مجموعة من الإشارات والتأويلات المحفوظة في قاعدة كتب الموقع.
☷ الفهرسسورة ص — الآيات 72
فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ (72)
[ سجود الملائكة لآدم عليه السلام ]
اعلم أنه لما أقام الحق تعالى الإنسان بهذا المقام الأكمل ، ورداه برداء المعلم الأجمل ، فنظرت إليه الروحانيات العلى بعين التعظيم ، وذلك قبل وجود مركبه البهيم ، فإنه تعالى قال لهم : (إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) فلم يزل عالي الكلمة بعلم الأسماء ، مميزا لتفاصيل الأشياء ، إلى أن أخذت مقاماتها الأملاك ، ودارت بأشواقها الأفلاك ، وانفعلت الأكوان لذلك الدور ، وانعطف المكور عليها بعد الكور ، وظهرت المولدات الجسمانيات والجسميات ، ذوات الكميات والكيفيات ، كالمعدن والنبات والحيوان ، وليس للإنسان وجود في الأعيان ، حتى إذا بلغت الدورة المخصوصة ، وتوجهت الكلمة المنصوصة ، من الحضرة العلية المأنوسة ، بإيجاد هذه الكلمة الهوية المحروسة ، قبض الحق سبحانه
- كما روي -من الأرض قبضة من حيث لا يعلمون ، وخمر طينته بيديه من غير تشبيه ولا تكييف وهم لا يشعرون ، وسواه متجاور الأضداد ، وميّزه بالحركة المستقيمة من بين سائر الأولاد ، وأعطته قوى هذه البنية التصرف بالحركة المنكوسة والأفقية ، ثم أنطق الفهوانية في الروحانيات بخلافته ، فطعنت من فورها في نيابته ، ولو عاينت تشريف اليدين ، ما حجبتهم مجاورة الضدين ، ولأنه سبحانه ما ذكر لملائكته إلا خلافته في الأرض ، وما تعرض للملائكة ، فلما ظهر من الملائكة في حق آدم ما ظهر ، قام ذلك الترجيح منهم لأنفسهم ، وكونهم أولى من آدم بذلك ، ورجحوا نظرهم على علم اللّه في ذلك ، فقام لهم ذلك مقام خطايا بني آدم ، فكان سببا لسيادة آدم على الملائكة ، فأمروا بالسجود له لتثبيت سيادته عليهم ، فقال تعالى : «فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ»
فأمر اللّه سبحانه الملائكة بالسجود لمعلمهم سجود أمر - كسجود الناس إلى الكعبة- وتشريف ، لا سجود عبادة ، فهذا السجود كالتواضع والخضوع ، والإقرار بالسبق والفخر والشرف
والتقدم له ، كتواضع التلميذ لمعلمه ، وذلك تشريف من اللّه سبحانه ، ودليل قاطع على ثبوت إرادته ، يختص برحمته من عباده من يشاء ، فلما نفخ فيه الروح الأنزه ، والسر الحاكم المتأله ، عرفت الملائكة حينئذ قدر هذا البيت الأعلى ، والمحل الأشرف الأسنى ، فأوقفهم الحق بين يديه طالبين ، وأمرهم فوقعوا له ساجدين .
الرابط الدائم: /books/tafsir.php?id=1546
إصدار الموقع الإلكتروني؛ رقم السجل ليس ترقيم الطبعة المطبوعة. راجع أصول النصوص وتوثيق النسبة.

