السابعة عند إبراهيم عليه السلام

وارتقيت بهمتك إلى السماء السابعة فإنك ستنزل على إبراهيم عليه السلام ، ويقف زحل في خدمتك لأنه خادم لإبراهيم وأنت نزيله ، ويكون رقيك إلى هذه السماء على رفرف وترى الخليل عليه السلام قد أسند ظهره إلى البيت المعمور ، فتجلس بين يديه جلوس الابن بين يدي الوالد ، فيقول لك نعم الولد البار وستسأله عن الثلاثة الأنوار ، فيقول : هي حجتي على قومي آتانيها اللّه تعالى عناية منه بي ، ولم أقلها إشراكا ولكن جعلتها حبالة لصد ما شرد من عقول قومي . ثم يقول لك أيها التابع ميز المراتب واعرف المذاهب وكن على بينة من ربك في أمرك ولا تهمل حديثك ؛ فإنك غير مهمل ولا متروك سدا ، اجعل قلبك مثل هذا البيت المعمور بحضورك مع الحق في كل حال . واعلم أنه ما وسع الحق شيء مما رأيت سوى قلب المؤمن وهو أنت ، وتدرك ما تعطيه الروحانيات العلى وما يسبحون به الملا الأعلى بما عندك من الطهارة ، وتخليص النفس من أثر الطبيعة ، ويرتقم في ذات نفسك كل ما في العالم وما ليس فيه من حقائق الوجه الخاص الذي للّه في كل ممكن محدث ، ومن هذه السماء يكون الاستدراج الذي لا يعلم والمكر الخفي الذي لا يشعر به والكيد المتين وهو الحجاب والثبات في الأمور والتأني فيها .

 

ومن هنا تعرف معنى قوله : لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ [ غافر : الآية 57 ] لأن لهما في الناس درجة الأبوة فلا يلحقانهما أبدا .

قال تعالى : أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ [ لقمان : الآية 14 ]

ومن هذه السماء تعلم أن كل ما سوى الأنس والجان سعيد لا دخول له في الشقاء الأخروي . وأن الأنس والجان منهم شقي وسعيد ، فالشقي يجزى إلى أجل والسعيد إلى غير أجل ، ومن هنا تعرف تفضيل خلق الإنسان وتوجه اليدين على خلق آدم عليه السلام دون غيره من المخلوقات ، وتعلم

 

"165"

...................................................

أنه ما ثم جنس من المخلوقات إلا وله طريقة واحدة في الخلق لم تتنوع عليه صنوف الخلق إلا الإنسان ، فإنه تنوع عليه الخلق فخلق آدم عليه السلام يخالف خلق حوا وخلق حوا يخالف خلق عيسى عليه السلام وخلق عيسى عليه السلام يخالف خلق النبيين وكلهم أنس ، ومن هنا زين للإنسان سوء عمله فرآه حسنا ، ومن هنا تثبت أعيان الصور في الجوهر الذي تحت هذا الفلك إلى الأرض خاصة ، وتعرف أن ملة إبراهيم عليه السلام سمحاء ما فيها من حرج ، ويقول لك إبراهيم عليه السلام لا تصاحب إلا من هو أخوك من الرضاعة ، فإن كان أخوك من الماء لا من الرضاعة فلا تصاحبه ، كما أني أبوك من الرضاعة فإن الحضرة السعيدة لا تقبل إلا أخوان الرضاعة وآباءها وأمهاتها فإنها النافعة عند اللّه تعالى ، ألا ترى العلم يظهر في صورة اللبن في عالم الخيال هذا لأجل الرضاع ، ثم يؤمر بك فتدخل البيت المعمور ثم تخرج من الباب الذي دخلت منه لا من باب الملائكة وهو الباب الثاني لخاصية فيه ، وهو أنه من خرج منه لا يرجع إليه هكذا قال الشيخ رضي اللّه تعالى عنه .

 

مطلب البيت المعمور المسمى بالضراح

مطلب البيت المعمور المسمى بالضراح وقال رضي اللّه تعالى عنه : وفي هذه السماء يعني السماء السابعة البيت المعمور المسمى بالضراح وهو بيت شكله كما تقدم وهو على سمت الكعبة كما ورد في الخبر لو سقطت منه حصاة لوقعت على الكعبة ، وله بابان يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه أبدا ، يدخلون من الباب الشرقي لأنه باب ظهور الأنوار ويخرجون من الباب الغربي لأنه باب ستر الأنوار ، فيحصلون في الغيب فلا يدري أحد حيث يستقرون ، وهؤلاء هم الملائكة يخلقهم اللّه تعالى في كل يوم من نهر الحياة عند انتفاض الروح الأمين ، لأن اللّه تعالى قد جعل له غمة في كل يوم في نهر الحياة ، وبعدد هؤلاء الملائكة كل يوم تكون خواطر بني آدم فما من شخص مؤمن

 

 

"166"

[مطلب في بيان عالم الوقار والسكينة عند إبراهيم عليه السلام ]

فإن لم تقف معه رفع لك عن عالم الوقار والسكينة والثبات والمكر وغامضات الأسرار ، وما شاكل هذا الفن .

................................................

ولا يغره إلا ويخطر له سبعون ألف خاطر في كل يوم لا يشعر بها إلا أهل اللّه تعالى ، وهؤلاء الملائكة الذين يدخلون البيت المعمور يجتمعون عند خروجهم منه مع الملائكة الذين خلقهم اللّه من خواطر القلوب ، فإذا اجتمعوا بهم كان ذكرهم الاستغفار إلى يوم القيامة انتهى كلامه رضي اللّه تعالى عنه وإلى ما نقلناه من كلامه هذا أشار بقوله .

مطلب في بيان عالم الوقار والسكينة عند إبراهيم عليه السلام ( فإن لم تقف معه ) أي مع ما يكشف لك عنه في السماء السادسة ( رفع لك عن عالم الوقار والسكينة ) التي هي من أخص أحوال إبراهيم عليه السلام

( والثبات ) على الحق في جميع الأحوال ( والمكر ) الخفي والجلي ( وغامضات ) من ( الأسرار ) المتعلقة بالملة الحنيفية وهي ملة إبراهيم عليه السلام لأنه كان حنيفا مسلما

( وما شاكل هذا الفن ) من الاستدراج والخديعة والكيد ، فتعلم أسبابها وعللها وكيفية الخلاص منها ، وتعلم أن كل أمر علمي يكون في اليوم المتعلق بهذه السماء أعني يوم السبت فمن روحانية الخليل ، وكل أثر علوي يكون فيه من النار والهواء فمن روحانية زحل ، وكل أثر سفلي يكون في الماء والتراب فمن حركة فلكه ، وتعلم علم الثبات والتمكين والديمومة والبقاء ،

وتعلم حقيقة البدل الذي يستمد من حقيقة الخليل ، وكيف يحفظ اللّه به الإقليم الأول ، ويكون الناظر إليك في هذه السماء الاسم الرب وهو ربها ، والاسم المتكلم وهو رب يوم السبت ، وحرف الياء المعجمة بنقطتين من تحت ومنزلة الخرثان وسورة طه ، ومن هذه السماء فرضت صلاة الصبح هكذا قال الشيخ رضي اللّه تعالى عنه .

 

وقال رضي اللّه تعالى عنه بعد ما أوردناه من كلامه فيما جرى بينه وبين موسى عليه السلام ، ثم ودعته وانصرفت فنزلت بإبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام فسلمت عليه فرد وسهل ورحب . فقلت : يا أبتي لم قلت فعله كبيرهم ؟ قال : لأنهم قائلون بكبرياء الحق على آلهتهم التي اتخذوها . قلت : فإشارتك بهذا قال : أنت تعلمها . قلت : إني أعلم أنها إشارة ابتداء وخبرها محذوف يدل عليه قولك بل فعله كبيرهم وفاسألوهم إقامة للحجة عليهم منهم . فقال : ما زدت على ما كان عليه

 

 

"167"

.........................................................

الأمر . قلت : فما قولك في الأنوار الثلاثة أكان عن اعتقاد قال : لا ، بل عن تعريف لإقامة الحجة على القوم . ألا ترى ما قال الحق في ذلك وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ [ الأنعام : الآية 83 ]

وما كان اعتقاد القوم في الإله إلا أنه نمروذ بن كنعان ، ولم تكن تلك الأنوار آلهتهم ولا كان نمروذ إلها عندهم لهم وإنما كانوا يرجعون في عبادتهم لما نحتوه آلهة لا إليه

ولذلك لما قال إبراهيم : رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ [ البقرة : الآية 258 ]

لم يجرؤ نمروذ أن ينسب الإحياء والإماتة لآلهتهم التي وضعها لهم لئلا يفتضح . فقال : أنا أحيي وأميت فعدل إلى نفسه تنزيها لآلهتهم عندهم حتى لا يتزلزل الحاضرون . ولما علم إبراهيم عليه السلام قصور أفهام الحاضرين عما جاء به وأنه لو فصله لطال المجلس فعدل إلى الأقرب في أفهامهم ، فذكر حديث إتيان اللّه تعالى بالشمس من المشرق وطلبه أن يأتي بها من المغرب ، فبهت الذي كفر . فقلت له : هذا إعجاز من اللّه كونه بهت فيما له فيه مقال وإن كان فاسدا ، لأنه لو قاله قيل له : قد كانت الشمس طالعة من المشرق وأنت لم تكن وأكد به من تقدمه بالسن بالبديهة فقال : وما المقال فقلت : يقول ما نفعل الأمر بحكمك ولا نبطل الحكمة لأجلك قال : صدقت . فكان بهته إعجازا من اللّه سبحانه حتى يعلم الحاضرون أن إبراهيم عليه السلام على الحق ، ولم يكن للنمروذ أن يدعي الألوهية ، ثم رأيت البيت المعمور فإذا به قلبي وإذا بالملائكة التي تدخله كل يوم تجلي الحق له الذي وسعه في سبعين ألف حجاب من نور وظلمة ، فهو يتجلى فيها لقلب عبده ولو تجلى دونها لأحرقت سبحات وجهه عالم الخلق من ذلك العبد .

انتهى كلام الشيخ رضي اللّه تعالى عنه .

 

مطلب في بيان سدرة المنتهى والبيت المعمور واعلم أنك إن لم تقف مع هذا كله رقيت بهمتك إلى سدرة المنتهى

قال الشيخ رضي اللّه تعالى عنه : إن الاسم الرب الذي هو رب السماء السابعة أعطى السدرة نبقها وخضرتها ونورها ، وأعطى الاسم الرحمن من نفسه عرفها ،

كما قالت الجنة عرفها لهم يعني بالنفس من العرف وهو الرائحة ، ومن الاسم اللّه أصولها وزقومها لأهل جهنم ، وقد جلل اللّه تعالى هذه السدرة بنور الهوية فلا تصل عين إلى مشاهدتها فتحدها أو تصفها ، والنور الذي كساها نور أعمال العباد ونبقها على عدد نسم السعداء لا بل على عدد أعمال السعداء لا بل هي عين أعمال السعداء ،

 

"169"

...............................................................

وما في جنة الأعمال قصر ولا طاق إلا وغصن من أغصان هذه السدرة داخل فيه ، وفي ذلك الغصن من النبق على قدر ما في العمل الذي هذا الغصن صورته من الحركات ، وما من ورقة في ذلك الغصن إلا وهي من الحسن بقدر ما حضر هذا العبد مع اللّه في ذلك العمل ، وأوراق الغصن بعدد الأنفاس في ذلك العمل ، وشوك هذه السدرة كله لأهل الشقاء وأصولها فيهم ، والشجرة واحدة ولكن تعطي أصولها النقيض مما تعطيه فروعها من كل نوع ، فكل ما وصفنا به الفروع خذ النقيض في الأصول ، وهذا كثير الوقوع في علم النبات كما حكي أن أبا العلاء ابن زهر وكان من أعلم الناس بالطب وأبا بكر بن الصايغ وكان دونه في معرفة الحشائش فركبا يوما فمرا بحشيشه فقال ابن زهر لغلامه : اقطع لنا من هذه الحشيشة فاستنشقها أبو بكر فرعف من حينه ، فما ترك شيئا يمكن أن يقطع به الرعاف إلا وعمله وما نفع حتى كاد يهلك ،

وأبو العلاء يبتسم ويقول : يا أبا بكر عجزت قال : نعم

فقال أبو العلاء بن زهر لغلامه : استخرج أصول تلك الحشيشة فجاء بها فقال : استنشقها . فاستنشقها أبو بكر فانقطع عنه الدم ، فعلم فضله عليه في علم الحشائش ، وأسعد الناس بهذه السدرة أهل بيت المقدس ، كما أن أسعد الناس بالمهدي أهل الكوفة ، كما أن أسعد الناس برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أهل الحرم المكي ، كما أن أسعد الناس بالحق أهل القرآن . وإذا أكل أهل السعادة من هذه الشجرة زال الغل من صدورهم ، ومكتوب على ورقها سبوح قدوس ربّ الملائكة والروح ، وإلى هذه الشجرة تنتهي أعمال بني آدم ولهذا سميت سدرة المنتهى .

وللحق فيها تجلّ خاص عظيم يقيد الناظر ويحير الخاطر ، وإلى جسدها منصة تلك المنصة مقعد جبريل عليه السلام ، وفيها من الآيات ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر « 1 » ، كما قال عليه الصلاة والسلام إنه لا يستطيع أحد أن ينعتها إنما تنظر إليها فيدركك البهت انتهى كلام الشيخ رضي اللّه تعالى عنه .

......................................................

( 1 ) يشير إلى قوله صلى اللّه عليه وسلم ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول اللّه : « يقول اللّه عزّ وجلّ : لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ، لا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ، ذخرا ، بله ما أطلعكم اللّه عليه » . رواه البخاري في صحيحه ، كتاب التفسير ، باب فلا تعلم نفس . . . حديث رقم ( 4779 ) . ورواه مسلم في صحيحه ، كتاب الجنة . . . ، حديث رقم ( 4 - 2824 ) .

 

 

"169"

فإن لم تقف معه رفع لك عن عالم الحيرة ، والقصور والعجز ، وخزائن الأعمال ، وهو علّيون .

..............................................................................

واعلم أنك إذا وصلت إلى السدرة فسترى صور أعمال السعداء من النبيين وأتباع الرسل ، وترى عملك في جملة أعمالهم فتشكر اللّه تعالى على ما وفقك من اتّباع الرسول عليه السلام ، وتعاين هناك أربعة أنهار منها نهر كبير عظيم وجداول صغار تنبعث من ذلك النهر الكبير ، وذلك النهر تنفجر منه الأنهار الكبار الثلاثة ، فستسأل عن تلك الأنهار والجداول فيقال لك : هذا مثل مضروب أقيم لك هذا النهر الأعظم هو القرآن ، وهذه الثلاثة الأنهار الكتب الثلاثة التوراة والإنجيل والزبور ، وهذه الجداول الصحف المنزلة على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، فمن شرب من أي نهر كان أو أي جدول فهو لمن شرب منه ، وكل حق فإنه كلام اللّه تعالى ، والعلماء ورثة الأنبياء بما شربوا من هذه الأنهار والجداول ، فاشرب من النهر الكبير تفز بكل سبيل للسعادة ، فإنه نهر محمد صلى اللّه عليه وسلم الذي صحت له النبوة وآدم بين الماء والطين ، وأوتي جوامع الكلم وبعث عامة ونسخت به فروع الأحكام ولم ينسخ له حكم بغيره ، وتنظر إلى حسن النور الذي غشي تلك السدرة ، فلا يستطيع أحد أن ينعتها للغشاء النوري الذي لا تنفذ فيه الأبصار ، ثم يقال لك : هذه شجرة الطور فيها مرضاة الحق من هنا شرع في غسل الميت للقاء اللّه الماء والسدر ليناله طهور هذه السدرة ، وإليها تنتهي أعمال بني آدم السعادية وفيها مخازنها إلى يوم الدين وهنا اقدام السعداء ، والسماء السابعة منتهى الدخان ولا بد لها ولمن تحتها من الاستحالة إلى صور كانت عليها أو على أمثالها قبل أن تكون السماء ، هكذا قال الشيخ رضي اللّه تعالى عنه وإلى بعضه أشار بقوله :

( فإن لم تقف معه ) أي مع ما يكشف لك عنه في السماء السابعة ( رفع لك عن عالم الحيرة والقصور والعجز وخزائن الأعمال وهو عليون ) الذي فيه كتاب الأبرار

قال تعالى : كَلَّا إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ ( 18 ) [ المطفّفين : الآية 18 ] ،

وَما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ ( 19 ) [ المطفّفين : الآية 19 ] كِتابٌ مَرْقُومٌ ( 9 ) [ المطفّفين : الآية 9 ] ، يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ ( 21 ) [ المطفّفين : الآية 21 ] .

وقد علمت مما نقلناه من كلام الشيخ رضي اللّه تعالى عنه أنه عبارة عن السدرة وإنما جعله عالم الحيرة والقصور والعجز ، لأن نور الهوية قد أحاط به فلا يدركه أحد ولا يبصره لشدة النور والنظر في الهوية يورث الحياة كما لا يخفى .

 

"170"

..........................................................

مطلب السدرة قال الشيخ رضي اللّه تعالى عنه بعد ما أوردناه من كلامه فيما جرى بينه وبين إبراهيم عليه الصلاة والسلام : فلما فارقته جئت سدرة المنتهى فوقفت بين فروعها الدنيا وفروعها القصوى وقد غشيها أنوار الأعمال وصدحت في ذرى أفنانها طيور أرواح العالمين وهي نشأة الإنسان ، وأما الأنهار الأربعة فعلوم الوهب الإلهي الأربعة التي ذكرناها في جزء لنا سميته « مراتب علوم الوهب » ، ثم عاينت متكئات رفارف العارفين فغشيتني الأنوار حتى صرت كلي نورا ، وخلع علي خلعة ما رأيت مثلها وقلت إلهي الآيات شتات فأنزل علي عند هذا القول :

قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ( 136 ) [ البقرة : الآية 136 ]

فأعطاني في هذه الآيات كل الآيات وقرب عليّ الأمر وجعلها لي مفتاح كل علم ، فعلمت أني مجموع من ذكر لي ، وكانت لي بذلك البشرى بأني محمدي المقام من ورثة جمعية محمد عليه السلام ، فإنه آخر مرسل وآخر ما إليه ينزل ، أتاه اللّه جوامع الكلم وخص بست لم يخص بها رسول أمة من الأمم ، فعم برسالته لعموم ست جهاته فمن أي جهة جئت لم تجد إلا نور محمد ينفهق عليك ، فما أخذ أحد إلا منه ولا أخبر رسول إلا عنه ، فعند ما حصل لي ذلك قلت حسبي حسبي قد ملأ أركاني فما وسعني مكاني وأزال علي به إمكاني ، فحصلت في هذه الإسراء معاني الأسماء كلها فرأيتها ترجع إلى مسمى واحد وعين واحدة وكان ذلك المسمى مشهودي وتلك العين وجودي ، فما كانت رحلتي إلا فيّ ودلالتي إلا عليّ ومن ذلك الوقت علمت أني عبد محض ما في من الربوبية شيء أصلا انتهى كلامه رضي اللّه تعالى عنه .

ثم ذكر أنه فتح خزائن هذا المنزل ، فبنى فيه علوما كثيرة من نفائس العلوم الإلهية ، لا يليق بهذه الرسالة إيرادها لما تؤدي إليه من التطويل .

 

مطلب في بيان فلك المنازل

ثم يقال لك بعد ما تريد الرحيل عن السدرة : أرق فترقى إلى فلك المنازل أعني فلك الثوابت وهو الفلك الثامن ، فيتلقاك من هناك من الملائكة بالأهل والترحبات فتعاين منازل السائرين بالأعمال المشروعة ، فلم تزل تقطعها منزلة منزلة

 

"171"

مطلب في بيان عالم الجنان ودرجاته وجهنم ودركاته

فإن لم تقف معه رفع لك عن عالم الجنان ، ومراتب درجاته ، وتداخل بعضه في بعض ، وتفاضل نعمه ، وأنت واقف على طريق ضيق . ثم أشرف بك على جهنم ، ومراتب دركاتها ، وتداخل بعضها في بعض ، وتفاضل عذابها ، ورفع لك عن الأعمال الموصلة إلى كل واحد من الدارين .

......................................................

بسبع حقائق أنت عليها ، وهي البصر والسمع واللسان واليدان والبطن والفرج والقدمان ، كما تقطع فيها السبع الدراري ولكن في زمان أقرب حتى تقف على حقائقها بأجمعها ، فإذا عاينت كل منزلة منها ورأيتها وجميع ما فيها من الكواكب تقطع في فلك آخر فوقها فتطلب الارتقاء إليه لترى ما أودع اللّه في الأمور من الآيات والعجائب الدالة على قدرته وعلمه ، فعند ما تحصل على سطحه تحصل في الجنة الدهماء ، فترى ما وصف اللّه تعالى في كتابه من صفة الجنات ، وتعاين جناتها وغرفها وما أعد اللّه تعالى لأهلها فيها ، وترى جنتك المخصوصة بك ، وتطلع على جنات الميراث وجنات الاختصاص وجنات الأعمال ، وتذوق من كل نعيم منها بحسب ما يعطيه ذوق موطن القوة الخيالية ، ولا تتوهم أن الجنة أمر خيالي فإنها أمر محسوس كما هي المحسوسات عندنا ، وإنما تراها في هذا العروج في قوة خيالك لأنك ما انفصلت عن عالم الدنيا الانفصال الكلي الذي لا يصح إلا بالموت الطبيعي ، حتى تصل إليها كما تصل إليها في الآخرة لأنها من عالم الآخرة وأنت بعد في عالم الدنيا هكذا قال الشيخ رضي اللّه تعالى عنه وإليه أشار بقوله .

 

مطلب في بيان عالم الجنان ودرجاته وجهنم ودركاته ( فإن لم تقف معه ) أي مع ما يكشف لك عنه في عالم الحيرة والعجز والقصور وخزائن الأعمال ( رفع لك عن عالم الجنان ومراتب درجاته وتداخل بعضه في بعض وتفاضل نعمه وأنت واقف على طريق ضيق ) وهو الطريق المشروع ( ثم أشرف بك على جهنم ومراتب دركاتها وتداخل بعضها في بعض وتفاضل عذابها ورفع لك عن الأعمال الموصلة إلى كل واحد من الدارين )

اعلم أن مذهب الشيخ رضي اللّه تعالى عنه هو أن الجنة والنار عبارة عن دارين محسوستين ، تحوي الواحدة على لذات حسية مثل مطعومات شهية ومشروبات طيبة ونساء كاعبات وولدان كالبدور وأمثال ذلك مما ذكره اللّه تعالى في كتابه العزيز وورد عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وتحوي الأخرى على نار محسوسة ومقامع من حديد وزمهرير وشجرة يقال لها شجرة الزقوم وسرابيل من قطران وغير ذلك مما ورد في الكتاب والسنة ، ولا تتوهم أنهما من عالم الخيال كما

 

"172"

.....................................................................

يقول به بعض الحكماء الإشراقية ،

فإن الشيخ رضي اللّه تعالى عنه صرح في مواضع لا تحصى أن القيامة والحشر وما تحوي عليه أرض المحشر والجنة والنار ما هي من الأمور الخيالية والمعنوية بل من الأمور الحسية الحقيقية كما هي المحسوسات في هذه الدار ، وليس في مشرب التحقيق ما يمنع ذلك ولا يحيله العقل ، وقد أجمع على القول به كمل أهل الكشف ، وبه قال جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأتباعهم ، وليس لمنكره ما يستند إليه إلا الجهل الصرف واللّه تعالى يعصمنا من ذلك بمنه وكرمه ، وموضع الجنة عند الشيخ رضي اللّه تعالى عنه بين محدب فلك الثوابت ومقعر الأطلس كما ورد أن أرض الجنة الكرسي وسقفها عرش الرحمن ، وموضع النار عند جوف فلك الثوابت لأن اللّه سبحانه وتعالى يحيل صور السماوات والعناصر وما فيها بعد الفصل بين العباد إلى جهنم وما فيها ،

 

هذا هو مذهب الشيخ رضي اللّه تعالى عنه ، وليس في الشرع ما يمنعه ولا يحيله العقل بل له من الشرع ما يعضده ، ولولا مخافة التطويل لأوردنا كلامه في ذلك مؤيدا بالكتاب والسنة ، ولكن نورد من كلامه ما يتعلق بهذا المحل ويكون له كالشرح حتى تقع به الفائدة ونعرض عمّا سواه . قال الشيخ رضي اللّه تعالى عنه : اعلم أن الجنة جنتان جنة حسية وجنة معنوية والعقل يعقلهما معا ، كما أن العالم عالمان عالم معنوي وعالم حسي ، والنفس الناطقة المخاطبة المكلفة لها نعيم بما تحمله من العلوم والمعارف من طريق نظرها ، ونعيم بما تحمله من اللذات والشهوات من طريق قواها الحسية من أكل وشرب وجماع ولباس وروائح وحديث وأمثالها ، كل ذلك تنقله الحواس إلى النفس الناطقة .

 

واعلم أن اللّه خلق هذه الجنة المحسوسة بطالع الأسد ، وخلق الجنة المعنوية التي هي روح هذه الجنة الحسية من الفرح الإلهي من صفة الكمال والابتهاج والسرور ، واعلم أن الجنات ثلاث جنات جنة اختصاص إلهي : وهي التي يدخلها الأطفال الذين لم يبلغوا حد العمل وحدهم من أول ما يولد ويستهل صارخا إلى انقضاء ستة أعوام ، ويعطي اللّه تعالى من يشاء من عباده من جنات الاختصاص ما شاء . والجنة الثانية : جنة ميراث ينالها كل من دخل الجنة ، وهي الأمكنة التي كانت معينة لأهل النار لو دخلوها . والجنة الثالثة : جنة الأعمال وهي التي ينزل الناس فيها بأعمالهم ، فمن كان أفضل من غيره في وجوه التفاضل كان له من الجنة أكثر ، وسواء كان الفاضل دون المفضول أو لم يكن غير أنه فضله في هذا المقام لهذه الحالة ، فما من عمل من

"173"

..............................................................

الأعمال إلا وله الجنة ويقع التفاضل فيها بين أصحابها بحسب ما تقتضي أحوالهم .

ورد في الحديث الصحيح عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : لبلال رضي اللّه تعالى عنه ، يا بلال : بم سبقتني إلى الجنة فما وطئت منها موضعا إلا وسمعت خشخشتك أمامي .

فقال يا رسول اللّه ما أحدثت قط إلا توضأت ، ولا توضأت إلا صليت ركعتين ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « بهما » « 1 » . فعلمنا أنها كانت جنة مخصوصة بهذا العمل ، فكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول لبلال : بم نلت أن تكون مطرقا بين يدي تحجبني ، من أين هذه المسابقة إلى هذه المرتبة ، فلما ذكر له ذلك قال صلى اللّه عليه وسلم : « بهما فما من فريضة ولا نافلة ولا فعل خير ولا ترك محرم إلا وله جنة مخصوصة ونعيم خاص يناله من دخلها » .

والتفاضل على مراتب فمنها بالسن ولكن في الطاعة والإسلام ، فيفضل الكبير السن على الصغير السن إذا كانا على مرتبة واحدة من العمل بالسن فإنه أقدم منه فيه ، ويفضل أيضا بالزمان فإن العمل في رمضان وفي يوم الجمعة وفي ليلة القدر وفي عشر ذي الحجة وفي عاشوراء أعظم من سائر الأزمان وكل زمان عينه الشارع ، ويتفاضلون أيضا بالمكان فالصلاة بالمسجد الحرام أفضل من الصلاة في مسجد المدينة ، وكذلك الصلاة في مسجد المدينة أفضل من الصلاة في المسجد الأقصى ، وخذ أشباه هذا .

ويتفاضلون بالأعمال فإن الصلاة أفضل من إماطة الأذى ، وقد فضل اللّه تعالى الأعمال بعضها على بعض ، ويتفاضلون أيضا في نفس العمل الواحد كالمتصدق على رحمه فيكون صاحب صلة رحم وصدقة ، والمتصدق على غير رحمه دونه في الأجر ، وكذلك من أهدى هدية لشريف من أهل بيت النبوة أفضل ممن أهدى لغير شريف .

واعلم أن جنة الأعمال مائة درجة لا غير كما أن النار مائة درك ، غير أن كل درجة تنقسم إلى منازل ، وهذه المائة درجة في كل جنة من الثمان الجنان ، وصورتها جنة في جنة ، وأعلاها جنة عدن وهي : قصبة الجنة وفيها الكثيب الذي تقع فيه الرؤية ، وهو أعلى درجة في الجنات تدور عليها سبعة أسوار بين كل سورين جنة ، فالتي تلي جنة عدن من الجنات جنة الفردوس وهي : أوسط الجنات التي دون جنة عدن وأفضلها ، ثم جنة الخلد ، ثم جنة النعيم ، ثم جنة المأوى ، ثم دار السلام ، ثم دار المقام ، وأما الوسيلة فهي أعلا درجة في أعلا جنة وهي : جنة عدن فإنها أعلى

.................................................................

( 1 ) رواه الترمذي في صحيحه عن بلال وابن بريدة ، حديث رقم ( 3689 ) .

 

"174"

.................................................

الجنات وهي لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بدعاء أمته ، وتحوي درجات الجنة التي من الدرجات فيها خمسة آلاف درجة وخمسة أدراج لا غير ، وقد يزيد على القدر بلا شك ولكن ذكرنا ما وقع عليه الاتفاق من أهل الكشف ، انتهى كلام الشيخ رضي اللّه تعالى عنه .

وقال رضي اللّه تعالى عنه : اعلم أن جهنم من أعظم المخلوقات ، وهي سجن اللّه في الآخرة يسجن فيها المعطلة والمشركون والكافرون والمنافقون قال تعالى :

وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيراً [ الإسراء : الآية 8 ] أي سجنا ، وسميت جهنم لبعد قعرها يقال : بئر جهنام إذا كانت بعيدة القعر وهي تحوي على حرور وزمهرير ففيها البرد على أقصى درجاته وفيها الحر على أقصى درجاته ، وبين أعلاها وقعرها خمس وسبعون مائة من السنين . واختلف الناس في خلقها هل خلقت بعد أم لم تخلق ؟

والخلاف مشهور فيها وفي الجنة بين علماء الرسوم وكل له حجة شرعية . وأما عندنا وعند أصحابنا من أهل الكشف فهي مخلوقة وغير مخلوقة ؛ فأما قولنا مخلوقة فكرجل أراد أن يبني دارا فإذا دخلها لم ير إلا حيطانا تحوي على ساحة فيها ، ثم بعد ذلك ينشئ بيوتها وغرفها وسراديبها ومهالكها ومخازنها وما ينبغي أن يكون فيها ، ثم يدخر فيها من الآلات التي تستعمل في عذاب الداخل ، وهي دار حرورها هواء محترق لا جمر لها البتة سوى بني آدم والأحجار المتخذة آلهة ، والجن لهيبها قال تعالى : إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ [ الأنبياء : الآية 98 ]

وقال تعالى : فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَالْغاوُونَ ( 94 ) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ ( 95 ) [ الشّعراء : الآيتان 94 ، 95 ] وتحدث فيها الآلات بحدوث الأنس والجن الذين يدخلونها . وأوجدها اللّه تعالى بطالع الثور ولذلك كان خلقها في الصورة كصورة الجاموس سواء ، هذا هو الذي يعول عليه عندنا ، وقد تمثل لبعض الناس من أهل الكشف صورة حية فيتخيل أن ذلك شكلها كأبي القاسم بن قسي وغيره ، ولما خلقها اللّه تعالى كان زحل في الثور وكانت الشمس والمريخ في القوس ، وكانت الدراري في الجدي ، وخلقها اللّه تعالى من صفة قوله تعالى « 1 » : ( جعت فلم تطعمني وظمئت فلم تسقني ) « 2 » الحديث ، وهو

........................................

( 1 ) أي في الحديث القدسي الشريف .

( 2 ) يشير إلى الحديث القدسي الذي رواه مسلم عن أبي هريرة ونصه : قال رسول اللّه : « إن اللّه عزّ وجل يقول يوم القيامة : يا ابن آدم مرضت فلم تعدني . قال : يا رب كيف أعودك ؟ وأنت رب العالمين . قال : أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده . أما علمت أنك لو عدته لوجدتني -

 

"175"

................................................................

أعظم نزول ينزله الحق إلى عباده في اللطف بهم فمن هذه الحقيقة خلقت جهنم .

فلذلك تجبرت على الجبابرة وقصمت المتكبرين ، وجميع ما يخلق فيها فمن صفة الغضب الإلهي ولا يكون ذلك إلا عند دخول الخلق فيها من الأنس والجن متى دخلوها ، وأما إذا لم يكن فيها أحد من أهلها فلا ألم فيها ولا في نفس ملائكتها بل هي ومن فيها من زبانيتها في رحمة اللّه منعمون متلذذون مسبحون لا يفترون .

قال اللّه تعالى : وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى [ طه : الآية 81 ] أي ينزل بكم غضبي ، فأضاف الغضب إليه ، وإذا نزل بهم فيكونون محلّا له ، وجهنم إنما هي محل لهم ، وهم النازلون فيها ، وهم محل الغضب ، وهو النازل بهم . فإن الغضب هو عين الألم فمن لا معرفة له ممن يدعي طريقنا ، ويريد أن يأخذ الأمر بالتمثيل والقوة والمناسبة في الصفات ، فيقول : إن جهنم مخلوقة من صفة القهر الإلهي ، وإن الاسم القاهر هو ربها والمتجلي لها ولو كان الأمر كما قاله لشغلها ذلك بنفسها عما وجدت له من التسلط على الجبابرة ، ولا يتمكن لها أن تقول هل من مزيد ، ولا أن تقول أكل بعضي بعضا ، فنزول الحق برحمته إليها وحنانه وسع لها المجال في الدعوة والتسلط على من تجبر على من أحسن إليها ، هذا الإحسان وجميع ما تفعله بالكفار من باب شكر المنعم ، حيث أنعم عليها ، فما تعرف منه سبحانه إلا النعمة المطلقة التي لا يشوبها ما يقابلها ، والناس غالطون في شأن خلقها ، ولقد سألت اللّه أن يمثل لي من شأنها ما شاء فمثل لي حالة خصامهم

وهو قوله تعالى : إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ ( 64 ) [ ص : الآية 64 ] ،

وقوله تعالى : قالُوا وَهُمْ فِيها يَخْتَصِمُونَ ( 96 ) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 97 ) [ الشّعراء : الآيتان 96 ، 97 ]

لضلالهم وإلهتهم إذ نسويكم برب العالمين فما شبهت خصامهم فيها إلا بخصام أصحاب الخلاف في المناظرة إذا استدل أحدهم ، فإذا رأيت ذلك تذكرت الحالة التي أطلعني اللّه تعالي عليها ورأيت أن الرحمة كلها في التسليم والتلقي من النبوة

..................................................
عنده ؟ يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني . قال : يا رب وكيف أطعمك ؟ وأنت ربّ العالمين .

قال : أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه ؟ أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي ؟ يا ابن آدم استسقيتك فلم تسقني . قال : يا ربّ كيف أسقيك ، وأنت ربّ العالمين ؟ قال :

استسقاك عبدي فلان فلم تسقه . أما إنك لو سقيته وجدت ذلك عندي » . صحيح مسلم ، كتاب البرّ والصلة والآداب ، باب فضل عيادة المريض ، حديث رقم ( 43 - 2569 ) . ورواه غيره .

 

"176"

...............................................

والوقوف عند الكتاب والسنة ، ورأيت من دركات أهل النار من كونها جهنم لا من كونها نارا ما شاء اللّه أن يطلعني منها ، ورأيت فيها موضعا يسمى الظلمة نزلت في درجه نحو خمسة أدراج ، ورأيت مهالكها ، وخلق اللّه تعالى لجهنم سبعة أبواب ، لكل باب جزء من العالم ومن العذاب مقسوم ، وهذه الأبواب مفتحة ، وفيها باب ثامن مسدود لا يفتح وهو باب الحجاب عن رؤية اللّه تعالى ، وعلى كل باب ملك من ملائكة السماوات السبع عرفت أسمائهم هناك ، والكواكب كلها في جهنم مظلمة الأجرام عظيمة الخلق ، وكذلك الشمس والقمر والطلوع والغروب لها في جهنم دائما ، والتكوينات عن سيرها بحسب ما يليق بتلك الدار من الكائنات ، وما تغير فيها من الصور في التبديل والانتشار ، فذوات الكواكب فيها صورتها صورة الكسوف عندنا سواء ، غير أن وزن الحركات في تلك الدار خلاف ميزانها هنا ، فإن الكسوف فيها لا ينجلي والهواء فيها تطفيف ، فيحول بين الأبصار وبين إدراك أنوار الكواكب كلها فتبصرها الأعين بلا شك غير نيرة الأجرام . وحد جهنم بعد الفراغ من الحساب ودخول أهل الجنة الجنة مقعر فلك الكواكب الثابتة إلى أسفل سافلين ، فهذا كله يزيد في جهنم مما هو الآن ليس بمخلوق فيها ولكن ذلك معد حتى تظهر الأماكن التي قد عينها اللّه تعالى من الأرض ، فإنها ترجع إلى الجنة يوم القيامة مثل الروضة التي بين منبر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وبين قبره ، وكل مكان عينه الشارع وكل نهر فان ذلك كله يصير إلى الجنة ، وما بقي فيعود نارا كله وهو من جهنم ، ولهذا كان يقول عبد اللّه بن عمر رضي اللّه تعالى عنهما إذا رأى البحر : يا بحر متى تعود نارا وقال اللّه تعالى : وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ ( 6 ) [ التّكوير : الآية 6 ]

أي أججت نارا ، وكان عبد اللّه بن عمر يكره الوضوء بماء البحر ويقول : التيمم أحب إلي منه . ولو كشف اللّه تعالى عن أبصار الخلق اليوم لرأوه يتأجج نارا ولكن اللّه يظهر ما شاء ويخفي ما يشاء ليعلم أن اللّه تعالى على كل شيء قدير ، وأن اللّه قد أحاط بكل شيء علما انتهى كلام الشيخ رضي اللّه تعالى عنه .

 

واعلم أنه لا يصح عندك أن الجنة وجهنم من عالم الشهادة إلا إذا ثبت أن الحشر والنشر والقيامة أمر حسي حقيقي ، وهو مذهب الشيخ رضي اللّه تعالى عنه أن النشأة الآخرة محسوسة غير خيالية ، والقيامة أمر محقق موجود حسي مثل ما هو الإنسان في الدنيا انتهى كلامه .

 

 

"177"

[مطلب في بيان الأرواح]

فإن لم تقف معه رفع لك عن أرواح مستهلكة ، في مشهد من مشاهدهم فيه سكارى حيارى ، قد غلبهم سلطان الوجد ، فدعاك حالهم .

فإن لم تقف معه لدعوته رفع لك نور لا ترى فيه غيرك ، فيأخذك فيه وجد عظيم وهيمان شديد ، وتجد فيه من اللذة باللّه ما لم تكن تعرفها قبل ذلك ، ويصغر في عينك كل ما رأيته ، وأنت تتمايل فيه تمايل السراج .

[ مطلب في بيان الصور ]

فإن لم تقف معه رفع لك من صور على صور بني آدم ،

..........................................................................

مطلب في بيان الأرواح ( فإن لم تقف معه ) أي مع ما يكشف لك من عالم الجنان والنيران والأعمال الموصلة إلى كل واحد منها ( رفع لك عن أرواح ) قدسية فانية ( مستهلكة في مشهد من مشاهدهم ) القدسية التنزيهية الجلالية ولهذا هم ( فيه سكارى حيارى قد غلبهم سلطان الوجد ) لأن المشاهدة التشبيهية الجمالية لا يفنى مشاهدها إلا إذا كانت غيبية وهو شهادي غيبي ، فإنها تفنيه عن جسمانيته لا عن روحانيته ، وأما إذا كانت شهادية وهو شهادي وإذا كانت غيبية وهو غيبي فقط أو شهادي فقط فلا ، وإذا وصلت إليهم ( فدعاك حالهم ) إلى الاتصاف به بذاته وحقيقته الخاصة في هذه المشاهدة .

مطلب في الوحدة

( فإن لم تقف معه لدعوته رفع لك نور ) من أنوار الوحدة ( لا ترى فيه غيرك ، فيأخذك فيه وجد عظيم وهيمان شديد ، وتجد فيه من اللذة باللّه ما لم تكن تعرفها قبل ذلك ، ويصغر في عينك كل ما رأيته وأنت تتمايل فيه تمايل السراج ) في هبوب النسيم . اعلم رحمك اللّه أن هذا الموضع هو مزلة أقدام الأكابر من السالكين ، لأنهم إذا وصلوا إليه وتجلت لهم هذه الوحدة وأشرق عليهم هذا النور الذي ذكره الشيخ رضي اللّه تعالى عنه ، يتوهمون أنهم وصلوا إلى الحضرة الأحدية وفازوا بالتجلي الذاتي لما يجدونه فيه من اللذة باللّه وعدم شهود غير حقيقتهم ، فينبغي لك أيها السالك في هذه المسالك إذا وصلت إلى هذا الكشف أن لا تتقيد به ولا ترغب فيه لما تجده من اللذة والابتهاج بذلك .

مطلب في بيان الصور

( فإن لم تقف معه ) أي مع ما أشرق من محدب فلك المنازل على الفضاء الذي بين مقعره ومحدب السماء السابعة ( رفع لك من صور على صور بني آدم ) جلوس

 

 

وستور ترفع وستور تسدل

[مطلب تسبيح الملائكة في الصور]

ولهم تسبيح مخصوص ، تعرفه إذا سمعته ، فلا تدهش ، وسترى صورتك بينهم ، ومنها تعرف وقتك الذي أنت فيه .

........................................................................

على كراسي ( وستور ترفع ) عنهم ( وستور تسدل ) عليهم وذلك لأن الواحد منا إذا عصى اللّه تعالى هنا تغيرت صورته هناك ، فيسدل بينها وبين باقي الصور حجاب من الاسم الستار ، حتى لا تعلم باقي الصور ما مرّ عليها من التغير الذي أثرت به المخالفة ، فإذا تاب رجعت صورته إلى ما كانت عليه ، فيرفع عنها الستر فتراها باقي الصور على أحسن حالة ، وذلك من رحمة اللّه وكرمه ، وهذه الستور هي من الإيمان ، لأن معصية المؤمن محفوفة بثلاث طاعات الخوف قبل ارتكابها والخوف بعده ، والإيمان بأنها معصية وهو الأصل في وجود الخوف والرجاء ، فالمعصية من المؤمن محفوفة بثلاث طاعات فيه باطنة والطاعة ظاهرة ، فإذا عادت عين المعصية عقوبة وعذابا وأرادت أن تقوم بالعاصي من حيث إنها عقوبة كما قامت به من حيث إنها معصية ، لم تتمكن من ذلك لأنها محفوفة بثلاث طاعات لن يغلب عسر يسرين ، فكيف بثلاثة فكانت الطاعات كالقفص ، والمعصية كالطير المحبوس فيه ، ألا ترى المؤمن إذا زنى خرج الإيمان منه فكان عليه كالظلة التي تقي صاحبها من حر الشمس فيقيه من العذاب الذي هو عين غضب الحق عليه أن يحل عليه ، فإنه من يحلل عليه غضب الرب فقد هوى ، والمؤمن لا يهوي لأن الإيمان يرفعه ، ولو هوى لخلد في النار ، فليست الحجب إلا للصور المؤمنة ، وأما غيرها فهم على قسمين : إما معطل وهو لا حجاب له أصلا إلا أن يكون من محض المنة والجود ، أو غير معطل وهو إما مشرك فحجابه من حيث إنه أثبت الوجود الحق أو غير مشرك ، وهو إما من اتباع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أو لا ، فإن لم يكن فحجابه من حيث التوحيد النظري أو التقليدي ، وإن كان فحجابه من حيث الخوف وإثبات الوجود الحق والتوحيد والإيمان ، ويؤيد ما ذهبنا إليه من أن المعطل لا حجاب له ، قول الشيخ رضي اللّه تعالى عنه .

مطلب تسبيح الملائكة في الصور

( ولهم ) أي لهذه الصور التي على صور صفة بني آدم ( تسبيح مخصوص تعرفه إذا سمعته ) وهو سبحان من أظهر الجميل وستر القبيح ، فإذا سمعته ( فلا تدهش ، وسترى صورتك بينهم ، ومنها تعرف وقتك الذي أنت فيه ) فإنك إن رأيت الستر قد انسدل على صورتك علمت أن وقتك المعصية ، وإلا علمت أن وقتك الطاعة ، والوقت في اصطلاح الشيخ رضي اللّه تعالى عنه عبارة عن حالة في زمن الحال لا

 

 

"179"

.........................................

تعلق له بالماضي ولا بالمستقبل . قال الشيخ رضي اللّه تعالى عنه : أن بين السماء السابعة والفلك المكوكب كراسي عليها صور كصور المكلفين من الثقلين وستور مرفوعة بأيدي ملائكة مطهرة ليس لهم إلا مراقبة تلك الصور وبأيديهم تلك الستور ، فإذا نظر الملك تلك الصورة قد سمجت وتغيرت عما كانت عليه من الحسن ، أرسل الستر بينها وبين سائر الصور ، فلا يعرفون ما طرأ ، ولا يزال الملك مراقبا لتلك الصورة ، فإذا رأى تلك الصورة قد زال عنها ذلك القبح وحسنت رفع الستر فظهرت في أحسن زينة ، وتسبيح تلك الصور وهؤلاء الأرواح الموكلة بالستور ؛ سبحان من أظهر الجميل وستر القبيح . انتهى كلام الشيخ رضي اللّه تعالى عنه .

واعلم أنك إن لم تتقيد بهذا الكشف ، رقيت إلى فلك البروج ، وهو الأطلس ، ثم إلى الكرسي ، ثم إلى العرش ، ثم إلى الشكل الكلي ، ثم إلى الجسم الكلي ، ثم إلى مستوى الكل ، ثم إلى طبيعة الكل ، ثم إلى النفس الكل ، ثم إلى العقل الكل ، ثم إلى اليدين ، ثم إلى الوحدة وهو النهاية ، والشيخ رضي اللّه تعالى عنه لم يذكر بعدما ذكره من كشف الصور ، التي هي على صور بني آدم إلا سرير الرحمانية ، وهو النفس وأستاذ كل شيء ، وهو القلم الأعلى أعني العقل ، والمحرك للقلم وهو اليدان ، ثم ذكر السحق والمحق في الوحدة ، وأعرض عما ذكرنا رعاية للاختصار ، إذ المقصود من بيان المكاشفة ثوران شوقك وتقوية همتك ، والغرض يحصل بما أورده من ذلك . نحن إن شاء اللّه نورد ما لم يورده الشيخ رضي اللّه تعالى عنه على أسلوب ما أورده ، فإنه أورد ذلك في كتب غير هذه الرسالة .

فاعلم أنك إن لم تقف مع ما يكشف لك حالة وصولك إلى فلك الثوابت ، ورأيت صورتك بين الصور على صور بني آدم ، فسلمت عليك وسلمت عليها وعانقتها وعانقتك ، وأردت الرقي إلى فلك البروج فإن صورتك تشيعك حتى تصل إليه ، فإذا وصلت إليه تعلم أن التكوينات التي في الجنان من حركة هذا الفلك ، وله الحركة اليومية في العلم الزماني ، كما أن حركة الليل والنهار في الفلك الذي فيه جرم الشمس والتكوينات التي تكون في جهنم من حركة فلك الكواكب ، وهو سقف جهنم ، أعني مقعره ، وسطحه أرض الجنة ، والذي يسقط من الكواكب وينتشر ضوؤها فتبقى مظلمة وفعلها المودع فيها باق ، وهذا كله سبب التبديل الذي يقع في

 

 

"180"

................................................

جهنم ، كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ، كل ذلك بإذن الله تعالى مرتب الأشياء مراتبها وغير ذلك من علوم لا يسع الوقت لإيراد بعضها .

مطلب الكرسي

فإن لم تقف معها ، ورقيت إلى الكرسي ، فسترى فيه انقسام الكلمة التي وصفت قبل وصولها إلى هذا المقام بالوحدة ، وترى القدمين اللتين نزلتا إليه ، فتنكب من ساعتك على تقبيلهما ، القدم الواحدة تعطي ثبوت أهل الجنات في جناتهم ، وهي قدم الصدق ، والقدم الأخرى تعطي ثبوت أهل جهنم في جهنمهم على أي حالة أراد اللّه تعالى ، وهي قدم الجبروت ، وتعلم معنى الوحدة والكثرة والاختلاف والخصام ، وتعلم الفرق بين الحق والباطل ، وغير ذلك من علوم لا تحصى ، ثم إذا فارقت هذا الموضع زج بك في النور الأعظم ، فيغلبك الوجد وهذا النور هو حضرة الأحوال الظاهر حكمها في الأشخاص الإنسانية ، وأكثر ما تظهر عليهم في سماع الألحان ، فإنها إذا نزلت عليهم تمر على الأفلاك ، ولحركاتها نفحات طيبة مستلذة تستلذ بها الأسماع ، فتكسو الأحوال وتنزل بها على النفوس الحيوانية في مجالس السماع .

 

مطلب في العرش

 فإن لم تقف معها رقيت إلى العرش الذي هو موضع الرحمة العامة ، وترى فيه حقيقة الكلمة التي انقسمت في الكرسي ، وترى فيه من حقائق الملائكة خمسة ، ومن حقائق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ثلاثة ، وهم : إسرافيل وجبرائيل وميكائيل ورضوان ومالك وآدم وإبراهيم ومحمد صلى اللّه عليه وسلم ، وتعلم من إسرافيل وآدم علم الصور ، ومن جبرائيل ومحمد علم الأرواح ، ومن ميكائيل وإبراهيم علم الأرزاق ، ومن مالك ورضوان علم الوعد والوعيد ، وتم العالم لأنه محصور في جسم وروح وغذاء ومرتبة ، وهو العرش على مذهب بن ميسر الجيلي ، هكذا قال الشيخ رضي اللّه تعالى عنه ، والحكماء ما جزموا أنه ليس وراء هذه الأفلاك التسعة التي أثبتوها لأجل الحركات التي شاهدوها أفلاك أخر ، بل قالوا لا يجوز أن تكون الأفلاك أقل من تسعة ، وذهب بعضهم إلى أنه يجوز أن تكون ثمانية ، وبعضهم إلى أنها سبعة .

 

 

"181"

[ مطلب في بيان الكليات من الشكل والجسم وغيره واللوح المحفوظ ]

فإن لم تقف معه رفع لك عن سرير الرحمانية في كل شيء عليه فإذا نظرت في كل شيء فترى جميع ما اطلعت عليه فيه وزيادة على ذلك ، ولا يبقى عالم ولا عين إلا وتشاهده فيه ، فاطلب عينك في كل شيء ، فإذا وقفت عليك فيه وعرفت ، وأين غايتك ومنزلتك ومنتهى رتبتك وقدرك ، وأي اسم هو ربك ،

.......................................................................

مطلب في بيان الكليات من الشكل والجسم وغيره واللوح المحفوظ فإن لم تقف مع ما يكشف لك عنه في العرش ، رقيت في معراج معنوي في غير صورة صور متخيلة إلى مرتبة الشكل الكلي ، فتشاهد فيها جميع الأشكال ولوازمها وما ينبغي أن تكون عليه وله ، فإن لم تقف مع ذلك رقيت إلى الجسم الكلي ، فتعلم كميات العالم وأوزانها من العرش إلى التراب ، فإن لم تقف معه رفع لك عن طبيعة الكل ، فتعلم طبائع العالم وكيفياته وسر الفعل والانفعال وغير ذلك .

( فإن لم تقف معه رفع لك عن سرير الرحمانية ) وهو النفس الكلي ، لأن العقل الأول مظهر الاسم اللّه ، والنفس الكلي مظهر الاسم الرحيم ، كما أن آدم مظهر الاسم اللّه ، وحوى مظهر الاسم الرحيم ، هذا من وجه ومن وجه ، العقل مظهر الاسم البديع ، والنفس مظهر الاسم الباعث ، ومن وجه آخر هما مظهر الأحد والواحد ، ومن وجه الإنسان مظهرا لاسم الله ، والعقل مظهر الرحمن ، والنفس مظهر الرحيم ( وكل شيء ) هو من عالم التدوين والتسطير أو لا مكتوب

( عليه ) أي سرير الرحمانية ، ولهذا يسميه الشيخ رضي اللّه تعالى عنه كل شيء وإليه الإشارة بقوله : وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ [ الأعراف : الآية 145 ] ، وقوله : وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ [ يس : الآية 12 ]

( فإذا نظرت في كل شيء ) الذي هو عبارة عن اللوح المحفوظ ( فترى جميع ما اطلعت عليه ) قبل هذا مما ذكرنا لك بعضه ( فيه ) أي في كل شيء ( وزيادة على ذلك ) مما لم تطلع عليه مثل العقل الأول والملائكة المهيمة ( ولا يبقى موجود ) في ( علم ولا ) في ( عين إلا وتشاهده فيه ) أي في كل شيء فإذا شهدت ذلك ( فاطلب عينك في كل شيء ، فإذا وقفت عليك فيه ) وصلت على ذلك إلى حقيقتك ومرتبتك ( وعرفت ) ما قدر اللّه تعالى به عليك ، لأن اللوح المحفوظ هو لوح القدر ، والقلم الأعلى أعني العقل لوح القضاء ( وأين غايتك ) من ربك هل هي أسماء القهر أو أسماء اللطف ( وما منزلتك ) عنده ، وفي الجملة تعلم أحوالك الذاتية والعرضية ( و ) عرفت ( منتهى رتبتك ) في حضرة الأسماء ( وقدرك ، وأي اسم هو ربك ) هل هو الاسم الجامع فتكون محمدي المقام ، أو غيره فتكون على قدم من هو له بالأصالة

 

 

"182"

[ مطلب في بيان العقل الأول والملك النوني ]

وأين حظك في المعرفة والولاية وصورة خصوصيتك .

فإن لم تقف معه رفع لك عن العقل الأول ، أستاذ كل شيء ومعلمه ، فعاينت أثره ، وعرفت خبره ، وشاهدت انتكاسه وتلقيه وتفصيل مجمله من الملك النوني .

.......................................................................................

( وأين حظك في المعرفة ) باللّه تعالى وصفاته وأفعاله ( وما حظك من الولاية وصورة خصوصيتك ) في الحضرة الإلهية .

مطلب في بيان العقل الأول والملك النوني ( فإن لم تقف معه ) أي مع سرير الرحمانية ( رفع لك عن العقل الأول ) وهو المعلم الأول والموجود الأول من عالم التدوين والتسطير ، وهو مدبر كل شيء بإذن اللّه تعالى ، وفياض كل شيء بأمر اللّه تعالى ، وهو ( أستاذ كل شيء ) أعني النفس لأنه هو الذي يلقي إليها ما أخذه عن اللّه تعالى من حيث إنها نفس ، ويسطر فيها من حيث إنها لوح ، وهو قلم فهو أستاذه ( ومعلمه فعاينت أثره ) في حقائق العالم ( وعرفت ) حقيقة حاله و ( خبره ) وقد أشرنا إلى شيء من ذلك ، ومن أحوال تقيد سلسلة الأسباب في كتاب مراتب الحضرات والإنسان الكامل والسبحات لنا فلينظر هناك .

( وشاهدت انتكاسه ) من حيث هو قلم لأجل الكتابة في اللوح ، لأن القلم إذا كتبت به ظهر فيه الانتكاس ( و ) كيفية ( تلقيه ) العلم المجمل ( وتفصيل مجمله ) في اللوح ( من الملك النوني ) هذا الجار والمجرور متعلق بقوله وتلقيه .

اعلم أن الشيخ رضي اللّه تعالى عنه ذكر في كتابه المسمى « بعقلة المستوفر » أن العقل لا واسطة بينه وبين الباري سبحانه ،

وأن ما يقال : إن بينه وبينه ملكا يسمى النوني يحوي على العلوم الإجمالية فهو مثل الدواة ، والعقل مثل القلم ، والنفس مثل اللوح ، ليس بصحيح ،

بل العقل من حيث إجمال العلوم في ذاته هو النون ، ومن حيث إنه يفصل ذلك في اللوح هو القلم ، هذا محصل ما ذكره في « عقلة المستوفر »

وقال رضي اللّه تعالى عنه في الفتوحات المكية : اعلم أن اللّه تعالى لما تسمى بالملك رتب العالم ترتيب المملكة ، فجعل له خواص من عباده ، ومنهم الملائكة المهيمة جلساؤه تعالى بالذكر لا يستكبرون عن عبادة ولا يستحسرون ، يسبحون الليل والنهار لا يفترون ، ثم اتخذ حاجبا من الملائكة الكروبيين واحدا أعطاه علمه في خلقه ، وهو علم مفصل في إجمال ، فعلمه سبحانه كان فيه مجلى له ، يسمى ذلك الملك نونا ، فلا يزال معتكفا

 

 

"183"

[ مطلب في بيان رفع المحرك ثم الملائكة المهيمة ثم العماء ]

فإن لم تقف معه رفع لك عن المحرك يمين الحق .

..................................................................

