تجاوز إلى المحتوى
✦ إشارات تفسيرية في آيات القرآن

سورة ص — الآيات 73 — إشارات تفسيرية في آيات القرآن

مجموعة من الإشارات والتأويلات المحفوظة في قاعدة كتب الموقع.

۞ قراءة النص

مجموعة من الإشارات والتأويلات المحفوظة في قاعدة كتب الموقع.

☷ الفهرس
رقم السجل 1547

سورة ص — الآيات 73

فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (73)

[ تحقيق : تقسيم الأمر إلى حق وخلق ]

- تحقيق - اعلم أن الأمر حق وخلق ، وأنه وجود محض لم يزل ولا يزال ، وإمكان محض لم يزل ولا يزال ، وعدم محض لم يزل ولا يزال ، فالوجود المحض لا يقبل العدم أزلا وأبدا ، والعدم المحض لا يقبل الوجود أزلا وأبدا ، والإمكان المحض يقبل الوجود لسبب ، ويقبل العدم لسبب أزلا وأبدا ، فالوجود المحض هو اللّه ليس غيره ،

والعدم المحض هو المحال وجوده ليس غيره ، والإمكان المحض هو العالم ليس غيره ، ومرتبته بين الوجود المحض والعدم المحض ، فبما ينظر منه إلى العدم يقبل العدم ، وبما ينظر منه إلى الوجود يقبل الوجود ، فمنه ظلمة وهو الطبيعة ، ومنه نور وهو النفس الرحماني الذي يعطي الوجود لهذا الممكن ؛ فالعالم حامل محمول ،

فبما هو حامل هو صورة وجسم وفاعل ، وبما هو محمول هو روح ومعنى ومنفعل ، فما من صورة محسوسة أو خيالية أو معنوية إلا ولها تسوية من جانب الحق وتعديل ، كما يليق بها وبمقامها وحالها ، وذلك قبل التركيب ،

أعني اجتماعها مع المحمول الذي تحمله ، فإذا سواها الرب بما شاء - من قول أو يد أو يدان أو أيد ، وما ثمّ سوى هذه الأربعة ، لأن الوجود على التربيع قام - وعدله ، وهو التهيؤ والاستعداد للتركيب والحمل ، تسلمه الرحمن فوجه عليه نفسه

وهو روح الحق في قوله (فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي)

وهو عين هذا النفس قبلته تلك الصورة ، واختلف قبول الصور بحسب الاستعداد ، فإذا كانت الصورة عنصرية واشتعلت فتيلتها بذلك النفس ، سميت حيوانا عند ذلك الاشتعال ،

وإن لم يظهر لها اشتعال وظهر لها في العين حركة وهي عنصرية سميت نباتا ، وإن لم يظهر لها اشتعال ولا حركة أعني في الحس وهي عنصرية سميت معدنا وجمادا .

وقد عرفنا الحق أن سبب الحياة في صور المولدات إنما هو النفخ الإلهي ، وهو النفس الذي أحيا اللّه به الإيمان فأظهره ،

قال صلّى اللّه عليه وسلم : [ إن نفس الرحمن يأتيني من قبل اليمن ] فحييت بذلك


النفس الرحماني صورة الإيمان في قلوب المؤمنين والأحكام المشروعة ، وهذا الروح المنفوخ هو السر الذي عند المخلوق من اللّه ، فلا يراه إلا به ، ولا يسمع كلامه إلا به ، فإنه يتعالى ويتقدس أن يدرك إلا به ، فكل العناصر تجتمع على هذا السر الإلهي وتشتمل عليه ، وبه سبّحت الصورة بحمده ، وحمدت ربها إذ لا يحمده سواه ، ولو حمدته الصورة من حيث هي لا من حيث هذا السر لم يظهر الفضل الإلهي ولا الامتنان على هذه الصورة ، وقد ثبت الامتنان له على جميع الخلائق ، فثبت أن الذي كان من المخلوق للّه من التعظيم والثناء إنما كان من ذلك السر الإلهي ، ففي كل شيء من روحه ، وليس شيء فيه ، فالحق هو الذي حمد نفسه ، وسبح نفسه ، وما كان من خير إلهي لهذه الصورة عند ذلك التحميد والتسبيح فمن باب المنة لا من باب الاستحقاق الكوني ، فإن جعل الحق له استحقاقا فمن حيث أنه أوجب

[ إشارة : أثر المزاج في الروح ] ذلك على نفسه .

