بيانات إضافية
قَوْلُهُ : ( مَرِضْت عَامَ الْفَتْحِ ) صَوَابُهُ عَامَ حِجَّةِ الْوَدَاعِ. قَالَ الْحَافِظُ فِي فَتْحِ الْبَارِي : اِتَّفَقَ أَصْحَابُ الزُّهْرِيِّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي حِجَّةِ الْوَدَاعِ إِلَّا اِبْنَ عُيَيْنَةَ فَقَالَ فِي فَتْحِ مَكَّةَ : أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِهِ. وَاتَّفَقَ الْحَافِظُ عَلَى أَنَّهُ وَهَمَ فِيهِ , قَالَ وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ بِأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ وَقَعَ لَهُ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً عَامَ الْفَتْحِ وَمَرَّةً عَامَ حِجَّةِ الْوَدَاعِ , فَفِي الْأُولَى لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ مِنْ الْأَوْلَادِ أَصْلًا , وَفِي الثَّانِيَةِ كَانَتْ لَهُ اِبْنَةٌ فَقَطْ اِنْتَهَى ( أَشْفَيْت مِنْهُ ) أَيْ أَشْرَفْت , يُقَالُ أَشْفَى عَلَى كَذَا أَيْ قَارَبَهُ وَصَارَ عَلَى شَفَاهُ. وَلَا يَكَادُ يُسْتَعْمَلُ إِلَّا فِي الشَّرِّ ( يَعُودُنِي ) حَالٌ ( وَلَيْسَ يَرِثُنِي ) أَيْ مِنْ أَصْحَابِ الْفُرُوضِ ( إِلَّا اِبْنَتِي ) لِأَنَّهُ كَانَ لَهُ عَصَبَةٌ كَثِيرَةٌ ذَكَرَهُ الْمُظْهِرُ. قَالَ الطِّيبِيُّ : وَيُؤَيِّدُ هَذَا التَّأْوِيلَ قَوْلُهُ وَرَثَتَك , وَلَعَلَّ تَخْصِيصَ الْبِنْتِ بِالذِّكْرِ لِعَجْزِهَا. وَالْمَعْنَى لَيْسَ يَرِثُنِي مِمَّنْ أَخَافُ عَلَيْهِ إِلَّا اِبْنَتِي ( فَأُوصِي ) بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيدِ ( بِمَالِي كُلِّهِ ) أَيْ بِتَصَدُّقِهِ لِلْفُقَرَاءِ ( فَالشَّطْرِ ) بِالْجَرِّ أَيْ فَبِالنِّصْفِ. قَالَ اِبْنُ الْمَلَكِ : يَجُوزُ نَصْبُهُ عَطْفًا عَلَى الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ وَرَفْعُهُ أَيْ فَالشَّطْرُ كَافٍ , وَجَرُّهُ عَطْفًا عَلَى مَجْرُورِ الْبَاءِ ( قُلْت فَالثُّلُثِ ) بِالْجَرِّ وَجَوَّزَ النَّصْبَ وَالرَّفْعَ عَلَى مَا سَبَقَ ( قَالَ الثُّلُثَ ) بِالنَّصْبِ. قَالَ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : يَجُوزُ نَصْبُ الثُّلُثِ الْأَوَّلِ وَرَفْعُهُ بِالنَّصْبِ عَلَى الْإِغْرَاءِ أَوْ عَلَى تَقْدِيرِ : أَعْطِ الثُّلُثَ , وَأَمَّا الرَّفْعُ فَعَلَى أَنَّهُ فَاعِلٌ أَيْ يَكْفِيَك الثُّلُثُ , أَوْ أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الْخَبَرِ أَوْ عَكْسُهُ ( وَالثُّلُثُ ) بِالرَّفْعِ لَا غَيْرُ عَلَى الِابْتِدَاءِ خَبَرُهُ ( كَثِيرٌ ) قَالَ السُّيُوطِيُّ : رُوِيَ بِالْمُثَلَّثَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ. قَالَ اِبْنُ الْمَلَكِ : فِيهِ بَيَانُ أَنَّ الْإِيصَاءَ بِالثُّلُثِ جَائِزٌ لَهُ وَأَنَّ النَّقْصَ مِنْهُ أَوْلَى ( إِنَّك ) اِسْتِئْنَافُ تَعْلِيلٍ ( أَنْ تَذَرَ ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالرَّاءِ وَبِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ أَيْ تَتْرُكَ ( وَرَثَتَك أَغْنِيَاءَ ) أَيْ مُسْتَغْنِينَ عَنْ النَّاسِ ( عَالَةً ) أَيْ فُقَرَاءَ ( يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ ) أَيْ يَسْأَلُونَهُمْ بِالْأَكُفِّ وَمَدِّهَا إِلَيْهِمْ , وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ وَرَثَتَهُ كَانُوا فُقَرَاءَ وَهُمْ أَوْلَى بِالْخَيْرِ مِنْ غَيْرِهِمْ. قَالَ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : أَنْ تَذَرَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِهَا رِوَايَتَانِ صَحِيحَتَانِ , وَفِي الْفَائِقِ , إِنْ تَذَرُ مَرْفُوعُ الْمَحَلِّ عَلَى الِابْتِدَاءِ أَيْ تَرْكُك أَوْلَادَك أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ وَالْجُمْلَةُ بِأَسْرِهَا خَبَرُ إِنَّك ( لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً ) مَفْعُولٌ بِهِ أَوْ مُطْلَقٌ ( إِلَّا أُجِرْت فِيهَا ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ صِرْت مَأْجُورًا بِسَبَبِ تِلْكَ النَّفَقَةِ ( حَتَّى اللُّقْمَةَ ) بِالنَّصْبِ وَبِالْجَرِّ وَحُكِيَ بِالرَّفْعِ ( تَرْفَعُهَا إِلَى فِي اِمْرَأَتِك ) وَفِي رِوَايَةٍ : حَتَّى مَا تَجْعَلَ فِي فِي اِمْرَأَتِك , أَيْ فِي فَمِهَا. وَالْمَعْنَى أَنَّ الْمُنْفِقَ لِابْتِغَاءِ رِضَائِهِ تَعَالَى يُؤْجَرُ وَإِنْ كَانَ مَحَلُّ الْإِنْفَاقِ مَحَلَّ الشَّهْوَةِ وَحَظَّ النَّفْسِ لِأَنَّ الْأَعْمَالَ بِالنِّيَّاتِ وَنِيَّةُ الْمُؤْمِنِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ ( أُخَلَّفُ عَنْ هِجْرَتِي ) أَيْ أَبْقَى بِسَبَبِ الْمَرَضِ خَلْفًا بِمَكَّةَ قَالَهُ تَحَسُّرًا وَكَانُوا يَكْرَهُونَ الْمُقَامَ بِمَكَّةَ بَعْدَمَا هَاجَرُوا مِنْهَا وَتَرَكُوهَا لِلَّهِ ( إِنَّك لَنْ تُخَلَّفَ بَعْدِي فَتَعْمَلَ عَمَلًا إِلَخْ ) يَعْنِي أَنَّ كَوْنَك مُخَلَّفًا لَا يَضُرُّك مَعَ الْعَمَلِ الصَّالِحِ ( لَعَلَّك إِنْ تَخَلَّفَ ) أَيْ بِأَنْ يَطُولَ عُمُرُك ( حَتَّى يَنْتَفِعَ بِك أَقْوَامٌ ) أَيْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِالْغَنَائِمِ مِمَّا سَيَفْتَحُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْك مِنْ بِلَادِ الشِّرْكِ ( وَيُضَرُّ ) مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ ( بِك آخَرُونَ ) مِنْ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَهْلَكُونَ عَلَى يَدَيْك وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ الَّذِي تَرَجَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَشُفِيَ سَعْدٌ مِنْ ذَلِكَ الْمَرَضِ وَطَالَ عُمُرُهُ حَتَّى اِنْتَفَعَ بِهِ أَقْوَامٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَاسْتَضَرَّ بِهِ آخَرُونَ مِنْ الْكُفَّارِ حَتَّى مَاتَ سَنَةَ خَمْسِينَ عَلَى الْمَشْهُورِ , وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. قَالَ النَّوَوِيُّ : هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ الْمُعْجِزَاتِ فَإِنَّ سَعْدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَاشَ حَتَّى فَتْحِ الْعِرَاقِ وَغَيْرِهِ وَانْتَفَعَ بِهِ أَقْوَامٌ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ وَتَضَرَّرَ بِهِ الْكُفَّارُ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ , فَإِنَّهُمْ قَتَلُوا رِجَالَهُمْ وَسُبِيَتْ نِسَاؤُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ وَغُنِمَتْ أَمْوَالُهُمْ وَدِيَارُهُمْ. وَوَلِيَ الْعِرَاقَ فَاهْتَدَى عَلَى يَدَيْهِ خَلَائِقُ , وَتَضَرَّرَ بِهِ خَلَائِقُ بِإِقَامَتِهِ الْحَقَّ فِيهِمْ مِنْ الْكُفَّارِ وَنَحْوِهِمْ اِنْتَهَى ( اللَّهُمَّ اِمْضِ لِأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ ) أَيْ تَمِّمْهَا لَهُمْ وَلَا تُنْقِصْهَا ( لَكِنَّ الْبَائِسَ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ ) الْبَائِسُ مَنْ أَصَابَهُ بُؤْسٌ أَيْ ضَرَرٌ وَهُوَ يَصْلُحُ لِلذَّمِّ وَالتَّرَحُّمِ قِيلَ إِنَّهُ لَمْ يُهَاجِرْ مِنْ مَكَّةَ حَتَّى مَاتَ بِهَا فَهُوَ ذَمٌّ , وَالْأَكْثَرُ أَنَّهُ هَاجَرَ وَمَاتَ بِهَا فِي حِجَّةِ الْوَدَاعِ فَهُوَ تَرَحُّمٌ ( يَرْثِي لَهُ ) , مِنْ رَثَيْت الْمَيِّتَ مَرْثِيَةٌ إِذَا عَدَّدَتْ مَحَاسِنَهُ وَرَثَأَتْ بِالْهَمْزِ لُغَةٌ فِيهِ فَإِنْ قِيلَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْمَرَاثِي كَمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ , فَإِذَا نَهَى عَنْهُ كَيْفَ يَفْعَلُهُ ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ الْمَرْثِيَةَ الْمَنْهِيَّ عَنْهَا مَا فِيهِ مَدْحُ الْمَيِّتِ وَذِكْرُ مَحَاسِنِهِ الْبَاعِثُ عَلَى تَهْيِيجِ الْحُزْنِ وَتَجْدِيدِ اللَّوْعَةِ أَوْ فِعْلِهَا مَعَ الِاجْتِمَاعِ لَهَا أَوْ عَلَى الْإِكْثَارِ مِنْهَا دُونَ مَا عَدَا ذَلِكَ , وَالْمُرَادُ هُنَا تَوَجُّعُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَتَحَزُّنُهُ عَلَى سَعْدٍ لِكَوْنِهِ مَاتَ بِمَكَّةَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ مِنْهَا لَا مَدْحَ الْمَيِّتِ لِتَهْيِيجِ الْحُزْنِ كَذَا ذَكَرَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ ( أَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ أَيْ لِأَجْلِ مَوْتِهِ بِأَرْضٍ هَاجَرَ مِنْهَا وَكَانَ يَكْرَهُ مَوْتَهُ بِهَا فَلَمْ يُعْطَ مَا تَمَنَّى. قَالَ اِبْنُ بَطَّالٍ : وَأَمَّا قَوْلُهُ : يَرْثِي لَهُ. فَهُوَ مِنْ كَلَامِ الزُّهْرِيِّ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : "" لَكِنَّ الْبَائِسَ "" إِلَخْ أَيْ رَثِيَ لَهُ حِينَ مَاتَ بِمَكَّةَ وَكَانَ يَهْوَى أَنْ يَمُوتَ بِغَيْرِهَا. قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ ) أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ. قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) أَخْرَجَهُ الْجَمَاعَةُ. قَوْلُهُ : ( وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ لَيْسَ لِلرَّجُلِ أَنْ يُوصِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ ) قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : اِسْتَقَرَّ الْإِجْمَاعُ عَلَى مَنْعِ الْوَصِيَّةِ بِأَزْيَدَ مِنْ الثُّلُثِ. لَكِنْ اُخْتُلِفَ فِيمَنْ لَيْسَ لَهُ وَارِثٌ خَاصٌّ , فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى مَنْعِهِ مِنْ الزِّيَادَةِ عَلَى الثُّلُثِ , وَجَوَّزَ لَهُ الزِّيَادَةَ الْحَنَفِيَّةُ وَإِسْحَاقُ وَشَرِيكٌ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ , وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ , وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ الْوَصِيَّةَ مُطْلَقَةٌ فِي الْآيَةِ فَقَيَّدَتْهَا السُّنَّةُ لِمَنْ لَهُ وَارِثٌ فَبَقِيَ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ عَلَى الْإِطْلَاقِ ( وَقَدْ اِسْتَحَبَّ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ يُنْقِصَ مِنْ الثُّلُثِ إِلَخْ ) قَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ : الْمَعْرُوفُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ اِسْتِحْبَابُ النَّقْصِ عَنْ الثُّلُثِ. وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ : إِنْ كَانَ الْوَرَثَةُ فُقَرَاءَ اُسْتُحِبَّ أَنْ يُنْقِصَ مِنْهُ وَإِنْ كَانُوا أَغْنِيَاءَ اُسْتُحِبَّ أَنْ يُوصِيَ بِالثُّلُثِ تَبَرُّعًا.
الترقيم من فهرس الموقع، ولا يثبت مطابقة رقم الحديث في جميع الطبعات والروايات.