في حضرة علمه سبحانه ، وهو رأس الديوان الإلهي ، والحق من كونه عليما لا يحتجب عنه ، ثم عين سبحانه من ملائكته ملكا آخر دونه في المرتبة ، سماه القلم وجعل منزلته دون النون ، واتخذه كاتبا فيعلمه اللّه تعالى من علمه في خلقه بواسطة النون ما شاء من علمه ، ولكن من العلم الإجمالي ، وجعل مما يحوي العلم الإجمالي علم التفصيل ، وهذا من بعض علوم الإجمال ، لأن العلوم لها مراتب من جملتها علم التفصيل ، فما عند القلم الإلهي من مراتب العلوم المجملة إلا علم التفصيل مطلقا وبعض العلوم المفصلة لا غير ، واتخذ هذا الملك كاتب ديوانه وتجلى له من اسمه القادر ، فامده من هذا التجلي الإلهي وجعل نظره إلى جهة عالم التدوين والتسطير ، فخلق له لوحا وأمره أن يكتب فيه جميع ما يشاء سبحانه أن يجريه في خلقه إلى يوم القيامة خاصة ، وأنزله منه منزلة التلميذ من الأستاذ فتوجهت هنا عليه الإرادة الإلهية ، فخصصت له هذا القدر من العلوم المفصلة ، فله تجليات من الحق بلا واسطة ، وليس للنون سوى تجل واحد من مقام أشرف ، فإنه لا يدل تعدد التجليات ولا كثرتها على الأشرفية ، وإنما الأشرف من له المقام الأعم ، فأمر اللّه تعالى النون أن يمده بثلاث مائة وستين علما من علوم الإجمال ، تحت كل علم تفاصيل ولكن معينة منحصرة لم يعط غيرها ، يتضمن كل علم إجمالي من تلك العلوم ثلاثمائة وستين علما مفصلا ، فإذا ضربت ثلاث مائة وستين في مثلها ، فما خرج فهو مقدار علم اللّه تعالى في خلقه إلى يوم القيامة خاصة ، ليس عند اللوح من العلم الذي كتب فيه هذا القلم أكثر من هذا لا يزيد ولا ينقص ، ولهذه الحقيقة الإلهية جعل اللّه تعالى الفلك الأقصى ثلاثمائة وستين درجة ، وكل درجة مجملة بالنظر إلى ما تحوي عليه من الدقائق والثواني والثوالث إلى ما شاء اللّه سبحانه وتعالى مما شاء أن يظهره في هذا العالم إلى يوم القيامة ، وسمي هذا القلم الكاتب انتهى كلام الشيخ رضي اللّه تعالى عنه .

ولا يخفى عليك ما بين ما قاله في عقلة المستوفز والفتوحات من المنافاة .

مطلب في بيان رفع المحرك ثم الملائكة المهيمة ثم العماء ( فإن لم تقف معه ) أي مع أستاذ كل شيء الذي هو القلم الأعلى ( رفع لك عن المحرك ) لهذا القلم وهو ( يمين الحق ) أعني صفاته الجمالية لأنها هي التي اقتضت وجود العالم وهو علة تحريكها للقلم ، فافهم ترشد إن شاء اللّه ، فإن لم تقف معه رفع

 

 

"184"

[ مطلب في بيان المحو في الوحدة ]

فإن لم تقف معه محيت ، ثم غيبت ، ثم أفنيت ، ثم سحقت ، ثم محقت ، حتى إذا انتهت فيك آثار الماحي مع إخوانه ، أثبت ، ثم أحضرت ، ثم أبقيت ، ثم جمعت ، ثم عينت ، فخلعت عليك الخلع التي تقتضيها ، ثم ترد إلى مدرجتك ، فتعاين كل ما رأيته مختلف الصور ، حتى ترد إلى عالم حسك المقيد الأرضي ، أو تمسك حيث غبت .

..................................................................................

لك عن الملائكة المهيمة « 1 » ، وهم المخلوقون من العماء ، فإن لم تقف معهم رفع لك عن العماء الذي كان فيه ربنا قبل أن يخلق الخلق ، وقد بسطنا القول في حقيقته في « رسالة السبحات » لنا ، قال الشيخ رضي اللّه تعالى عنه : العماء هو مستوى الاسم الرب كما أن العرش مستوى الاسم الرحمن . والعماء هو أول الأشياء وفيه ظهرت الظروف المكانيات والمراتب فيمن لم يقبل المكان والمكانة ، ومنه ظهرت المحال القابلة للمعاني الجسمانية حسّا وخيالا ، وهو موجود شريف الحق معناه ، وهو الحق المخلوق به كل شيء وما سوى اللّه تعالى ، وهو المعنى الذي ثبتت فيه واستقرت أعيان الموجودات ، ويقبل حقيقة الممكنات وظرفية المكان ورتبة المكانة واسم المحل ، ومن عالم الأرض إلى هذا العماء ، ليس فيه من أسماء اللّه تعالى سوى أسماء الأفعال خاصة ليس لغيرها أثر في كون مما بينهما من العالم المعقول والمحسوس ، انتهى كلام الشيخ رضي اللّه تعالى عنه .

واعلم أنك إن لم تقف مع العماء رفع لك عن نفس الرحمان بفتح الفاء وهو أصل العماء ، فإن لم تقف معه رفع لك إلى جناب أسماء التنزيه وفارقت أسماء الأفعال ، فتعلم علم السلب وتشرف على العالم بأسره ، وتعرف ما ينبغي لك مرتبة .

مطلب في بيان المحو في الوحدة ( فإن لم تقف معه ) رقيت إلى الوحدة الذاتية و ( محيت ) هناك قال الشيخ رضي اللّه تعالى عنه : المحو عند الطائفة رضي اللّه تعالى عنهم محو أوصاف العادة وإزالة العلة وما ستره الحق ونفاه ، قال تعالى : يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ [ الرّعد : الآية39 ]

..............................

( 1 ) الملائكة المهيمة في شهود جمال الحق وهم الذين لم يعلموا أن اللّه خلق آدم لشدة اشتغالهم بمشاهدة الحق وهيمانهم ، وهم العالون الذين لم يكلفوا بالسجود لآدم لغيبتهم عما سوى الحق وولههم بنور الجمال ، فلا يسعون شيئا مما سواه وهم الكروبيون . ( اصطلاحات الصوفية لعبد الرزاق القاشاني ، ص 99 رقم ( 447 ) طبعة الحكمة - دمشق ) .

 

 

"185"

.......................................................................

فثبت المحو وهو المعبر عنه بالنسخ عند الفقهاء ، فهو نسخ إلهي رفعه اللّه تعالى ومحاه بعد ما كان له حكم في الثبوت والوجود ، وهو في الأحكام وفي الأشياء انتهاء المدة فإنه قال : كُلٌّ يَجْرِي إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى [ لقمان : الآية 29 ] . فهو يثبت إلى وقت معين ثم يزول حكمه لا عينه ، فإنه قال يجري إلى أجل مسمى ، فإذا بلغ الأجل زال جريانه ، وإن بقي عينه فالعادة التي في العموم يمحوها اللّه تعالى عن الخصوص ، فمنهم من يمحوها في ظاهره ومنهم من يمحوها في باطنه ، وتبقى عليه أوصاف العادة وهو الكامل مع كونه صاحب محو ، كما أنه يكون المسخ في القلوب وهو اليوم كثير ، وكان في بني إسرائيل ظاهرا بالصورة فمسخهم اللّه قردة وخنازير ، وجعل ذلك في هذه الأمة في باطنها سترا لها ، ولكن لا تقوم الساعة حتى يظهر في صورها شيء من ذلك مع خسف وقذف ، كذا ورد في الخبر « 1 » عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . ومن العادة الركون إلى الأسباب والعلل ، فصاحب المحو يزول عنه الركون إلى الأسباب ، فإن اللّه تعالى لا يعطل حكم الحكمة في الأشياء ، والأسباب حجب إلهية موضوعة لا ترفع ، أعظمها حجاب عينك فعينك سبب وجود المعرفة باللّه إذ لا يصح لها وجود إلا في عينك ، ومن المحال رفعك مع إرادة اللّه بأن يعرف فيمحوك عنك ، فلا تقف مع وجود عينك ، وظهور الحكم منه كما محى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في حكم رميه مع وجود الرمي منه ، فقال : « وما رميت » فمحاه « إذ رميت » فأثبت السبب « ولكن اللّه رمى » وما رمى إلا بيد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فإزالة العلة في المحو إنما هي في الحكم لا في العين ، فلو زالت العلة والسبب لزال العبد وهو لا يزول ، فمن الحكمة إبقاء الأسباب مع محو العبد من الركون إليها على حكم نفي أثرها في المسببات ، فالأسباب ستور وحجب ، ولا يكون محو أبدا إلا في ما له أثر ، وإلا فليس بمحو ، واللّه يقول الحق وهو يهدي السبيل .

..............................................

( 1 ) يشير إلى قوله صلى اللّه عليه وسلم فيما رواه أحمد في المسند عن حذيفة بن أسيد : « اطّلع النبي صلى اللّه عليه وسلم علينا ونحن نتذاكر الساعة ، فقال : ما تذكرون ؟ قالوا : نذكر الساعة ، فقال : « إنها لن تقوم حتى ترون عشر آيات ، الدخان ، والدجال ، والدابّة ، وطلوع الشمس من مغربها ، ونزول عيسى ابن مريم ، ويأجوج ومأجوج ، وثلاث خسوف : خسف بالمشرق ، وخسف بالمغرب ، وخسف بجزيرة العرب ، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم » . وروى هذا الحديث الإمام مسلم في صحيحه ، كتاب الفتن وأشراط الساعة ، باب في الآيات التي تكون قبل الساعة ، حديث رقم ( 39 - 2901 ) .

 

 

""

...............................................................

مطلب في بيان التغييب ( ثم غيبت ) قال الشيخ رضي اللّه تعالى عنه : الغيبة عند القوم غيبة القلب عن علم ما يجري من أحوال الخلق لشغل القلب بما ورد عليه ، وإذا كان هذا فلا تكون الغيبة إلا عن تجل إلهي ، فلا يصح أن تكون الغيبة على ما حدوه بمخلوق ، فإنه مشغول غائب عن أحوال الخلق ، وبهذا تميزت الطائفة عن غيرها ، فإن الغيبة موجودة الحكم في جميع الطوائف ، فغيبة هذه الطائفة تكون بحق عن خلق حتى تنسب إليه على جهة الشرف والمدح ،

وأهل اللّه تعالى في الغيبة على طبقات وإن كانت كلها بحق ، فغيبة العارفين غيبة بحق عن حق ، وغيبة من دونهم من أهل اللّه تعالى غيبة بحق عن خلق ، وغيبة الأكابر من العلماء باللّه غيبة بخلق عن خلق ، فإنهم قد علموا أن الوجود ليس إلا اللّه بصور أحكام الأعيان الثابتة الممكنات ،

ولا يغيبه إلا صورة حكم عين في وجود حق فيغيب عن حكم صورة عين أخرى تعطي في وجود الحق ما لا تعطي هذه ، والأعيان وأحكامها خلق فما غاب إلا بخلق عن خلق في وجود حق ،

فالعامة مصيبة لبعض هذه المسألة فإنها ينقصها منها في وجود حق ، وغيبتها إنما هي بخلق عن خلق مثل الكمل من رجال اللّه .

وما في الأعيان عين يكون حكمها مشاهدة فلا تتصف بالغيبة ، فلما لم يكن ثم عين لها وصف الإحاطة بالحضور مع الكل ، وأن ذلك من خصائص الإله فلا بد من الغيبة في العالم والحضور .

 

مطلب في بيان الفناء ( ثم أفنيت ) وقد ذكرنا فيما تقدم وأوردنا من كلام الشيخ رضي اللّه عنه فيه ما فيه الكفاية .

السحق ( ثم سحقت ) وهو عبارة عن ذهاب تركيب حقيقتك عند غلبة تجلي الوحدة الذاتية عليك .

المحق ( ثم محقت ) وقد تكلمنا عليه فيما مضى ( حتى إذا انتهت فيك آثار الماحي مع إخوانه ) مثل المغني والمغيب ، والماحق .

  

 

""

..........................................................

الإثبات

( أثبت ) قال الشيخ رضي اللّه عنه : الإثبات هو الأمر المقدر الذي عليه جميع العالم ، فمن طلب رفع حكم العوائد فقد أساء الأدب وجهل ، وأما هذا الذي يسمونه خرق عادة فهو عادة ، إذ ثبوت خرق العادة عادة فما محو العادة إلا بإثباتها ، غير أن صاحب الإثبات لا بد أن يكون له وصلة بالحق ، ولهذا يثبت أحكام العادات فإن صاحبه وضعها ، ومن شرط الصحبة الموافقة فكيف يصحبه ويكون مواصلا له ويحكم عليه بإزالة ما يرى الحكمة في إثباته ، ولا سيما وقد علم صاحب هذا المقام أن اللّه حكيم عليم بما يجريه ويثبته ، فيثبت ما أثبته صاحبه ، وإن لم يفعل وطلب محو ذلك فهو منازع ومن نازعك فليس بصاحب لك ولا أنت بصاحب له وكان إلى العناد أقرب ، فصاحب الإثبات دائم المواصلات مع الحق فإنه يثبت أحكام العادات ، فهو يشهده فيها فلا يتمكن له مع هذا أن يطلب رفع أحكامها ولا محوها .

الإحضار

( ثم أحضرت ) قال الشيخ رضي اللّه عنه : اعلم أنه لا يكون غيبة إلا بحضور ، فيغيبك من تحضر معه لقوة سلطان المشاهدة كما أن سلطان البقاء يفنيك لأنه صاحب الوقت ، والحكم والتفصيل في الحضور في أهله كما ذكرناه في الغيبة سواء ، فكل غائب حاضر وكل حاضر غائب لأنه لا يتصور الحضور مع المجموع ، وإنما هو مع آحاد المجموع لأن أحكام الأسماء والأعيان تختلف والحكم للحاضر ، فلو حضر بالمجموع لتقابلت وأدى إلى التمانع وفسد الأمر ، فلا يصح الحضور مع المجموع إلا عند من يرى حضوره بخلق ، فإن حكم الأعيان مثل حكم الأسماء في التقابل والاختلاف وظهور السلطان ، فتدبر ما ذكرناه تجد العلم .

البقاء

( ثم أبقيت ) قال الشيخ رضي اللّه عنه : اعلم أن نسبة البقاء عندنا أشرف في هذا الطريق من نسبة الفناء ، لأن الفناء عن الأدنى في المنزلة أبدا عند الفاني ، والبقاء بالأعلى في المنزلة أبدا عند الباقي ، فإن البقاء هو الذي أفناك عن كذا فله القوة والسلطان فيك ، فالبقاء نسبتك إلى الحق ، وإضافتك إليه أعلى في هذا الطريق عند أهل اللّه تعالى فيما اصطلحوا ، والفناء نسبتك إلى الكون فإنك تقول فنيت عن كذا ،

 

 

"188"

...........................................

ونسبتك إلى الحق أعلى ، فالبقاء في النسبة أولى لأنهما حالان مرتبطان ، فلا يبقى في هذا الطريق إلا فان ، ولا يفنى إلا باق ، فالموصوف بالفناء لا يكون إلا في حال البقاء ، والموصوف بالبقاء لا يكون إلا في حال الفناء ، ففي نسبة البقاء شهود حق ، وفي نسبة الفناء شهود خلق ، لأنك لا تقول فنيت عن كذا إلا مع تعقلك بمن فنيت عنه ، ونفس تعقلك هو نفس شهودك إياه ، إذ لا بد من إحضاره في نفسك لتعلق حكم الفناء عنه به ، وكذلك البقاء لا بد من شهود حق أنت باق به ، ولا يكون البقاء في هذا الطريق إلا بالحق ، فلا بد من شهود الحق ، فإنه لا بد من إحضارك إياه في قلبك وتعقلك إياه ، وحينئذ تقول بالحق بقيت ، وهذه النسبة أشرف وأعلى لوجود المنسوب إليه ، فحال البقاء أعلى من حال الفناء وإن تلازما وكانا لشخص في زمان واحد ، فلا خفاء على ذي نظر سليم في الفرق بين النسبتين في الشرف والمنزلة ، وشرح هذا المقام يتضمن شرح باب الفناء ، وذلك أن تنظر في كل نوع من أنواع الفناء إلى السبب الذي أفناك عن كذا فهو الذي أنت باق معه ، هذا جماع هذا الباب إلا أن هنا تحقيقا لا يكون في الفناء ، وذلك أن البقاء نسبة لا تزول ولا تحول ، حكمها ثابت حقا وخلقا ، وهو نعت إلهي ، والفناء نسبة تزول وهو نعت كياني لا مدخل له في حضرة الحق ، وكل نعت ينسب إلى الجنابين فهو أتم وأعلى من النعت المخصوص بالجناب الكوني ، إلا العبودة فإن نسبتها إلى الكون أتم وأعلى من نسبة الربوبية والسيادة إليه ، فإن قلت : فالفناء راجع إلى العبودة ولازم لها ، قلنا : لا يصح أن تكون كالعبودة فإن العبودة نعت ثابت لا يرتفع عن الكون ، والفناء قد يفنيه عن عبودته وعن نفسه فحكمه يخالف حكم العبودة ، وكل أمر يخرج الشيء عن أصله ويحجبه عن حقيقته فليس بذلك الشرف عند الطائفة ، فإنه أعطاك الأمر على خلاف ما هو به فألحقك بالجاهلين ، والبقاء حال العبد الثابت الذي لا يزول ، فإنه من المحال عدم عينه الثابت كما أنه من المحال اتصاف عينه بأنه غير الوجود ، بل الوجود نعته بعد إن لم يكن ، وإنما قلنا هذا لأنه الحق ، ولا يلزم أن تكون الصفة عين الموصوف بل هو محال ، فالخلق باقي العين في ثبوته ، ثابت الوجود في عبودته ، دائم الحكم في ذلك ،

إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً ( 93 ) [ مريم : الآية 93 ] .

ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ [ النّحل : الآية 96 ]

فنحن عنده وهو عندنا ، فألحق النفاد والبقاء بمن ألحقته هذه الآية ، والنفاد فناء والبقاء نعت الوجود من حيث جوهره ،

 

 

"189"

[ مطلب في بيان مقدار غاية كل سالك ومناجاته بأي لغة والوراثة للأنبياء ]

ومقدار غاية كل سالك التي عليها سلك .

....................................................................................

والفناء نعت العرض من حيث ذاته بل نعت سائر المقولات ما عدا الجوهر ، انتهى كلام الشيخ رضي اللّه عنه .

مطلب في بيان الجمع والتعيين والخلع والرد إلى الحس ( ثم جمعت ) بعد ما تحللت نشأتك حتى وصلت إلى الوحدة في معراج التحليل كما أشرنا إليه في المقدمة ( ثم عينت ) لمرتبة من مراتب الولاية ( فخعلت عليك الخلع التي تقتضيها ) مرتبتك ، فأما خلعة القطبية وهي أعلى مقامات الورثة أو خلعة الإمامة ، أما إمامة الملك أو إمامة الملكوت أو خلعة الوتدية أو خلعة البدلية أو غير ذلك من الخلع التي تقتضيها المراتب وتستحقها الحقائق فإنها - أعني الخلع - تتنوع بتنوع المراتب . ( ثم ترد إلى مدرجتك ) أي مسلكك وهذا هو الرجوع من عند اللّه والتدلي .

مطلب في بيان مقدار غاية كل سالك ومناجاته بأي لغة والوراثة للأنبياء ( فتعاين كل ما رأيته ) في ترقيك ( مختلف الصور ) في تدليك لأنك تراه في ترقيك ببصر نفسك لا بسرك ، فتحكم أنه خلق بلا حق وفي تدليكك بسرك فتحكم أنه حق بلا خلق ، وتراه بقلبك فتحكم أنه خلق في حق ( حتى ترد إلى عالم حسك المقيد الأرضي ) وترجع إلى التحقق بجسمانيتك ( أو تمسك حيث غبت ) فتكون من المستهلكين ، فإن قلت : هذه المقامات والأحوال والمكاشفات والمشاهدات والمنازل والتنزلات التي ذكرها الشيخ في المتن وذكرتها في الشرح هل تصح لكل سالك سلك طريق اللّه تعالى أو لا ؟ فإن صحت فهل تصح له على هذا الوجه الذي ذكرته أو أكمل منه وأنزل منه ؟ وإن لم تصح فهل تصح للبعض أم لا ؟

قلنا : إن ما ذكره الشيخ رضي اللّه عنه من ذلك وتبعناه فيه لا يحصل على الوجه اللائق إلا للمحمدي خاصة ، ويحصل لغيره على وجه دونه ، وقد لا يحصل للبعض إلا لمعة منه أو أكثر ، ولا يتصور أنه لا يحصل أصلا ،

وكيف يخفى عليك ذلك والشيخ رضي اللّه عنه يقول:

( ومقدار غاية كل سالك ) ونهاية كل مبتدىء على قدر مناسبة الطريق ( التي عليها سلك ) للجناب العالي سبحانه وتعالى ، فكلما كانت الطريق أوسع دائرة وأشمل حيطة كانت أشرف ، وكل ما كانت أشرف كانت غايتها أشرف ، وكل ما كانت على خلاف

 

 

"190"

فمنهم من يناجي بلغته ، ومنهم من يناجي بغير لغته ، وكل من نوجي بلغة أي لغة كانت ، فإنه وارث لنبي ذلك اللسان ، وهو الذي تنسبه على لسان أهل هذه الطريقة أن فلانا موسوي وإبراهيمي وإدريسي ، ومنهم المناجي بلغتين وثلاثة وأربع فصاعدا ، والمكمل من يناجي بجميع اللغات ، وهو المحمدي خاصة .

......................................................................

والفناء نعت العرض من حيث ذاته بل نعت سائر المقولات ما عدا الجوهر ، انتهى كلام الشيخ رضي اللّه عنه .

 

مطلب في بيان الجمع والتعيين والخلع والرد إلى الحس ( ثم جمعت ) بعد ما تحللت نشأتك حتى وصلت إلى الوحدة في معراج التحليل كما أشرنا إليه في المقدمة ( ثم عينت ) لمرتبة من مراتب الولاية ( فخعلت عليك الخلع التي تقتضيها ) مرتبتك ، فأما خلعة القطبية وهي أعلى مقامات الورثة أو خلعة الإمامة ، أما إمامة الملك أو إمامة الملكوت أو خلعة الوتدية أو خلعة البدلية أو غير ذلك من الخلع التي تقتضيها المراتب وتستحقها الحقائق فإنها - أعني الخلع - تتنوع بتنوع المراتب . ( ثم ترد إلى مدرجتك ) أي مسلكك وهذا هو الرجوع من عند اللّه والتدلي .

 

مطلب في بيان مقدار غاية كل سالك ومناجاته بأي لغة والوراثة للأنبياء ( فتعاين كل ما رأيته ) في ترقيك ( مختلف الصور ) في تدليك لأنك تراه في ترقيك ببصر نفسك لا بسرك ، فتحكم أنه خلق بلا حق وفي تدليكك بسرك فتحكم أنه حق بلا خلق ، وتراه بقلبك فتحكم أنه خلق في حق ( حتى ترد إلى عالم حسك المقيد الأرضي ) وترجع إلى التحقق بجسمانيتك ( أو تمسك حيث غبت ) فتكون من المستهلكين ، فإن قلت : هذه المقامات والأحوال والمكاشفات والمشاهدات والمنازل والتنزلات التي ذكرها الشيخ في المتن وذكرتها في الشرح هل تصح لكل سالك سلك طريق اللّه تعالى أو لا ؟ فإن صحت فهل تصح له على هذا الوجه الذي ذكرته أو أكمل منه وأنزل منه ؟ وإن لم تصح فهل تصح للبعض أم لا ؟

قلنا : إن ما ذكره الشيخ رضي اللّه عنه من ذلك وتبعناه فيه لا يحصل على الوجه اللائق إلا للمحمدي خاصة ، ويحصل لغيره على وجه دونه ، وقد لا يحصل للبعض إلا لمعة منه أو أكثر ، ولا يتصور أنه لا يحصل أصلا ، وكيف يخفى عليك ذلك والشيخ رضي اللّه عنه يقول .

 

( ومقدار غاية كل سالك ) ونهاية كل مبتدىء على قدر مناسبة الطريق ( التي عليها سلك ) للجناب العالي سبحانه وتعالى ، فكلما كانت الطريق أوسع دائرة وأشمل حيطة كانت أشرف ، وكل ما كانت أشرف كانت غايتها أشرف ، وكل ما كانت على خلاف

 

"191"

[ مطلب في بيان الواقف ما لم يرجع وكيف يقبض ويحشر وبيان المردود وهو أكمل من الواقف ]

فما دام في غايته فهو الواقف ما لم يرجع . فإن منهم

......................................................................

العارف شهاب الدين ببغداد رضي اللّه تعالى عنه أنه قال بالجمع بين المشاهدة والكلام ، ولكن ما نقل عنه أكثر من هذا ، فأني سألت الناقل فلم يذكر لي نوع التجلي ، والظن بالشيخ جميل فلا بد أن يريد بالتجلي الصوري ، ألا ترى قول السياري حيث ذكر أنه ما التذ عاقل بمشاهدة قط .

ثم فسر فقال : لأن مشاهدة الحق فناء فليس فيها لذة ، والخطاب في حال الفناء لا يصح ، لأن فائدة الخطاب أن يعقل ،

ولذلك قال تعالى : وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ [ الشّورى : الآية 51 ] كموسى عليه السلام ، والحجاب عين الصورة التي يناديه منها ، ولا يزول البشر عن بشريته ، وإن فني عن شهودها فعين وجودها لا يزول والحد يصحبها ، وإنما قلت هذا لأني سمعت بعض الشيوخ يقول : هذا حظ البشر فإذا نزل عن بشريته كان حكمه حكما آخر ، فأثبت له رضي اللّه عنه أن الأمر ليس كما يظنه ، فلما تحقق ما ذكرناه رجع عن ذلك ، انتهى كلام الشيخ رضي اللّه تعالى عنه .

واعلم أن مناجاة الحق للواصلين ، قد تكون من خلف الحجب الظلمانية ، وهي الأجسام ، كما قال على لسان عبده وهو الإمام للمأمومين : سمع اللّه لمن حمده .

وكما نادى موسى من الشجرة وناجاه بقوله : « إني أنا اللّه » وكما أسمع المستجير كلامه على لسان محمد صلى اللّه عليه وسلم  قال تعالى : وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ [ التّوبة : الآية 6 ]

وقد تكون من خلف الحجب النورانية ، مثل حجاب القلب والروح ورقيقة الملك ، وحقيقة النبي في الفهوانية للمناجاة الإلهامية ، ومثل الملك للمناجاة المسماة بالموحي ، فالمناجاة من خلف حجاب القلب لا تكون إلا للمبتدىء أو الكامل المنتهى ، ومن خلف حجاب الروح للمتوسطين ، ومن خلف حجاب رقيقة الملك وحقيقة النبي للورثة ، ومن خلف حجاب الملك للأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام .

مطلب في بيان الواقف ما لم يرجع وكيف يقبض ويحشر وبيان المردود وهو أكمل من الواقف ( فما دام ) الواصل ممسوكا ( في غايته ) التي انتهى سلوكه إليها ( فهو الواقف ) الممسوك المستهلك ، وله نصف الكمال لأنه ذهاب بلا إياب هذا ( ما لم يرجع ) وأما إذا رجع فله كمال الكمال ( فإن منهم ) أي من الواصلين إلى غايات طرقهم التي

 

 

"192"

المستهلك في ذلك المقام كأبي عقال وغيره ، وفيه يقبض ويحشر . ومنهم المردود ، وهو أكمل من الواقف المستهلك بشرط أن يتماثلا في المقام .

.................................................................

عينتها استعداداتهم ، فإنه ما ثم نهاية إلا بالنسبة ، وأما النهاية المطلقة فلا يتصور وجودها ، وإلا لا نقلبت الحقائق ( المستهلك في ذلك المقام ) الذي هو غاية طريقه ( كأبي عقال ) المغربي من كبار الواصلين ( وغيره ) كأبي يزيد البسطامي ، فإنه لما وصل مع السالكين إلى الحضرة ، وخلعت عليه خلعة الخلافة والنيابة ، وقيل له :

أخرج إلى خلقي بصورتي فمن رآك رآني ، وادعهم إليّ ، خطا من الحضرة إلى نفسه خطوة فغشي عليه ، فإذا الندا ردوا عليّ حبيبي فإنه لا صبر له عني ( وفيه ) أي في ذلك المقام الذي استهلك فيه ( يقبض ويحشر ) لأن المرء يموت على ما عاش عليه ، ويحشر على ما مات عليه . ( ومنهم ) أي من الواصلين ( المردود ) إلى بدايته ( وهو أكمل من الواقف ) مع نهايته ( المستهلك ) فيها ،

وذلك لأن السلوك إلى اللّه تعالى عبارة عن رفع التعينات القلبية والنفسية والروحية والسرية والحقية ، وهو عبارة عن حركة في الكيف ،

 

ورفع هذه التعينات لا يكون إلا بالنسبة إلى السالك لا بالنسبة إلى نفس الأمر ، لأن الأعيان الثابتة لا ترتفع لأنها أزلية أبدية ، لأن الجهل على الحق محال ، وإنما يرتفع ظهور حكمها في الوجود الحق ، وهو ما كان إلا بالنسبة إلى شعورها لا بالنسبة إلى الحق ، وزوال حكمها لا يوجب زوالها ، فهي ثابتة العين مرتفعة الحكم ، لأن علة ظهور حكمها التي هي الشعور قد زالت بالوصول إلى حضرة الحق ، لأن الواصل فان والفاني لا شعور له ، وإذا كان الأمر على هذا ، فما غاب عن مراتب تعيناته فقد نقصه من العلم بالله بقدر ظهوره فيها ، فإن للحق ظهورا خاصّا في كل مرتبة من مراتب التعينات ، وهذا نقص عظيم في المعرفة لأنه غيبه عن شهود الحق في الأشياء ونفى ما هو ثابت في نفس الأمر وذلك جهل ، وإذا ثبت هذا ثبت أن المستهلك أنزل من الواصل الراجع ، لأنه حالة رجوعه يرى ظهور الحق في الخلق على حسب ما تقتضيه مراتبهم وحقائقهم ، فيعرى الحق عن الخلق والخلق عن الحق من وجه ، ويكسو الحق الخلق من وجه والخلق الحق من وجه ، ويميز المراتب ويطلع على حقيقة المسالك والمذاهب ، ولا يلزم من رجوعه فوت غايته ، ويلزم من الوقوف مع الغاية فوت ما يحصل في الرجوع ، وهنا تفاصيل إن استوعبناها فات المطلوب ، ولكن نومي إلى أمهاتها . فاعلم أن عالم الغيب أي غيب كان سواء كان عبارة عن عالم الأرواح أو المعاني إلا الغيب المطلق فإنه لا يدخل

 

 

"193"

فإذا كان المستهلك في مقام أعلى من مقام المردود ، فلا نقول إن المردود أعلى ،

..................................................................................