- إشارة -الأرواح المنفوخة في الأجسام من أصل مقدس نقي ، فإن كان المحل طيب المزاج زاد الروح طيبا ، وإن كان غير طيب خبّثه وصيّره بحكم مزاجه ، فرسل اللّه الذين هم خلفاؤه أطهر الناس محلا ، فهم المعصومون ، فما زادوا الطيب إلا طيبا ،

وما عداهم من الخلفاء منهم من يلحق بهم ، وهم الورثة في الحال والفعل والقول ،

ومنهم من يختل بعض اختلال وهم العصاة ، ومنهم من يكثر منه ذلك الاختلال وهم المنافقون ، ومنهم المنازع والمحارب وهم الكفار والمشركون ،

فيبعث اللّه إليهم الرسل ليعذروا من نفوسهم إذا عاقبهم بخروجهم عليه واستنادهم إلى غيره الذي أقاموه إلها فيهم من أنفسهم ، والإرسال من اللّه إنما أرسلهم من كونه ملكا إلى النفوس الناطقة من عباده لكونهم مدبرين مدائن هياكلهم ،

ورعاياهم جوارحهم الظاهرة ، وقواهم الباطنة ، فيبعث اللّه رسله إلى هذه النفوس الناطقة ، وهي التي تنفذ في الجوارح ما تنفذ من طاعة ومخالفة ، ولها قبول الرسالة والإقبال على الرسول والتحفي به أو الإهانة ، وقد يكون الرد بحسب ما أعطاها اللّه من الاستعداد من توفيق أو خذلان ، فجعل النفوس ملوكا على أبدانها ، وآتاها ما لم يؤت أحدا من العالمين ،

وهو طاعة رعاياها لها ، فالجوارح والقوى لا تعصي لها أمرا بوجه من الوجوه ،

وسائر الملوك الذين رعاياهم غير متصلين بهم قد يعصون أوامر ملوكهم ، كما أن من هؤلاء الملوك من قد يعصي ما أمره به الملك الحق سبحانه وتعالى على لسان رسوله إليهم وقد يطيع ، فتوجيه الرسل وبعث اللّه إليهم ، أثبت لهم كونهم ملوكا ، فإن الرسل عرفاء لا تمشي إلا بين


الملوك لا بين الرعايا ، فلما أنزلهم الحق منزلته في الملك ، علمنا أنه لولا ثمّ مناسبة تقتضيه ما كان هذا ، فإذا المناسبة في أصل الخلقة ،

وهي قوله تعالى : (وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي) فهو ولّاه وملّكه وجعله خليفة عنه ، فما كانت الرسل إلا إلى ولاته ، فهذه إشارة إلى أن النفس الناطقة هي المخاطبة من الحق بواسطة الرسول ، ولما كانت صورة الإنسان الأول المخلوق باليدين على الصورة الإلهية الجامعة ، وتوجه عليها الرحمن بنفسه ،

ونفخ فيها روحا من أمره ، فحمل الإنسان الأول في تلك النفخة علم الأسماء الإلهية التي لم يحملها صورة العقل أول مخلوق ، فخرج على صورة الحق ، وفيه انته حكم النفس ، إذ لا أكمل من صورة الحق ،

فقال تعالى : (فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ)

«فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ» .

(73) الفتوحات ج 2 / 426 - ج 1 / 168 - ج 4 / 278 ، 279 - ج 2 / 426
الطبعة والمصدر

إصدار الموقع الإلكتروني؛ رقم السجل ليس ترقيم الطبعة المطبوعة. راجع أصول النصوص وتوثيق النسبة.

شارك هذه الصفحة