تجاوز إلى المحتوى
✦ القرآن الكريم

الآية 152 من سورة آل عمران

رقم السجل 445 · السورة 3 · الآية 152

۞ قراءة النص
۞

وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعْدَهُۥٓ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِۦ ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَٰزَعْتُمْ فِى ٱلْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّنۢ بَعْدِ مَآ أَرَىٰكُم مَّا تُحِبُّونَ ۚ مِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلْءَاخِرَةَ ۚ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ ۖ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ ۗ وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴿152﴾

أشكال النص المحفوظة

دون تشكيل

ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين

مع التشكيل

وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ ۚ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الْآخِرَةَ ۚ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ ۖ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ ۗ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ

الرسم العثماني

وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعْدَهُۥٓ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِۦ ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَٰزَعْتُمْ فِى ٱلْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّنۢ بَعْدِ مَآ أَرَىٰكُم مَّا تُحِبُّونَ ۚ مِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلْءَاخِرَةَ ۚ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ ۖ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ ۗ وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ

النقل الصوتي

Walaqad <u>s</u>adaqakumu All<u>a</u>hu waAAdahu i<u>th</u> ta<u>h</u>ussoonahum bii<u>th</u>nihi <u>h</u>att<u>a</u> i<u>tha</u> fashiltum watan<u>a</u>zaAAtum fee alamri waAAa<u>s</u>aytum min baAAdi m<u>a</u> ar<u>a</u>kum m<u>a</u> tu<u>h</u>ibboona minkum man yureedu a<b>l</b>dduny<u>a</u> waminkum man yureedu al<u>a</u>khirata thumma <u>s</u>arafakum AAanhum liyabtaliyakum walaqad AAaf<u>a</u> AAankum wa<b>A</b>ll<u>a</u>hu <u>th</u>oo fa<u>d</u>lin AAal<u>a</u> almumineen<b>a</b>

English

Allah verily made good His promise unto you when ye routed them by His leave, until (the moment) when your courage failed you, and ye disagreed about the order and ye disobeyed, after He had shown you that for which ye long. Some of you desired the world, and some of you desired the Hereafter. Therefore He made you flee from them, that He might try you. Yet now He hath forgiven you. Allah is a Lord of Kindness to believers.

Français

Et certes, Allah a tenu Sa promesse envers vous, quand par Sa permission vous les tuiez sans relâche, jusqu'au moment où vous avez fléchi, où vous vous êtes disputés à propos de l'ordre donné, et vous avez désobéi après qu'Il vous eut montré (la victoire) que vous aimez! Il en était parmi vous qui désiraient la vie d'ici-bas et il en était parmi vous qui désiraient l'au-delà. Puis Il vous a fait reculer devant eux, afin de vous éprouver. Et certes Il vous a pardonné. Et Allah est Détenteur de la grâce envers les croyants.

Türkçe

Andolsun ki Allah, size ettiği vaadi doğruladı; izniyle onları bozup öldürdünüz de sonra gevşeklik gösterdiniz, verilen buyruk hakkında çekiştiniz ve sevdiğiniz şeyi size gösterdikten sonra tuttunuz, isyan ettiniz. Sizden dünyayı dileyen olduğu gibi ahireti dileyen de vardı. Sonra sizi sınamak için onlardan geri çevirdi ve gerçekten de bağışladı sizi ve Allah, inananlara karşı lütuf ve ihsan sahibidir.

Deutsch

Und gewiß, bereits hielt ALLAH euch gegenüber sein Versprechen ein, als ihr sie mit Seiner Zustimmung getötet habt, bis ihr Rückzieher gemacht, euch über die Angelegenheit gestritten und euch widersetzt habt, nachdem ER euch von dem gezeigt hat, was ihr liebt - manche von euch wollen das Diesseits und andere wollen das Jenseits - dann hat ER euch von ihnen (den Kafir) abgelenkt, damit ER euch prüft. Und gewiß, bereits hat ER euch vergeben. Und ALLAH ist den Mumin gegenüber Gunst erweisend.

روابط التفسير لهذه الآية

الجلالين
«ولقد صدقكم الله وعده» إياكم بالنصر «إذ تحسونهم» تقتلونهم «بإذنه» بإرادته «حتى إذا فَشِلْتُمْ» جبنتم عن القتال «وتنازعتم» اختلفتم «في الأمر» أي أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالمقام في سفح الجبل للرمي فقال بعضكم: نذهب فقد نُصر أصحابنا وبعضكم: لا نخالف أمر النبي صلى الله عليه وسلم «وعصَيتم» أمره فتركتم المركز لطلب الغنيمة «من بعد ما أراكم» اللهُ «ما تحبون» من النصر وجواب إذا دل عليه ما قبله أي منعكم نصره «منكم من يريد الدنيا» فترك المركز للغنيمة «ومنكم من يريد الآخرة» فثبت به حتى قتل كعبد الله بن جبير و أصحابه «ثم صرفكم» عطف على جواب إذا المقدر ردَّكم للهزيمة «عنهم» أي الكفار «ليبتليكم» ليمنحنكم فيظهر المخلص من غيره «ولقد عفا عنكم» ما ارتكبتموه «والله ذو فضل على المؤمنين» بالعفو.
عرض مصدر التفسير
ابن كثير