في هذا المقام أشرف من عالم الشهادة ، وإن عالم الشهادة أكمل من عالم الغيب ، والشرف بقلة الوسائط ، والكمال بالإحاطة والشمول ، فالتالي أكمل من المقدم والمقدم أشرف من التالي ، فمن وقف عند المقدم فهو شريف غير كامل ، ومن وقف عند التالي من غير أن يصل إلى المقدم فهو ناقص ، ومن وقف عنده بعد الذهاب إلى المقدم والعود إلى الثاني فهو كامل ، وإذا صح هذا صح أن ظهور الحق في آخر التنزلات أجمع وأشمل وأتم وأعم من ظهوره في غيره ، وهكذا ظهوره في كل ما هو أقرب إليه ، ومن هنا تعلم أن ظهور الحق في أجهل الناس وأعظمهم انقيادا إلى الأمور الطبيعية والنفسانية أتم من ظهوره في أعلم الناس وأعظمهم تحققا بالأمور الروحانية ، هذا بالنسبة إلى الاسم الظاهر والآخر ، وأما بالنسبة إلى الاسم الباطن والأول فبالعكس ، وإذا علمت هذا علمت أن تحقق الواصل بجسمانيته أكمل من تحققه بروحانيته ، ولهذا القطب الذي هو أكمل الطائفة أشد الناس تحقيقا بجسمانيته ، ويظهر لك ذلك من محبة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم النساء ومن إعادة الحق الأجسام بعد فنائها ودوام بقائها إلى الأبد وإن الجنة ونعيمها من المحسوسات ، وإذا صحت هذه القواعد صح أن الراجع أكمل من الممسوك ولكن ( بشرط أن يتماثلا في المقام ) بأن تكون غايتهما واحدة ، ولا يصح أن تحمل هذه المماثلة على المماثلة الحقيقية فإن ذلك لا يصح ، لأن اللّه تعالى ما تجلى في صورة لشخصين ولا في صورة مرتين ، ولو كان للزم التكرار في التجلي وهو لا يصح لأن الله واسع عليم ، وعلى هذا فلا يصح لواصلين أن يتماثلا في مقام أصلا إلا بالمماثلة اللغوية ، كما يقال : زيد كالأسد ويوسف كالقمر ، مثال ذلك زيد وصل إلى الاسم العليم ورجع ، وعمرو وصل إليه ومسك ، فزيد أكمل من عمرو وإن كان بينهما في الوصول إلى هذا الاسم تفاوت ، فإن ذلك لا يقدح في تفضيل زيد على عمرو .

( فإذا كان المستهلك ) الفاني ( في مقام أعلى من مقام المردود فلا نقول إن المردود أعلى ) من المستهلك مثال ذلك : زيد وصل إلى الاسم العليم ورجع ، وعمرو وصل إلى الاسم الحي ومسك ، والاسم الحي أفضل من الاسم العليم لأنه إمام الأئمة ، فزيد الممسوك أفضل من عمرو الراجع ، وإن شئت جعلت هذا المثال الذي تقدمه في المقامات حتى يناسب عبارة الشيخ رضي اللّه تعالى عنه .

 

 

"194"

[ مطلب في بيان أقسام المردودين والمستهلكين والمكمّلين وبيان الصوفي والملامتي إلى غير ذلك ]

ولكن شرطنا التماثل ، ويعيش المردود النازل عن مقام المستهلك حتى يبلغ مرتبة المستهلك ، ويزيد عليه في التداني فيزيد عليه في التدلي ، ويفضل عليه في الترقي ، فيفضل عليه في التلقي .

وأما المردودون فهم رجلان : منهم من يرد في حق نفسه ، وهو النازل الذي ذكرناه ، وهذا هو العارف عندنا ، فهو راجع ليكمل نفسه من غير الطريق التي سلك عليها . ومنهم من يرد إلى الخلق بلسان الإرشاد والهداية ، وهو العالم الوارث . وليس كل داع ووارث على مقام واحد ، ولكن يجمعهم مقام الدعوة ،

................................................................................

مطلب في بيان أقسام المردودين والمستهلكين والمكمّلين وبيان الصوفي والملامتي إلى غير ذلك ( ولكن شرطنا التماثل ، أو يعيش المردود النازل عن مقام المستهلك ) الذي غايته فوق غايته ( حتى يبلغ مرتبة المستهلك ويزيد عليه في التداني ) إلى حضرة الحق ( فيزيد عليه في التدلي ) إلى الخلق ( ويفضل عليه في الترقي ) إلى الغايات العلية ( فيفضل عليه في التلقي ) من الحق العلوم اللدنية ، وفضل العالم بقدر شرف العلم .

( وأما المردودون فهم رجلان : منهم من يرد في حق نفسه ) ليكملها ( وهو النازل الذي ذكرناه ) قبل هذا وقلنا إنه ترقى حتى وصل إلى غاية ما ، ثم رجع ثم أخذ في التداني من غير الطريق التي سلك عليها أولا في حال رجوعه ( وهذا هو العارف عندنا فهو راجع ليكمل نفسه من غير الطريق التي سلك عليها ) أولا وإن كان هو بعينه في نفس الأمر لكنه متغير بالنسبة إليه ، وذلك لتغير أحواله فإن حاله في التداني الفرق الأول ، وفي التدلي الفرق الثاني ، وفي الوصول الجمع ، فاختلفت الطريق باختلاف أحوال السالك بالنسبة إليه فقط ، وأما في نفس الأمر فطريق الثاني عين طريق الأول ( ومنهم ) أي من المردودين ( من يرد إلى الخلق ) ليكملهم ويدعوهم ( بلسان الإرشاد والهداية ) إلى جناب الحق تعالى ( وهو العالم ) الرباني وهو من الذين قال اللّه تعالى في حقهم كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ [ آل عمران : الآية 79 ]

فهو ( الوارث ) الذي ورث مقام الدعوة إلى اللّه تعالى وهو الذي أورثه اللّه تعالى الكتاب كما قال تعالى : ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا [ فاطر : الآية 32 ] .

( وليس كل داع ) إلى اللّه تعالى ( وارث ) للكتاب على مقام ( واحد ) في الدعوة والوراثة ( ولكن يجمعهم مقام الدعوة

 

 

"195"

ويفضل بعضهم على بعض في مرتبته كما قال :تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ[ البقرة : الآية 253 ] فمنهم الداعي بلغة عيسى وموسى وإسحق وإسماعيل وآدم وإدريس وإبراهيم وهارون وغيرهم ، وهؤلاء الذين هم الصوفية ، وهم أصحاب الأحوال بالإضافة إلى السادة منا .

ومنهم الداعي بلغة محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وهم الملامية أهل التمكين والحقائق .

................................................................

ويفضل بعضهم على بعض في مرتبته ) التي تخصه من مطلق مقام الدعوة ، ( كما قال تعالى : تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ ) مع أن مقام الرسالة قد جمع الكل ( فمنهم ) أي فمن الورثة والداعين إلى اللّه تعالى على بصيرة ( الداعي بلغة عيسى عليه السلام ) ومن مقامه وذوقه وحاله وهكذا ( موسى وإسحق وسام وإسماعيل وآدم وإدريس وإبراهيم ويوسف وهارون وغيرهم ) من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ( وهؤلاء الذين ) هم ورثة هؤلاء الأنبياء عليهم السلام ( هم الصوفية وهم أصحاب الأحوال بالإضافة إلى السادة منا ) الذين هم أصحاب المقامات يعني الملامية ، وهم الطبقة العالية من أهل اللّه تعالى ، وهم سادات القوم في كل حال أو مقام ، من فناء وبقاء وجمع وفرق ،

وإلى ذلك أشار بقوله : ( ومنهم ) أي ومن الورثة والدعاة ( الداعي بلغة محمد ) ومن مقامه وذوقه وحاله ( صلى اللّه عليه وسلم وهم الملامية أهل التمكين والحقائق ) أعلم علمك اللّه تعالى أن الشيخ الجليل العارف المحقق شيخ الإسلام شهاب الدنيا والدين عمر السهروردي رضي اللّه تعالى عنه يرجح الصوفي على الملامتي ،

والشيخ رضي اللّه تعالى عنه يرجح الملامتي على الصوفي ، والنزاع لفظي ، ولا يخفى ذلك على من وقف على ما قاله في ذلك ،

فالشيخ شهاب الدين رضي اللّه عنه يسمى من يسميه الشيخ رضي اللّه عنه بالملامتي الصوفي ، والشيخ بالعكس ،

قال الشيخ رضي اللّه تعالى عنه : أعلم أن رجال اللّه تعالى ثلاثة لا رابع لهم :

[الصنف الأول] رجال غلب عليهم الزهد والتبتل والأفعال الطاهرة المحمودة كلها ، وطهروا أيضا بواطنهم من كل صفة مذمومة قد ذمها الشارع ، غير أنهم لا يرون شيئا فوق ما هم عليه من هذه الأعمال ، ولا معرفة لهم بالأحوال ولا المقامات ولا العلوم الوهبية اللدنية ولا الأسرار ولا الكشوفات ، ولا يعرفون شيئا مما يجده غيرهم ، فهؤلاء يقال لهم العباد ، وهؤلاء إذا جاء إليهم أحد يسألهم الدعاء ربما انتهره ، أو يقول من أنا حتى يدعو وما منزلتي ، حذرا أن يتطرق إليهم العجب وخوفا من غوائل

 

 

"194"

........................................................

النفس لئلا يدخله الرياء في ذلك ، وإن كان أحد منهم يشتغل بقراءة فكتابه الرعاية للمحاسبي وما يجري مجراه ،

والصنف الثاني : فوق هؤلاء يرون الأفعال كلها للّه تعالى ، وأنه لا فعل لهم أصلا فزال عنهم الرياء جملة واحدة ، وإذا سألتهم في شيء مما يحذره أهل الطريق يقولون : أَ غَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [ الأنعام : الآية 40 ] ويقولون : قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ [ الأنعام : الآية 91 ]

وهم مثل العباد في الجد والاجتهاد والورع والزهد والتوكل وغير ذلك ، غير أنهم مع ذلك يرون أن ثم شيئا فوق ما هم عليه من الأحوال والمقامات والعلوم والأسرار والكشوف والكرامات ، فتتعلق هممهم بنيلها ، فإذا نالوا شيئا من ذلك ظهروا به في العامة من الكرامات لأنهم لا يرون غير اللّه ، وهم أهل خلق وفتوة ، وهذا الصنف يسمى الصوفية وهم بالنظر إلى الطبقة الثالثة أهل رعونات وأصحاب نفوس وتلامذتهم مثلهم أصحاب دعاوي يتميزون على كل أحد من خلق اللّه ، ويظهرون الرياسة على عباد اللّه تعالى .

والصنف الثالث : لا يزيدون على خمس صلوات إلا الرواتب ، ولا يتميزون على المؤمنين المؤدين فرائض اللّه تعالى بحالة زائدة يعرفون بها ، يمشون في الأسواق ويتكلمون مع الناس ، لا يبصر أحد من خلق اللّه واحدا منهم يتميز على العامة بشيء زائد من عمل مفروض أو سنة غير معتادة في العامة ، قد انفردوا مع اللّه راسخين لا يتزلزلون عن عبوديتهم مع اللّه طرفة عين ، لا يعرفون للرياسة طعما لاستيلاء الربوبية على قلوبهم وذلتهم تحتها ، قد أعلمهم اللّه تعالى بالمواطن وما تستحقه من الأعمال والأحوال ، فهم يعاملون كل موطن بما يستحقه ، قد احتجبوا عن الخلق ، واستتروا عنهم بستر العوائد ، فإنهم عبيد خالصون مخلصون لسيدهم مشاهدون له على الدوام في أكلهم وشربهم ويقظتهم ونومهم وحديثهم معه في الناس ، يضعون الأسباب مواضعها ، ويعرفون حكمتها حتى تراهم كأنهم الذي خلق له كل شيء مما تراهم من إثباتهم للأسباب وحضهم عليها ، يفتقرون إلى كل شيء عندهم هو المسمى اللّه ، ولا يفتقر إليهم شيء لأنه ما ظهر عليهم من صفة الغنى باللّه ولا العزة به ، ولا أنهم من خواص الحضرة الإلهية أمر يوجب افتقار الأشياء إليهم ، وهم يرون كون الأشياء لا تفتقر إليهم ويفتقرون إليها ،

لكون اللّه قال للناس : أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [ فاطر : الآية 15 ] فهم وإن استغنوا باللّه فلا يظهرون بصفة يمكن أن يطلق عليهم منها الاسم الذي وصف اللّه تعالى نفسه به وهو الاسم الغني ، وأبقوا

 

"197"

..............................................

لأنفسهم ظاهرا وباطنا الاسم الذي سماهم اللّه به وهو الفقر ، وقد علموا من هذا أن الفقر لا يكون إلا للّه الغني ، ورأوا الناس قد افتقروا إلى الأسباب الموضوعة كلها ، وقد حجبتهم في العامة عن اللّه تعالى ، وهم على الحقيقة ما افتقروا في نفس الأمر إلا لمن بيده قضاء حوائجهم وهو اللّه ،

قالوا : فهنا تسمى اللّه بكل ما يفتقر إليه في الحقيقة ، واللّه تعالى لا يفتقر إلى شيء ويفتقر إليه كل شيء ، فهؤلاء هم الملامتيه وهم أرفع الرجال وتلامذتهم أكبر الرجال ، واختصوا بهذا الاسم لأمرين الواحد يطلق على تلامذتهم لكونهم لا يزالون يلومون أنفسهم في جنب اللّه ، ولا يخلصون لها عملا تفرح به تربية لهم ، لأن الفرح بالأعمال لا يكون إلا بعد القبول ، وهذا غائب عن التلامذة ، وأما الأكابر فيطلق عليهم لستر أحوالهم ومكانتهم من اللّه تعالى حين رأوا الناس إنما وقعوا في ذم الأفعال واللوم فيما بينهم فيها لكونم لم يروا الأفعال من اللّه تعالى ، وإنما يرونها ممن ظهرت عن يده وصارت الأفعال عندهم في هذه الحالة كلها شريفة حسنة ، فكذلك هذه الطائفة ، ولو ظهرت مكانتهم من اللّه للناس لا تخذوهم آلهة ، فلما احتجبوا عن العامة بالعادة انطلق عليهم في العامة ما ينطلق على العامة من الملامة ، فيما يظهر عنهم مما يوجب ذلك ، وكانت المكانة تلومهم حيث لم يظهروا عزتها وسلطانها ، فهذا سبب إطلاق هذا اللفظ في الاصطلاح عليهم ، وهي طريقة مخصوصة لا يعرفها كل أحد انفرد بها أهل اللّه وليس لهم في العامة حال يتميزون بها ، وإنما وصف الشيخ رضي اللّه تعالى عنه الملامية بأنها أهل الحقائق والتمكين ، لأن التمكين عند الشيخ رضي اللّه تعالى عنه عبارة عن الثبوت على التلوين ، الذي هو صفة الحق الحاصلة له من تنزله في مراتب علمه بحقائق مبدعاته ، وفي مراتب علمهم بهم ، وهو قوله : كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ [ الرّحمن : الآية 29 ]

وهذه الصفة ذاتية للممكنات لأنها عبارة عن نفس الإمكان ، وتحقق الممكن بحقيقته أعلى غايات كمالاته ، وهذا هو عين الخلق الجديد ،

قال الشيخ رضي اللّه تعالى عنه : التلوين عند أكثر الجماعة مقام ناقص ، وهو تلوين العبد في أحواله وأنشد في ذلك شعرا :

كل يوم تتلون * غير هذا بك أجمل

حتى قال بعضهم علامة الحقيقة رفع التلوين بظهور الاستقامة فلو لم يزد بظهور الاستقامة لكان نبه على علم غامض محقق فلما زاد هذه اللفظة أفسد الأمر والتحق

 

"198"

[ مطلب في دعوة الخلق والنبوة والولاية ]

وإذا دعوا الخلق إلى اللّه تعالى ، فمنهم من يدعوهم من باب الفناء في حقيقة العبودية وهو قوله تعالى :وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ

.................................................................................

في حده بالقائلين بنقصه وقالت طائفة : بل التلوين هو علامة على صاحبه بأنه متحقق محقق كامل إلهي وهو الذي ارتضيه وهو مذهبي وبه أقول وعلى قدر تمكنه في التلوين يكون كماله ، وبهذا نحدّ التمكين ، نقول : التمكين في التلوين هو التمكين ، فمن لم يتمكن له يتلون الأمر عنده .

ولهذا قالت هذه الطائفة فيه بزيادة لو سكتت عنها كانت أولى إذ ليس للتقييد بها تلك الفائدة وهو قولها : لأن في التلوين إظهار قدرة القادر فيكشف منه العبد الغيرية ، وهذه الزيادة إجمالية تدل على ما ذهبنا إليه . والتلوين نعت إلهي وكل نعت إلهي كمال إذ لا يتصور في ذلك الجناب نقص أصلا بوجه ولا نسبة ، ولا تكمل المقامات والأمور إلا أن يكون من النعوت الإلهية ، فإن الكمال للّه على الإطلاق وهو قوله : يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ( 29 ) [ الرحمن : الآية 29 ] وليس التلوين غير هذا فيدخل في مذهبنا مذهب الجماعة فإنه أعم وأكبر إحاطة ولا يدخل مذهبنا في مذهبهم .

اعلم أنه من علم أن الاتساع الإلهي لا يقتضي أن يكرر شيئا في الوجود علم أن التلوين هو الصحيح في الكون ، فإنه دليل على سعة الإلهية فمن لم يقف في نفسه ولا غيره على اختلاف آثار الحق فيه في كل نفس فلا معرفة له باللّه وما هو من أهل هذا المقام ، وهو من أهل الجهل بالله وبنفسه وبالعالم ، فليبك على نفسه فقد خسر حياته ، وما أورثهم هذا الجهل إلا التشابه ، فإن العارف قد يخفى بحيث لا يشعر به فلا أقل أن يعلم أن ثم ما لا يشعر به فيكون عالما بأنه متلون في نفسه لا يعرف فيما تلون ولا ما ورد عليه قال تعالى : وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً [ البقرة : الآية 25 ] أي :

يشبه بعضه بعضا ، فيتخيل أن الثاني عين الأول وليس كذلك بل هو مثله ، والفارق بين المثلين في الأشياء يعسر إدراكه بالمشاهدة إلا على من شاهد الحق ، أو تحقق بمشاهدة الحرباء فلا دليل من الحيوانات على نعت الحق بكل يوم هو في شأن أولى من الحرباء ، فما في العالم صفة ولا حال تبقى زمانين ولا صورة تظهر مرتين ، والعلم يصحب الأول والآخر فهو الأول والآخر والظاهر والباطن فلون ووحّد الهوية في الكثرة ، انتهى كلام الشيخ رضي اللّه عنه .

مطلب في دعوة الخلق والنبوة والولاية ( و ) اعلم أن الراسخين ( إذ دعوا الخلق إلى اللّه تعالى ، فمنهم من يدعوهم من باب الفناء في حقيقة العبودية وهو ) أي الفناء ( قوله تعالى : وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ

 

"199"

شَيْئاً [ مريم : الآية 9 ] ومنهم من يدعوهم من باب ملاحظة العبودية ، وهو الذلة والافتقار وما يقتضيه مقام العبودية . ومنهم من يدعوهم من باب ملاحظة الأخلاق الرحمانية . ومنهم من يدعوهم من باب ملاحظة الأخلاق القهرية . ومنهم من يدعوهم من باب ملاحظة الأخلاق الإلهية ، وهو أرفع باب يدعى منه الخلق وأجله .

واعلم أن النبوة والولاية يشتركان في ثلاثة أشياء : الواحد في العلم من غير تعليم كسبي .

..................................................................................

شَيْئاً ) ، وقوله تعالى : هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً ( 1 ) [ الإنسان : الآية 1 ] أي قد أتى . واعلم أن العبودة : هي الوصف الذاتي للعبد ، وهو عين الافتقار أعني الإمكان ، والعبودية : هي عدم الغفلة عن مشاهدة العبودة ودوام ملاحظتها في كل حال ومقام وتجلي ومكاشفة ومشاهدة ومنزلة . والعبادة : هي الجري على ما تقتضيه العبودة . والفناء في العبودة : عبارة عن عدم مشاهدة الربوبية والتوجه للسوى بوجه من الوجوه ( ومنهم من يدعوهم من باب ملاحظة العبودية ) وهو أنزل من الأول ( و ) ملاحظة العبودية ( هو ) مشاهدة ( الذلة والافتقار وما يقتضيه مقام العبودية ) من الاحتياج وعدم الغنى ( ومنهم من يدعوهم من باب ملاحظة الأخلاق ) الجمالية اللطيفة ( الرحمانية ) مثل الشفقة والرحمة والرأفة والعفو والصفح والجود والعفة وأمثالها وإلى التخلق بها ( ومنهم من يدعوهم من باب ملاحظة الأخلاق ) الجلالية ( القهرية ) مثل الغضب للّه والغيرة للّه والتكبر على أعداء اللّه وأمثالها وإلى التخلق بها ( ومنهم من يدعوهم من باب ملاحظة الأخلاق الإلهية ) كلها سواء كانت جلالية أو جمالية ( وهو أرفع باب يدعى منه الخلق وأجله ) لأنه أوسع الأبواب وأشملها وأعمها ، من دخل منه فاز بتمام الصورة ، لأنه يدعى إلى جميع الأسماء .

( واعلم أن النبوة ) يعني نبوة التشريع التي هي النبوة الخاصة وقد ختمت برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، لا النبوة العامة التي هي باقية إلى زمن نزول عيسى عليه الصلاة والسلام ، وتختم به ( والولاية يشتركان في ثلاثة أشياء : الواحد ) في حصول ( العلم ) الحقي الغامض ( من غير تعليم كسبي ) كما هو ديدن أهل النظر بل من تعليم رباني لدني وهبي كما قال تعالى : وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً [ الكهف : الآية 65 ] وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ [ ص : الآية 20 ] وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ [ الأعراف : الآية 145 ] .

 

"200"

[ مطلب في الفرق بين الأنبياء والرّسل والأولياء وبيان عالم الخيال في عالم الحس ]

والثاني في الفعل بالهمة فيما جرت العادة أن لا يفعل إلا بالجسم ، أو لا قدرة للجسم عليه .

والثالث في رؤية عالم الخيال في عالم الحس .

...........................................................................

مطلب في الفرق بين الأنبياء والرّسل والأولياء وبيان عالم الخيال في عالم الحس ( والثاني في الفعل بالهمة فيما جرت العادة أن لا يفعل إلا بالجسم ) مثل تحريك حجر أو قلع شجر ( أو لا قدرة للجسم عليه ) مثل تحريك جبل ودكه وإجراء شطوط وتثوير رياح عاصفة .

( والثالث في رؤية عالم الخيال في عالم الحس ) بالبصر في اليقظة فإن النبي والولي يبصران عالم الخيال بالبصر في اليقظة ، كما نبصره نحن في المنام . اعلم أن الشيخ رضي اللّه تعالى عنه قد بسط القول في هذا المقام في كثير من كتبه والوقت لا يسع إلا لإيراد النزر اليسير منه ، وحيث كان الأمر على هذا فلا نورد من كلامه في هذا المقام إلا ما يكون كالشرح له بطريق الإجمال .

 

قال الشيخ رضي اللّه تعالى عنه : اعلم أن النبي هو الذي يأتيه الملك بالوحي من عند اللّه تعالى ، يتضمن ذلك الوحي شريعة يتعبده بها في نفسه ، فإن بعث بها إلى غيره كان رسولا ويأتيه الملك على حالتين : إما ينزل بها على قلبه على اختلاف أحواله في ذلك التنزل ، وإما على صورة جسدية من خارج يلقيها على أذنه فيسمع ، أو يلقيها على بصره فيبصر ، فيحصل له من النظر مثل ما يحصل له من السمع سواء ، وكذلك سائر القوى الحساسة ،

وهذا الباب قد أغلق برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فلا سبيل إلى أن يتعبد اللّه أحدا بشريعة ناسخة لهذه الشريعة المحمدية ، وإن عيسى عليه السلام إذا نزل ما يحكم إلا بشريعة محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وهو خاتم الأولياء فإنه من شرف محمد صلى اللّه عليه وسلم أن ختم اللّه تعالى ولاية أمته بنبي مكرم ختم به مقام الولاية ، فله يوم القيامة حشران : يحشر مع الرسل ، ويحشر معنا وليّا تابعا لمحمد صلى اللّه عليه وسلم ، وكرمه اللّه تعالى بهذا المقام على سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، وأما حالة أنبياء الأولياء في هذه الأمة فهو كل شخص أقامه الحق في تجل من تجلياته ، وأقام له مظهر محمد عليه الصلاة والسلام ، ومظهر جبرائيل عليه السلام ، فأسمعه ذلك المظهر الروحاني خطاب الأحكام لمظهر محمد عليه الصلاة والسلام ، حتى إذا فرغ

  

 

"201"

......................................................................

من خطابه عقل صاحب هذا المشهد جميع ما تضمنه ذلك الخطاب من الأحكام الظاهرة في هذه الأمة المحمدية عليه الصلاة والسلام ، فيأخذها هذا الولي كما أخذها المظهر المحمدي الذي حصل له في هذه الحضرة مما أمر به ذلك المظهر المحمدي من التبليغ لهذه الأمة ، فيرد إلى نفسه وقد وعى ما خاطب الروح به مظهر محمد عليه الصلاة والسلام ، وعلم صحته علم يقين بل عين ،

فأخذ حكم هذا النبي ويعمل به على بينة من ربه ، فرب حديث ضعيف قد ترك العمل به لضعف طريقه من أجل واضع كان في رواته ، يكون صحيحا في نفس الأمر ، ويكون هذا الواضع مما صدق في هذا الحديث ولم يضعه وإنما رده المحدث لعدم الثقة بقوله في نقله ، وذلك إذا انفرد به ذلك الواضع أو كان مدار الحديث عليه ، وأما إذا شاركه فيه ثقة سمعه معه قبل ذلك الحديث من طريق ذلك الثقة ،

وهذا الولي قد سمعه من الروح يلقيه على حقيقة محمد عليه الصلاة والسلام في كشفه ، فهو فيه مثل الصاحب الذي سمعه من فم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم علما لا يشك فيه ، بخلاف التابع فإنه يقبله على طريق غلبة الظن لارتفاع التهمة المؤثرة في الصدق ، ورب حديث يكون صحيحا من طرق رواته يحصل لهذا المكاشف الذي قد عاين هذا المظهر ، فسأل النبي صلى اللّه عليه وسلم عن هذا الحديث الصحيح فأنكره وقال لم أقله ولا حكمت به فيعلم ضعفه ، فيترك العمل به على بينة من ربه ،

وقد عمل بهذا أهل النقل لصحة طريقه ، وهو في نفس الأمر ليس كذلك ، وقد يعرف هذا المكاشف من وضع هذا الحديث الصحيح طريقه إما أن يسمى له أو يقام له صورة الشخص ، فهؤلاء هم أنبياء الأولياء ، ولا ينفردون بشريعة ولا يكون لهم الخطاب بها إلا بتعريف أن هذا هو شرع محمد صلى اللّه عليه وسلم ، ويشاهد التنزيل عليه بذلك الحكم في حضرة التمثيل الخارج عن ذاته والداخل المعبر عنه بالمباشرات في حق النائم ، غير أن الولي يشترك مع النبي في إدراك ما يدركه العامة في النوم في حال يقظته سواء ، وقد أثبت هذا المقام للأولياء أهل طريقتنا ، والفعل بالهمة والعلم من غير معلم غير اللّه ، وهو العلم اللدني ، فإن آتاه اللّه العلم بهذه الشريعة التي تعبده بها على لسان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بارتفاع الوسائط كان العلم اللدني ، ولم يكن من أنبياء هذه الأمة ، فلا يكون من يكون من الأولياء وارثا إلا على هذه الحالة الخاصة من مشاهدة الملك عند الإلقاء على حقيقة الرسول فافهم .

