تجاوز إلى المحتوى
✦ موسوعة الحديث الشريف

سنن الترمذي — الحديث

تصفّح النص الإلكتروني وفق ترقيم قاعدة البيانات القديمة.

۞ قراءة النص
سنن الترمذي · الحديث رقم 3074
‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ أَبِي عُمَرَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏قَالَ قُلْتُ ‏ ‏لِابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏إِنَّ ‏ ‏نَوْفًا الْبِكَالِيَّ ‏ ‏يَزْعُمُ أَنَّ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏صَاحِبَ ‏ ‏بَنِي إِسْرَائِيلَ ‏ ‏لَيْسَ ‏ ‏بِمُوسَى ‏ ‏صَاحِبِ ‏ ‏الْخَضِرِ ‏ ‏قَالَ كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ سَمِعْتُ ‏ ‏أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ ‏ ‏يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏قَامَ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏خَطِيبًا فِي ‏ ‏بَنِي إِسْرَائِيلَ ‏ ‏فَسُئِلَ أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ فَقَالَ أَنَا أَعْلَمُ فَعَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ إِذْ لَمْ يَرُدَّ الْعِلْمَ إِلَيْهِ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنَّ عَبْدًا مِنْ عِبَادِي بِمَجْمَعِ ‏ ‏الْبَحْرَيْنِ ‏ ‏هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ قَالَ أَيْ رَبِّ فَكَيْفَ لِي بِهِ فَقَالَ لَهُ احْمِلْ حُوتًا فِي ‏ ‏مِكْتَلٍ ‏ ‏فَحَيْثُ تَفْقِدُ الْحُوتَ فَهُوَ ثَمَّ فَانْطَلَقَ وَانْطَلَقَ مَعَهُ فَتَاهُ وَهُوَ ‏ ‏يُوشَعُ بْنُ نُونٍ ‏ ‏فَجَعَلَ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏حُوتًا فِي ‏ ‏مِكْتَلٍ ‏ ‏فَانْطَلَقَ هُوَ وَفَتَاهُ يَمْشِيَانِ حَتَّى أَتَيَا الصَّخْرَةَ فَرَقَدَ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏وَفَتَاهُ فَاضْطَرَبَ الْحُوتُ فِي ‏ ‏الْمِكْتَلِ ‏ ‏حَتَّى خَرَجَ مِنْ ‏ ‏الْمِكْتَلِ ‏ ‏فَسَقَطَ فِي الْبَحْرِ قَالَ وَأَمْسَكَ اللَّهُ عَنْهُ جِرْيَةَ الْمَاءِ حَتَّى كَانَ مِثْلَ ‏ ‏الطَّاقِ ‏ ‏وَكَانَ لِلْحُوتِ ‏ ‏سَرَبًا ‏ ‏وَكَانَ ‏ ‏لِمُوسَى ‏ ‏وَلِفَتَاهُ عَجَبًا فَانْطَلَقَا بَقِيَّةَ يَوْمِهِمَا وَلَيْلَتِهِمَا وَنُسِّيَ صَاحِبُ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏أَنْ يُخْبِرَهُ فَلَمَّا أَصْبَحَ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏قَالَ لِفَتَاهُ ‏ { ‏آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا ‏ ‏نَصَبًا ‏ } ‏قَالَ وَلَمْ ‏ ‏يَنْصَبْ ‏ ‏حَتَّى جَاوَزَ الْمَكَانَ الَّذِي أُمِرَ بِهِ قَالَ ‏ { ‏أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا ‏ ‏أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا ‏} ‏قَالَ ‏ ‏مُوسَى ‏ { ‏ذَلِكَ مَا كُنَّا ‏ ‏نَبْغِ ‏ ‏فَارْتَدَّا ‏ ‏عَلَى آثَارِهِمَا ‏ ‏قَصَصًا ‏ } ‏قَالَ ‏ ‏يَقُصَّانِ ‏ ‏آثَارَهُمَا قَالَ ‏ ‏سُفْيَانُ ‏ ‏يَزْعُمُ نَاسٌ أَنَّ تِلْكَ الصَّخْرَةَ عِنْدَهَا عَيْنُ الْحَيَاةِ وَلَا يُصِيبُ مَاؤُهَا مَيِّتًا إِلَّا عَاشَ قَالَ وَكَانَ الْحُوتُ قَدْ أُكِلَ مِنْهُ فَلَمَّا قُطِرَ عَلَيْهِ الْمَاءُ عَاشَ قَالَ ‏ ‏فَقَصَّا ‏ ‏آثَارَهُمَا حَتَّى أَتَيَا الصَّخْرَةَ فَرَأَى رَجُلًا مُسَجًّى عَلَيْهِ بِثَوْبٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏فَقَالَ أَنَّى بِأَرْضِكَ السَّلَامُ قَالَ أَنَا ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏بَنِي إِسْرَائِيلَ ‏ ‏قَالَ نَعَمْ قَالَ يَا ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏إِنَّكَ عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ عَلَّمَكَهُ لَا أَعْلَمُهُ وَأَنَا عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ عَلَّمَنِيهِ لَا تَعْلَمُهُ فَقَالَ ‏ ‏مُوسَى ‏ { ‏هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ ‏ ‏مَعِيَ صَبْرًا وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا ‏} ‏قَالَ لَهُ ‏ ‏الْخَضِرُ ‏ { ‏فَإِنْ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا ‏} ‏قَالَ نَعَمْ فَانْطَلَقَ ‏ ‏الْخَضِرُ ‏ ‏وَمُوسَى ‏ ‏يَمْشِيَانِ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ فَمَرَّتْ بِهِمَا سَفِينَةٌ فَكَلَّمَاهُمْ أَنْ يَحْمِلُوهُمَا فَعَرَفُوا ‏ ‏الْخَضِرَ ‏ ‏فَحَمَلُوهُمَا بِغَيْرِ ‏ ‏نَوْلٍ ‏ ‏فَعَمَدَ ‏ ‏الْخَضِرُ ‏ ‏إِلَى لَوْحٍ مِنْ أَلْوَاحِ السَّفِينَةِ فَنَزَعَهُ فَقَالَ لَهُ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏قَوْمٌ حَمَلُونَا بِغَيْرِ ‏ ‏نَوْلٍ ‏ ‏عَمَدْتَ ‏ ‏إِلَى سَفِينَتِهِمْ فَخَرَقْتَهَا ‏ { ‏لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا ‏ ‏إِمْرًا ‏ ‏قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ ‏ ‏مَعِيَ صَبْرًا قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا ‏ ‏تُرْهِقْنِي ‏ ‏مِنْ أَمْرِي عُسْرًا ‏} ‏ثُمَّ خَرَجَا مِنْ السَّفِينَةِ فَبَيْنَمَا هُمَا يَمْشِيَانِ عَلَى السَّاحِلِ وَإِذَا غُلَامٌ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ فَأَخَذَ ‏ ‏الْخَضِرُ ‏ ‏بِرَأْسِهِ فَاقْتَلَعَهُ بِيَدِهِ فَقَتَلَهُ قَالَ لَهُ ‏ ‏مُوسَى ‏ { ‏أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ ‏ ‏مَعِيَ صَبْرًا ‏} ‏قَالَ وَهَذِهِ أَشَدُّ مِنْ الْأُولَى ‏ { ‏قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ ‏ ‏لَدُنِّي ‏ ‏عُذْرًا فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ ‏} ‏يَقُولُ مَائِلٌ فَقَالَ ‏ ‏الْخَضِرُ ‏ ‏بِيَدِهِ هَكَذَا ‏ { ‏فَأَقَامَهُ ‏} ‏فَقَالَ لَهُ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏قَوْمٌ أَتَيْنَاهُمْ فَلَمْ يُضَيِّفُونَا وَلَمْ يُطْعِمُونَا ‏ { ‏لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ ‏ ‏بِتَأْوِيلِ ‏ ‏مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا ‏} ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَرْحَمُ اللَّهُ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏لَوَدِدْنَا أَنَّهُ كَانَ صَبَرَ حَتَّى يَقُصَّ عَلَيْنَا مِنْ أَخْبَارِهِمَا قَالَ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏الْأُولَى كَانَتْ مِنْ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏نِسْيَانٌ قَالَ وَجَاءَ عُصْفُورٌ حَتَّى وَقَعَ عَلَى حَرْفِ السَّفِينَةِ ثُمَّ نَقَرَ فِي الْبَحْرِ فَقَالَ لَهُ ‏ ‏الْخَضِرُ ‏ ‏مَا نَقَصَ عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ إِلَّا مِثْلُ مَا نَقَصَ هَذَا الْعُصْفُورُ مِنْ الْبَحْرِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ‏ ‏وَكَانَ ‏ ‏يَعْنِي ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏يَقْرَأُ وَكَانَ أَمَامَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صَالِحَةٍ غَصْبًا وَكَانَ يَقْرَأُ وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ كَافِرًا ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو عِيسَى ‏ ‏هَذَا ‏ ‏حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ‏ ‏وَرَوَاهُ ‏ ‏الزُّهْرِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَقَدْ رَوَاهُ ‏ ‏أَبُو إِسْحَقَ الْهَمْدَانِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو عِيسَى ‏ ‏سَمِعْت ‏ ‏أَبَا مُزَاحِمٍ السَّمَرْقَنْدِيَّ ‏ ‏يَقُولُ سَمِعْتُ ‏ ‏عَلِيَّ بْنَ الْمَدِينِيِّ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏حَجَجْتُ حَجَّةً وَلَيْسَ لِي هِمَّةٌ إِلَّا أَنْ ‏ ‏أَسْمَعَ مِنْ ‏ ‏سُفْيَانَ ‏ ‏يَذْكُرُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْخَبَرَ حَتَّى سَمِعْتُهُ يَقُولُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ‏ ‏وَقَدْ كُنْتُ سَمِعْتُ هَذَا مِنْ ‏ ‏سُفْيَانَ ‏ ‏مِنْ قَبْلِ ذَلِكَ ‏ ‏وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ الْخَبَرَ ‏

بيانات إضافية

‏ ‏( إِنَّ نَوْفًا ) ‏ ‏بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الْوَاوِ بَعْدَهَا فَاءٌ : هُوَ اِبْنُ فَضَالَةَ ‏ ‏( الْبِكَالِيُّ ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ وَبِالْكَافِ مُخَفَّفًا وَبَعْدَ الْأَلِفِ لَامٌ وَهُوَ مَنْسُوبٌ إِلَى بَنِي بِكَالِ بْنِ دَعْمِيِّ بْنِ سَعْدِ بْنِ عَوْفٍ بَطْنٌ مِنْ حِمْيَرَ , وَيُقَالُ إِنَّهُ اِبْنُ اِمْرَأَةِ كَعْبِ الْأَحْبَارِ , وَقِيلَ اِبْنُ أَخِيهِ , وَهُوَ تَابِعِيٌّ صَدُوقٌ ‏ ‏( يَزْعُمُ أَنَّ مُوسَى صَاحِبَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَيْسَ بِمُوسَى صَاحِبِ الْخَضِرِ ) ‏ ‏وَفِي رِوَايَةِ اِبْنِ إِسْحَاقَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عِنْدَ النَّسَائِيِّ قَالَ : كُنْت عِنْدَ اِبْنِ عَبَّاسٍ وَعِنْدَهُ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ , فَقَالَ بَعْضُهُمْ يَا اِبْنَ عَبَّاسٍ : إِنَّ نَوْفًا يَزْعُمُ عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ أَنَّ مُوسَى الَّذِي طَلَبَ الْعِلْمَ إِنَّمَا هُوَ مُوسَى بْنُ مِيشَا أَيْ اِبْنُ إفراثيم بْنُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ , فَقَالَ اِبْنُ عَبَّاسٍ : أَسَمِعْت ذَلِكَ مِنْهُ يَا سَعِيدُ ؟ قُلْت نَعَمْ , قَالَ : كَذِبَ نَوْفٌ. ‏ ‏اِبْنُ إِسْحَاقَ : فِي الْمُبْتَدَأِ كَانَ مُوسَى بْنُ ميشاقيل مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ نَبِيًّا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ , وَيَزْعُمُ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنَّهُ الَّذِي صَحِبَ الْخَضِرَ كَذَا فِي الْفَتْحِ ‏ ‏( قَالَ كَذِبَ عَدُوُّ اللَّهِ ) ‏ ‏هَذَانِ اللَّفْظَانِ مَحْمُولَانِ عَلَى إِرَادَةِ الْمُبَالَغَةِ فِي الزَّجْرِ وَالتَّنْفِيرِ عَنْ تَصْدِيقِ تِلْكَ الْمُقَابَلَةِ. قَالَ اِبْنُ التِّينِ : لَمْ يُرِدْ اِبْنُ عَبَّاسٍ إِخْرَاجَ نَوْفٍ عَنْ وِلَايَةِ اللَّهِ , وَلَكِنْ قُلُوبُ الْعُلَمَاءِ تَتَنَفَّرُ إِذَا سَمِعَتْ غَيْرَ الْحَقِّ فَيُطْلِقُونَ أَمْثَالَ هَذَا الْكَلَامِ لِقَصْدِ الزَّجْرِ وَحَقِيقَتُهُ غَيْرُ مُرَادَةٍ ‏ ‏( فَعَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ ) ‏ ‏الْعَتْبُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى مَحْمُولٌ عَلَى مَا يَلِيقُ بِهِ لَا عَلَى مَعْنَاهُ الْعُرْفِيِّ فِي الْآدَمِيِّينَ كَنَظَائِرِهِ ‏ ‏( أَنَّ عَبْدًا مِنْ عِبَادِي بِمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ ) ‏ ‏اُخْتُلِفَ فِي مَكَانِ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ , فَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : بَحْرُ فَارِسَ وَالرُّومِ , وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ , وَذَكَرَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : أَقْوَالًا مُخْتَلِفَةً فِيهِ ثُمَّ قَالَ هَذَا اِخْتِلَافٌ شَدِيدٌ ‏ ‏( أَيْ رَبِّ ) ‏ ‏أَصْلُهُ رَبِّي حُذِفَتْ يَاءُ الْمُتَكَلِّمِ لِلتَّخْفِيفِ اِكْتِفَاءً بِالْكَسْرِ ‏ ‏( فَكَيْفَ لِي بِهِ ) ‏ ‏أَيْ كَيْفَ الِالْتِقَاءُ لِي بِذَلِكَ الْعَبْدِ ‏ ‏( أَحْمِلُ حُوتًا فِي مِكْتَلٍ ) ‏ ‏بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ فَوْقُ قَالَ فِي الْقَامُوسِ : هُوَ زِنْبِيلٌ يَسَعُ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي إِسْحَاقَ عِنْدَ مُسْلِمٍ : فَقِيلَ لَهُ تَزَوَّدْ حُوتًا مَالِحًا. ‏ ‏الْحَافِظُ : يُسْتَفَادُ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ الْحُوتَ كَانَ مَيِّتًا ; لِأَنَّهُ لَا يُمَلَّحُ وَهُوَ حَيٌّ ‏ ‏( فَهُوَ ثَمَّ ) ‏ ‏بِفَتْحِ الثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ ظَرْفٌ بِمَعْنَى هُنَاكَ , وَقَالَتْ النُّحَاةُ : هُوَ اِسْمٌ يُشَارُ بِهِ إِلَى الْمَكَانِ الْبَعِيدِ , أَيْ فَذَلِكَ الْعَبْدُ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ ‏ ‏( فَتَاهُ ) ‏ ‏أَيْ صَاحِبُهُ ‏ ‏( وَهُوَ يُوشَعُ ) ‏ ‏بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَسُكُونِ الْوَاوِ وَفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ ‏ ‏( بْنُ نُونٍ ) ‏ ‏مَصْرُوفٌ كَنُوحٍ. وَيُوشَعُ بْنُ نُونٍ هَذَا مِنْ أَوْلَادِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ , وَإِنَّمَا قَالَ فَتَاهُ لِأَنَّهُ كَانَ يَخْدُمُهُ وَيَتْبَعُهُ , وَقِيلَ كَانَ يَأْخُذُ الْعِلْمَ عَنْهُ وَهُوَ الَّذِي قَامَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ بَعْدَ مَوْتِ مُوسَى ‏ ‏( حَتَّى إِذَا أَتَيَا الصَّخْرَةَ ) ‏ ‏أَيْ الَّتِي عِنْدَ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ , وَالصَّخْرَةُ فِي اللُّغَةِ الْحَجَرُ الْكَبِيرُ ‏ ‏( فَأَمْسَكَ اللَّهُ عَنْهُ جَرْيَةَ الْمَاءِ ) ‏ ‏أَيْ جَرَيَانَهُ ‏ ‏( حَتَّى كَانَ مِثْلَ الطَّاقِ ) ‏ ‏الطَّاقُ مَا عُطِفَ مِنْ الْأَبْنِيَةِ أَيْ جُعِلَ كَالْقَوْسِ مِنْ قَنْطَرَةٍ وَنَافِذَةٍ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ , وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ : فَاضْطَرَبَ الْحُوتُ فِي الْمَاءِ فَجَعَلَ لَا يَلْتَئِمُ عَلَيْهِ حَتَّى صَارَ مِثْلَ الْكَوَّةِ ‏ ‏( وَكَانَ لِلْحُوتِ سَرَبًا ) ‏ ‏أَيْ مَسْلَكًا وَمَذْهَبًا يَسْرَبُ وَيَلْعَبُ فِيهِ ‏ ‏( وَكَانَ بِمُوسَى وَفَتَاهُ عَجَبًا ) ‏ ‏أَيْ شَيْئًا يُتَعَجَّبُ مِنْهُ ‏ ‏{ آتِنَا غَدَاءَنَا } ‏ ‏أَيْ طَعَامَنَا وَزَادَنَا ‏ ‏{ نَصَبًا } ‏ ‏أَيْ شِدَّةً وَتَعَبًا ‏ ‏( لَمْ يَنْصَبْ ) ‏ ‏أَيْ لَمْ يَتْعَبْ مِنْ بَابِ سَمِعَ يَسْمَعُ. ‏ ‏رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ : وَلَمْ يَجِدْ مُوسَى النَّصَبَ ‏ ‏{ أَرَأَيْت } ‏ ‏أَيْ أَخْبِرْنِي ‏ ‏{ إِذْ } ‏ ‏ظَرْفٌ بِمَعْنَى حِينَ وَفِيهِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ أَرَأَيْت مَا