( ولقد صدقكم الله وعده ) أي : أول النهار ( إذ تحسونهم ) أي : تقتلونهم ( بإذنه ) أي : بتسليطه إياكم عليهم ( حتى إذا فشلتم ) وقال ابن جريج : قال ابن عباس : الفشل الجبن ، ( وتنازعتم في الأمر وعصيتم ) كما وقع للرماة ( من بعد ما أراكم ما تحبون ) وهو الظفر منهم ( منكم من يريد الدنيا ) وهم الذين رغبوا في المغنم حين رأوا الهزيمة ( ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ) ثم أدالهم عليكم ليختبركم ويمتحنكم ( ولقد عفا عنكم ) أي : غفر لكم ذلك الصنيع ، وذلك - والله أعلم - لكثرة عدد العدو وعددهم ، وقلة عدد المسلمين وعددهم .

قال ابن جريج : قوله : ( ولقد عفا عنكم ) قال : لم يستأصلكم . وكذا قال محمد بن إسحاق ، رواهما ابن جرير ( والله ذو فضل على المؤمنين ) .

وقال الإمام أحمد : حدثنا سليمان بن داود أخبرنا عبد الرحمن بن أبي الزناد ، عن أبيه ، عن عبيد الله عن ابن عباس أنه قال : ما نصر الله في موطن كما نصره يوم أحد . قال : فأنكرنا ذلك ، فقال ابن عباس : بيني وبين من أنكر ذلك كتاب الله ، إن الله يقول في يوم أحد : ( ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه ) يقول ابن عباس : والحس : القتل ( حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ) الآية وإنما عنى بهذا الرماة ، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أقامهم في موضع ، ثم قال : " احموا ظهورنا ، فإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا وإن رأيتمونا قد غنمنا فلا تشركونا . فلما غنم النبي صلى الله عليه وسلم وأباحوا عسكر المشركين أكبت الرماة جميعا [ ودخلوا ] في العسكر ينهبون ، ولقد التقت صفوف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فهم هكذا - وشبك بين يديه - وانتشبوا ، فلما أخل الرماة تلك الخلة التي كانوا فيها ، دخلت الخيل من ذلك الموضع على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فضرب بعضهم بعضا والتبسوا ، وقتل من المسلمين ناس كثير ، وقد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أول النهار ، حتى قتل من أصحاب لواء المشركين سبعة أو تسعة ، وجال المسلمون جولة نحو الجبل ولم يبلغوا - حيث يقول الناس - الغار ، إنما كان تحت المهراس ، وصاح الشيطان : قتل محمد ، فلم يشك فيه أنه حق ، فما زلنا كذلك ما نشك أنه حق ، حتى طلع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين السعدين ، نعرفه بتلفته إذا مشى - قال : ففرحنا حتى كأنه لم يصبنا ما أصابنا - قال : فرقي نحونا وهو يقول : " اشتد غضب الله على قوم دموا وجه رسول الله " . ويقول مرة أخرى : " اللهم إنه ليس لهم أن يعلونا " . حتى انتهى إلينا ، فمكث ساعة ، فإذا أبو سفيان يصيح في أسفل الجبل : اعل هبل ، مرتين - يعني آلهته - أين ابن أبي كبشة ؟ أين ابن أبي قحافة ؟ أين ابن الخطاب ؟ فقال عمر : يا رسول الله ، ألا أجيبه ؟ قال : " بلى " قال : فلما قال : اعل هبل . قال عمر : الله أعلى وأجل . فقال أبو سفيان : قد أنعمت عينها فعاد عنها أو : فعال ! فقال : أين ابن أبي كبشة ؟ أين ابن أبي قحافة ؟ أين ابن الخطاب ؟ فقال عمر : هذا رسول الله ، وهذا أبو بكر ، وها أنا ذا عمر . قال : فقال أبو سفيان : يوم بيوم بدر ، الأيام دول ، وإن الحرب سجال . قال : فقال عمر : لا سواء ، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار . قال إنكم تزعمون ذلك ، لقد خبنا إذا وخسرنا ، ثم قال أبو سفيان : إنكم ستجدون في قتلاكم مثلة ولم يكن ذلك على رأي سراتنا . قال : ثم أدركته حمية الجاهلية فقال : أما إنه إن كان ذلك لم نكرهه .

هذا حديث غريب ، وسياق عجيب ، وهو من مرسلات ابن عباس ، فإنه لم يشهد أحدا ولا أبوه .