"202"

...............................................................

وقال رضي اللّه تعالى عنه : اعلم أن الهمة يطلقها القوم بإزاء تجريد القلب للمعنى ، ويطلقونها بإزاء أول صدق المريد ، ويطلقونها بإزاء جمع الهمم بصفاء الإلهام فيقولون :مطلب في الهمم وأقسامها الهمة على ثلاثة مراتب :

همة تنبيه ، وهمة إرادة ، وهمة حقيقة ،

فاعلم أن همة التنبيه هي تيقظ القلب لما تعطيه حقيقة الإنسان مما يتعلق به المنى ، سواء كان محالا أو ممكنا ، فهي تجرد القلب للمنى .

وأما همة الإرادة وهي أول صدق المريد ، فهي همة جمعية لا يقوم لها شيء ، وهذه الهمة توجد كثيرا في قوم يسمون بإفريقيا الغرابية يقتلون بها من يشاؤون ، فإن النفس إذا اجتمعت أثرت في أجرام العالم وأحواله ، ولا يعتاص عليها شيء حتى أرى من علم ذلك ممن ليس عنده كشف ولا قوة إيمان أن الآيات الظاهرة في العالم على أيدي بعض الناس إنما ذلك راجع إلى هذه الهمة ، ولها من القوة بحيث إن لها إذا قامت بالمريد أثرا في الشيوخ الكمل ، فيتصرفون فيهم بها ،

وقد يفتح على الشيخ في علم ليس عنده ولا هو مراد به بهمة هذا المريد الذي يرى أن ذلك عند هذا الشيخ ، فيحصل ذلك العلم في الوقت للشيخ بحكم العرض ليوصله إلى هذا الطالب صاحب الهمة ، إذ لا يقبله إلا منه .

وأما همة الحقيقة التي هي جمع الهمم بصفاء الإلهام ، فتلك همم الشيوخ الأكابر من أهل اللّه ، الذي جمعوا هممهم على الحق وصيروها همة واحدة لأحدية المتعلق هربا من الكثرة وطلبا لتوحيد الكثرة وللتوحيد ، فإن العارفين أنفوا من الكثرة لا من أحديتها ، في الصفات كانت أو في النسب أو في الأسماء . انتهى كلام الشيخ رضي اللّه تعالى عنه .

واعلم أن الإنسان من حيث تحققه بحقيقته التي هي نسخة العالم ، هو كل العالم ، لا بل هو كل الممكنات ، لا بل هو كل الأسماء ، وعلى هذا كل فرد من أفراد العالم بالنسبة إلى النفس الناطقة ، وكما أن النفس الناطقة تتصرف في بدنها وما هو تحت حيطته ، كذلك الإنسان المتحقق بحقيقته الجامعة للكل يتصرف في الكل ،

وههنا لطيفة وهو أن هذا المتحقق لا يتصرف في أمر من الأمور الآفاقية إلا من الوجه الذي ذلك الأمر به في الأنفس فافهم ،

فإنه سر لطيف وقد أدرك الفعل بالهمة ، أعني الهمة الثانية التي ذكرها الشيخ رضي اللّه تعالى عنه وهي همة الإرادة جماعة من

 

"203"

...........................................................................

علماء الهند يقال لهم أرباب الفكر والوهم وأخالهم الغرابية ، نقل محمد الشهرستاني عنهم أنهم يعظمون أمر الفكر ، ويقولون هو المتوسط بين المحسوس والمعقول ، فالصور في المحسوسات ترد عليه ، والحقائق من المعقولات ترد عليه أيضا ، فهو مورد العلمين في العالمين ، فيجتهدون كل الجهد حتى يصرفوا الوهم والفكر عن المحسوسات بالرياضة البليغة ، حتى إذا تجرد الفكر عن هذا العالم تجلى له ذلك العالم ، فيخبر عن المغيبات ، وربما يقوى على حبس الأمطار ، وربما يوقع الوهم على رجل حي فيقتله في الحال .

قال محمد الشهرستاني رحمه اللّه تعالى ، ولا يستبعد ذلك ، فإن للوهم آثرا عجيبا في التصرف بالأجسام والتصرف في النفوس ، أليس الاحتلام في النوم تصرف الوهم في الجسم ، أليس الرجل يمشي على جدار مرتفع ويسقط في الحال ، ولا يأخذ من عرض المسافة في خطواته سوى ما أخذه على الأرض المستوية ، والوهم إذا تجرد عمل الأعمال العجيبة ، ولقد كانت الهند تغمض عينها أياما كي لا يشغل الفكر والوهم بالمحسوسات ، ومع التجرد إذا اقترن به وهم آخر اشتركا في العمل خصوصا إذا كانا متفقين غاية الاتفاق ، ولهذا كانت عادتهم إذا دهمهم أمر أن يجتمع أربعون رجلا من المتدينين المخلصين المتفقين على رأي واحد في الإصابة فينجلي عنهم ذلك الأمر الذي يهمهم ، وهذا الذي نقله صاحب الملل والنحل عن أرباب الوهم هو السيمياء ، وهو على ثلاثة أنواع ، الواحد هو الذي ذكره محمد الشهرستاني ، وهي تربية الوهم بالرياضة ،

والثاني : لا يكون إلا عن حروف تذكر أو ترقم ، وإن فعلت بالتخيل فهو لاحق بالقسم الأول .

والثالث : ما يكون عن خاصية بخور ودم ، ولا تتوهم أن خوارق العادات التي تصدر عن الكمل من هذا القبيل ، فإن الأمر ليس كذلك لأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا يعلمون ما يصنع بهم ولا بأممهم ، ولا تصرف لهم في شيء من العالم أصلا ، لأنهم في أعلا درجات العبودية التي لا ينالها إلا من له مقام في النبوة ،

ولهذا قال الشيخ رضي اللّه تعالى عنه : ثبت أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « إن الرسالة والنبوة قد انقطعت ، فلا رسول بعدي ولا نبي » « 1 » الحديث .

فهذا الحديث أشد ما جرعت الأمة مرارته ، فإنه قاطع للوصلة بين الإنسان وبين عبوديته ، وإذا انقطعت الوصلة بين الإنسان وبين عبوديته من

...................................................

( 1 ) هذا الحديث سبق تخريجه .

 

 

"204"

..................................................................

أكمل الوجوه ، انقطعت الوصلة بين الإنسان وبين اللّه تعالى ، فإن العبد على قدر ما يخرج به من عبوديته ينقصه تقربه من سيده ، لأنه يزاحمه في مرتبته ، وأقل المزاحمة المزاحمة الإسمية فأبقى علينا اسم الولي ، وهو من أسمائه سبحانه ، وكان هذا الاسم قد نزعه من رسوله وخلع عليه أسماء أخر فسماه بالعبد والرسول ، ولا يليق باللّه أن يسمى بالرسول فهذا الاسم من خصائص العبودية انتهى .

 

وإذا كانت الأنبياء والرسل في أعلا مقامات العبودية ، وهو يقتضي عدم التصرف مطلقا إلا إذا أمروا ، وأما إذا خيروا ، فيقتضي عدم التصرف ، وإذا أمر وتصرف وكان في المحق وقد علمته وهو فناء العبد في الحق ، فيكون العبد باطن الحق والحق ظاهر العبد ، فلا يكون المتصرف إلا الحق كما قال : وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى [ الأنفال : الآية 17 ]

وإذا ظهرت خوارق العادات على يدي من هذه حاله ، فقد يعرفه اللّه تعالى إياه قبل وقوعه ، ويطلعه على سره وحكمته ، وقد لا يكون كذلك كعصى موسى عليه الصلاة والسلام ، فإنه خاف منها حين صارت حية تسعى ، عندما ألقاها ، ولذلك ولّى مدبرا ، وما كان خوفه عند مشاهدة عصي السحرة وحبالهم على صور الحيات لجهله بحقيقة حالهم ، وإنما كان لإشفاقه على من بعث إليهم أن يلتبس عليهم الأمر بحيث لا يفرقون بين انقلاب عصى موسى وانقلاب عصا السحرة فيتخيلون أن ما جاء به موسى عليه الصلاة والسلام من قبيل ما جاءت به السحرة ، ولما أشفق من ذلك قال له ربه تعالى : لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى [ طه :

الآية 68 ]

لأن ما جئت به تمثيل في العماء وهو الخيال المطلق ، وما جاءت به السحرة تمثيل في الخيال المقيد ، والخيال المطلق فوق الخيال المقيد ، لوجوه منها :

أنه علته ، ومنها : أنه أكمل منه لأنه الأمر المحقق ، ومنها : أنه فعل الحق وهو أول الأينيات الإلهية ، والدليل على أن ما جاءت به السحرة من قبيل التمثيل في الخيال المقيد قوله تعالى : سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ [ الأعراف : الآية 116 ]

ووصفه الحق سبحانه بالعظيم لأنه يماثل إيجاد الحق للعالم فهو من خواص الألوهية ، ولهذا يكفر الإنسان باعتقاد السحر أنه حق ، لأن الخلق لا يكون إلا للّه ، وإذا أضيف إلى غيره كانت إضافته باطلة ، وقد تكون خوارق العادات التي تصدر عن الأنبياء عليهم السلام من قبيل الخيال المقيد ، ولا دليل لمن حصر ، وقيد تكون من قبيل الخيال المطلق ، وهو الأكثر ، وإذا علمت هذا فاعلم : أن الفعل بالهمة هو أن صاحب الهمة إذا أراد

 

"205"

يفترقان بمجرد الخطاب . فإن مخاطبة الوليّ غير مخاطبة النبي . ولا تتوهّم

............................................................................

ظهور أمر ما في الخارج صور ذلك الأمر في نفسه ، وقابل ذاته بمرآة العماء الذي هو الخيال المطلق ، فينطبع ما في نفسه بمرآة العماء ، فيوجد في الخارج ، ولكن متى ما غفل عنه عدم ، وقد يقابل ذاته بمرآة الخيال المقيد فافهم . قال الشيخ رضي اللّه تعالى عنه : بالوهم يخلق كل إنسان في قوة خياله ما لا وجود له إلا فيها ، وهذا هو الأمر العام ، والعارف يخلق بالهمة ما يكون له وجود من خارج محل الهمة ، ولكن لا تزال الهمة تحفظه ولا يؤودها حفظه ، أي حفظ ما خلقته ، فمتى طرأت غفلة على العارف عن حفظ ما خلق عدم ذلك المخلوق ، إلا أن يكون العارف قد ضبط جميع الحضرات وهو لا يغفل مطلقا ، بل لا بد له من حضرة يشهدها ، فإذا خلق العارف بهمته ما خلق وله هذه الإحاطة ، ظهر ذلك الخلق بصورته في كل حضرة ، وصارت الصور تحفظ بعضها بعضا ، فإذا غفل العارف عن حضرة ما أو عن حضرات ، وهو شاهد حضرة ما من الحضرات حافظ لما فيها من صورة خلقه ، انحفظت جميع الصور بحفظ تلك الصورة الواحدة في الحضرة التي ما غفل عنها ، لأن الغفلة ما تعم قط لا في العموم ولا في الخصوص . انتهى كلام الشيخ رضي اللّه تعالى عنه .

 

وبعد أن علمت أن النبوة والولاية يشتركان فيما ذكرناه فاعلم أنهما ( يفترقان بمجرد الخطاب فإن مخاطبة الوليّ غير مخاطبة النبي ) لأن الولي يخاطب من وراء ظهره بمتابعته ، والنبي يخاطب من بين يديه بحكم الأصل لا بالتبعية ، والولي يخاطب من خلف حجاب نبيه والنبي يخاطب بلا حجاب أي بلا واسطة نبي آخر ، فمخاطبة الأنبياء عليهم السلام شهادة ، ومخاطبة الأولياء غيب .

واعلم أن هذا الاشتراك والافتراق إنما هو بين ولاية الأولياء الأتباع والنبوة لا بين ولاية الأنبياء والنبوة ، وعلى هذا فنبوة الأنبياء عليهم السلام أفضل من ولاية أتباعهم بلا شك ، لأنهم ما حصلوها إلا من اتباعهم الأنبياء من حيث هم أنبياء ، والتابع لا يلحق درجة المتبوع أبدا ، لأن الترقي يصحبه في جميع المواطن مع الآنات ، وأما ولاية الأنبياء فهي أفضل من نبوتهم ، لأن ولايتهم هي الوجه الذي لهم إلى الحق ، ونبوتهم هي الوجه الذي لهم إلى الخلق ، ولأن اللّه تعالى تسمى بالولي وما تسمى بالنبي والرسول ، فهي أي الولاية لا تنقطع لا في الدنيا ولا في البرزخ ، وأما في الجنة فهي فيها إلى أبد الآباد ، بخلاف النبوة فإنها تنقطع بانقطاع الدنيا ، ولا حكم لها في البرزخ ولا في الجنة لأن محل التكليف هو الدنيا لا غير ( ولا تتوهّم

 

"206"

أن معارج الأولياء على معارج الأنبياء ليس الأمر كذلك ، لأن المعارج تقتضي أمورا ، ولو اشتركوا فيها بحكم العروج عليها لكان للوليّ ما للنبي ، وليس الأمر عندنا على هذا ، وإن اجتمعا في الأصول وهي المقامات . لكن معارج الأنبياء بالنور الأصلي ومعارج الأولياء بما يقتضي من النور الأصلي . وإن جمعهما مقام التوكل ، فليست الوجوه متحدة ، والفضل ليس في نفس الحصول ،

..................................................................

أن معارج الأولياء على معارج الأنبياء ليس الأمر كذلك ، لأن المعارج تقتضي أمورا ) عامة لتشمل جميعها ، وتقتضي أمورا يختص كل واحد منها بما يمتاز عن غيره ، ولا يصح أن تشترك المعارج في هذه الأمور المميزة

( ولو اشتركوا بها بحكم العروج عليها ) لما امتازت المعارج عن بعضها و ( لكان للوليّ ما للنبي وليس الأمر عندنا على هذا ) لأن التابع من حيث هو تابع لا يحصل له مقام المتبوعية أصلا وما هو ولي إلا من حيث هو تابع ، فولايته عين تابعيته ، ولو كان يعرج من حيث هو ولي لكان التابع يصح أن يكون في مرتبة المتبوع من حيث إنه تابع ، فالفرق بين النبي والولي هو الفرق بين التابع والمتبوع ، فلا جامع بين النبي والولي من هذه الحيثية ( وإن اجتمعا في الأصول وهي المقامات ) مثل الإسلام والإيمان والإحسان والتوكل والرضا والتسليم وأخواتها ( لكن معارج الأنبياء بالنور ) أي العلم الوهبي ( الأصلي ) أي المفاض عليهم بحكم الأصل لا بالتبعية ، وما هم أنبياء إلا بالعروج بهذا النور

( ومعارج الأولياء بما يقتضي ) استعداد مقام الولاية ( من النور الأصلي ) أن يحصل لمن قام فيه ، فليس لمقام الولاية من النور الأصلي إلا حصة ، عينها استعداد مقام الولاية لا غير ، واستعداد مقام الولاية مجعول بالكسب ، فما يعرج الولي إلا بقدر ما يحصل له من النور الأصلي المناسب لكسبه ، وإنما كان العروج بالنور لأن معارج الحق مظلمة بالنسبة إلى أبصار العارفين ، وهذا النور هو العلم الوهبي ينورها لهم ، وهو يوهب للأنبياء من غير استعداد ، ولهذا كانت النبوة غير مكتسبة ، وهو القول الصحيح ، وهو مذهب الشيخ رضي اللّه تعالى عنه ، ويوهب للأولياء بواسطة استعدادهم المكتسب بالأعمال التي أخذوها عن الأنبياء فقط ، فلا دخل لأعمال الفكر في حصول هذا الاستعداد ، فالولاية مكتسبة من حيث الأعمال الشرعية غير مكتسبة من حيث الأعمال الفكرية

( وإن جمعهما ) أي الأولياء والأنبياء ( مقام التوكل ) مثلا ( فليست الوجوه ) التي لهذا المقام ( متحدة ) حتى يكون كل متوكل في رتبة واحدة بل مختلفة متفاوتة متفاضلة ( والفضل ) بين أرباب المقام ( ليس في نفس الحصول ) في ذلك المقام لأنه لا يصح ، لأنه أعني

 

"207"

وإنما هو في الوجوه ، والوجوه راجعة للمتوكلين ، وهكذا في كل حال ومقام ، من فناء وبقاء وجمع وفرق واصطلام وانزعاج وغير ذلك .

.........................................................................

المقام من حيث هو ذلك المقام واحد ( وإنما هو في الوجوه ) المنزلة إلى الحاصلين فيه ( والوجوه راجعة للمتوكلين ) فتفاضل بتفاضل المتوكلين ، أين توكل الجنيد من توكل الصحابة رضي اللّه عنهم ؟ وأين توكل بعض الصحابة من توكل الخلفاء الأربعة ؟ وأين توكل الصحابة بل وجميع الرسل من توكل سيد ولد آدم صلى اللّه عليه وسلم ؟ ( وهكذا ) الأمر ( في كل حال ومقام ) وقد عرفتهما ( من فناء ) وقد عرفت بعض أنواعه ( وبقاء ) وقد عرفته ( وجمع وفرق واصطلام وانزعاج ) وستعرفها إن شاء اللّه ( وغير ذلك ) مثل الوصل والفصل والأنس والهيبة وأخواتهما .

مطلب في بيان الجمع وجمع الجمع قال الشيخ رضي اللّه تعالى عنه : الجمع عندنا أن تجمع ما له عليه مما وصفت به نفسك من نعوته وأسمائه ، وتجمع ما لك عليك مما وصف الحق به نفسه من نعوتك وأسمائك ، فتكون أنت أنت وهو هو .

وجمع الجمع : أن تجمع ما له عليه وما لك عليه فيرجع الكل إليه وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ [ هود : الآية : 123 ] أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ [ الشّورى : الآية 53 ]

فما في الكون إلا أسماؤه ونعوته ، غير أن الخلق ادعوا بعض تلك الأسماء والنعوت ومشى الحق دعواهم في ذلك ، فخاطبهم بحسب ما ادعوه ، فمنهم من ادعى في الأسماء المخصوصة به تعالى في العرف ، ومنهم من ادعى ذلك في النعوت الواردة في الشرع مما لا يليق عند علماء الرسوم إلا بالمحدثات ، وأما طريقنا فما ادعينا في شيء من ذلك كله ، بل جمعناها عليه ، غير أنا نبهنا أن تلك الأسماء حكم آثار استعداد أعيان الممكنات فيه ، وهو سر خفي لا يعرفه إلا من عرف أن الحق هو عين الوجود ، وإن أعيان الممكنات على حالها ما تغير عليها وصف في عينها ، ويكفي العاقل السليم العقل قولهم الجمع ، فإنه لفظ مؤذن بأكثره ، والتميز بين الأعيان الكثيرة فمن حيث التميز كان الجمع عين التفرقة ، وليست التفرقة عين الجمع إلا تفرقة أشخاص الأمثال ، فإنه جمع وتفرقة معا ، فإن الحد والحقيقة تجمع الأمثال كالإنسانية ، وأشخاص ذلك النوع يتصفون بالتفرقة ، فزيد ليس بعمرو وإن كان كل واحد منهما إنسانا ، وهكذا جميع الأمثال وأشخاص النوع الواحد ،

قال تعالى : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [ الشّورى : الآية 11 ]

على وجوه كثيرة ، قد علم اللّه تعالى ما يؤول إليه قول كل متأول في هذه الآية وأعلاها قولا أي

  

 

"208"

.............................................................

ليس في الوجود شيء يماثل الحق أو هو مثل الحق إذ الوجود ليس غير عن الحق ، فما في الوجود شيء سواه يكون مثلا له وخلاف هذا ما لا يتصور ، فإن قلت فهذه الكثرة المشهودة قلنا : هي نسب أحكام استعدادات الممكنات في عين الوجود الحق ، والنسب ليست أعيانا ولا أشياء وإنما هي أمور عدمية بالنظر إلى حقائق النسب ، فإذا لم يكن في الوجود شيء سواه فليس مثله شيء لأنه ليس ثم فافهم وتحقق ما أشرنا إليه ، فإن أعيان الممكنات ما استفادت إلا الوجود والوجود ليس غير الحق ، لأنه يستحيل أن يكون أمرا زائدا ، ليس الحق لما يعطيه الدليل الواضح ، فما ظهر في الوجود بالوجود إلا الحق ، فالوجود الحق وهو واحد فليس ثم شيء هو له مثل ، لأنه لا يصح أن يكون ثم وجودان مختلفان ومتماثلان ، فالجمع على الحقيقة كما قررناه أن يجمع الوجود عليه فيكون هو عين الوجود ، ويجمع حكم ما ظهر من العدد والتفرقة على أعيان الممكنات لأنها عين استعداداتها ، فإذا علمت هذا فقد علمت معنى الجمع وجمع الجمع ، ووجود الكثرة في العين الواحدة ، وألحقت الأمور بأصولها وميزت بين الحقائق ، وأعطيت كل شيء حكمه كما أعطى الحق كل شيء خلقه ، فإن لم تفهم الجمع كما ذكرناه فما عندك خبر منه .

وقال رضي اللّه تعالى عنه : اعلم أن أصل الأشياء كلها التفرقة ، وأول ما ظهرت في الأسماء الإلهية فتفرقت أحكامها لتفرق معانيها ، حتى لو نظر الإنسان فيها من حيث دلالتها كلها على العين مع الفرقان المعلوم بين معانيها الذي يعقل فيها من أنه سميت هذه العين بكذا لكذا ولا سيما إذا كانت الأسماء تجري مجرى النعوت على طريق المدح ، فالتفرقة أظهر وبالتفرقة تعرّف إلينا سبحانه

فقال : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [ الشّورى : الآية 11 ]

وقال : أَ فَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ [ النّحل : الآية 17 ]

ففرق بين من يخلق ومن لا يخلق ، وحدود الأشياء أظهرت التفرقة بين الأشياء ، وبالتفرقة ظهرت المقامات والأحوال ، وكثرت مراتب الخلق وتميزت بها ، فللّه ثمانون عبدا حققهم بحقائق الإيمان ، وللّه مائة عبد حققهم بحقائق النسب الإلهية والأسماء ، وللّه ستة آلاف عبد أو يزيدون حققهم بحقائق النبوة المحمدية ، وللّه ستمائة عبد حققهم بحقائق الأخلاق الإلهية ، ففرق سبحانه بين عباده بالمراتب ، وعين الجمع هو عين التفرقة إذ هو دليل على الكثرة ، وإنما سمي جمعا من أجل العين الواحدة التي تجمع هذه الكثرة .

 

"209"

................................................................

مطلب في بيان الاصطلام وهو الجذب وقال رضي اللّه تعالى عنه : الاصطلام في اصطلاح القوم وله يرد على القلب سلطانه قوي ، فيسكن من قام به تحته ، وهو أن العبد إذا تجلى له الحق في سره في صورة الجمال أثر في نفسه هيبته ، فإن الجمال نعت الحق ، والهيبة نعت العبد ، والجلال نعت الحق ، والأنس نعت العبد ،

فإذا اتصف العبد بالهيبة لتجلي الجمال ، فإن الجمال مهوب أبدا كان للهيبة أثر في القلب وخدر في الجوارح ، وحكم ذلك الأثر اشتعال نار الهيبة ، فيخاف لذلك سطوته فيسكن ، وعلامته فيه في الظاهر خدر الجوارح وموتها ،

فإن تحرك من هذا صفته فحركته دورية حتى لا يزول عن موضعه ، فإنه يخيل له أن تلك النار محيطة به من جميع الجهات ، فلا يجد منفذا فيدور في موضعه كأنه يريد الفرار منه إلى أن يخف ذلك عنه بنعت آخر يقوم به ، وهو حال ليس هو بمقام ،

ولما كان هذا الاصطلام نعت الشبلي كان يدور لضعفه وخوفه غير أن اللّه تعالى كان له به عناية فكان يرد إلى إحساسه في أوقات الصلوات ، فإذا أدى صلاة الوقت غلب عليه سلطان الاصطلام ،

فقيل : للجنيد عنه ، فقال : أيرد في أوقات الصلوات فقيل : نعم . قال الحمد للّه الذي لم يجر عليه لسان ذنب ، فما أحسن قول الجنيد لسان ذنب فإنه أخيذ وليس بصاحب ذنب ، والغريب يشهده تاركا للصلاة .

ومن أعجب حكم الاصطلام الجمع بين الضدين ، فإن الخدر يبقي الحركة ، فهو مخدور الجوارح متحرك ، بل هو محرك يدار به ، وهو صاحب خدر هكذا يحس من نفسه .

وقال رضي اللّه عنه : الانزعاج عند الطائفة حال انتباه القلب من سنة الغفلة والتحرك للأنس والوجد ، فالانزعاج حكم العلة على هذا أي العلة أورثته هذا الانزعاج ، وهو اندفاع النفس من حالها إلى أصلها الذي خرجت عنه ، لأنه من ذلك الأصل دعاها ، والأصل ظاهر فهو اندفاع بشدة وقوة ، ولهذا الانزعاج أسباب مختلفة ، منهم من تزعجه الرغبة ، ومنهم من تزعجه الرهبة ، ومنهم من يزعجه التعظيم . انتهى كلام الشيخ رضي اللّه تعالى عنه ، وكلامه في حال الانزعاج في غاية البسط ، وما أوردناه منه مثل الأم له .

 

"210"

[ مطلب في بيان من يأخذ عن اللّه ، ومن يأخذ عن الروحانية ]

واعلم أن كل وليّ للّه ، فإنه يأخذ كل ما يأخذه بواسطة روحانية نبيّه الذي هو على شريعته ، ومن ذلك المقام يشهد . فمنهم من يعرف ذلك ، ومنهم من لا يعرفه ، ويقول : قال لي اللّه ، وليس غير تلك الروحانية . وهنا أسرار لطيفة ، تضيق هذه الأوراق عنها ، لما أردناه من التقريب والاختصار .

........................................................................

مطلب في بيان من يأخذ عن اللّه ، ومن يأخذ عن الروحانية ( واعلم أن كل وليّ للّه فإنه يأخذ كل ما يأخذه ) عن اللّه بلا واسطة بحسب الظاهر وعن اللّه ( بواسطة روحانية نبيّه الذي هو على شريعته ، ومن ذلك المقام ) أي مقام الأخذ عن اللّه بواسطة الرسول ( يشهد ) الولي الحق فالولي لا يشهد الحق إلا بعين نبيه ، ونبيه يشهد الحق بعينه أي بعين الحق من حيث إنه هويته ( فمنهم ) أي الأولياء ( من يعرف ذلك ) أي أنه لا يأخذ عن اللّه إلا بواسطة روحانية نبيه وهم الكمل من الورثة ( ومنهم من لا يعرفه ، ويقول : قال لي اللّه ، وليس ) القائل له ( غير تلك الروحانية ) التي هي روحانية نبيّه . ( وهنا أسرار لطيفة تضيق هذه الأوراق عنها لما أردناه من التقريب والاختصار ) ونحن نورد نبذة منها إن شاء اللّه تعالى .

اعلم أن اللّه سبحانه وتعالى أوجد الأشياء على نحوين ، فمن الواحد تقول : ما أوجدها إلا عند الأسباب لمشاهدتك صدور بعضها عن بعض ، لأن اللّه تعالى أول ما خلق حقيقة محمد صلى اللّه عليه وسلم بلا واسطة ، ثم خلق بها العقل الأول ، وبه النفس وبها الطبيعة وهكذا إلى آخر التعينات ، وخلق حواء وآدم والنبيين منهما ومن بعضهم ، وهكذا سائر المخلوقات . ومن الآخر تقول : بل خلق الجميع بلا واسطة ، لأن الأسباب لها جهة من حيث هي ، وهي بها مفتقرة محتاجة ، لا فعل لها ولا أثر ولا قدرة ، وهي من هذه الجهة معدومة ، ولها وجه من حيث باريها وهو الوجه الخاص الذي للحق في كل موجود ، وقوله : كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [ القصص : الآية 88 ] يعني به هذا الوجه ، وفعل الأسباب وتأثيرها من هذا الوجه لا غير ، وهو ليس لها بوجه من الوجوه ، لأنه لو كان لها لكان عندها ولو كان عندها لهلك لقوله : ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ [ النّحل : الآية 96 ] وقد صح أن كل وجه هالك إلا وجهه وهو قوله : وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ [ النّحل : الآية 96 ]

وعلى الوجه الأول لا يأخذ عن اللّه بلا واسطة إلا رسولنا صلى اللّه عليه وسلم لأنه سيد العبيد والعبد المقرب الذي يدخل الخلوة الخاصة بالملك ، وهو قوله : « لي مع الله وقت » « 1 »

 ..........................................................

( 1 ) شرح سنن ابن ماجة ( باب ذكر التوبة ، 1 / 313 ، حديث رقم 4239 ) .

 

"211"

[ مطلب في بيان الوراثة المطلقة ]

غير أن الأولياء من أمة محمد صلى اللّه عليه وسلم الجامع لمقامات الأنبياء ،

............................................................