دَهَانِي إِذْ أَوَيْنَا إِلَخْ ‏ ‏{ ذَلِكَ } ‏ ‏أَيْ فِقْدَانُ الْحُوتِ ‏ ‏{ مَا كُنَّا نَبْغِ } ‏ ‏أَيْ هُوَ الَّذِي كَمَا نَطْلُبُهُ لِأَنَّهُ عَلَامَةُ وُجْدَانِ الْمَقْصُودِ ‏ ‏{ فَارْتَدَّا } ‏ ‏أَيْ رَجَعَا ‏ ‏{ عَلَى آثَارِهِمَا } ‏ ‏أَيْ آثَارِ سَيْرِهِمَا ‏ ‏{ قَصَصًا } ‏ ‏أَيْ يَقُصَّانِ قَصَصًا ‏ ‏( يَقُصَّانِ آثَارَهُمَا ) ‏ ‏. ‏ ‏فِي الْقَامُوسِ : قَصَّ أَثَرَهُ قَصًّا وَقَصَصًا تَتَبَّعَهُ , وَقَالَ فِيهِ ( فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا ) أَيْ رَجَعَا مِنْ الطَّرِيقِ الَّذِي سَلَكَاهُ يَقْتَصَّانِ الْأَثَرَ. ‏ ‏قَالَ سُفْيَانُ : يَزْعُمُ نَاسٌ إِلَى قَوْلِهِ ( فَلَمَّا قُطِرَ عَلَيْهِ الْمَاءُ عَاشَ ) ‏ ‏وَعِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي التَّفْسِيرِ : ‏ ‏سُفْيَانُ وَفِي حَدِيثِ غَيْرِ عُمَرَ. وَقَالَ وَفِي أَصْلِ الصَّخْرَةِ عَيْنٌ يُقَالُ لَهَا الْحَيَاةُ , لَا يُصِيبُ مِنْ مَائِهَا شَيْءٌ إِلَّا حَيِيَ , فَأَصَابَ الْحُوتُ مِنْ مَاءِ تِلْكَ الْعَيْنِ , قَالَ فَتَحَرَّكَ وَانْسَلَّ مِنْ الْمِكْتَلِ فَدَخَلَ الْبَحْرَ. ‏ ‏الْحَافِظُ : هَذِهِ الزِّيَادَةُ الَّتِي ذَكَرَ سُفْيَانُ أَنَّهَا فِي حَدِيثِ غَيْرِ عُمَرَ , وَقَدْ أَخْرَجَهَا اِبْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ سُفْيَانَ مُدْرَجَةً فِي حَدِيثِ عَمْرٍو , وَأَظُنُّ أَنَّ اِبْنَ عُيَيْنَةَ أَخَذَ ذَلِكَ عَنْ قَتَادَةَ , فَقَدْ أَخْرَجَ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِهِ قَالَ : فَأَتَى عَلَى عَيْنٍ فِي الْبَحْرِ يُقَالُ لَهَا عَيْنُ الْحَيَاةِ فَلَمَّا أَصَابَ تِلْكَ الْعَيْنَ رَدَّ اللَّهُ رُوحَ الْحُوتِ إِلَيْهِ : وَقَدْ أَنْكَرَ الدَّاوُدِيُّ فِيمَا حَكَاهُ اِبْنُ التِّينِ هَذِهِ الزِّيَادَةَ فَقَالَ : لَا أَرَى هَذَا يَثْبُتُ فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَهُوَ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ اِنْتَهَى وَقَوْلُهُ قَطَرَ عَلَيْهِ الْمَاءَ مِنْ الْقَطْرِ : وَهُوَ بِالْفَارِسِيَّةِ جكيدن وجكانيدان لَازِمٌ وَمُتَعَدٍّ ‏ ‏( مُسَجًّى ) ‏ ‏اِسْمُ مَفْعُولٍ مِنْ التَّسْجِيَةِ أَيْ مُغَطًّى ‏ ‏( فَسَلَّمَ عَلَيْهِ مُوسَى ) ‏ ‏وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ : فَقَالَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ , فَكَشَفَ الثَّوْبَ عَنْ وَجْهِهِ وَقَالَ وَعَلَيْكُمْ السَّلَامُ ‏ ‏( فَقَالَ أَنَّى بِأَرْضِك السَّلَامُ ) ‏ ‏قَالَ الْحَافِظُ : هِيَ بِمَعْنَى أَيْنَ أَوْ كَيْفَ , وَهُوَ اِسْتِفْهَامُ اِسْتِبْعَادٍ , يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَهْلَ تِلْكَ الْأَرْضِ لَمْ يَكُونُوا إِذْ ذَاكَ مُسْلِمِينَ ‏ ‏( فَقَالَ أَنَا مُوسَى ) ‏ ‏فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ : مَنْ أَنْتَ ؟قَالَ : أَنَا مُوسَى ‏ ‏( إِنَّك عَلَى عِلْمٍ مِنْ اللَّهِ عَلَّمَكَهُ اللَّهُ لَا أَعْلَمُهُ ) ‏ ‏أَيْ لَا أَعْلَمُ جَمِيعَهُ ‏ ‏( وَأَنَا عَلَى عِلْمٍ مِنْ اللَّهِ عَلَّمَنِيهِ لَا تَعْلَمُهُ ) ‏ ‏أَيْ لَا تَعْلَمُ جَمِيعَهُ. وَتَقْدِيرُ ذَلِكَ مُتَعَيِّنٌ ; لِأَنَّ الْخَضِرَ كَانَ يَعْرِفُ مِنْ الْحُكْمِ الظَّاهِرِ مَا لَا غِنَى بِالْمُكَلَّفِ عَنْهُ , وَمُوسَى كَانَ يَعْرِفُ مِنْ الْحُكْمِ الْبَاطِنِ مَا يَأْتِيه بِطَرِيقِ الْوَحْيِ ‏ ‏{ رَشَدًا } ‏ ‏صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ , أَيْ عِلْمًا رَشَدًا أَيْ ذَا رَشَدٍ , وَهُوَ مِنْ قَبِيلِ رَجُلٍ عَدْلٍ ‏ ‏{ إِنَّك لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا } ‏ ‏كَذَا أُطْلِقَ بِالصِّيغَةِ الدَّالَّةِ عَلَى اِسْتِمْرَارِ النَّفْيِ لِمَا أَطْلَعَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ أَنَّ مُوسَى لَا يَصْبِرُ عَلَى تَرْكِ الْإِنْكَارِ إِذَا رَأَى مَا يُخَالِفُ الشَّرْعَ ; لِأَنَّ ذَلِكَ شَأْنُ عِصْمَتِهِ , وَلِذَلِكَ لَمْ يَسْأَلْهُ مُوسَى عَنْ شَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الدِّيَانَةِ , بَلْ مَشَى مَعَهُ لِيُشَاهِدَ مِنْهُ مَا اِطَّلَعَ بِهِ عَلَى مَنْزِلَتِهِ فِي الْعِلْمِ الَّذِي اِخْتَصَّ بِهِ ‏ ‏{ وَكَيْفَ تَصْبِرُ } ‏ ‏اِسْتِفْهَامٌ عَنْ سُؤَالٍ تَقْدِيرُهُ لِمَ. ‏ ‏: إِنِّي لَا أَصْبِرُ وَإِلَّا سَأَصْبِرُ قَالَ : كَيْفَ تَصْبِرُ ‏ ‏{ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا } ‏ ‏أَيْ عِلْمًا ‏ ‏( فَانْطَلَقَ الْخَضِرُ وَمُوسَى يَمْشِيَانِ ) ‏ ‏لَمْ يَذْكُرْ فَتَى مُوسَى وَهُوَ يُوشَعُ لِأَنَّهُ تَابِعٌ غَيْرُ مَقْصُودٍ بِالْأَصَالَةِ ‏ ‏( فَكَلَّمَاهُمْ ) ‏ ‏أَيْ أَهْلُ السُّفَيَّةِ ‏ ‏( بِغَيْرِ نَوْلٍ ) ‏ ‏بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الْوَاوِ وَهُوَ الْأُجْرَةُ ‏ ‏( فَنَزَعَهُ ) ‏ ‏أَيْ قَلَعَهُ ‏ ‏{ إِمْرًا } ‏ ‏أَيْ مُنْكَرًا. قَالَهُ مُجَاهِدٌ : أَوْ عَظِيمًا , قَالَهُ قَتَادَةُ : ‏ ‏{ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيت } ‏ ‏كَلِمَةُ مَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَوْصُولَةٌ أَيْ بِاَلَّذِي نَسِيت وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ أَيْ نَسِيته , وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً أَيْ بِنِسْيَانِي , وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ نَكِرَةً بِمَعْنَى شَيْءٍ , أَيْ بِشَيْءٍ نَسِيته ‏ ‏{ لَا تُرْهِقْنِي } ‏ ‏أَيْ لَا تُكَلِّفْنِي ‏ ‏{ عُسْرًا } ‏ ‏أَيْ مَشَقَّةً فِي صُحْبَتِي إِيَّاكَ , أَيْ عَامِلْنِي فِيهَا بِالْعَفْوِ وَالْيُسْرِ ‏ ‏( فَأَخَذَ الْخَضِرُ بِرَأْسِهِ فَاقْتَلَعَهُ ) ‏ ‏وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ : فَأَخَذَ غُلَامًا كَافِرًا طَرِيفًا فَأَضْجَعَهُ ثُمَّ ذَبَحَهُ بِالسِّكِّينِ وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُ ذَبَحَهُ ثُمَّ قَتَلَهُ رَأْسَهُ ‏ ‏{ أَقَتَلْت نَفْسًا زَكِيَّةً } ‏ ‏أَيْ طَاهِرَةً مِنْ الذُّنُوبِ ‏ ‏{ بِغَيْرِ نَفْسٍ } ‏ ‏أَيْ بِغَيْرِ قِصَاصٍ لَك عَلَيْهَا ‏ ‏{ نُكْرًا } ‏ ‏أَيْ مُنْكَرًا وَعَنْ قَتَادَةَ وَابْنِ كَيْسَانَ : النُّكْرُ أَشَدُّ وَأَعْظَمُ مِنْ الْإِمْرِ ‏ ‏( وَهَذِهِ أَشَدُّ مِنْ الْأُولَى ) ‏ ‏أَيْ أَوْكَدُ مِنْ الْأُولَى حَيْثُ زَادَ كَلِمَةَ لَك ‏ ‏{ فَلَا تُصَاحِبْنِي } ‏ ‏أَيْ فَارِقْنِي ‏ ‏{ قَدْ بَلَغْت مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا } ‏ ‏أَيْ بَلَغْت إِلَى الْغَايَةِ الَّتِي تُعْذَرُ بِسَبَبِهَا فِي فِرَاقِي ‏ ‏{ حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ } ‏ ‏قِيلَ الْأَيْلَةُ , وَقِيلَ أَنْطَاكِيَّةُ , وَقِيلَ : أَذْرَبِيجَانُ , وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. وَذَكَرَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ أَقْوَالًا عَدِيدَةً ثُمَّ قَالَ : هَذَا الِاخْتِلَافُ قَرِيبٌ مِنْ الِاخْتِلَافِ فِي الْمُرَادِ بِمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ , وَشِدَّةُ الْمُبَايَنَةِ فِي ذَلِكَ تَقْتَضِي أَنْ لَا يَوْثُقَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ‏ ‏{ أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا } ‏ ‏أَيْ يُنْزِلُوهُمَا بِمَنْزِلَةِ الْأَضْيَافِ ‏ ‏{ فِيهَا } ‏ ‏أَيْ فِي الْقَرْيَةِ ‏ ‏{ يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ } ‏ ‏هَذَا عَنْ الْمَجَازِ ; لِأَنَّ الْجِدَارَ لَا يَكُونُ لَهُ حَقِيقَةُ إِرَادَةٍ , أَيْ قَرُبَ وَدَنَا مِنْ الِانْقِضَاضِ وَهُوَ السُّقُوطُ وَاسْتَدَلَّ الْأُصُولِيُّونَ بِهَذَا عَلَى وُجُودِ الْمَجَازِ فِي الْقُرْآنِ وَلَهُ نَظَائِرُ مَعْرُوفَةٌ ‏ ‏( يَقُولُ مَائِلٌ ) ‏ ‏هَذَا تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ ‏ ‏( فَقَالَ الْخَضِرُ بِيَدِهِ هَكَذَا ) ‏ ‏أَيْ أَشَارَ إِلَيْهِ بِيَدِهِ وَهُوَ مِنْ إِطْلَاقِ الْقَوْلِ عَلَى الْفِعْلِ وَهَذَا فِي كَلَامِ الْعَرَبِ كَثِيرٌ ‏ ‏( قَوْمٌ ) ‏ ‏أَيْ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ أَوْ هُمْ قَوْمٌ ‏ ‏{ لَاِتَّخَذْت عَلَيْهِ أَجْرًا } ‏ ‏أَيْ أُجْرَةً وَجُعْلًا ‏ ‏{ قَالَ } ‏ ‏أَيْ الْخَضِرُ لِمُوسَى ‏ ‏{ هَذَا فِرَاقُ } ‏ ‏أَيْ وَقْتُ فِرَاقٍ ‏ ‏{ بَيْنِي وَبَيْنَك } ‏ ‏فِيهِ إِضَافَةٌ بَيْنَ إِلَى غَيْرِ مُتَعَدِّدٍ سَوَّغَهَا تَكْرِيرُهُ بِالْعَطْفِ بِالْوَاوِ ‏ ‏{ سَأُنَبِّئُك } ‏ ‏قَبْلَ فِرَاقِي ‏ ‏"" يرحِمَ اللَّهُ مُوسَى "" ‏ ‏إِخْبَارٌ وَلَكِنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ الْإِنْشَاءُ لِأَنَّهُ دُعَاءٌ لَهُ بِالرَّحْمَةِ ‏ ‏"" الْأُولَى "" ‏ ‏صِفَةٌ مَوْصُوفُهَا مَحْذُوفٌ أَيْ الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى ‏ ‏"" نِسْيَانًا "" ‏ ‏خَبَرُ كَانَتْ وَعِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي التَّفْسِيرِ كَانَتْ الْأُولَى نِسْيَانًا وَالْوُسْطَى شَرْطًا وَالثَّالِثَةُ عَمْدًا. قَالَ الْعَيْنِيُّ قَوْلُهُ : نِسْيَانًا حَيْثُ قَالَ : لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيت ؟ وَشَرْطًا حَيْثُ قَالَ : إِنْ سَأَلْتُك عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا , وَعَمْدًا حَيْثُ قَالَ : لَوْ شِئْت لَاِتَّخَذْت عَلَيْهِ أَجْرًا ‏ ‏"" وَجَاءَ عُصْفُورٌ "" ‏ ‏بِضَمِّ أَوَّلِهِ طَيْرٌ مَشْهُورٌ وَقِيلَ هُوَ الصُّرَدُ ‏ ‏"" عَلَى حَرْفِ السَّفِينَةِ "" ‏ ‏أَيْ عَلَى طَرَفِهَا ‏ ‏"" مَا نَقَصَ عِلْمِي وَعِلْمُك مِنْ عِلْمِ اللَّهِ "" ‏ ‏لَفْظُ النَّقْصِ لَيْسَ لَهُ ظَاهِرَةٌ لِأَنَّ عِلْمَ اللَّهِ لَا يَدْخُلُهُ النَّقْصُ , فَقِيلَ مَعْنَاهُ لَمْ يَأْخُذْ , وَهَذَا تَوْجِيهٌ حَسَنٌ وَيَكُونُ التَّشْبِيهُ وَاقِعًا عَلَى الْأَخْذِ لَا عَلَى الْمَأْخُوذِ مِنْهُ , وَأَحْسَنُ مِنْهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعِلْمِ الْمَعْلُومُ بِدَلِيلِ دُخُولِ حَرْفِ التَّبْعِيضِ لِأَنَّ الْعِلْمَ الْقَائِمَ بِذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى صِفَةٌ قَائِمَةٌ لَا تَتَبَعَّضُ وَالْمَعْلُومُ هُوَ الَّذِي يَتَبَعَّضُ. وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ : الْمُرَادُ أَنَّ نَقْصَ الْعُصْفُورِ لَا يَنْقُصُ الْبَحْرَ بِهَذَا الْمَعْنَى وَهُوَ كَمَا قِيلَ : ‏ ‏وَلَا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُمْ ‏ ‏بِهِنَّ فُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الْكَتَائِبِ ‏ ‏أَيْ لَيْسَ فِيهِمْ عَيْبٌ. وَحَاصِلُهُ : أَنَّ نَفْيَ النَّقْصِ أُطْلِقَ عَلَى سَبِيلِ الْمُبَالَغَةِ , وَقِيلَ إِلَّا بِمَعْنَى وَلَا , أَيْ وَلَا كَنَقْرَةِ هَذَا الْعُصْفُورِ. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ اِبْنِ جُرَيْجٍ بِلَفْظٍ أَحْسَنَ سِيَاقًا مِنْ هَذَا وَأَبْعَدَ إِشْكَالًا , فَقَالَ : مَا عِلْمِي وَعِلْمُك فِي جَنْبِ عِلْمِ اللَّهِ إِلَّا كَمَا أَخَذَ هَذَا الْعُصْفُورُ بِمِنْقَارِهِ مِنْ الْبَحْرِ , وَهُوَ تَفْسِيرٌ لِلَّفْظِ الَّذِي وَقَعَ هُنَا , كَذَا فِي الْفَتْحِ ‏ ‏( يَقْرَأُ وَكَانَ أَمَامَهُمْ ) ‏ ‏وَالْقِرَاءَةُ الْمَشْهُورَةُ : وَكَانَ وَرَاءَهُمْ ‏ ‏( مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صَالِحَةٍ ) ‏ ‏كَذَا كَانَ يَقْرَأُ اِبْنُ عَبَّاسٍ بِزِيَادَةِ صَالِحَةٍ بَعْدَ كُلَّ سَفِينَةٍ , وَكَذَا كَانَ يَقْرَأُ أُبَيٌّ فَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ : وَكَانَ أُبَيٌّ يَقْرَأُ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صَالِحَةٍ غَصْبًا , وَفِي رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ سُفْيَانَ , وَكَانَ اِبْنُ مَسْعُودٍ يَقْرَأُ كُلَّ سَفِينَةٍ صَحِيحَةٍ غَصْبًا ‏ ‏( وَكَانَ يَقْرَأُ ) ‏ ‏أَيْ اِبْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏( وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ كَافِرًا ) ‏ ‏وَالْقِرَاءَةُ الْمَشْهُورَةُ : وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ. ‏ ‏قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) ‏ ‏وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي مَوَاضِعَ فَوْقَ الْعَشَرَةِ , وَمُسْلِمٌ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ , وَالنَّسَائِيُّ ‏ ‏( قَالَ أَبُو مُزَاحِمٍ السَّمَرْقَنْدِيُّ ) ‏ ‏اِسْمُهُ سِبَاعٌ بِكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ اِبْنُ النَّضْرِ , مَقْبُولٌ مِنْ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ ‏ ‏( وَلَيْسَتْ لِي هِمَّةٌ ) ‏ ‏بِالْكَسْرِ وَيُفْتَحُ مَا هَمَّ بِهِ مِنْ أَمْرٍ لِيَفْعَلَ وَأُوِّلَ الْعَزْمُ وَالْعَزْمُ الْقَوِيُّ ‏ ‏( إِلَّا أَنْ أَسْمَعَ مِنْ سُفْيَانَ يَذْكُرُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْخَبَرَ ) ‏ ‏أَيْ لَفْظَ حَدَّثَنَا أَوْ أَخْبَرَنَا ‏ ‏( حَتَّى سَمِعْته ) ‏ ‏أَيْ سُفْيَانَ ‏ ‏( يَقُولُ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ , وَقَدْ كُنْت سَمِعْت هَذَا ) ‏ ‏أَيْ هَذَا الْحَدِيثَ ‏ ‏( مِنْ سُفْيَانَ قَبْلَ ذَلِكَ وَلَمْ يَذْكُرْ الْخَبَرَ ) ‏ ‏أَيْ لَمْ يَذْكُرْ سُفْيَانُ لَفْظَ : حَدَّثَنَا أَوْ أَخْبَرَنَا , بَلْ ذَكَرَ لَفْظَ عَنْ أَوْ أَقَلَّ أَوْ نَحْوَهُمَا , وَإِنَّمَا لَمْ يَقْنَعْ اِبْنُ الْمَدِينِيِّ : عَلَى مَا سَمِعَ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ سُفْيَانَ بِغَيْرِ لَفْظِ , الْخَبَرِ لِأَنَّهُ كَانَ يُدَلِّسُ , وَإِنْ كَانَ تَدْلِيسُهُ مِنْ الثِّقَاتِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْحَافِظُ فِي طَبَقَاتِ الْمُدَلِّسِينَ. ‏

الطبعة والمصدر

الترقيم من فهرس الموقع، ولا يثبت مطابقة رقم الحديث في جميع الطبعات والروايات.

شارك هذه الصفحة