وقد أخرجه الحاكم في مستدركه عن أبي النضر الفقيه ، عن عثمان بن سعيد ، عن سليمان بن داود بن علي بن عبد الله بن عباس ، به . وهكذا رواه ابن أبي حاتم والبيهقي في دلائل النبوة ، من حديث سليمان بن داود الهاشمي ، به ولبعضه شواهد في الصحاح وغيرها ، فقال الإمام أحمد :

حدثنا عفان ، حدثنا حماد ، حدثنا عطاء بن السائب عن الشعبي ، عن ابن مسعود قال : إن النساء كن يوم أحد ، خلف المسلمين ، يجهزن على جرحى المشركين ، فلو حلفت يومئذ رجوت أن أبر : أنه ليس أحد منا يريد الدنيا ، حتى أنزل الله عز وجل : ( منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ) فلما خالف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وعصوا ما أمروا به ، أفرد رسول الله صلى الله عليه وسلم في تسعة : سبعة من الأنصار ، ورجلين من قريش ، وهو عاشرهم ، فلما رهقوه [ قال : " رحم الله رجلا ردهم عنا " . قال : فقام رجل من الأنصار فقاتل ساعة حتى قتل ، فلما رهقوه ] أيضا قال : " رحم الله رجلا ردهم عنا " . فلم يزل يقول ذا حتى قتل السبعة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لصاحبه : " ما أنصفنا أصحابنا " .

فجاء أبو سفيان فقال : اعل هبل . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " قولوا : الله أعلى وأجل " . فقالوا : الله أعلى وأجل . فقال أبو سفيان : لنا العزى ولا عزى لكم . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قولوا : " الله مولانا ، والكافرون لا مولى لهم " . ثم قال أبو سفيان : يوم بيوم بدر ، يوم علينا ويوم لنا ويوم نساء ويوم نسر . حنظلة بحنظلة ، وفلان بفلان ، وفلان بفلان ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا سواء . أما قتلانا فأحياء يرزقون ، وقتلاكم في النار يعذبون " . قال أبو سفيان : قد كان في القوم مثلة ، وإن كانت لعن غير ملأ منا ، ما أمرت ولا نهيت ، ولا أحببت ولا كرهت ، ولا ساءني ولا سرني . قال : فنظروا فإذا حمزة قد بقر بطنه ، وأخذت هند كبده فلاكتها فلم تستطع أن تأكلها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أكلت شيئا ؟ " قالوا : لا . قال : " ما كان الله ليدخل شيئا من حمزة في النار " .

قال : فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم حمزة فصلى عليه ، وجيء برجل من الأنصار فوضع إلى جنبه فصلى عليه ، فرفع الأنصاري وترك حمزة ، ثم جيء بآخر فوضعه إلى جنب حمزة فصلى [ عليه ] ثم رفع وترك حمزة ، حتى صلى عليه يومئذ سبعين صلاة .

تفرد به أحمد أيضا .

وقال البخاري : حدثنا عبيد الله بن موسى ، عن إسرائيل ، عن أبي إسحاق : عن البراء قال : لقينا المشركين يومئذ ، وأجلس النبي صلى الله عليه وسلم جيشا من الرماة ، وأمر عليهم عبد الله - يعني ابن جبير - وقال : " لا تبرحوا إن رأيتمونا ظهرنا عليهم فلا تبرحوا ، وإن رأيتموهم ظهروا علينا فلا تعينونا " . فلما لقيناهم هربوا ، حتى رأينا النساء يشتددن في الجبل ، رفعن عن سوقهن ، وقد بدت خلاخلهن ، فأخذوا يقولون : الغنيمة الغنيمة . فقال عبد الله : عهد إلي النبي صلى الله عليه وسلم ألا تبرحوا . فأبوا ، فلما أبوا صرف وجوههم ، فأصيب سبعون قتيلا فأشرف أبو سفيان فقال : أفي القوم محمد ؟ فقال : " لا تجيبوه " . فقال : أفي القوم ابن أبي قحافة ؟ فقال : " لا تجيبوه " . فقال : أفي القوم ابن الخطاب ؟ فقال : إن هؤلاء قد قتلوا ، فلو كانوا أحياء لأجابوا . فلم يملك عمر نفسه فقال : كذبت يا عدو الله ، قد أبقى الله لك ما يحزنك فقال أبو سفيان : اعل هبل . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " أجيبوه " . قالوا : ما نقول ؟ قال : " قولوا : الله أعلى وأجل " . فقال أبو سفيان : لنا العزى ولا عزى لكم . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " أجيبوه " . قالوا : ما نقول ؟ قال : " قولوا : الله مولانا ، ولا مولى لكم " . قال أبو سفيان : يوم بيوم بدر ، والحرب سجال ، وتجدون مثلة لم آمر بها ولم تسؤني .

تفرد به البخاري من هذا الوجه ، ثم رواه عن عمرو بن خالد ، عن زهير بن معاوية عن أبي إسحاق ، عن البراء ، بنحوه وسيأتي بأبسط من هذا .

وقال البخاري أيضا : حدثنا عبيد الله بن سعيد ، حدثنا أبو أسامة ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، رضي الله عنها ، قالت : لما كان يوم أحد هزم المشركون ، فصرخ إبليس : أي عباد الله ، أخراكم . فرجعت أولادهم فاجتلدت هي وأخراهم ، فبصر حذيفة فإذا هو بأبيه اليمان ، فقال : أي عباد الله ، أبي أبي . قال : قالت : فوالله ما احتجزوا حتى قتلوه ، فقال حذيفة : يغفر الله لكم . قال عروة : فوالله ما زالت في حذيفة بقية خير حتى لقي الله عز وجل .

وقال محمد بن إسحاق : حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير ، عن أبيه ، عن جده أن الزبير بن العوام قال : والله لقد رأيتني أنظر إلى خدم [ هند ] وصواحباتها مشمرات هوارب ما دون أخذهن كثير ولا قليل ومالت الرماة إلى العسكر حين كشفنا القوم عنه ، يريدون النهب وخلوا ظهورنا للخيل فأتتنا من أدبارنا ، وصرخ صارخ : ألا إن محمدا قد قتل . فانكفأنا وانكفأ علينا القوم بعد أن أصبنا أصحاب اللواء ، حتى ما يدنو منه أحد من القوم .

قال محمد بن إسحاق : فلم يزل لواء المشركين صريعا ، حتى أخذته عمرة بنت علقمة الحارثية ، فدفعته لقريش فلاثوا به ، وقال السدي عن عبد خير قال : قال عبد الله بن مسعود قال : ما كنت أرى أن أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد الدنيا حتى نزلت فينا ما نزل يوم أحد ( منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة )

وقد روي من غير وجه عن ابن مسعود ، وكذا روي عن عبد الرحمن بن عوف وأبي طلحة ، رواهن ابن مردويه في تفسيره .

وقوله : ( ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ) قال ابن إسحاق : حدثني القاسم بن عبد الرحمن بن رافع ، أحد بني عدي بن النجار قال : انتهى أنس بن النضر ، عم أنس بن مالك ، إلى عمر بن الخطاب وطلحة بن عبيد الله ، في رجال من المهاجرين والأنصار ، قد ألقوا بأيديهم فقال : ما يخليكم ؟ فقالوا : قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال : فما تصنعون بالحياة بعده ؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه . ثم استقبل القوم فقاتل حتى قتل .

وقال البخاري : حدثنا حسان بن حسان ، حدثنا محمد بن طلحة ، حدثنا حميد ، عن أنس بن مالك : أن عمه - يعني أنس بن النضر - غاب عن بدر فقال : غبت عن أول قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لئن أشهدني الله مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليرين الله ما أجد فلقي يوم أحد ، فهزم الناس ، فقال : اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء - يعني المسلمين - وأبرأ إليك مما جاء به المشركون ، فتقدم بسيفه فلقي سعد بن معاذ فقال : أين يا سعد ؟ إني أجد ريح الجنة دون أحد . فمضى فقتل ، فما عرف حتى عرفته أخته ببنانه بشامة وبه بضع وثمانون من طعنة وضربة ورمية بسهم .

هذا لفظ البخاري وأخرجه مسلم من حديث ثابت عن أنس ، بنحوه .

وقال البخاري [ أيضا ] حدثنا عبدان ، أخبرنا أبو حمزة عن عثمان بن موهب قال : جاء رجل حج البيت ، فرأى قوما جلوسا ، فقال : من هؤلاء القعود ؟ قالوا : هؤلاء قريش . قال : من الشيخ ؟ قالوا : ابن عمر . فأتاه فقال : إني سائلك عن شيء فحدثني . قال : أنشدك بحرمة هذا البيت أتعلم أن عثمان بن عفان فر يوم أحد ؟ قال : نعم . قال : فتعلمه تغيب عن بدر فلم يشهدها ؟ قال : نعم . قال : فتعلم أنه تخلف عن بيعة الرضوان فلم يشهدها ؟ قال : نعم . قال : فكبر ، فقال ابن عمر : تعال لأخبرك ولأبين لك عما سألتني عنه . أما فراره يوم أحد فأشهد أن الله عفا عنه ، وأما تغيبه عن بدر فإنه كان تحته بنت النبي صلى الله عليه وسلم ، وكانت مريضة ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن لك أجر رجل ممن شهد بدرا وسهمه " . وأما تغيبه عن بيعة الرضوان فلو كان أحد أعز ببطن مكة من عثمان لبعثه مكانه ، فبعث عثمان ، فكانت بيعة الرضوان بعد ما ذهب عثمان إلى مكة . فقال النبي صلى الله عليه وسلم بيده اليمنى : " هذه يد عثمان " . فضرب بها على يده ، فقال : " هذه يد عثمان اذهب بها الآن معك " .