الحديث وجميع ما عداه من الآخذين لا يأخذون ما يأخذونه إلا بواسطة ، وهم متفاوتون في الأخذ ، فمنهم من يأخذ عنه بلا واسطة وهم الأنبياء والرسل بأجمعهم ، والكمل من ورثته من التابعين من أمته وجميع صحبه رضوان اللّه وصلواته عليهم أجمعين . ومنهم من يأخذ عنه بالواسطة وهم ما عدا هؤلاء ، وهؤلاء يتفاوت أخذهم بحسب تفاوت الوسائط في الشرف والقدر ، وعلى الوجه الثاني ما أخذ من أخذ إلا عن اللّه لا عن غيره ، وهو الأخذ عن الوجه الخاص فقط لغير محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وعنه مع الأخذ برفع الوسائط لمحمد صلى اللّه عليه وسلم ، لأن الوجه الخاص لا يكون إلا في الأسباب ، ولهذا لما رقى الشيخ رضي اللّه تعالى عنه منبر الخلافة والوراثة الكبرى المحمدية الختمية الكمالية بسط له على المنبر كم ثوب أبيض حتى لا يباشر الموضع الذي باشره صلى اللّه عليه وسلم من غير حائل فافهم ترشد .

 

مطلب في بيان الوراثة المطلقة ( غير أن الأولياء من أمة محمد صلى اللّه عليه وسلم ) الذي هو مقدم الجماعة كما علمت وأمير ديوان العالم وسيد ولد آدم ( الجامع لمقامات الأنبياء ) بمقامه الختمي الكلي الجمعي الإحاطي ، كما أنه الجامع لأرواحهم بروحه الكلي وحقائقهم بحقيقته الكلية ، وأجسامهم بجسمه الكلي . فالمقامات والأرواح والحقائق والأجسام بأجمعها تفصيل حقيقته وجسمه وروحه ومقامه ، لأن حقيقة كل نبي وروحه ومقامه وجسمه مجموع حقائق أمته وأرواحهم وأجسامهم ومقاماتهم قال اللّه تعالى :إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً[ النّحل : الآية 120 ] يعني جماعة وإلى جمع مقام كل نبي مقامات أمته أشار الشيخ رضي اللّه تعالى عنه بقوله : حكمة قتل الأنبياء من أجل موسى عليه السلام لتعود إليه بالإمداد حياة كل من قتل من أجله لأنه قتل على أنه موسى ، وما ثم جهل فلا بد أن يعود حياته على موسى أعني حياة المقتول من أجله ، وهي حياة طاهرة على الفطرة ، ثم لم تدنسها الأغراض النفسية بل هي على فطرة بلى ، فكان موسى مجموع حياة من قتل على أنه هو ، فكل ما كان مهيأ لذلك المقتول مما كان استعداد روحه له كان لموسى عليه السلام ، فإن قلت ما نقلته من كلام الشيخ رضي اللّه تعالى عنه لا يدل إلا على حصول ذلك لموسى عليه السلام فقط لقوله : يعيده . وهذا اختصاص إلهي بموسى ولم يكن لأحد قبله قلت : المشار إليه بقوله : وهذا هو حصول كمالات من قتل لموسى لا نفس استعداد روحه لذلك الحصول ، وغرضي من إيراد كلام الشيخ

 

 

"212"

قد يرث الواحد منهم موسى عليه السلام ، ولكن النور المحمدي لا النور الموسوي ، فيكون حاله من حال محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وحال موسى منه .

وربما يظهر من ولي عند موته ملاحظة موسى ، فيتخيل العامي أو من لا معرفة له أنه قد تهوّد أو تنصّر ، لكونه يذكر هؤلاء الأنبياء عند موته ، وإنما ذلك من قوة المعرفة الحاصلة له بمقامه ومن قوة الاتّصاف به .

.............................................................................

رضي اللّه تعالى عنه إثبات هذا الاستعداد فافهم . وإذا علمت هذا علمت أن نسبة محمد صلى اللّه عليه وسلم إلى سائر الأنبياء كنسبة الأنبياء عليهم السلام إلى أممهم فكما أن كل نبي مجموع أمته كذلك محمد صلى اللّه عليه وسلم هو مجموع الأنبياء ، فالأنبياء كالأجزاء الأولى ، وأممهم مثل الأجزاء الثواني ، وعلماء أمة محمد في صف الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، فهم مثل الأجزاء الأول لأنهم كأنبياء بني إسرائيل . وإذا علمت هذا علمت أو أولياء أمة محمد صلى اللّه عليه وسلم ( قد يرث الواحد منهم موسى عليه السلام ، ولكن ) من حيث اندرج النور الموسوي في ( النور المحمدي ) حقيقة ومقاما وروحا وجسما اندراج نور الكواكب في نور الشمس ( لا ) من حيث إن ( النور الموسوي ) ممتاز عن النور المحمدي بحسب الظهور الزماني القاضي بتميز الشرائع لاختلافها باختلافه وعلى هذا ( فيكون حاله ) أي حال الذي يرث موسى المكتسب ( من ) مطلق ( حال محمد صلى اللّه عليه وسلم ) ويكون من أمته ( وحال موسى منه ) أي من حال محمد صلى اللّه عليه وسلم .

( وربما يظهر من ولي ) من الأولياء الذين هم غير ورثة محمد صلى اللّه عليه وسلم ( عند موته ملاحظة ) صورة ( موسى عليه السلام ) إن كان من ورثته وعيسى عليه السلام إن كان من ورثته بذكره لموسى عليه السلام أو عيسى ( فيتخيل العامي أو من لا معرفة له ) بطريق الورثة من أهل اللّه مثل بعض الصوفية والعباد والزهاد والفقهاء وأرباب الحديث والكلام ( أنه قد تهوّد أو تنصّر لكونه يذكر هؤلاء الأنبياء عند موته ، وإنما ذلك من قوة المعرفة الحاصلة له بمقامه ومن قوة الاتّصاف به ) أي بمقامه قال الشيخ رضي اللّه تعالى عنه : إن أهل اللّه تعالى إذا حضرتهم الوفاة فلا بد لهم من مشاهدة اثنى عشر صورة كلها أو بعضها لا بد من ذلك هن صورة العمل ، وصورة العلم ، وصورة الاعتقاد ، وصورة المقام ، وصورة الرسول وصورة الملك ، وصورة اسم من أسماء الأفعال ، وصورة اسم من أسماء الصفات ، وصورة اسم من أسماء النعوت ، وصورة اسم من أسماء التشبيه ، وصورة اسم من أسماء التنزيه ، وصورة اسم من أسماء الذات ، وكان الأولى أن تكون هذه كلها أعني السور بالسين ، فإنها منازل إلا أنها لما تجسدت المعاني

 

"213"

إلا القطب فإنه على قدم محمد صلى اللّه عليه وسلم .

......................................................................

وظهرت بالأشكال والمقادير ، لذلك تصورت صورا بالصاد إذا كان الشهود بالبصر ، في أول مرتبة من مراتب البرزخ ، الذي هو علم الخيال الصحيح ، الذي لا يدخله ريب ولا مين ، ما هو الخيال الذي هو القوة التي للإنسان في مقدم دماغه بل هو الخيال الخارج ، وهي حضرة مستقلة وجودية صحيحة ذات صور جسدية تلبسها المعاني والأرواح .

وقال رضي اللّه تعالى عنه : ومنهم يعني من الأولياء من يتجلى له عند الاحتضار رسوله الذي ورثه إذ كان العلماء ورثة الأنبياء فيرى عيسى عليه السلام عند احتضاره أو موسى أو محمدا أو أي نبي كان على جميعهم الصلاة والسلام ، فمنهم من ينطق باسم ذلك النبي الذي ورثه عندما يأتيه فرحا به لأن الرسل كلهم سعداء فيقول عند الاحتضار : عيسى أو يسميه المسيح كما سماه اللّه تعالى وهو الأغلب فيسمع الحاضرون هذا الولي يتلفظ بمثل هذه الكلمة فيسيؤون الظن به وينسبونه إلى أنه تنصر عند الموت وأنه سلب عنه الإسلام ، ومن يسمي موسى أو بعض أنبياء بني إسرائيل فينسب إلى اليهودية وهو من أكبر السعداء عند اللّه تعالى ،

فإن هذا المشهد لا تعرفه العامة بل يعرفه أهل اللّه تعالى من أرباب الكشوف ، وإن كان ذلك الأمر الذي هو فيه اكتسبه من دين محمد عليه الصلاة والسلام ، ولكن ما ورث منه هذا الشخص إلا أمرا مشتركا كان لنبي قبله وهو قوله :أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ[ الأنعام : الآية 90 ]

فلما كانت الصورة مشتركة جلى الحق له صاحب تلك الصورة في النبي الذي كانت له تلك الصفة التي شاركه فيها محمد عليه الصلاة والسلام مثل قوله : « أقم الصلاة لذكرى » ولذلك يتميز ذلك الشخص بظهور من ورثه من الأنبياء عن من ورث غيره ، فلو تجلى في صورة محمدية عليه الصلاة والسلام التبس عليه بالشخص الذي ورث محمدا عليه السلام فيما اختص به دون غيره من الرسل . انتهى كلام الشيخ رضي اللّه تعالى عنه .

واعلم أن هذا الحال سار في جميع الأولياء الذين يرثون سائر الأنبياء .

مطلب في بيان القطب ( إلا القطب ) الغوث ( فإنه ) لا تتجلى له عند احتضاره إلا صورة محمد صلى اللّه عليه وسلم لأنه على قلب محمد أي على قدمه ، وستعلم معنى ذلك إن شاء اللّه وكلام الشيخ رضي اللّه تعالى عنه في هذا المحل نص في أن القطب على قلب محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وقد صرح في مواضع بخلافه .

 

 

"214"

................................................................

مطلب في بيان من يأخذ عن اللّه ، ومن يأخذ عن الروحانية ( واعلم أن كل وليّ للّه فإنه يأخذ كل ما يأخذه ) عن اللّه بلا واسطة بحسب الظاهر وعن اللّه ( بواسطة روحانية نبيّه الذي هو على شريعته ، ومن ذلك المقام ) أي مقام الأخذ عن اللّه بواسطة الرسول ( يشهد ) الولي الحق فالولي لا يشهد الحق إلا بعين نبيه ،

ونبيه يشهد الحق بعينه أي بعين الحق من حيث إنه هويته ( فمنهم ) أي الأولياء ( من يعرف ذلك ) أي أنه لا يأخذ عن اللّه إلا بواسطة روحانية نبيه وهم الكمل من الورثة ( ومنهم من لا يعرفه ، ويقول : قال لي اللّه ، وليس ) القائل له ( غير تلك الروحانية ) التي هي روحانية نبيّه . ( وهنا أسرار لطيفة تضيق هذه الأوراق عنها لما أردناه من التقريب والاختصار ) ونحن نورد نبذة منها إن شاء اللّه تعالى .

 

اعلم أن اللّه سبحانه وتعالى أوجد الأشياء على نحوين ، فمن الواحد تقول : ما أوجدها إلا عند الأسباب لمشاهدتك صدور بعضها عن بعض ، لأن اللّه تعالى أول ما خلق حقيقة محمد صلى اللّه عليه وسلم بلا واسطة ، ثم خلق بها العقل الأول ، وبه النفس وبها الطبيعة وهكذا إلى آخر التعينات ، وخلق حواء وآدم والنبيين منهما ومن بعضهم ، وهكذا سائر المخلوقات .

ومن الآخر تقول : بل خلق الجميع بلا واسطة ، لأن الأسباب لها جهة من حيث هي ، وهي بها مفتقرة محتاجة ، لا فعل لها ولا أثر ولا قدرة ، وهي من هذه الجهة معدومة ، ولها وجه من حيث باريها وهو الوجه الخاص الذي للحق في كل موجود ،

وقوله : كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [ القصص : الآية 88 ] يعني به هذا الوجه ، وفعل الأسباب وتأثيرها من هذا الوجه لا غير ، وهو ليس لها بوجه من الوجوه ، لأنه لو كان لها لكان عندها ولو كان عندها لهلك لقوله : ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ [ النّحل : الآية 96 ]

وقد صح أن كل وجه هالك إلا وجهه وهو قوله : وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ [ النّحل : الآية 96 ]

وعلى الوجه الأول لا يأخذ عن اللّه بلا واسطة إلا رسولنا صلى اللّه عليه وسلم لأنه سيد العبيد والعبد المقرب الذي يدخل الخلوة الخاصة بالملك ، وهو قوله : « لي مع الله وقت » « 1 »

 ...............

( 1 ) أورده العجلوني في كشف الخفاء ، حديث رقم ( 2015 ) طبعة دار الكتب العلمية .

 

"215"

ولقد لقينا رجالا على قلب عيسى عليه السلام ، منهم أول شيخ لقيته ، ورجالا على قلب موسى عليه السلام ، وآخرين على قلب إبراهيم ، وغيرهم عليهم السلام . ولا يعرف هذا إلا أصحابنا .

........................................................

وقال : « لو كان موسى حيّا لما وسعه إلا أن يتبعني » « 1 » . وقال : « أنا سيد ولد آدم » « 2 » وأخبر أن جميع الأنبياء تحت لوائه يوم القيامة » وأمثال ذلك مما يدل على أنه صلى اللّه عليه وسلم إمام الأئمة ، ومقدم الجماعة ، ومبدأ الكلمات ، ومنبع العلوم ، ومطلع الأنوار ، ومخزن الأسرار في عالم الأرواح قبل وجوده العنصري وعنده وبعده ، وستعلم ذلك عن قريب إن شاء اللّه .

( ولقد لقينا رجالا على قلب عيسى عليه السلام ، منهم أول شيخ لقيته ، ورجالا على قلب موسى عليه السلام ، وآخرين على قلب إبراهيم ، وغيرهم عليهم السلام ، ولا يعرف هذا ) أي لا يعرف أن القطب على قلب محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وأن باقي الجماعة على قلب باقي الأنبياء ، وأن صورهم تتجلى لهم عند الموت كما قررناه ( إلا أصحابنا ) الكمل من الورثة أصحاب الحقائق والكشف التام ، وأما غيرهم فلا يعرف ذلك على الوجه الذي قررناه .

قال الشيخ رضي اللّه تعالى عنه : اعلم أن من رحمة اللّه تعالى بخلقه أن جعل على كل قدم نبي وليّا وارثا له ، فما زاد فلا بد أن يكون في كل عصر مائة ألف ولي وأربعة وعشرون ألف ولي على عدد الأنبياء ويزيدون ولا ينقصون ، فإن زادوا قسم اللّه تعالى علم ذلك النبي على من ورثه ، فإن العلوم المنزلة على قلوب الأنبياء عليهم السلام لا ترتفع من الدنيا ، وليس لها إلا قلوب الرجال فتقسم عليهم بحسب عددهم ، فلا بد أن يكون في الأمة من الأولياء على عدد الأنبياء وأكثر من ذلك ، روينا عن الخضر عليه السلام أنه قال : ما من يوم حدثت فيه نفسي أنه ما بقي ولي

.............................................................

( 1 ) يشير إلى قول النبي صلى اللّه عليه وسلم عن جابر بن عبد اللّه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا ، فإنكم إما أن تصدّقوا بباطل ، أو تكذبوا بحق فإنه لو كان موسى حيّا بين أظهركم ، ما حلّ له إلى أن يتبعني » . رواه أحمد في المسند ، حديث رقم ( 14642 ) ، طبعة ار الكتب العلمية .

( 2 ) رواه مسلم في صحيحه ، كتاب الفضائل ، باب تفضيل نبيّنا على جميع الخلائق حديث رقم ( 3 - 2278 ) ونصه : عن أبي هريرة ، قال : قال رسول اللّه : « أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ، وأول من ينشق عنه القبر . وأول شافع وأول مشفّع » . ورواه غيره .

 

"216"

[ مطلب في بيان دخول جميع شرائع الأنبياء في شريعة محمد ]

واعلم أن محمدا صلى اللّه عليه وسلم هو الذي أعطى جميع الأنبياء والرّسل ومقاماتهم في عالم الأرواح حتى بعث بجسمه عليه السلام ، وتبعناه ، والتحق بنا من الأنبياء في الحكم من شاهده ، أو نزل من بعده من أنبيائهم ، وأنبياؤهم يأخذون عن محمد صلى اللّه عليه وسلم .

....................................................................

للّه في الأرض إلا قد رأيته واجتمعت به ، فلا بد لي أن أجتمع في ذلك اليوم مع ولي للّه لم أكن عرفته قبل ذلك ، وروينا عنه أنه قال : اجتمعت بشخص يوما لم أعرفه ، فقال لي : يا خضر سلام عليك ، فقلت له : من أين عرفتني ، فقال لي : إن اللّه تعالى عرفني بك فعلمت أن للّه عبادا يعرفون الخضر عليه السلام ولا يعرفهم الخضر عليه السلام ، وما كنت عرفت أن اللّه قد جعل في الوجود وليّا له على قدم كل نبي ، فإن اللّه تعالى لما جمع بيني وبين أنبيائه كلهم حتى ما بقي منهم نبي إلا رأيته في مجلس واحد لم أر معهم أحد ممن هو على أقدامهم ، ثم بعد ذلك رأيت جميع المؤمنين وفيهم الذين هم على أقدام الأنبياء وغيرهم من الأولياء ، فلما لم يجمعهم مجلس واحد لذلك لم أعرفهم ، ثم عرفتهم بعد ذلك ونفعني اللّه تعالى برؤيتهم ، وكان شيخنا أبو العباس المغربي رحمه اللّه تعالى على قدم عيسى عليه الصلاة والسلام ، وكنا نقول قبل هذا إن ثم أولياء على قلوب الأنبياء عليهم السلام فقيل لنا : لا بل على أقدام الأنبياء لا تقل على قلوبهم ، فعلمت ما أراد بذلك ، لما أطلعني اللّه على ذلك رأيتهم على آثارهم يقتدون ، ورأيت لهم معراجين المعراج الواحد يكونون فيه على قلوب الأنبياء ولكن من حيث هم الأنبياء أولياء النبوة التي لا شرع فيها ، والمعراج الثاني يكونون فيه على أقدام الأنبياء أصحاب الشرائع لا على قلوبهم ، إذ لو كانوا على قلوبهم لنالوا ما نالوه من الأحكام المشروعية ، وليس ذلك لهم وإن وقع لهم التعريف الإلهي بذلك ، ويأخذون الشرع من حيث أخذته الأنبياء ، ولكن من مشكاة أنوار الأنبياء يقترن معه بحكم الاتّباع بما يخلص لهم ذلك من اللّه لا من الروح القدسي ، وما عدا هذا الفن من العلم فإنه يخلص للأولياء من اللّه سبحانه وتعالى ، ومن الأرواح القدسية . انتهى كلام الشيخ رضي اللّه تعالى عنه .

مطلب في بيان دخول جميع شرائع الأنبياء في شريعة محمد ( واعلم أن محمدا صلى اللّه عليه وسلم هو الذي أعطى ) من كونه نبيّا في عالم الأرواح وآدم بين الماء والطين ( جميع الأنبياء والرّسل ) علومهم وشرائعهم ( ومقاماتهم ) وأحوالهم ( في عالم الأرواح ) لأنه خازن الأسرار الإلهية لأن روحه هو العقل الأول خازندار الجناب

 

 

"217"

فأولياء الأنبياء الذين سلفوا يأخذون عن محمد صلى اللّه عليه وسلم ، فشاركت الولاية المحمدية الأنبياء في الأخذ عنه ، ولهذا ورد في الخبر : « علماء هذه الأمة كأنبياء

.........................................................................

الإلهي ، ومبدأ عالم التدوين والتسطير وحقيقة التعين الأول ، الذي هو مبدأ جميع التعينات ، فكان هو الوهاب لجميع الموهوبات بحقيقته وروحه من حيث الاسم الباطن ، وجميع الواهبين الذين يهبون المواهب من حيث الاسم الظاهر نوابه وأتباعه ، فهم يأخذون عنه من حيث اسمه الباطن ، ويملون على العالم من حيث الاسم الظاهر ، ولم يزل حكمهم هكذا ( حتى بعث بجسمه عليه السلام ) العنصري إلى الأسود والأحمر ، وقيل فيه إذ ذاك : إنه ما أرسل إلا رحمة للعالمين ، يعني كل ما سوى اللّه ، فنسخ حكمهم وحوى علمهم واختفى رسمهم ، وما بقي إلا اسمهم صلى اللّه عليه وسلم ، وأسعدنا اللّه تعالى أعني هذه الجماعة السعيدة التي هي أمة محمد صلى اللّه عليه وسلم بأن جعلنا من أمته في أصل الفطرة واتباع الحكم بمحض الجود والمنة ( وتبعناه ) فيما شرعه بنفسه بلا واسطة من حيث الاسم الظاهر حين بعث بجسده الشريف بمكة شرفها اللّه تعالى ( والتحق بنا ) في هذا الاتّباع ( من الأنبياء ) الذين كانوا نوابه وأتباعه من حيث الاسم الباطن الأول ( في الحكم ) متعلق بالتحق أي : التحق بنا يعني أمة محمد صلى اللّه عليه وسلم من حيث الاسم الظاهر الآخر من كان من أتباعه من حيث الاسم الباطن الأول ( من شاهده ) عند ظهور جسمه مثل الخضر عليه السلام ، وهو عند الشيخ رضي اللّه تعالى عنه من الأنبياء ، وقد اجتمع برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأخذ عنه وأتبعه في عالم الشهادة ، ولا عبرة بما يروى من الأحاديث التي تخالف ذلك لأنها ما صحت لا من جهة النقل ولا من جهة الكشف ( أو نزل من ) السماء ( بعده ) أي بعد محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وهو عيسى عليه السلام لأنه ينزل في آخر الزمان ، ويحكم بشرعنا ، ويقتل الخنزير ، ويكسر الصليب ويدعو الناس إلى ملة محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وهو ختم الولاية العامة ، فهو الذي قال فيه محمد بن علي الحكيم الترمذي رضي اللّه تعالى عنه : إن من أمة محمد صلى اللّه عليه وسلم من هو أفضل من أبي بكر الصديق رضي اللّه تعالى عنه ( فأولياء الأنبياء الذين سلفوا يأخذون ) علومهم ومقاماتهم وأحوالهم ( من أنبيائهم ) لأنهم أتباعهم ( وأنبياؤهم يأخذون عن محمد صلى اللّه عليه وسلم ) علومهم ومقاماتهم وأحوالهم ، لأنهم أتباعه ، وأولياء أمة محمد صلى اللّه عليه وسلم يأخذون عن محمد صلى اللّه عليه وسلم ( فشاركت الولاية المحمدية ) في الأخذ عن محمد صلى اللّه عليه وسلم ( الأنبياء في الأخذ عنه ) بلا واسطة ( ولهذا ورد في الخبر ) الثابت عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ( علماء هذه الأمة ) يعني أرباب الكشف والإلهام لا أرباب الفكر ( كأنبياء

 

"218"

بني إسرائيل » وقال تعالى فينا :لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ[ البقرة : الآية 143 ] وقال في حق الرسلوَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ[ النّحل :

الآية 89 ] فنحن والأنبياء شهداء على أتباعهم .

...........................................................................

بني إسرائيل ) يعني في الأخذ بلا واسطة ( وقال تعالى فينا ) ، يعني : أمة محمد صلى اللّه عليه وسلم (لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ) يعني في يوم القيامة ، لأنه سبحانه قد أخبرنا بأحوالهم في كتابه ، وهذا دليل ظاهر في مماثلة علماء هذه الأمة الأنبياء ( وقال في حق الرسل :وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) وقال تعالى :لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ[ التّوبة : الآية 128 ] الآية ، وإذا كان الأمر على هذا في الشهادة ( فنحن ) أي : أمة محمد صلى اللّه عليه وسلم ( والأنبياء شهداء ) للّه ( على أتباعهم ) أي : أتباع الأنبياء ، قال الشيخ رضي اللّه تعالى عنه : ورد في الخبر : أن النبي عليه السلام قال : « أنا سيد ولد آدم ولا فخر » « 1 » وفي صحيح مسلم : « أنا سيد الناس يوم القيامة » « 2 » فثبتت له السيادة والشرف على أبناء جنسه من البشر وقال عليه السلام : « كنت نبيّا وآدم بين الماء والطين » « 1 » يريد على علم بذلك ، فأخبره اللّه بمرتبته وهو روح قبل إيجاده الأجسام الإنسانية ، كما أخذ الميثاق على بني آدم قبل إيجاده أجسامهم ، وألحقنا اللّه بأنبيائه بأن جعلنا شهداء على أممهم معهم حين يبعث من كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم وهم الرسل ، فكانت الأنبياء في العالم نوابه صلى اللّه عليه وسلم من آدم إلى آخر الرسل وهو عيسى عليه السلام ، وقد أبان عن هذا المقام بأمور ، منها : قوله « لو كان موسى حيّا لما وسعه إلا أن يتبعني » « 1 » ، وكذلك لو كان محمد صلى اللّه عليه وسلم موجودا بجسمه من لدن آدم إلى زمان وجوده الآن لكان جميع بني آدم تحت شريعته حسّا ، ولهذا لم يبعث عامة إلا هو ، فإنه الملك والسيد ، وكل رسول بعث إلى قوم مخصوصين ، ولم تعم رسالة أحد دونه ، فمن آدم إلى زمان بعث محمد صلى اللّه عليه وسلم إلى يوم القيامة ملكه ، وتقدمه في الآخرة على جميع الرسل وسيادته منصوص على ذلك فروحانيته صلى اللّه عليه وسلم وروحانية كل رسول موجودة ، فكان الإمداد يأتي إليهم من تلك الروح الطاهرة بما يظهر منهم من الشرائع والعلوم في زمان وجودهم رسلا وتشريعهم الشرائع كعلي ومعاذ وغيرهما ، في

.............................................................

( 1 ) هذا الحديث سبق تخريجه .

( 2 ) رواه مسلم في صحيحه ، كتاب الإيمان ، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها ، حديث رقم ( 327 - 194 ) . ورواه البخاري في صحيحه ، كتاب أحاديث الأنبياء باب يزفون النسلان في المشي ، حديث رقم ( 3361 ) . ورواه غيرهما .

 

"219"

....................................................................

زمان وجود جسم محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وكعيسى عليه السلام حين ينزل في آخر الزمان حاكما بشرع محمد صلى اللّه عليه وسلم ، لتقدم شرعه في الظاهر ، لكن لما لم يتقدم في عالم الحس وجوده أولا صلى اللّه عليه وسلم نسب كل شرع إلى من بعث به ، وهو في الحقيقة شرع محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وإن كان مفقود العين من حيث لا يعلم ذلك ، كما هو مفقود العين في زمان نزول عيسى عليه السلام والحكم بشرعه ، ولما نسخ اللّه بشرعه المنزل عليه جميع الشرائع ، فلا يخرجها هذا النسخ عن أن تكون من شرعه ، فإن اللّه قد أشهدنا في شرعه الظاهر في القرآن والسنة النسخ مع إجماعنا واتفاقنا على أنه شرعه الذي نزل به ، فنسخ بالمتأخر المتقدم ، فكان هذا النسخ الموجود في القرآن والسنة تنبيها لنا على أن نسخه لجميع الشرائع المتقدمة لا يخرجها عن كونها شرعا له ، وكان نزول عيسى عليه السلام في آخر الزمان حاكما بغير شرعه الذي كان عليه في زمان رسالته ، وحكمه بالشرع المقرر اليوم دليلا على أنه لا حكم لأحد من الأنبياء مع وجوده أو وجود ما قرره من الحكم ، ويدخل في ذلك ما هم عليه أهل الذمة من أهل الكتاب ما داموا يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون ، فإن حكم الشرع على الأحوال ، فخرج من هذا المجموع كله أنه ملك وسيد على جميع بني آدم ، وإن جميع ما تقدمه كان ملكا له ، والحاكمون فيه نواب عنه ، وإن كان قد وردأُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ[ الأنعام : الآية 90 ] فهو صحيح فإنه قال : « بهداهم » وهداهم من اللّه وهو شرعه عليه السلام ، أي : ألزم شرعك الذي ظهر به نوابك من إقامة الدين وعدم التفرق فيه ، ولم يقل : فبهم اقتده . وقال :اتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ[ النّحل : الآية 123 ] وهو الدين فهو مأمور باتباع الدين ، فإن أصل الدين بما هو من اللّه لا من غيره ، ولهذا قال عليه السلام : « لو كان موسى حيّا ما وسعه إلا أن يتبعني » فأضاف إليه ، وأمر هو صلى اللّه عليه وسلم باتباع الدين لا باتباع الأنبياء ، فإن الإمام الأعظم إذا حضر لا يبقى لنائب من نوابه حكم إلا له ، فإذا غاب حكم النواب بمراسمه ، فهو الحاكم غيبا وشهادة ، وما أوردنا هذه الأخبار والتشبيهات إلا تأنيسا لمن لا يعرف هذه المراتب من كشفه ، ولا أطلعه اللّه تعالى عليها من نفسه ، وأما أهل اللّه فهم فيها على ما نحن عليه قد قامت لهم شواهد التحقيق على ذلك من عند ربهم في نفوسهم ، وإن كان يتصور على جميع ما أوردناه احتمالات كثيرة ، فذلك راجع إلى ما تعطيه الألفاظ من القوة في أصل وضعها ، لا ما هو الأمر عليه في نفسه ، انتهى كلام الشيخ رضي اللّه تعالى عنه .

