مجموعة من الإشارات والتأويلات المحفوظة في قاعدة كتب الموقع.
☷ الفهرسسورة الشمس — الآيات 8
فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها (8)
[ «فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها» الآية ]
لهذا جعلناها محل التطهير والتغيير ، فإن أجابت الهوى كان التغيير ، وحصل لها اسم الأمّارة بالسوء ، وإن أجابت العقل كان التطهير وصح لها اسم المطمئنة شرعا ، ووقوع هذا الأمر لحكمة لطيفة وسر عجيب ، وهو أن اللّه سبحانه لما أوجد الروح وهو الخليفة على الكمال ، أراد أن يعرّفه سبحانه مع ذلك أنه فقير لا حول ولا قوة إلا لسيده الرب تعالى ، فلهذا أوجد له منازعا ينازعه فيما قلّده ، فرجع الروح بالشكوى إلى اللّه القديم سبحانه ، فثبتت له في نفسه عبوديته بالافتقار والعجز والذلة ، وتحقق التميز وعرف قدره ، فذلك كان المراد ، فإن الإنسان لو نشأ على الخير والنعم طول عمره لم يعرف قدر ما هو فيه حتى يبتلى ، فإذا مسه الضر عرف قدر المنعم ، والإلهام ضرب من ضروب الوحي لا يخلو عنه موجود ، وهو خبر من اللّه للعبد على يد ملك مغيّب عن هذا الملهم ، وقد يلهم من الوجه الخاص ، فالرسول والنبي يشهد الملك ويراه عندما يوحي إليه ، وغير الرسول يحس بأثره
ولا يراه رؤية بصر ، فيلهمه اللّه به ما شاء أن يلهمه ، أو يعطيه من الوجه الخاص بارتفاع الوسائط ، وهو أجلّ الإلقاء وأشرفه ، فالإلهام إعلام إلهي ، ما هو مثل وحي الكلام ، ولا وحي الإشارة والعبارة ، وهو الخاطر الخاطر ، فلا يعول إلا على الخاطر الأول ، فإنه الحق المبين ، والصادق الذي لا يمين ، ولهذا يصيب ولا يخطئ ، ويمضي ما يقول ولا يبطئ ، فدخل الملك بالتقوى في هذه الآية إذ لا نصيب له في الفجور ، وكذلك سائر نفوس ما عدا الإنس والجان ، فالإنس والجن ألهموا الفجور والتقوى ، وما ذكر سبحانه من الملهم لها بالفجور والتقوى ، فأضمر الفاعل ، فالظاهر أن الضمير المضمر يعود على المضمر في (سَوَّاها) وهو اللّه تعالى ، فإن سبيل الوحي قد انقطع بموت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقد كان الوحي قبله ، ولم يجئ خبر إلهي أن بعده وحيا ، وإن لم يلزم هذا ،
وقد جاء الخبر النبوي الصادق في عيسى عليه السلام - وقد كان ممن أوحي إليه قبل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم -أنه لا يؤمنا إلا منا ، أي بسنتنا ، فله الكشف إذا نزل والإلهام ، كما لهذه الأمة ، فالإلهام الإلهي أكثره لا واسطة فيه ، فمن عرفه عرف كيف يأخذه ، ومحله النفس ، قال تعالى «فَأَلْهَمَها» فالفاعل هويته ، فهو الملهم لا غيره (فُجُورَها) ليعلمه لا ليعمل به «وَتَقْواها» ليعلمه ويعمل به ، فهو إلهام إعلام لا كما يظنه من لا علم له ، فبين لها الفجور من التقوى إلهاما من اللّه لها ، لتتجنب الفجور وتعمل بالتقوى ، فألهمها فعلمت أن الفجور فجور فاجتنبته ، وعلمت أن التقوى تقوى فلزمته ، فتسلك طريق التقوى وتجانب طريق الفجور ، وكذلك ليفصل بين الفجور والتقوى ، إذ النفس محل لظهور الأمرين فيها ، فربما التبس عليها الأمر وتخيلت فيه أنه كله تقوى ، فعلمها اللّه فيما ألهمها ما يتميز به عندها الفجور من التقوى ، ولذا جاء بالإلهام ولم يجئ بالأمر ، فإن اللّه لا يأمر بالفحشاء ، والفجور فحشاء ، فله الإلهام فينا ، ولنا العمل بما ألهم ، ولذلك قال (وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها) والدس إلحاق خفي بازدحام ، فألحق العمل بالفجور بالعمل بالتقوى وما فرق في موضع التفريق ، فجمع بينهما في العلم والعمل ، والأمر ليس كذلك ، وسبب جهله بذلك أنه رمى ميزان الشرع من يده ، فلو لم يضع الميزان من يده لرأى أنه مأمور بالتقوى منهي عن الفجور ، مبيّن له الأمران معا ، ولما أضاف اللّه الفجور لها والتقوى ، علمنا أنه لا بد من وقوعهما في الوجود من هذه النفس الملهمة ، وكما أن اللّه سبحانه لم يأمر بالفحشاء لم يلهم العبد العمل بالفحشاء كما يراه بعضهم ،
ولو ألهمه العمل بالفحشاء لما قامت الحجة للّه على العبد ، بل هذه الآية
مثل قوله (وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ) - .
لا تحكمن بإلهام تجده فقد *** يكون في غير ما يرضاه واهبه
واجعل شريعتك المثلى مصححة *** فإنها ثمر يجنيه كاسبه
له الإساءة والحسنى معا فكما *** تعطي طرائفه تردي مذاهبه
فاحذره إن له في كل طائفة *** حكما إذا جهلت فينا مكاسبه
لا تطلبن من الإلهام صورته *** فإن وسواس إبليس يصاحبه
في شكله وعلى ترتيب صورته *** وإن تميز فالمعنى يقاربه
فجعل اللّه النفس محلا قابلا لما تلهمه من الفجور والتقوى ، فتميز الفجور فتجتنبه ، والتقوى فتسلك طريقه ، ومن نظر قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم [ إن للملك في الإنسان لمة ، وللشيطان لمة ]
يعني بالطاعة وهي التقوى ، والمعصية وهي الفجور ، فيكون الضمير في ألهمها للملك في التقوى ، وللشيطان في الفجور ، فيكون قوله تعالى «فَأَلْهَمَها فُجُورَها» عملا أو تركا ، لمجيئه على يد شيطان ، «وَتَقْواها» عملا أو تركا لمجيئه على يد ملك ، ولم يجمعهما في ضمير واحد لبعد المناسبة بينهما ،
وكل بقضاء اللّه وقدره ، ولا يصح أن يقال في هذا الموضع : إن اللّه هو الملهم بالتقوى ، وإن الشيطان هو الملهم بالفجور ، لما في ذلك من الجهل وسوء الأدب ، لما في ذلك من غلبة أحد الخاطرين ، والفجور أغلب من التقوى ،
فإنه في ذلك يجمع بين اللّه والشيطان في ضمير واحد ، وهو غاية سوء الأدب مع اللّه ، وما أحسن ما جاء بالواو العاطفة في قوله «وَتَقْواها» فتعالى اللّه الملك القدوس أن يجتمع مع المطرود من رحمة اللّه في ضمير ، مع احتمال الأمر في ذلك ، فالفاعل في ألهمها مضمر ، وكذلك لا يترجح أن ننسب الإلهام بالفجور إلى اللّه ، فلم يبق بعد هذا الاستقصاء إلا أن يكون الضمير في ألهمها بالفجور إلى الشيطان ،
وبالواو بالتقوى إلى الملك ، فمقابلة مخلوق بمخلوق أولى من مقابلة مخلوق بخالق ، ومن وجه آخر تطلبه الآية ، وهو أنه بما ألهمها عرّاها أن يكون لها في الفجور والتقوى كسب أو تعمل ، وإنما هي محل لظهور الفعل ، فجورا كان أو تقوى شرع
- الفرق بين الإلهام والعلم اللدني-
العلم بالطاعة إلهامي ، والعلم بنتائج الطاعة لدني ، فالإلهام عارض طارئ ، يزول ويجيء ، والعلم اللدني ثابت لا يبرح ،
والإلهام هو ما يلهمه العبد من الأمور التي لم يكن يعرفها قبل ذلك ، والعلم اللدني الذي لا يكون في أصل الخلقة ، فهو العلم الذي تنتجه الأعمال ، فيرحم اللّه بعض عباده بأن يوفقه لعمل صالح ، فيعمل به فيورثه اللّه من ذلك علما من لدنه لم يكن يعلمه قبل ذلك ، ولا يلزم من العلم اللدني أن يكون في مادة ، والإلهام لا يكون إلا في مواد ، والعلم يصيب ولا بد ، والإلهام قد يصيب وقد يخطئ ، فالمصيب منه يسمى علم الإلهام ، وما يخطئ منه يسمى إلهاما لا علما ، أي لا علم إلهام ،
قال صلّى اللّه عليه وسلّم [ قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع اللّه ] فالإلهام هنا هو التقليب ، والأصابع للسرعة ، والاثنينية لها خاطر الحسن وخاطر القبيح
- بشرى –
قال تعالى «فَأَلْهَمَها فُجُورَها ، وَتَقْواها» قدم تعالى الفجور على التقوى عناية بنا إلى الخاتمة ، والغاية للخير ، فلو أخر الفجور على التقوى لكان من أصعب ما يمر علينا سماعه ، فالفجور يعرض للبلاء ، والتقوى محصل للرحمة ، وقد تأخر التقوى فلا يكون إلا خيرا .
الرابط الدائم: /books/tafsir.php?id=2231
إصدار الموقع الإلكتروني؛ رقم السجل ليس ترقيم الطبعة المطبوعة. راجع أصول النصوص وتوثيق النسبة.