ثم رواه البخاري من وجه آخر عن أبي عوانة عن عثمان بن عبد الله بن موهب .

عرض مصدر التفسير
الطبري
قال محمد بن كعب القرظي : لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بعد أحد وقد أصيبوا قال بعضهم لبعض : من أين أصابنا هذا وقد وعدنا الله النصر ! فنزلت هذه الآية. وذلك أنهم قتلوا صاحب لواء المشركين وسبعة نفر منهم بعده على اللواء، وكان الظفر ابتداء للمسلمين غير أنهم اشتغلوا بالغنيمة، وترك بعض الرماة أيضا مركزهم طلبا للغنيمة فكان ذلك سبب الهزيمة. روى البخاري عن البراء بن عازب قال : لما كان يوم أحد ولقينا المشركين أجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم أناسا من الرماة وأمَّر عليهم عبدالله بن جبير وقال لهم : (لا تبرحوا من مكانكم إن رأيتمونا ظهرنا عليهم فلا تبرحوا وإن رأيتموهم قد ظهروا علينا فلا تعينونا عليهم) قال : فلما التقى القوم وهزمهم المسلمون حتى نظرنا إلى النساء يشتددن في الجبل، وقد رفعن عن سوقهن قد بدت خلاخلهن فجعلوا يقولون : الغنيمة الغنيمة. فقال لهم عبدالله : أمهلوا ! أما عهد إليكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا تبرحوا، فانطلقوا فلما أتوهم صرف الله وجوههم وقتل من المسلمين سبعون رجلا. ثم إن أبا سفيان بن حرب أشرف علينا وهو في نشز فقال : أفي القوم محمد ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (لا تجيبوه) حتى قالها ثلاثا. ثم قال : أفي القوم ابن أبي قحافة ؟ ثلاثا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (لا تجيبوه) ثم قال : أفي القوم عمر بن الخطاب ؟ ثلاثا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (لا تجيبوه) ثم التفت إلى أصحابه فقال : أما هؤلاء فقد قتلوا. فلم يملك عمر رضي الله عنه نفسه دون أن قال : كذبت يا عدو الله ! قد أبقى الله لك من يخزيك به. فقال : اعْلُ هُبَل؛ مرتين. فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (أجيبوه) فقالوا : ما نقول يا رسول الله ؟ قال : (قولوا الله أعلى وأجل). قال أبو سفيان : لنا العزى ولا عزى لكم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، (أجيبوه). قالوا : ما نقول يا رسول الله ؟ قال : قولوا (الله مولانا ولا مولى لكم). قال أبو سفيان : يوم بيوم بدر، والحرب سجال، أما إنكم ستجدون في القوم مثلة لم آمر بها ولم تسؤني. وفي البخاري ومسلم عن سعد بن أبي وقاص قال : رأيت عن يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن شماله يوم أحد رجلين عليهما ثياب بيض يقاتلان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد القتال. وفي رواية عن سعد : عليهما ثياب بيض ما رأيتهما قبل ولا بعد. يعني جبريل وميكائيل. وفي رواية أخرى : يقاتلان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد القتال ما رأيتهما قبل ذلك اليوم ولا بعده. وعن مجاهد قال : لم تقاتل الملائكة معهم يومئذ، ولا قبله ولا بعده إلا يوم بدر. قال البيهقي : إنما أراد مجاهد أنهم لم يقاتلوا يوم أحد عن القوم حين عصوا الرسول ولم يصبروا على ما أمرهم به. وعن عروة بن الزبير قال : وكان الله عز وجل وعدهم على الصبر والتقوى أن يمدهم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين : وكان قد فعل؛ فلما عصوا أمر الرسول وتركوا مصافهم وتركوا الرماة عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم ألا يبرحوا من منازلهم، وأرادوا الدنيا، رفع عنهم مدد الملائكة، وأنزل الله تعالى {ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه} [آل عمران : 152] فصدق الله وعده وأراهم الفتح، فلما عصوا أعقبهم البلاء. وعن عمير بن إسحاق قال : لما كان يوم أحد انكشفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وسعد يرمي بين يديه، وفتى ينبل له، كلما ذهبت نبلة أتاه بها. قال ارم أبا إسحاق. فلما فرغوا نظروا من الشاب ؟ فلم يروه ولم يعرفوه. وقال محمد بن كعب : ولما قتل صاحب لواء المشركين وسقط لواؤهم، رفعته عمرة بنت علقمة الحارثية؛ وفي ذلك يقول حسان : فلولا لواء الحارثية أصبحوا ** يباعون في الأسواق بيع الجلائب و {تحسونهم} معناه تقتلونهم وتستأصلونهم؛ قال الشاعر : حسَسْناهم بالسيف حسا فأصبحت ** بقيتهم قد شردوا وتبددوا وقال جرير : تحسهم السيوف كما تسامى ** حريق النار في الأجم الحصيد قال أبو عبيد : الحَسُّ الاستئصال بالقتل؛ يقال : جراد محسوس إذا قتله البرد. والبرد محسة للنبت. أي محرقة له ذاهبة به. وسنة حسوس أي جدبة تأكل كل شيء؛ قال رؤبة : إذا شكونا سنة حسوسا ** تأكل بعد الأخضر اليبيسا وأصله من الحس الذي هو الإدراك بالحاسة. فمعنى حسه أذهب حسه بالقتل. {بإذنه} بعلمه، أو بقضائه وأمره. {حتى إذا فشلتم} أي جبنتم وضعفتم. يقال فشل يفشل فهو فشِل وفشْل. وجواب {حتى} محذوف، أي حتى إذا فشلتم امتحنتم. ومثل هذا جائز كقوله{فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء} [الأنعام : 35] فافعل. وقال الفراء : جواب {حتى}، {وتنازعتم} والواو مقحمة زائدة؛ كقوله {فلما أسلما وتله للجبين. وناديناه} [الصافات : 103 - 104] أي ناديناه. وقال امرؤ القيس : فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى ** أي انتحى. وعند هؤلاء يجوز إقحام الواو من {وعصيتم}. أي حتى إذا فشلتم وتنازعتم عصيتم. وعلى هذا فيه تقديم وتأخير، أي حتى إذا تنازعتم وعصيتم فشلتم. وقال أبو علي : يجوز أن يكون الجواب {صرفكم عنهم}، و"ثم" زائدة، والتقدير حتى إذا فشلتم وتنازعتم وعصيتم صرفكم عنهم وقد أنشد بعض النحويين في زيادتها قول الشاعر : أراني إذا ما بِتُّ بِتّ على هوى ** فثُمّ إذا أصبحت أصبحت عاديا وجوز الأخفش أن تكون زائدة؛ كما في قوله تعالى {حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم} [التوبة : 118]. وقيل {حتى} بمعنى "إلى" وحينئذ لا جواب له، أي صدقكم الله وعده إلى أن فشلتم، أي كان ذلك الوعد بشرط الثبات. ومعنى {تنازعتم} اختلفتم؛ يعني الرماة حين قال بعضهم لبعض : نلحق الغنائم. وقال بعضهم : بل نثبت في مكاننا الذي أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بالثبوت فيه. {وعصيتم} أي خالفتم أمر الرسول في الثبوت. {من بعد ما أراكم ما تحبون} يعني من الغلبة التي كانت للمسلمين يوم أحد أول أمرهم؛ وذلك حين صرع صاحب لواء المشركين على ما تقدم، وذلك أنه لما صرع انتشر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وصاروا كتائب متفرقة فحاسوا العدو ضربا حتى أجهضوهم عن أثقالهم. وحملت خيل المشركين على المسلمين ثلاث مرات كل ذلك تنضح بالنبل فترجع مغلوبة، وحمل المسلمون فنهكوهم قتلا. فلما أبصر الرماة الخمسون أن الله عز وجل قد فتح لإخوانهم قالوا : والله ما نجلس ههنا لشيء، قد أهلك الله العدو وإخواننا في عسكر المشركين. وقال طوائف منهم : علام نقف وقد هزم الله العدو ؟ فتركوا منازلهم التي عهد إليهم النبي صلى الله عليه وسلم ألا يتركوها، وتنازعوا وفشلوا وعصوا الرسول فأوجفت الخيل فيهم قتلا. وألفاظ الآية تقتضي التوبيخ لهم، ووجه التوبيخ لهم أنهم رأوا مبادئ النصر، فكان الواجب أن يعلموا أن تمام النصر في الثبات لا في الانهزام. ثم بين سبب التنازع. فقال {منكم من يريد الدنيا} يعني الغنيمة. قال ابن مسعود : ما شعرنا أن أحدا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يريد الدنيا وعرضها حتى كان يوم أحد. {ومنكم من يريد الآخرة} وهم الذين ثبتوا في مركزهم، ولم يخالفوا أمر نبيهم صلى الله عليه وسلم مع أميرهم عبدالله بن جبير؛ فحمل خالد بن الوليد وعكرمة بن أبي جهل عليه، وكانا يومئذ كافرين فقتلوه مع من بقي، رحمهم الله. والعتاب مع من انهزم لا مع من ثبت، فإن من ثبت فاز بالثواب، وهذا كما أنه إذا حل بقوم عقوبة عامة فأهل الصلاح والصبيان يهلكون؛ ولكن لا يكون ما حل بهم عقوبة، بل هو سبب المثوبة. والله أعلم. قوله تعالى {ثم صرفكم عنهم ليبتليكم} أي بعد أن استوليتم عليهم ردكم عنهم بالانهزام. ودل هذا على أن المعصية مخلوقة لله تعالى. وقالت المعتزلة : المعنى ثم انصرفتم؛ فإضافته إلى الله تعالى بإخراجه الرعب من قلوب الكافرين من المسلمين ابتلاء لهم. قال القشيري : وهذا لا يغنيهم؛ لأن إخراج الرعب من قلوب الكافرين حتى يستخفوا بالمسلمين قبيح ولا يجوز عندهم، أن يقع من الله قبيح، فلا يبقى لقوله {ثم صرفكم عنهم} معنى. وقيل : معنى {صرفكم عنهم} أي لم يكلفكم طلبهم. قوله تعالى {ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين} أي لم يستأصلكم بعد المعصية والمخالفة. والخطاب قيل هو للجميع. وقيل : هو للرماة الذين خالفوا ما أمروا به، واختاره النحاس. وقال أكثر المفسرين : ونظير هذه الآية قوله {ثم عفونا عنكم} [البقرة : 52]. {والله ذو فضل على المؤمنين} بالعفو والمغفرة. وعن ابن عباس قال : ما نصر النبي صلى الله عليه وسلم في موطن كما نصر يوم أحد، قال : وأنكرنا ذلك، فقال ابن عباس : بيني وبين من أنكر ذلك كتاب الله عز وجل، إن الله عز وجل يقول في يوم أحد {ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه} - يقول ابن عباس : والحَس القتل - {حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين} وإنما عنى بهذا الرماة. وذلك أن النبّي صلى الله عليه وسلم أقامهم في موضع ثم قال : (احموا ظهورنا فإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا وإن رأيتمونا قد غنمنا فلا تشركونا). فلما غنم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأباحوا عسكر المشركين انكفأت الرماة جميعا فدخلوا في العسكر ينتهبون، وقد التقت صفوف أصحاب النبّي صلى الله عليه وسلم، فهم هكذا - وشبك أصابع يديه - والتبسوا. فلما أخل الرماة تلك الخلة التي كانوا فيها دخلت الخيل من ذلك الموضع على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فضرب بعضهم بعضا والتبسوا، وقتل من المسلمين ناس كثير، وقد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أول النهار حتى قتل من أصحاب لواء المشركين سبعة أو تسعة، وجال المسلمون نحو الجبل، ولم يبلغوا حيث يقول الناس : الغار، إنما كانوا تحت المهراس وصاح الشيطان : قتل محمد. فلم يشك فيه أنه حق، فما زلنا كذلك ما نشك أنه قتل حتى طلع علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بين السعدين، نعرفه بتكفئه إذا مشى. قال : ففرحنا حتى كأنا لم يصبنا ما أصابنا. قال : فرقي نحونا وهو يقول : (اشتد غضب الله على قوم دموا وجه نبيهم). وقال كعب بن مالك : أنا كنت أول من عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من المسلمين؛ عرفته بعينيه من تحت المغفر تزهران فناديت بأعلى صوتي : يا معشر المسلمين! ابشروا، هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أقبل. فأشار إليّ أن اسكت.
عرض مصدر التفسير
الميسر
ولقد حقق الله لكم ما وعدكم به من نصر، حين كنتم تقتلون الكفار في غزوة "أُحد" بإذنه تعالى، حتى إذا جَبُنتم وضعفتم عن القتال واختلفتم: هل تبقون في مواقعكم أو تتركونها لجمع الغنانم مع مَن يجمعها؟ وعصيتم أمر رسولكم حين أمركم ألا تفارفوا أماكنكم بأي حال، حلَّت بكم الهزيمة من بعد ما أراكم ما تحبون من النصر، وتبيَّن أن منكم مَن يريد الغنائم، وأن منكم مَن يطلب الآخرة وثوابها، ثم صرف الله وجوهكم عن عدوكم؛ ليختبركم، وقد علم الله ندمكم وتوبتكم فعفا عنكم، والله ذو فضل عظيم على المؤمنين.
عرض مصدر التفسير
السعدي