 

 

"220"

فاصرف الهمّة في الخلوة للوراثة الكلية المحمدية

،[ مطلب في بيان المرشد الكامل ]

واعلم أن الحكيم الكامل المحقّق المتمكّن هو الذي يعامل كل حال ووقت بما يليق به ولا يخلط ، وهذه حالة محمد صلى اللّه عليه وسلم ، فإنه كان من ربه بقاب قوسين أو أدنى .

................................................................

وإذا علمت مقام محمد صلى اللّه عليه وسلم وأمته ( فاصرف الهمّة في الخلوة للوراثة الكلية المحمدية ) ولكن هنا لطيفة تعلم مما مضى في داخل الشرح .

مطلب في بيان المرشد الكامل ( واعلم أن الحكيم الكامل ) الذي يضع الأشياء في مواضعها ( المحقّق ) الذي اطلع على حقائق الأشياء ومراتبها ( المتمكّن ) في جميع المقامات ، وقد علمت ما معنى التمكين لا المتلون في الأحوال فافهم ، فإنه لا ينافي مذهب الشيخ في التلوين والتمكين ( هو الذي يعامل كل حال ووقت بما يليق به ) لأن المتمكن يحكم على الأشياء بتمكنه في التلون معها على صورة الخلق الجديد لأنه على صورة الحق وهو سبحانه كل يوم هو في شأن ( ولا يخلط ) المقامات والأحوال والمواطن والحقائق والمراتب وما تقتضيه ببعضها ، وهو الملامتي لأن الملامتية هم سادات الطائفة لأنهم أصحاب الحكمة ، وهي : وضع الشيء في محله وإعطاء كل ذي حق حقه ، كما أعطى الحق كل شيء خلقه ، فهم أصحاب التمكين في التلوين ، وقد اتخذوا الحق وكيلا عن أمره ، وتحققوا بأعلى مراتب العبودية ، وغابوا عن كل شيء ، فهم في الدنيا التي هي مواطن التكليف والتعريف بحسبها ، وفي الآخرة بحسبها ، لا يظهرون بما هو للدار الآخرة في الدنيا ، وهم أرباب العلم والحكمة وأصحاب الحلم وعدم الهمة ، لأن الهمة لا تكون إلا لمن لم يكمل عرفانه ولا رجح ميزانه ، وهم رضوان اللّه عليهم في أعلى مقامات العرفان وأعظم من أظهر الملء في الميزان ، ووسع كل شيء حتى الحق وما وسعه شيء .

مطلب في قاب قوسين ومعراج النبي ( وهذه حالة محمد صلى اللّه عليه وسلم ) لأنه رأس الملامتية وإمامهم وسيدهم ، لأن حقيقته عبارة عن التعين الأول وهو الوحدة ( فإنه ) صلى اللّه عليه وسلم ( كان من ربه ) حين أسري به ( بقاب قوسين ) وهما الأحدية والواحدية له ، وظاهر الوجود وظاهر العلم لغيره من الأنبياء ، وظاهر النبي وباطنه لغيرهم من الأولياء ( أو أدنى ) يعني : الوحدة . ومعنى قوله :

« قاب قوسين » أي : مقدار قوسين ولما كانت حقيقته صلى اللّه عليه وسلم عبارة عن برزخ البرازخ ،

  

 

"221"

...........................................................

أعني : الوحدة ظهر الاعتدال في جميع أحواله وأقواله وأفعاله ، لأن البرزخ له الاعتدال التام بين طرفي الإفراط والتفريط ، ولهذا ما بعث إلا في دورة الميزان وهو العادل ، وبعث جميع الرسل الذين هم نوابه في دورة السنبلة ، ولهذا كان الغالب على المتقدمين اليبس ، وعلى هذه الأمة الاعتدال في جميع الأمور ، وظهر اعتدال حقيقته صلى اللّه عليه وسلم فيما أمر به مثل قوله تعالى : وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ [ الإسراء : الآية 29 ] ، وقوله تعالى : وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا [ الإسراء : الآية 110 ] وأمثال ذلك . ولما وصل صلى اللّه عليه وسلم إلى مقام « أو أدنى » أعني : الوحدة . التي هي نهاية النهايات وغاية الغايات ومبدأ التعينات ووحدة الوحدات ومصدر الكثرات ، وتجاوز غاية عروج سائر الأنبياء ، أعني :

البرزخ الذي بين ظاهر الوجود وظاهر العلم ، ورجع إلى عالم حسه المقيد الأرضي ، أصبح بين قومه كواحد منهم ، وذلك لكمال اعتدال نشأته وبرزخية حقيقته ، لأنه ما امتاز عنهم بشيء ، ولو امتاز عنهم بشيء ما كانت حقيقته برزخ البرازخ ، وما كان لها المقام الشامخ ، لأنه كان إذ ذاك تحت حكم أحد طرفيه ، وهذا ينافي البرزخية الكبرى .

فإن قلت : غاية عروج سائر الأنبياء هو البرزخ الذي بين ظاهر العلم وظاهر الوجود ، وعلى هذا يلزم أن يكون في درجة محمد صلى اللّه عليه وسلم في الاعتدال ، وأنت قد نفيت ذلك . قلت : نعم هم صلوات اللّه عليهم في غاية الاعتدال في هذا البرزخ ، الذي هو نهاية عروجهم ، وما بعده من البرازخ ، وأما ما فوقه فلا حكم لهم عليه بل له التحكم فيهم ، وليس وراء غاية محمد صلى اللّه عليه وسلم غاية ، لأنه القائل « لي مع اللّه وقت » ( الحديث ) فإن قلت : قد نفى الشيخ رضي اللّه تعالى عنه الاعتدال الحقيقي في جميع الأشياء حتى في الأسماء الإلهية ، فكيف تقول به قلت :

ما نفاه الشيخ نوع من أنواع الاعتدال ، وهو أن تكون المتقابلات بواسطة التفاعل متكافئة من جميع الوجوه ، بحيث لا يرجح أحدهما على البواقي ، لأن ذلك يؤدي إلى عدم التكوين وانقلاب الحقائق ، وأنا لا أقول بهذا النوع من الاعتدال ، لأن الاعتدال الذي أثبته هو عبارة عن حقيقة مطلقة عن جميع القيود ، ونسبتها إليها على السواء من غير ترجيح ولو بوجه من الوجوه ، وهذه الحقيقة هي مبدأ جميع المتقابلات ، ولو مالت إلى أحدها لما صح كونها مبدأ للآخر إلا في مبدأ المتقابلات لا بد منه ، فافهم .

 

 

 

"222"

ولما أصبح في قومه وذكر ذلك للحاضرين لم يصدقه المشركون لكون الأثر ما ظهر عليه ووافقوه في ذلك بخلاف موسى حين ظهر عليه الأثر فكان يتبرقع .

..................................................................

واعلم أن النبي صلى اللّه عليه وسلم ما أسرى به ربه إلا ليريه من آياته التي في الآفاق بعد ما أراه إياها في نفسه ، وهو المعراج الروحاني إذ المعراج الروحاني لا يشهد صاحبه آيات ربه إلا في نفسه ، فلا يرى في المعراج الروحاني آيات الأنفس ، وأما آيات الآفاق فلا ترى إلا بالمعراج الحسي ، ومذهب الشيخ رضي اللّه تعالى عنه وسائر الكمل الورثة ، هو أن معراج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان بالحس والمعنى لا بالمعنى فقط ، فعروجه المشهور كان بروحه وجسده العنصري الذي ولد بمكة ، ولا تلتفت إلى من يقول : إنه كان بجسد خيالي فإنه كلام من لا علم عنده ، وحديث المعراج مشهور .

( ولما ) أراه من آياته ، وقربه إلى حضرته ، وجاد عليه بمشاهدته وكلامه ، وجرى ما جرى ورده إلى الموضع الذي أسرى به منه ، و ( أصبح ) صلى اللّه عليه وسلم ( في قومه ) وما تغير عليه الحال لتمكنه في رعاية المواطن ، ومعاملة كل مقام بما يستحقه ، وسعة باطنه واستهلاك جميع الكمالات فيه ( وذكر ذلك ) المعراج وما شاهده فيه ( للحاضرين ) من قومه ( لم يصدقه المشركون ) منهم ( لكون الأثر ) الذي يكون من العروج ومشاهدة الحق ومكالمته ( ما ظهر عليه ) لأنه ما أتاه ما لم يعرفه ، وما لم يسعه وعاء استعداده الكلي الجمعي الأحدي الإحاطي ( ووافقوه ) أي المشركون ( في ذلك ) أي في عدم ظهور الأثر فكان عدم ظهوره علة لإنكارهم ( بخلاف موسى ) عليه السلام ( حين ) كلمه ربه على الطور وناداه وشهده في صعقته ( ظهر عليه الأثر ) وهو نور كان يسطع من وجهه حين رجع من الميقات ، وكانت الأبصار لا تتمكن من إبصاره ، لأنه كان مثل البرق الخاطف لها ( فكان يتبرقع ) لذلك النور مع أن موسى عليه السلام كان في البرزخ الثاني الجامع لظاهر العلم وباطنه ، أعني ظاهر الوجود ، فكيف به لو وصل إلى البرزخ الأول الذي هو غاية المعراج المحمدي صلى اللّه عليه وسلم . قال بعض أهل اللّه لبعض أهل اللّه أبو زيد يقول : سبحاني . والنبي صلى اللّه عليه وسلم يقول ، له ربه : إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ [ الكهف : الآية 110 ] ولا شك أنه صلى اللّه عليه وسلم أفضل من أبي يزيد . فقال له : وعاء استعداد شوق النبي صلى اللّه عليه وسلم يسع بحار الملك والملكوت ، ولا تخمد نار شوقه ، ولسان طلب استعداد شوقه قد خرج على صدره يشتكي الظمأ ، وأبو يزيد صغر وعاء استعداده عن أن يسع ما فاض عليه من خزائن الجود والكرم فطفح وتدفق وشطح وعربد ( وإذا كان حال السعة

 

"223"

.................................................................

الإلهية والضيق الإلهي ) فإنه لا شيء أوسع من اللّه الذي وسع كل شيء رحمة وعلما ، ولا شيء أضيق منه ، لأنه ليس كمثله شيء ، فهو الضيق الواسع ، وهو عين الخلق الجديد ، وتقلب الحق في شؤونه مع الآنات حال عبد من العباد كان من أكمل الخلق ، وتتفاوت الرجال في التحقق بهذا الحال ، وأكملهم محمد صلى اللّه عليه وسلم ، ثم الأنبياء على ترتيب يعلمه اللّه ، ثم الأولياء الأمثل فالأمثل ، ثم عامة الناس على اختلافهم ، فإنه ما من أحد إلا له من السعة والضيق الإلهيين حصة تخصه على حسب استعداد عينه الثابتة ، وكمال جميع الحصص نسبي ، إلا كمال حصة محمد صلى اللّه عليه وسلم لأنها حصة كلية جامعة محيطة بجميع الحصص إحاطة الهيئة الاجتماعية للآحاد المجتمعة ، وهي بهذه الحيثية ختمية لها الاسم الآخر والظاهر ، وإحاطة الطبيعة المشتركة وهي من هذه الجهة مبدأ لها الاسم الأول والباطن ، وبمجموع الجهتين صح لمحمد صلى اللّه عليه وسلم الكمال بالكمال ، والمقام الذي لا ينال بالاحتيال ، ويفنى عن الوصول إلى أكناف بيداء سعته صناديد الرجال ، وصح لورثته بكمال متابعته ، وهم الكمل والسادة ، ولنوابه من محض جوده وكرمه ، فحال النواب والورثة حال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في التمكين في التلوين ، فهم متمكنون في التلوين فلهم التلون والتمكن معا ، لأن لهم السعة والضيق معا ، فمن نظر إلى بطن السعة فقط قال : بالتلوين فقط ، وهو على النصف من المعرفة ، ومن نظر إلى بطن الضيق فقط ، قال : بالتمكين فقط وله نصف المعرفة ، ومن نظر إلى بطنهما قال :

بالتمكين في التلوين والتلوين في التمكين ، لأنه ضيق في عين سعته ، وواحد في عين كثرته ، وغيب في عين شهادته ، وأول في عين آخريته وباطن في عين ظاهريته ومنزه في عين تشبيهه ، لأن جلاله وجماله واحد ، وهو كماله وقدم صدقه وعدله واحدة ، وهي كلمته وناره وجنته واحدة ( وهي دنياه ) وكلتا يديه يمين مباركة ، وليس إلا ذاته ، فمن يدعي أنه ذاق وحدة الوجود ، ولم يقل بما قلناه فما عنده رائحة من العلم ، وهو يظن ، وإن بعض الظن إثم ، فأصحاب التمكين لا تؤثر فيهم الأحوال ، لأنهم أوتاد ثابتة مثبتة ، والقيامة حال من أحوال الإنسان وشأن من شؤون الحق فهم الذين قال اللّه فيهم : لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ [ الأنبياء : الآية 103 ] والذين يغبطهم النبيون والمرسلون لأنهم يحزنهم الفزع الأكبر ولكن على أممهم لا على أنفسهم وهذا من تمكنهم في التلوين الذي فاقوا به على من ليس بنبي من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ولو أثرت الأقوال فيهم لأحزنهم الفزع الأكبر على أنفسهم .

 

"224"

[ مطلب في بيان أن كل سالك لا بد أن تؤثر فيه الأحوال وما ينبغي له ]

ولكن لا بد لكل سالك من تأثير الأحوال فيه وخلط العوالم بعضها ببعض ولكن ينبغي له الترقي من هذا المقام إلى مقام الحكمة الإلهية الجارية على القانون المعتاد في الظاهر وأن يصرف خرق العوائد إلى سره حتى يرجع له خرق العوائد عادة لاستصحابه .

...........................................................................

مطلب في بيان أن كل سالك لا بد أن تؤثر فيه الأحوال وما ينبغي له ( ولكن لا بد لكل سالك ) إما مطلقا إن كان المراد غير الواصل ، وإما مقيدا إن كان عبارة عن كل سالك عدا أرباب التمكين والحقائق ، وهم غير الكمل من الورثة المحمديين ، أعني ورثة سائر الأنبياء ، أو تلامذتهم ، أوكل سالك يسلك بالخلق الجديد ، ولكن من حيث أخذ الحق بالناصية حتى يخرج غير ما يدب ، كل هذه الاحتمالات سائغة مجموعة أو مفردة ، لأن الكمال في التمكين نسبي كما علمت ( من تأثير الأحوال فيه ) أي في ذلك السالك كائنا من كان ( و ) لا بد له عند تأثير الأحوال فيه من ( خلط ) ما تستحقه وتقتضيه ( العوالم بعضها ببعض ) وذلك من انحطاط درجته في مقام التمكن في التلون على ما قررناه غير مرة ، لأن العوالم متخالفة متضادة واستعداداتها مثلها ، فهو يظهر بما يقتضيه علم الجنة من الكرامات وخوارق العادات ، والفناء في الحق بطريق المحق ، أو ارتكاب الشهوات ومتابعة الهوى والتحكم في العالم كما هو دأب الملوك ، أو عدم الانقياد إلى الأمر وهو الجري على ما تقتضيه الصورة الإلهية من عدم الانقياد إلى الغير ، لأن اللّه غني عن العالمين ، وذلك عين العدول عن الطريق القويم والصراط المستقيم ، وقد بسطنا الكلام في هذا المقام في كتاب « السبحات » لنا ( ولكن ) إذا أثرت الأحوال في السالك كائنا من كان ( ينبغي له الترقي ) بالهمة ( من هذا المقام ) الذي هو مقام تأثير الأحوال وخلط العوالم بعضها ببعض ، وإنما سماه مقاما لأن أكثر الناس لا يزال فيه ( إلى مقام الحكمة ) لأنه صفة يجب الرسوخ فيها ( الإلهية الجارية على القانون المعتاد في الظاهر ) كما هو المتعارف بين أهل العلم فلا يمتاز عنهم بظاهره أصلا إلا بالعلم ، وعلامته أنه إذا كان في مصر مخالطا للناس لا يعرف أحد مما في باطنه من المواهب الإلهية وأثر الكرامات وخوارق العادات مثقال ذرة ، وهذا معنى الملامتي لأنه الذي لا يظهر خيرا ولا يضمر شرّا ، لا ما يتوهمه من لا عقل ولا دين ولا خلاق له من أنه ارتكاب المناهي والعكوف على الملاهي والانهماك في

"225"

ولا يزال يقول في كل نفس :رَبِّ زِدْنِي عِلْماً [ طه : الآية 114 ] ما دام الفلك يجري بنفسه ، ويجتهد أن يكون وقته نفسه .

...............................................................

شهوات النفس ، وفي الجملة إنه يخالف الشريعة المحمدية حتى يلومه الناس ، فإن من هذه صفته ونعته أشر من الوسواس الخناس ، وهو ذو جهل مركب وداء عضال وخيبة ووبال وبعد عن الكبير المتعال ، وليس دواءه إلا سيف الشرع نصرة للّه ، والواجب على كل متدين ينسب نفسه إلى أمة محمد صلى اللّه عليه وسلم قمع من هذا اعتقاده وحربه ، فإن إفساده أعظم من إفساد المحاربة من سائر الملل والنحل لأنه في الأجساد وهو في الأرواح ( و ) إذا كان الأمر على هذا ، فالواجب على من أثرت الأحوال فيه ، وظهر ما في باطنه على ظاهره بظهور خرق العوائد عليه ، وخلط العوالم بعضها ببعض ( أن يصرف خرق العوائد إلى سره ) فإن كان من أهل البدايات صرف ذلك إلى التخلي عن سفاسف الأخلاق والتحلي بمكارمها وذلك عين خرق العادة ، وإن كان من المتوسطين أفاق من صعقة الفناء في المشاهدة والاستهلاك في الحق بطريق المحق الموجب للظهور بمرتبة الخلافة على الكون في غير موطنها ، الذي هو عبارة عن الدنيا وتحقق بمرتبة البقاء والفرق بعد الجمع ، فمرة في عين التشبيه ومرة في التنزيه ، وعلم أحدية المتصرف والمتصرف فيه ، ورجع إلى وطنه الأصلي ومكانه الأول ، وهو الإمكان أعني برزخ البرازخ ، وهذا عين خرق العادة بالنسبة إليه ، وهكذا ينبغي أن يكون ديدن من أثرت فيه الأحوال من السالكين ( حتى يرجع له خرق العوائد عادة لاستصحابه ) الشعور التام بالنسبة إلى جميع الأحوال المؤثرة الموجب لإقامة الوزن بالقسط وعدم الإخسار في الميزان ، وصرف خرق العوائد إلى سره حتى ترجع إليه خرق العوائد عادة .

 

( و ) ينبغي له أن ( لا يزال يقول في كل نفس ) من أنفاس الرحمن إن كان المراد به الخلق الجديد ، أو من أنفاس الإنسان وهو الأظهر ، لقوله بعد هذا ما دام الفلك يجري بنفسه ، وهو هواء تجذبه الرئة ليبرد حرارة الجوف ويردها إلى الاعتدال ، الذي هو سبب الحياة ببرودة اكتسبها ورطوبة في ذاته ( رَبِّ زِدْنِي عِلْماً ) كما أمر اللّه حبيبه أن يقول ، فإنه صلى اللّه عليه وسلم قال : « إن ربي أدبني فأحسن تأديبي » فما أدب به قوله : وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها [ الإسراء : الآية 110 ] ،

وقوله : وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً [ الإسراء : الآية 29 ] الآية .

وقوله : فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ [ الأنعام : الآية 90 ] ، وقوله : قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ [ الأنبياء : الآية 112 ] ، وقوله : عندما كان يغلب عليه الاستهلاك في الحق

 

"226"

........................................................

بطريق المحق وهو قوله : « إنه ليغان على قلبي » « 1 » ، قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ [ الكهف : الآية 110 ] ولما كان القرب إلى اللّه لا يكون إلا بالعلم وعدم التأثر من الأحوال ، لأن العلم يحقق العبد بعبوديته التي تقربه إلى سيده ، فإن العبد على قدر تحققه بالعبودية يكون قربه من الحق ، لأن العبودية تلي الربوبية ، كما أن الخلة أو الصديقية تلي النبوة ، فليس بين العبد والرب فاصلة أصلا ، والتحقق بالعبودية هو الأمر المطابق لحقيقة الممكن ، والممكن برزخ بين الواجب والمحال ، فليس بين الواجب والممكن فاصلة أصلا ، فمن غفل عن عبوديته التي هي عين إمكانه دخل في حضرة الواجب سبحانه وذلك عين الجهل ، لأن الحقائق لا تنقلب كما أنه من تخطى رقاب الصديقين وقع في النبوة ، فكما أنه ليس بين الصديق رضي اللّه تعالى عنه ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أحد ، كذلك ليس بين العبد المتحقق بأوصاف عبوديته وبين ربه أحد ، قال صلى اللّه عليه وسلم في هذا المقام : « لي مع اللّه وقت » « 2 » ( الحديث ) ، وقال اللّه تعالى :

إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ [ فاطر : الآية 28 ] وعلى هذا فالكل عباد اللّه ، وما فاز العلماء بهذه الدرجة إلا لعلمهم وليس إلا عدم الغفلة ، فإن الأمر في نفسه لا يتغير ، فالحق حق والخلق خلق ، والسيد سيد والعبد عبد ، لا تمد رجلك في غير بساطك ، وإذا علمت هذا علمت أن الحال الذي هو ضد العلم نقصان كما أن العلم كمال ، ولهذا قال اللّه تعالى لحبيبه : وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً [ طه : الآية 114 ] وما قال له : قل رب زدني حالا . وما نسب اللّه إلى حضرته من خلقه إلا العلماء ، وما تمدح بشيء من الصفات كتمدحه بالعلم ، وكيف لا وهو مبدأ التعينات مطلقا سواء كانت أسمائية أو كونية ، ألا تراه تعالى كيف قال لرسوله صلى اللّه عليه وسلم : وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ [ الأعراف : الآية 205 ] وهو دليل على الذكر النفسي ، ولا يذكر إلا من له علم بالمذكور تضرعا ، ولا يتضرع إلّا من يخاف وخيفة ودون الجهر من القول ، وهو عين

 ..................................................................

( 1 ) رواه مسلم في صحيحه ، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار ، باب استحباب الاستغفار والاستكثار منه ، حديث رقم ( 41 - 2702 ) ، ونصه : « إنه ليغان على قلبي ، وإني لأستغفر اللّه في اليوم مئة مرة » . ورواه أحمد في المسند ، حديث رقم ( 18321 ) . ورواه أبو داود في سننه ، كتاب الوتر ، باب في الاستغفار ، حديث رقم ( 1515 ) . ورواه غيرهم .

( 2 ) أورده العجلوني ، في كشف الخفاء ، حديث رقم ( 2157 ) ، ولفظه : « لي مع اللّه وقت لا يسعني فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل » .

 

"227"

.................................................................

الاعتدال بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ [ الأعراف : الآية 205 ]

نهاه أن يكون من أرباب الأحوال إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ [ الأعراف : الآية 206 ]

يعني الملائكة المهيمة أو من هم على قلوبهم وهم الأفراد الذين هم أهل التمكين لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ [ الأعراف : الآية 206 ]

مثل الذين غفلوا عن عبوديتهم بربوبية الحق ، ويسبحونه عن أن يشارك في ربوبيته وله يسجدون ، وهو عين تحققهم بعبوديتهم ، ولكن طلب العلم في كل نفس حال من أثرت فيه الأحوال ( ما دام الفلك يجري بنفسه )

قال الشيخ رضي اللّه تعالى عنه : ثم لتعلم أن قول الصوفي إن الفلك يدور بأنفاس العالم يعني : العالم المتنفس أي علة دورانه وجود الأنفاس أي عند دورانه يحدث اللّه الأنفاس ، فإذا لم يبق فيه حركة تعطي نفسا في متنفس لم يعط حياة ، وإذا لم يعط حياة فقد ذهبت الحياة منه ، وإذا ذهبت الحياة منه لم يبق له شوق ، وإذا لم يبق له شوق لم تكن له حركة ، وإذا لم تكن له حركة انفطرت الكرة وذهب العالم العنصري بأجمعه ، وقد ذكر هذه المسألة أبو طالب في « قوت القلوب » مجملة وما فسرها في باب الأقوات ولا تكلم عليها بشيء ، فهذا نوع واحد من الأنواع التي يقال من أجلها : إن الفلك يدور بأنفاس العالم ، ومساق آخر في ذلك ، وهو أن الفلك لما دار أعطى المولدات أبدا في أول دوراته ، وعدد دوراته بعدد الأنفاس الكائنة في المولدات ، فهو يدور بعدد ذلك ، فإذا انتهى انخرم النظام وانتقلت العمارة إلى الدار الآخرة بالحركة الكبرى المحيطة التي لا تنخرم أبدا شرعا وحكمة ، ولذلك لا ينخرم العلم انخرام عدم ، وإنما انخرامه انخرام انتقال وتبدل وتحول ، فصور تخلع من الجوهرة وصور تخلع عليه ، وبتلك الدورة الكبرى يبقى العالم في البرزخ ، وفي الدار الآخرة أبد الآبدين ، ولا يزول ولا يفنى واستمداده من حضرة الديمومية وبها يتعشق فإنها المبقية لعينه ، انتهى كلام الشيخ رضي اللّه تعالى عنه .

وعلى هذا المعنى قوله : ما دام الفلك يجري بنفسه ، يعني : إلى أن يموت ، ويجوز أن يكون المراد بجريان الفلك بأنفاس العالم ، كون الفلك بالخلق يتحرك وحركته به من العلو إلى السفل ، كما أشرنا إليه فيما نقلناه في كتاب مرآة الحضرات من كلام الشيخ رضي اللّه تعالى عنه في ذلك ، وهذه الحركة عين جريانه بأنفاس العالم إن قلنا : إنها الخلق الجديد ، وهذا كما يقول جرى الزمان ، أي عدى بأعمار الناس ، فإنه على قدر ما يتصرم منه ينقضي من أعمارهم ، والزمان مقدار حركة الفلك ، فالفلك يجري بأنفاس العالم التي هي عدد أعمارهم ، وإذا كان الأمر على هذا

"228"

[ مطلب في بيان من ورد عليه وارد الوقت فمنهم من وارده قريب ومنهم من وارده بعيد ]

وإذا ورد عليه وارد الوقت يقبله ، وليحذر من التعشق به ويحفظه فإنه يحتاج إليه إذا ربي فإن أكثر الشيوخ إنما أتى عليهم في التربية لما فرطوا في حفظ ما ذكرناه وزهدوا فيه ويطول الوقت ويقصر بحسب حضور صاحبه فمنهم من وقته ساعة ويوم وجمعة وشهر وسنة ومرة واحدة في عمره .

.....................................................................

فالواجب على السالك أن يراعي أنفاسه ( ويجتهد أن يكون وقته نفسه ) والوقت عبارة عن حالك في زمن الحال لا تعلق له بالماضي ولا بالمستقبل ، فهو موجود بين معدومين ، وإذا كان وقتك عين حالك كنت أنت ابن وقتك ، وكان لوقتك الحكم عليك ، لأنه الموجود وأنت المعدوم وهو الثابت وأنت الموهوم ، فإن كان حالك الطاعة ومشاهدة العبودية على كل حال فأنت من المتمكنين ، وإن كان خلاف ذلك فأنت من المتلونين ، وعلى الأول وقتك القرب ، وعلى الثاني وقتك البعد ، وعلى أي وجه فلا بد للوقت أن يمنحك وارداته ، فمن وقته القرب وارداته من حضرة القرب ، ومن وقته البعد فوارداته من حضرة البعد ، فمن حزن على الماضي وأشغل وقت الحال به فهو من المبعودين ، لأنه فوت ما يطلبه الحال بما لا يعود فهو في عين العدم ، وهكذا حال من اشتغل بالمستقبل .