أي: { ولقد صدقكم الله وعده } بالنصر، فنصركم عليهم، حتى ولوكم أكتافهم، وطفقتم فيهم قتلا، حتى صرتم سببا لأنفسكم، وعونا لأعدائكم عليكم، فلما حصل منكم الفشل وهو الضعف والخور { وتنازعتم في الأمر } الذي فيه ترك أمر الله بالائتلاف وعدم الاختلاف، فاختلفتم، فمن قائل نقيم في مركزنا الذي جعلنا فيه النبي صلى الله عليه وسلم، ومن قائل: ما مقامنا فيه وقد انهزم العدو، ولم يبق محذور، فعصيتم الرسول، وتركتم أمره من بعد ما أراكم الله ما تحبون وهو انخذال أعدائكم؛ لأن الواجب على من أنعم الله عليه بما أحب، أعظم من غيره. فالواجب في هذه الحال خصوصًا، وفي غيرها عموما، امتثال أمر الله ورسوله. { منكم من يريد الدنيا } وهم الذين أوجب لهم ذلك ما أوجب، { ومنكم من يريد الآخرة } وهم الذين لزموا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وثبتوا حيث أمروا. { ثم صرفكم عنهم } أي: بعدما وجدت هذه الأمور منكم، صرف الله وجوهكم عنهم، فصار الوجه لعدوكم، ابتلاء من الله لكم وامتحانا، ليتبين المؤمن من الكافر، والطائع من العاصي، وليكفر الله عنكم بهذه المصيبة ما صدر منكم، فلهذا قال: { ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين } أي: ذو فضل عظيم عليهم، حيث منَّ عليهم بالإسلام، وهداهم لشرائعه، وعفا عنهم سيئاتهم، وأثابهم على مصيباتهم. ومن فضله على المؤمنين أنه لا يقدر عليهم خيرا ولا مصيبة، إلا كان خيرا لهم. إن أصابتهم سراء فشكروا جازاهم جزاء الشاكرين، وإن أصابتهم ضراء فصبروا، جازاهم جزاء الصابرين.