مطلب في بيان من ورد عليه وارد الوقت فمنهم من وارده قريب ومنهم من وارده بعيد ( و ) على هذا فالواجب على من يريد مراعاة أنفاسه أنه ( إذا ورد عليه وارد الوقت ) أي وقت كان ( يقبله ) أي في قلبه ( وليحذر من التعشق به ) أي بوارد الوقت ، فإنه إن فعل ذلك كان من أهل البعد لما يلزم له منه من الفوت الذي ذكرناه ( و ) ينبغي له أن ( يحفظه ) ولا ينساه ولكن لا يشغل وقته به ( فإنه يحتاج إليه إذا ) وصل إلى مقام الإرشاد والشيخوخة و ( ربى ) المريدين الذين يرد عليهم مثل ما ورد عليه ، لحكم قلوبهم ونفوسهم عليهم ، وللمة الملك والشيطان ، بل للأصبعين بل لليدين والقدمين والدارين بل للاسمين الهادي والمضل والمظهرين ؛ محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وإبليس لعنة اللّه عليه ( فإن أكثر الشيوخ إنما أتى عليهم ) وأخطأوا ( في التربية لما فرطوا في حفظ ما ذكرناه ) من واردات الوقت ( وزهدوا فيه ) لشدة توجههم إلى اللّه وإعراضهم عن غيره لغلبة حبه عليهم وفي نسخة زهدا كليّا ( ويطول الوقت ) المضاف إلى المراقبين بأنفاسهم ( ويقصر بحسب ) دوام ( حضور صاحبه ) مع أنفاسه ومعاملتها بما تستحقه وعدمه ( فمنهم ) أي فمن الحاضرين مع أنفاسهم ( من وقته ساعة ) ، وهو أشدهم حضورا وأكملهم مراقبة

 

"229"

ومن الناس من لا وقت له ، فإنه من حافظ على الأنفاس فالساعات في حكمه إلى ما فوق ذلك ، ومن كان وقته حضور الساعات فاتته الأنفاس ، ومن كان وقته الأيام فاتته الساعات ، ومن كان وقته الجمع فاتته الأيام ، ومن كان وقته السنين فاتته الشهور ، ومن كان وقته عمره فاتته السنون ، ومن لم يكن له عمر لم يكن له وقت وخسر آخرته ، ولم تتعدّ همّته البهيمية ، وعلو الشخص يدل على وقته وضيقه وقلة علومه ، والذي لا وقت له إنما حرم لأجل علة .

..........................................................................

ورعاية لأنفاسه ( ويوم ) وهو من أرباب الغفلة ( وجمعة وشهر وسنة ومرة واحدة في العمر ) وإن أخذت الوقت عبارة عن البعد ، فآخرهم أكملهم ، وإلا فهو كما قلنا فافهم .

( ومن الناس من لا وقت له ) وهو أكمل الجماعة وسيدها إن كان الوقت البعد ، وإلا فهو أشقاها ، وفي نسخة بعد قوله بحسب حضور صاحبه ( فإنه ) هذا دليل لطول الوقت ولقصره بالنسبة إلى الحاضرين ( من حافظ على الأنفاس ) بمراقبة الأنفاس وعدم تفويتها ( فالساعات في حكمه ) لأنه لا حاكم عليه إلا نفسه الذي هو وقته لأنه لا يغفل عنه ويفعل بمقتضاه ( إلى ما فوق ذلك ) من الأيام والجمع والشهور والأعوام والقرون والأعمار ، وهو رأس أهل المراقبة وسيد ديوان المحاسبة ( ومن كان وقته حضور الساعات ) فوقته ساعة وهو الحاكم عليه و ( فاتته الأنفاس ) لأنها تمر به ولا يشعر بها فلا حكم لها عليه ( ومن كان وقته الأيام فاتته الساعات ) لهذا الذي قلناه ( ومن كان وقته الجمع فاتته الأيام ، ومن كان وقته السنين فاتته الشهور ، ومن كان وقته عمره ) فقد ( فاتته السنون ، ومن لم يكن له عمر لم يكن له وقت ) وقوله فيمن لا وقت له ( وخسر آخرته ، ولم تتعدّ همّته البهيمة ) يدل على أن المراد بالوقت القرب ، وكيف لا وقد فرع عليه قوله : فإن باب الملكوت إلى آخره .

هذا آخر هذه النسخة وهي كالشرح لقوله :

( وعلو الشخص يدل على وقته وضيقه ) وفي نسخة وضيق وقته ( وقلة علومه ) فإن من كان وقته ساعة كان أكمل أرباب الأوقات ، ولا وقت أضيق من ساعة ، ويليه من كان وقته الأيام وهكذا الأمر في الباقي ، وإنما كانت علومه قليلة لأنه لا نظر له إلى الأكوان ، وإنما نظره إلى الحق وهو واحد في نفسه فقط ، والعلوم إنما تكثر بالنظر إلى الأكوان ، وتقل بالنظر إلى المكون ، وقد مر تقرير هذا في داخل الشرح ( والذي لا وقت له ) وهو الذي لا عمر له ( إنما حرم ) سعادة الوقت والولوج في عالم الملكوت ( لأجل علة ) وفي نسخه بحكم بهيميته عليه ، وذلك عين العلة وهي عدم الشعور

 

"230"

[ مطلب في بيان عدم فتح باب عالم الملكوت إذا كان في القلب شهوة لعالم الملك ]

فإن باب الملكوت والمعارف من المحال أن يفتح وفي القلب شهوة من عالم الملك والملكوت .

...............................................................

بعمره ، وما عدا صاحب الساعات بل الآنات وهو معلول غير صحيح ، وغايته أن من لا وقت له أعلمهم ، وليس حكم البهيمية إلا الإبهام ، وهو عين ما قلناه من عدم الشعور بالأمر ، فمن أراد أن يلج باب الملكوت فليعرض عن جميع الشهوات الجسمانية الحيوانية .

 

مطلب في بيان عدم فتح باب عالم الملكوت إذا كان في القلب شهوة لعالم الملك ( فإن باب الملكوت والمعارف من المحال أن يفتح وفي القلب شهوة من عالم الملك ) بل ( والملكوت ) لأن الشهوة - كما قال الشيخ رضي اللّه تعالى عنه - إرادة طبيعية مقيدة ، فلا تتعلق الشهوة إلا بميل أمر طبيعي ، فإن وجد الإنسان ميلا إلى غير أمر طبيعي كميله إلى المعاني والأرواح العلوية والكمال ورؤية الحق والعلم به ، فلا يخلو عند هذا الميل إما أن يميل إلى ذلك كله بطريق الإلتذاذ عن تخيل صوري ، فذلك تعلق الشهوة وميلها لأجل الصورة ، لأن الخيال إذا جسد ما ليس بذي صورة فذلك من فعل الطبيعة انتهى .

 

وعلى هذا فلا يصح لمن في قلبه شهوة من عالم الملكوت أن يلج بابه لأن الشهوة كما علمت طبيعية ، وهي من خواص الأجسام اللازمة لها ، فصاحب الشهوة من غلبت جسمانيته على روحانيته ، ولا قدم لعالم الأجسام في عالم الملكوت ، وإلا لا نقلبت الحقائق فلا يلج باب الملكوت من في قلبه شهوة ، نعم يلجه صاحب الإرادة بل لا يلجه إلا هو لأن الإرادة .

 

كما قال الشيخ رضي اللّه تعالى عنه : الإرادة صفة إلهية روحانية طبيعية ، وعلى هذا فإن تعلق الميل بما ليس بمادي من غير تخيل بل يبقى المعاني والأرواح والكمال الإلهي على حاله من التجرد والتنزيه ، فذلك ميل الإرادة لا ميل الشهوة ، لأن الشهوة لا مدخل لها في المعاني المجردة فالإرادة تتعلق بكل مراد للنفس وللعقل محبوبا كان ذلك المراد أو غير محبوب ، والشهوة لا تتعلق إلا بما للنفس في نيله لذة خاصة ومحل الشهوة النفس الحيوانية ومحل الإرادة النفس الناطقة ، هكذا قال الشيخ رضي اللّه تعالى عنه .

 

 

"231"

[ مطلب في بيان عدم فتح باب العلم باللّه إذا كان بالقلب لمحة لغيره من أسرة عالم الملك والملكوت ]

وأما باب العلم باللّه من حيث المشاهدة فلا يفتح وفي القلب لمحة للعالم بأسره الملك والملكوت .

واعلم أن هذه الأمور الوضعية إذا سلك عليها الإنسان وقام بها

...........................................................................

واعلم أن القوم اصطلحوا على أن يسموا كل ما أمكن دركه بأحد الحواس ، بل كل الأجسام ولوازمها بعالم الشهادة والخلق والملك ، وكل ما لم يمكن دركه بأحدها بعالم الغيب والملكوت والأمر ، وقد يسمون المجموع بعالم الشهادة ، لأنه مشهود الحق ، وقد يخصون هذا الاسم بما يشهده بصر كل أحد وسمعه وقواه ، فهو شهادة بالنسبة إليه ، وقد يطلقون اسم الغيب على مرتبة الجمع فقط ، والملكوت على المجردات فقط وعلى النفوس المدبرة فقط .

 

مطلب في بيان عدم فتح باب العلم باللّه إذا كان بالقلب لمحة لغيره من أسرة عالم الملك والملكوت ( وأما باب العلم باللّه من حيث المشاهدة ) لا من حيث الفكر ( فلا يفتح وفي القلب لمحة للعالم بأسره الملك والملكوت ) وهذا يدلك على أن مراد الشيخ رضي اللّه تعالى عنه بالملك والملكوت ههنا ليس إلا المجردات والماديات ، وإنما قلنا لا من حيث الفكر ، لأن العلم باللّه من حيث الفكر لا بد فيه من ملاحظة العالم ، وإلا ليس بفكر .

وأما المشاهدات فليست كذلك ، لأن المشاهدة لا تكون إلا إذا تجلى الحق لقلب عبده ، وذلك لا يصح ما دام في القلب غير الحق بوجه من الوجوه ، لأن المحدث إذا قرن بالقديم لم يبق له أثر ، والمشاهدة توجب الفناء بالمشهود عن كل ما عداه ، وإلا فليست بمشاهدة ، وكيف يتيسر لك العلم باللّه من حيث المشاهدة وفي قلبك غيره ، ولا يصح ملاحظة غيره إلا إذا غبت عن شهوده في ذلك الغير ، وهذا هو عين الجهل به ، فلا تكن من الجاهلين ، والحمد للّه رب العالمين .

 

( واعلم أن هذه الأمور ) الإلهية النبوية أعني الشرائع ( الوضعية ) التي وضعها الله بواسطة رسله صلوات اللّه عليهم لتكميل عباده وإرشادهم إلى جنابه ( إذا سلك عليها الإنسان ) المكلف بها لأنها الصراط المستقيم ، والمنهج القويم ، والحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ( وقام بها ) وبحقوقها الظاهرة والباطنة على ما فصل ودون في كتب الفقه والأخلاق والمعاملات مثل كتاب

 

 

"232"

ولم تكن له همة بأمر وراءها إلا الجنة خاصة فذلك هو العابد صاحب الماء والمحراب كما أن الهمة لو تعلقت بما وراء العبادات من غير استعداد لها لم يكشف له شيء ولا نفعت همته بل صاحبها أشبه شيء بمريض سقطت قواه بالكلية وعنده الإرادة والهمة للحركة والآلة متعطلة فهل يصل بهمته إلى مطلوبه فلا بد من الاستعداد على الكمال بالهمة وغيرها .

.............................................................

الإحياء « 1 » ( ولم تكن له همة ) واردة متعلقة ( بأمر وراءها ) يعني الأمور الوضعية مثل العلم باللّه وصفاته وأفعاله ومشاهدته والقرب منه والفناء فيه وتجليه ( إلا ) طلب ( الجنة ) والنجاة من النار ( خاصة فذلك هو العابد صاحب الماء والمحراب ) الذي لا وجهة له إلا رعاية الأعمال والأقوال والأحوال الظاهرة ولا إرادة له في سر سواها إلا النجاة من النار والفوز بالجنة المحسوسة فقط ، فلا تنتج له عبادته ثمرة في الدنيا ، كما تنتج لمن شاركه فيما هو فيه وزاد عليه برعاية الأمور الباطنة ، ما دون في كتب أهل الحقائق ، وذكرنا بعض ذلك في الشرح ، هذا وإنما تنتج له في الآخرة ما أمله ، فالأعمال الظاهرة على ما قررناه من غير الهمة والإرادة المتعلقة بالأمور المعنوية لا تنتج من أحوال القوم مثل الإلهام والمشاهدة والفناء والسكر والصحو وأخواتها شيئا ( كما أن الهمة لو تعلقت بما وراء العبادات ) مما ذكرنا من الأحوال والمشاهدة ( من غير استعداد لها ) بالأعمال الظاهرة كما هو دأب العابد صاحب الماء والمحراب ( لم يكشف له ) عن ( شيء ) مما ذكرنا أنه يطلع عليه السالك في هذا الكتاب ( ولا نفعت همته ) المتعلقة بحصوله لأنها علة ناقصة ، والعلة التامة لذلك بعد قضاء اللّه وقدره مجموع الأعمال والأقوال والأحوال الظاهرة ، والهمة المتعلقة بالمطالب الروحانية ( بل صاحبها ) أي صاحب الهمة بلا عمل ( أشبه شيء بمريض سقطت قواه بالكلية ) التي هي بمثابة الأعمال الظاهرة ( وعنده الإرادة والهمة للحركة والآلة متعطلة ) لغلبة المرض ( فهل بد ) لمن يريد الوصول إلى حضرة الحق ونيل المطالب المعنوية واللحوق بالملأ الأعلى ( من الاستعداد ) بالظاهر والباطن ( على الكمال ) ولا يصح الاستعداد على الكمال إلا ( بالهمة ) التي هي كمال باطنه ( وغيرها ) من العبادات الظاهرة التي هي كمال ظاهره كما هو ديدن العباد لأن الوصول إلى اللّه كما علمت غير مرة إنما هو بالتحقق

.............................................

( 1 ) الإحياء : كتاب « إحياء علوم الدين » لحجة الإسلام الإمام أبي حامد الغزالي .

 

 

"233"

[ مطلب في بيان من وصل إلى عين الحقيقة وامتحقت همّته ]

فإذا وصل إلى عين الحقيقة وامتحقت همّته وليس لوصول البقية حدّ فيقول الواصل لا ينبغي إلا هكذا وإنما للدهش الذي يقع به عند رفع الحجاب فإن العلم الذي يحصل له عند المشاهدة يلقى عنده التوجه إلى ما هو فوق ما ظهر في حقه لا فيما ظهر فإن الظاهر وإن كان واحد العين فإن الوجوه منه غير متناهية وهي آثاره فينا ، فلا يزال العالم متعطشا دائما أبدا والرغب والرهب يتعلق به دائما أبدا ، ولمثل هذا فليعمل العاملون ، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ، وصلّى اللّه على سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم ، والحمد للّه ربّ العالمين .

......................................................................

بالعبودية ، وليس التحقق بها إلا القيام بمقتضى الصورة الإلهية كما بيناه في رسالة « السبحات » والصورة ظاهرة وباطنة لأن العالم غيب وشهادة ، والأعمال الظاهرة ظل اسمه الظاهر ، والباطنة ظل اسمه الباطن ، وبمجموع الاسمين يحصل الكمال فافهم فإن في هذه الأحرف بحار العلم .

مطلب في بيان من وصل إلى عين الحقيقة وامتحقت همّته ( فإذا ) تحلى السالك بالاستعداد كما بيناه ( وصل إلى عين الحقيقة ) وذلك عين التحقق بالصورة ( وامتحقت همّته ) أي إرادته في إرادة الحق فعلم إذ ذاك أن إرادته فرع إرادة الحق

 

وهو قوله تعالى : وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ [ الإنسان : الآية 30 ] فلو لا ما أراد اللّه وصوله إليه ما هم هو بذلك ونظائر هذا في القرآن أكثر من أن تحصى ، فمن ذلك قوله تعالى : ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا [ التّوبة : الآية 118 ]

ثم قوله : يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [ المائدة : الآية 54 ] لأن الحقيقة سلب آثار أوصافك عنك بأوصافه بأنه الفاعل بك فيك منك لا أنت ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها [ هود : الآية 56 ].

فامتحاق الهمة عين تحقق الإنسان بالصورة ، لأن صفاته حينئذ عين صفات الحق فافهم ، واعلم أن السير إلى اللّه متناه لأنه عبارة عن قطع المسافة الوهمية التي هي عين العالم ، وأما السير في اللّه وهو العلم به من حيث الصفات فلا نهاية له لأن صفاته تعالى غير متناهية ، فالوصول إلى اللّه له حد

( وليس لوصول البقية حدّ ) وعلى هذا ( فيقول ) الواصل بلسان ( الواصل ) أي حصل له من وجوه الحق أعني أسماءه ( لا ينبغي ) أن يكون الحق في حد ذاته ( إلا هكذا ) أي كما حصل له فيقيده وهو سبحانه لا يتقيد ولا ينحصر أو لا ينبغي أن يكون على هذا الوجه الذي حصل وهو الأظهر ( وإنما ) يقول ذلك ( للدهش الذي يقع به عند رفع الحجاب ) وإلا فالكل وجوه الحق

 

"234"

.............................................................

التي هي عينه ( فإن العلم الذي يحصل له عند المشاهدة يلقى عنده التوجه إلى ما هو فوق ما ظهر في حقه ) أي إلى ما هو فوق ما ظهر في حقه بحسب استعداده لأن العلم له السعة التي لا يقابلها ضيق ، فكلما تجلى على عبده بتجل يعده لتجل آخر ، وهكذا إلى ما لا يتناهى ، فلا الري يتصور في حق المحقق الكامل ، ولا التناهي والغاية يتصور في المتجلي ،

وإلى هذا أشار الشيخ رضي اللّه تعالى عنه بقوله :

لو أن ما لا يتناهى وجوده وفرض تناهيه ودخل في قلب العارف ما أحس بذلك لأن الظهور فيه ( لا فيما ظهر فإن الظاهر وإن كان واحد العين فإن الوجوه منه غير متناهية وهي ) عين ( آثاره فينا ) لأن صفاته ما صحت له إلا بنا ، فنحن أعطيناه الصفات ، وهو أعطانا الوجود ، وإذا كان الوصول إلى البقية لا حد له ، لأن كل مشاهدة توجب التوجه إلى ما هو أعلى منها ، وهكذا إلى غير نهاية ( فلا يزال العالم ) بكسر اللام وهو ظاهر ، أو بفتحها وذلك لا يصح إلا من حيث أن الممكنات ما تحركت من العدم إلى الوجود إلا للكمال ، فافهم

 

( متعطشا ) في كل مشاهدة تحصل له إلى مشاهدة هي فوقها ، وهكذا يكون حاله ( دائما أبدا والرغب ) في حصول ما تعطش له ( والرهب ) من فواته وعدم الوصول إليه ( يتعلق به دائما أبدا ولمثل ) هذا فليعمل العاملون ،

وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ، وصلى اللّه على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ،

والحمد للّه ربّ العالمين .

.

فهرس الموضوعات

تقديم 3

ترجمة صاحب المتن الشيخ الأكبر محيي الدين بن العربي 6

نسبه 6

مولده ونشأته 6

مؤلفاته وشيوخه 11

ترجمة الشّارح الشيخ عبد الكريم الجيلي 19

مؤلّفاته 20

مطلب في بيان من رد على الشيخ محي الدين 25

مقدمة 27

فصل 30

فصل 34

مطلب في بيان أن الموجود العلمي إنما اتّصف بالإدراك في حضرة العلم لأنه عين الذات 34

فصل في أن اللّه تعالى يبصر الأشياء وهي معدومة العين 39

مطلب في بيان أن صفة العلم غير صفة البصر 39

مطلب في أن التكاليف الشرعية مطابقة لحقيقة الإنسان مطابقة النعل بالنعل 42

مطلب في من يريد العروج إلى الجناب الأقدس 43

مطلب في بيان من رقي المعراج المشروع ووصل إلى غايته 43

فصل 45

فصل في وصية للشّارح 45

وصية يا أخي لا تجادل فقهاء الشريعة 45

وصية عليك باعتقاد أهل الحديث 45

وصية إياك والتأويل فإنه دهليز الإلحاد 46

وصية عليك بالعزلة 46

وصية احفظ اللّه يحفظك 47

مطلب في المتن 49

مطلب في كيفية السلوك إلى ربّ العزّة تعالى 54

أقسام الواصلين 55

مطلب شهودهم على وجهين 57

مطلب في السلوك إلى اللّه 59

مطلب في بيان أن الطرق شتى وطريق الحق مفرد 60

مطلب ما يتعيّن علينا 62

مطلب في الموطن الأول 64

مطلب الموطن الثاني 64

مطلب الموطن الثالث 65

مطلب في بيان الصور 65

مطلب الموطن الرابع 67

مطلب الموطن الخامس 68

مطلب الموطن السادس 68

مطلب في السفر 69

مطلب في المشاهدة 72

مطلب الفرق بين المسامرة والرؤية 73

مطلب في الفناء الرابع 73

مطلب الفناء الخامس 74

مطلب الفناء السادس 74

مطلب في اتّساع القلب وضيقه 75

مطلب في الاستهلاك في الحق 76

مطلب في بيان أن الدنيا سجن الملك لا داره 77

مطلب إذا أردت الدخول إلى حضرة الحق 79

مطلب الأنس باللّه 80

مطلب العزلة 81

مطلب في الخلوة 83

شعر 83

مطلب في وجوب طلب العلم 89

مطلب في الورع 90

مطلب في الزهد والتوكل 91

مطلب في الرياضة 95

مطلب الذكر في الخلوة 97

مطلب في كيفية انسلاخ الروح والتحاقه بالملأ الأعلى 99

مطلب في غذاء الجسم وقت الخلوة وتفصيله 100

مطلب في الفرق بين الوارد الرحماني والشيطاني والملكي وغيره 102

مطلب في بيان الفرق بين الخاطر الشيطاني والملكي 103

مطلب ظهور الرقيقة الجبريلية على قلب الولي 105

فصل 105

مطلب أن اعتقاد الشيخ هو اعتقاد أهل الإسلام في جميع الأمور الأخروية والنبوة والرسالة 107

مطلب في بيان ما يتجلى للسالك في الخلوة 108

مطلب في بيان كشف العالم الحسي 109

مطلب في بيان الفرق بين كشف عالم الحس والخيال 111

مطلب الكلام على الخيال ومراتبه 112

المرتبة الأولى وهي الخيال المطلق 112

المرتبة الثانية وهي الخيال المقيد 113

المرتبة الثالثة وهي مرتبة الشعور 114

المرتبة الرابعة 114

الروح 114

مطلب في بيان الفناء والفرق بين المشاهدة والنومة 117

مطلب في الكشف المعدني وبعده الكشف النباتي 119

شعر 120

مطلب عالم الخيال أو الحقيقي 121

فصل 122  مطلب في التحليل قبل العروج 122

السماء الأولى 124

السماء الثانية عند عيسى ويحيى عليهما السلام 126

مطلب بيان اللوائح الحالية 131

مطلب في بيان تلطّف الكثيف وتكثّف اللطيف 133

مطلب في التخلص من آفات هذا المقام 134

شعر 136

مطلب في بيان أدب الوقوف بين يدي الحق وبيان الجلال والجمال وحكمهما 137

مطلب في بيان الخروج من عند الحق إلى الخلق 139

مطلب في المشاهدة الدائمة بالوجوه المختلفة « من الظاهر والباطن » 139

شعر 141

مطلب في بيان كيفية تلقّي العلوم من اللّه وما ينبغي للمتلقّي أن يكون عليه من الاستعداد وآداب الأخذ والعطاء والقبض والبسط وكيف يحفظ القلب من الهلاك المحرق وأن الطرق كلها مستديرة وما ثم طريق خطي 141

مطلب في معنى قول الشيخ الحمد للّه الذي أوجد الأشياء عن عدم 143

مطلب في بيان مراتب العلوم النظرية وصور المغالط التي تطرأ عليها وغير ذلك 145

مطلب في عالم التصوير والتحسين والجمال 146

مطلب في السماء الرابعة 149

مطلب في بيان القطب الأكبر وهو إدريس عليه السلام 149

خاتمة 154

مطلب السماء الخامسة لهارون عليه السلام 157

شعر 159

مطلب السماء السادسة لموسى عليه الصلاة والسلام 159

شعر 161

مطلب في بيان عالم الغيرة 161

مطلب السماء السابعة عند إبراهيم عليه السلام 164

مطلب البيت المعمور المسمى بالضراح 165

مطلب في بيان عالم الوقار والسكينة عند إبراهيم عليه السلام 166

مطلب في بيان سدرة المنتهى والبيت المعمور 167

مطلب السدرة 170

مطلب في بيان فلك المنازل 170

مطلب في بيان علم الجنان ودرجاته وجهنم ودركاته 171

مطلب في بيان الأرواح 177

مطلب في الوحدة 177

مطلب في بيان الصور 177

مطلب تسبيح الملائكة في الصور 178

مطلب الكرسي 180

مطلب في العرش 180

مطلب في بيان الكليات من الشكل والجسم وغيره واللوح المحفوظ 181

مطلب في بيان العقل الأول والملك النوني 182

مطلب في بيان رفع المحرك ثم الملائكة المهيمة ثم العماء 183

مطلب في بيان المحو في الوحدة 184

مطلب في بيان التغييب 186

مطلب في بيان الفناء 186

السحق 186

المحق 186

الإثبات 187  ،  الإحضار 187   ،   البقاء 187

مطلب في بيان الجمع والتعيين والخلع والرد إلى الحس 189

مطلب في بيان مقدار غاية كل سالك ومناجاته بأي لغة والوراثة للأنبياء 189

مطلب في المناجي بلغتين ومنهم بثلاثة ومنهم بأربعة إلى غير ذلك 190

مطلب في بيان المكمل 190

مطلب في بيان الواقف ما لم يرجع وكيف يقبض ويحشر وبيان المردود وهو أكمل من الواقف 191

مطلب في بيان أقسام المردودين والمستهلكين والمكمّلين وبيان الصوفي والملامتي إلى غير ذلك 194


بعض كتب الشيخ الأكبر

[كتاب الجلالة وهو اسم الله] [التجليات الإلهية وشرحها: كشف الغايات] [ترجمان الأشواق وشرحه: الذخائر والأعلاق] [مواقع النجوم ومطالع أهلة الأسرار والعلوم] [التدبيرات الإلهية في إصلاح المملكة الإنسانية] [عنقاء مغرب في معرفة ختم الأولياء وشمس المغرب] [كتاب كلام العبادلة] [كتاب إنشاء الدوائر والجداول] [كتاب كنه ما لابد للمريد منه] [الإسرا إلى المقام الأسرى] [كتاب عقلة المستوفز] [كتاب اصطلاح الصوفية] [تاج التراجم في إشارات العلم ولطائف الفهم] [كتاب تاج الرسائل ومنهاج الوسائل] [الوصية إلى العلوم الذوقية والمعارف الكشفية ] [إشارات في تفسير القرآن الكريم] [الفتوحات المكية] [فصوص الحكم] [رسالة روح القدس في مناصحة النفس] [كتاب الأزل - ثمانية وثلاثين] [أسرار أبواب الفتوحات] [رسالة فهرست المصنفات] [الإجازة إلى الملك المظفر] [محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار] [رسالة الأنوار فيما يمنح صاحب الخلوة من الأسرار] [حلية الأبدال وما يظهر عنها من المعارف والأحوال] [كتاب الألف وهو كتاب الأحدية] [كتاب العظمة] [كتاب الباء] [كتاب الياء وهو كتاب الهو] [كتاب الحروف الدورية: الميم والواو والنون] [رسالة إلى الشيخ فخر الدين الرازي] [الإسفار عن نتائج الأسفار] [كتاب الشاهد] [الحكم الحاتمية] [الفناء في المشاهدة] [القسم الإلهي] [أيام الشأن] [كتاب القربة] [منزل القطب ومقاله وحاله] [منزل المنازل الفهوانية] [المدخل إلى المقصد الأسمى في الإشارات] [الجلال والجمال] [ما لذة العيش إلا صحبة الفقرا] [رسالة المضادة بين الظاهر والباطن] [رسالة الانتصار] [سؤال اسمعيل بن سودكين] [كتاب المسائل] [كتاب الإعلام بإشارات أهل الإلهام]

شروحات ومختصرات لكتاب الفتوحات المكية:

[اليواقيت والجواهر، للشعراني] [الكبريت الأحمر، للشعراني] [أنفس الواردات، لعبد اللّه البسنوي] [شرح مشكلات الفتوحات، لعبد الكريم الجيلي] [المواقف للأمير عبد القادر الجزائري] [المعجم الصوفي - الحكمة في حدود الكلمة]

شروح وتعليقات على كتاب فصوص الحكم:

[متن فصوص الحكم] [نقش فصوص الحكم] [كتاب الفكوك في اسرار مستندات حكم الفصوص] [شرح على متن فصوص الحكم] [شرح فصوص الحكم] [كتاب شرح فصوص الحكم] [كتاب جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص] [شرح الكتاب فصوص الحكم] [كتاب مطلع خصوص الكلم في معاني فصوص الحكم] [كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم] [شرح على متن فصوص الحكم] [شرح ا فصوص الحكم للشيخ الأكبر ابن العربي] [كتاب نقد النصوص فى شرح نقش الفصوص] [تعليقات على فصوص الحكم] [شرح كلمات فصوص الحكم] [المفاتيح الوجودية والقرآنیة لفصوص حكم]

بعض الكتب الأخرى:

[كتاب الشمائل المحمدية للإمام أبي عيسى الترمذي] [الرسالة القشيرية] [قواعد التصوف] [كتاب شمس المغرب]

بعض الكتب الأخرى التي لم يتم تنسيقها:

[الكتب] [النصوص] [الإسفار عن رسالة الأنوار] [السبجة السوداء] [تنبيه الغبي] [تنبيهات] [الإنسان الكامل] [تهذيب الأخلاق] [نفائس العرفان] [الخلوة المطلقة] [التوجه الأتم] [الموعظة الحسنة] [شجرة الكون]



يرجى ملاحظة أن بعض المحتويات تتم ترجمتها بشكل شبه تلقائي!