عرض مصدر التفسير
البغوي

قوله تعالى : ( ولقد صدقكم الله وعده ) قال محمد بن كعب القرظي : لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة من أحد وقد أصابهم ما أصابهم ، قال ناس من أصحابه : من أين أصابنا هذا؟ وقد وعدنا الله النصر فأنزل الله تعالى :

( ولقد صدقكم الله وعده ) بالنصر والظفر وذلك أن النصر والظفر كان للمسلمين في الابتداء ، ( إذ تحسونهم بإذنه ) وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل أحدا خلف ظهره واستقبل المدينة وجعل عينين ، وهو جبل عن يساره وأقام عليه الرماة وأمر عليهم عبد الله بن جبير وقال لهم : احموا ظهورنا فإن رأيتمونا قد غنمنا فلا تشركونا وإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا ، وأقبل المشركون فأخذوا في القتال فجعل الرماة يرشقون خيل المشركين بالنبل والمسلمون يضربونهم بالسيوف ، حتى ولوا هاربين فذلك قوله تعالى ( إذ تحسونهم بإذنه ) أي تقتلونهم قتلا ذريعا بقضاء الله .

قال أبو عبيدة : الحس : هو الاستئصال بالقتل .

( حتى إذا فشلتم ) أي : إن جبنتم وقيل : معناه فلما فشلتم ، ( وتنازعتم في الأمر وعصيتم ) والواو زائدة في ( وتنازعتم ) يعني : حتى إذا فشلتم تنازعتم ، وقيل : فيه تقديم وتأخير تقديره : حتى إذا تنازعتم في الأمر وعصيتم فشلتم ومعنى التنازع الاختلاف .

وكان اختلافهم أن الرماة اختلفوا حين انهزم المشركون فقال بعضهم : انهزم القوم فما مقامنا؟ وأقبلوا على الغنيمة وقال بعضهم : لا تجاوزوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وثبت عبد الله بن جبير في نفر يسير دون العشرة .

فلما رأى خالد بن الوليد وعكرمة بن أبي جهل ذلك حملوا على الرماة فقتلوا عبد الله بن جبير وأصحابه ، وأقبلوا على المسلمين وحالت الريح فصارت دبورا بعد ما كانت صبا وانتقضت صفوف المسلمين واختلطوا فجعلوا يقتلون على غير شعار يضرب بعضهم بعضا ما يشعرون من الدهش ، ونادى إبليس أن محمدا قد قتل وكان ذلك سبب الهزيمة للمسلمين .

قوله تعالى : ( وعصيتم ) يعني : الرسول صلى الله عليه وسلم وخالفتم أمره ، ( من بعد ما أراكم ) الله ( ما تحبون ) يا معشر المسلمين من الظفر والغنيمة ، ( منكم من يريد الدنيا ) يعني : الذين تركوا المركز وأقبلوا على النهب ، ( ومنكم من يريد الآخرة ) يعني : الذين ثبتوا مع عبد الله بن جبير حتى قتلوا قال عبد الله بن مسعود : ما شعرت أن أحدا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يريد الدنيا حتى كان يوم أحد ونزلت هذه الآية ( ثم صرفكم عنهم ) أي : ردكم عنهم بالهزيمة ، ( ليبتليكم ) ليمتحنكم وقيل : لينزل البلاء عليكم ( ولقد عفا عنكم ) يستأصلكم بعد المعصية والمخالفة ، ( والله ذو فضل على المؤمنين ) .

عرض مصدر التفسير

إشارات تفسيرية في فهرس الموقع

ترد هذه المواد كما في قاعدة الموقع؛ توثيق النسبة يحتاج إلى مقابلة بمصادر معتمدة.

وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (152) إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا ما أَصابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (153)




475



الطبعة والمصدر

النصوص والروايات والبيانات كما حُفظت في قاعدة الموقع، دون تعديل الرسم أو التشكيل أو نسبة الترجمات إلى النص العربي. راجع طبعة المصحف الأصلية عند المقابلة.

شارك هذه الصفحة