بيانات إضافية
قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ ) هُوَ اِبْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ , وَالْأَشْهَرُ أَنَّهُ لَا اِسْمَ لَهُ غَيْرُهَا. وَيُقَالُ اِسْمُهُ عَامِرٌ كُوفِيٌّ ثِقَةٌ , وَالرَّاجِحُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ سَمَاعُهُ مِنْ أَبِيهِ كَذَا فِي التَّقْرِيبِ ( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ) هُوَ اِبْنُ مَسْعُودِ بْنُ غَافِلٍ بِمُعْجَمَةٍ ثُمَّ فَاءٍ مَكْسُورَةٍ اِبْنُ حَبِيبٍ , اِبْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْكُوفِيُّ , أَحَدُ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ وَصَاحِبُ النَّعْلَيْنِ شَهِدَ بَدْرًا وَالْمَشَاهِدَ مَاتَ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ اِثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ عَنْ بِضْعٍ وَسِتِّينَ سَنَةً. قَوْلُهُ : ( فَأَتَيْتُهُ بِحَجَرَيْنِ وَرَوْثَةٍ ) زَادَ اِبْنُ خُزَيْمَةَ فِي رِوَايَةٍ لَهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : إِنَّهَا كَانَتْ رَوْثَةَ حِمَارٍ , وَنَقَلَ التَّمِيمِيُّ أَنَّ الرَّوْثَ مُخْتَصٌّ بِمَا يَكُونُ مِنْ الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ , وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ : فَوَجَدْت الْحَجَرَيْنِ وَالْتَمَسْت الثَّالِثَ فَلَمْ أَجِدْ فَأَخَذْت رَوْثَةً , فَأَتَيْت بِهَا , أَيْ بِالثَّلَاثَةِ مِنْ الْحَجَرَيْنِ وَالرَّوْثَةِ ( فَأَخَذَ الْحَجَرَيْنِ وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ ) اِسْتَدَلَّ بِهِ الطَّحَاوِيُّ عَلَى عَدَمِ اِشْتِرَاطِ الثَّلَاثَةِ , قَالَ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُشْتَرَطًا لَطَلَبَ ثَالِثًا , كَذَا قَالَ , وَغَفَلَ رَحِمَهُ اللَّهُ عَمَّا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ اِبْنِ مَسْعُودٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ. فَإِنَّ فِيهِ فَأَلْقَى الرَّوْثَةَ وَقَالَ إِنَّهَا رِكْسٌ اِئْتِنِي بِحَجَرٍ , وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ أَثْبَاتٌ , وَقَدْ تَابَعَ عَلَيْهِ مَعْمَرًا أَبُو شَيْبَةَ الْوَاسِطِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ , أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَتَابَعَهُمَا عَمَّارُ بْنُ رُزَيْقٍ أَحَدُ الثِّقَاتِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ. وَقَدْ قِيلَ إِنَّ أَبَا إِسْحَاقَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عَلْقَمَةَ , لَكِنْ أَثْبَتَ سَمَاعَهُ لِهَذَا الْحَدِيثِ مِنْهُ الْكَرَابِيسِيُّ , وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنَّهُ أَرْسَلَهُ عَنْهُ فَالْمُرْسَلُ حُجَّةٌ عِنْدَ الْمُخَالِفِينَ وَعِنْدَنَا أَيْضًا إِذَا اُعْتُضِدَ , قَالَهُ الْحَافِظُ اِبْنُ حَجَرٍ فِي فَتْحِ الْبَارِي. وَتَعَقَّبَ عَلَيْهِ الْعَيْنِيُّ فِي عُمْدَةِ الْقَارِي ص 737 ج1 شَرْحِ الْبُخَارِيِّ : فَقَالَ لَمْ يَغْفُلْ الطَّحَاوِيُّ عَنْ ذَلِكَ , وَإِنَّمَا الَّذِي نَسَبَهُ إِلَى الْغَفْلَةِ هُوَ الْغَافِلُ , وَكَيْفَ يَغْفُلُ عَنْ ذَلِكَ وَقَدْ ثَبَتَ عِنْدَهُ عَدَمُ سَمَاعِ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَلْقَمَةَ فَالْحَدِيثُ عِنْدَهُ مُنْقَطِعٌ , وَالْمُحَدِّثُ لَا يَرَى الْعَمَلَ بِهِ وَأَبُو شَيْبَةَ الْوَاسِطِيُّ ضَعِيفٌ فَلَا يُعْتَبَرُ بِمُتَابَعَتِهِ , فَاَلَّذِي يَدَّعِي صَنْعَةَ الْحَدِيثِ كَيْفَ يَرْضَى بِهَذَا الْكَلَامِ اِنْتَهَى. قُلْت : هَذَا غَفْلَةٌ شَدِيدَةٌ مِنْ الْعَيْنِيِّ , فَإِنَّ الطَّحَاوِيَّ رَحِمَهُ اللَّهُ قَدْ اِحْتَجَّ بِحَدِيثِ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَلْقَمَةَ فِي مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِهِ "" شَرْحِ الْآثَارِ "" فَمِنْهَا مَا قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرَةَ قَالَ ثنا أَبُو دَاوُدَ قَالَ ثنا خُدَيْجُ بْنُ مُعَاوِيَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : لَيْتَ الَّذِي يَقْرَأُ خَلْفَ الْإِمَامِ مُلِئَ فُوهُ تُرَابًا. سَلَّمْنَا أَنَّ أَبَا شَيْبَةَ ضَعِيفٌ , فَلَا يُعْتَبَرُ بِمُتَابَعَتِهِ , لَكِنَّ عَمَّارَ بْنَ رُزَيْقٍ ثِقَةٌ وَهُوَ قَدْ تَابَعَهُمَا , فَمُتَابَعَتُهُ مُعْتَبَرَةٌ بِلَا شَكٍّ : عَلَى أَنَّ قَوْلَ الطَّحَاوِيِّ : لَوْ كَانَ مُشْتَرَطًا لَطَلَبَ ثَالِثًا فِيهِ نَظَرٌ , لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَ ثَالِثًا بِنَفْسِهِ مِنْ دُونِ طَلَبٍ أَوْ اِسْتَنْجَى بِحَجَرٍ وَطَرَفَيْ حَجَرٍ آخَرَ , وَبِالِاحْتِمَالِ لَا يَصِحُّ الِاسْتِدْلَالُ , قَالَ الْحَافِظُ الزَّيْلَعِيُّ فِي نَصْبِ الرَّايَةِ. قَالَ اِبْنُ الْجَوْزِيِّ فِي التَّحْقِيقِ. وَحَدِيثُ الْبُخَارِيِّ لَيْسَ فِيهِ حُجَّةٌ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَخَذَ حَجَرًا ثَالِثًا مَكَانَ الرَّوْثَةِ , وَبِالِاحْتِمَالِ لَا يَتِمُّ الِاسْتِدْلَالُ اِنْتَهَى. قَوْلُهُ : ( وَقَالَ إِنَّهَا رِكْسٌ ) كَذَا وَقَعَ هَاهُنَا بِكَسْرِ الرَّاءِ وَإِسْكَانِ الْكَافِ , فَقِيلَ هِيَ لُغَةٌ فِي رِجْسٍ , وَيَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ اِبْنِ مَاجَهْ وَابْنِ خُزَيْمَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ , فَإِنَّهَا عِنْدَهُمَا بِالْجِيمِ , وَقِيلَ الرِّكْسُ الرَّجِيعُ , رُدَّ مِنْ حَالَةِ الطَّهَارَةِ إِلَى حَالَةِ النَّجَاسَةِ , قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ , وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ رُدَّ مِنْ حَالَةِ الطَّعَامِ إِلَى حَالَةِ الرَّوْثِ كَذَا فِي فَتْحِ الْبَارِي. قَوْلُهُ : ( وَهَكَذَا رَوَى قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ ) الْأَسَدِيُّ أَبُو مُحَمَّدٍ الْكُوفِيُّ , صَدُوقٌ تَغَيَّرَ لَمَّا كَبِرَ , وَأَدْخَلَ عَلَيْهِ اِبْنُهُ مَا لَيْسَ مِنْ حَدِيثِهِ , فَحَدَّثَ بِهِ ( وَهَذَا حَدِيثٌ فِيهِ اِضْطِرَابٌ ) أَيْ فِي سَنَدِهِ اِضْطِرَابٌ , فَأَصْحَابُ أَبِي إِسْحَاقَ يَخْتَلِفُونَ عَلَيْهِ , كَمَا بَيَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ ( سَأَلْت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ) هُوَ أَبُو مُحَمَّدٍ الدَّارِمِيُّ الْحَافِظُ صَاحِبُ الْمُسْنَدِ وَتَقَدَّمَ تَرْجَمَتُهُ فِي الْمُقَدِّمَةِ ( سَأَلْت مُحَمَّدًا ) هُوَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ( وَكَأَنَّهُ ) أَيْ مُحَمَّدًا الْبُخَارِيُّ ( أَشْبَهُ ) أَيْ بِالصِّحَّةِ وَأَقْرَبُ إِلَى الصَّوَابِ ( وَوَضَعَهُ فِي كِتَابِهِ الْجَامِعِ ) أَيْ الْجَامِعِ الصَّحِيحِ الْمَشْهُورِ بِصَحِيحِ الْبُخَارِيِّ فِي بَابٍ لَا يُسْتَنْجَى بِرَوْثٍ ( لِأَنَّ إِسْرَائِيلَ أَثْبَتُ وَأَحْفَظُ لِحَدِيثِ أَبِي إِسْحَاقَ مِنْ هَؤُلَاءِ ) أَيْ مَعْمَرٍ وَعَمَّارِ بْنِ رُزَيْقٍ وَزُهَيْرٍ وَزَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ ( وَتَابَعَهُ ) أَيْ إِسْرَائِيلُ ( عَلَى ذَلِكَ ) أَيْ عَلَى رِوَايَتِهِ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ( قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ ) بِالرَّفْعِ فَاعِلُ تَابَعَ ( وَزُهَيْرُ فِي أَبِي إِسْحَاقَ ) أَيْ فِي رِوَايَةِ الْحَدِيثِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ ( لِأَنَّ سَمَاعَهُ مِنْهُ ) أَيْ لِأَنَّ سَمَاعَ زُهَيْرٍ مِنْ أَبِي إِسْحَاقَ ( بِأَخَرَةِ ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْخَاءِ أَيْ فِي آخِرِ عُمُرِهِ فِي نُسْخَةٍ قَلَمِيَّةٍ صَحِيحَةٍ بِآخِرِهِ. اِعْلَمْ أَنَّ التِّرْمِذِيَّ رَجَّحَ رِوَايَةَ إِسْرَائِيلَ عَلَى رِوَايَةِ زُهَيْرٍ الَّتِي وَضَعَهَا الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ وَعَلَى رِوَايَاتِ مَعْمَرٍ وَغَيْرِهِ بِثَلَاثَةِ وُجُوهٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّ إِسْرَائِيلَ أَثْبَتُ وَأَحْفَظُ لِحَدِيثِ أَبِي إِسْحَاقَ مِنْ زُهَيْرٍ وَمَعْمَرٍ وَغَيْرِهِمَا. الثَّانِي : أَنَّ قَيْسَ بْنَ الرَّبِيعِ تَابَعَ إِسْرَائِيلَ عَلَى رِوَايَتِهِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ. الثَّالِثُ : أَنَّ سَمَاعَ إِسْرَائِيلَ مِنْ أَبِي إِسْحَاقَ لَيْسَ فِي آخِرِ عُمُرِهِ , وَسَمَاعَ زُهَيْرٍ مِنْهُ فِي آخِرِ عُمُرِهِ. قُلْت : فِي كُلٍّ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ نَظَرٌ , فَمَا قَالَ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ فَهُوَ مُعَارَضٌ بِمَا قَالَ الْآجُرِّيُّ : سَأَلْت أَبَا دَاوُدَ عَنْ زُهَيْرٍ وَإِسْرَائِيلَ فِي أَبِي إِسْحَاقَ فَقَالَ : زُهَيْرُ فَوْقَ إِسْرَائِيلَ بِكَثِيرٍ , وَمَا قَالَ فِي الْوَجْهِ الثَّانِي مِنْ مُتَابَعَةِ قَيْسِ بْنِ الرَّبِيعِ لِرِوَايَةِ إِسْرَائِيلَ ; فَإِنَّ شَرِيكًا الْقَاضِيَ تَابَعَ زُهَيْرًا وَشَرِيكُ أَوْثَقُ مِنْ قَيْسٍ , وَأَيْضًا تَابَعَ زُهَيْرًا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ عَنْ أَبِيهِ , وَابْنُ حَمَّادٍ الْحَنَفِيُّ وَأَبُو مَرْيَمَ وَزَكَرِيَّا بْنُ أَبِي زَائِدَةَ , وَمَا قَالَ فِي الْوَجْهِ الثَّالِثِ فَهُوَ مُعَارَضٌ بِمَا قَالَ الذَّهَبِيُّ فِي الْمِيزَانِ : قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : حَدِيثُ زَكَرِيَّا وَإِسْرَائِيلَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ لَيِّنٌ سَمِعَا مِنْهُ بِآخِرِهِ , فَظَهَرَ الْآنَ أَنَّهُ لَيْسَ لِتَرْجِيحِ رِوَايَةِ إِسْرَائِيلَ وَجْهٌ صَحِيحٌ , بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّ التَّرْجِيحَ لِرِوَايَةِ زُهَيْرٍ الَّتِي رَجَّحَهَا الْبُخَارِيُّ وَوَضَعَهَا فِي صَحِيحِهِ , قَالَ الْحَافِظُ اِبْنُ حَجَرٍ فِي مُقَدِّمَةِ ص : 403 فَتْحِ الْبَارِي. حَكَى اِبْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِيهِ وَأَبِي زُرْعَةَ أَنَّهُمَا رَجَّحَا رِوَايَةَ إِسْرَائِيلَ وَكَانَ التِّرْمِذِيُّ تَبِعَهُمَا فِي ذَلِكَ , وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الَّذِي رَجَّحَهُ الْبُخَارِيُّ هُوَ الْأَرْجَحُ وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ مَجْمُوعَ كَلَامِ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ مُشْعِرٌ بِأَنَّهُ الرَّاجِحُ عَلَى الرِّوَايَاتِ كُلِّهَا , أَمَّا طَرِيقُ إِسْرَائِيلَ وَهِيَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ وَأَبُو عُبَيْدَةَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِيهِ فَيَكُونُ الْإِسْنَادُ مُنْقَطِعًا : أَوْ رِوَايَةُ زُهَيْرٍ وَهِيَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ اِبْنِ مَسْعُودٍ فَيَكُونُ مُتَّصِلًا. وَهُوَ تَصَرُّفٌ صَحِيحٌ لِأَنَّ الْأَسَانِيدَ فِيهِ إِلَى زُهَيْرٍ وَإِلَى إِسْرَائِيلَ أَثْبَتُ مِنْ بَقِيَّةِ الْأَسَانِيدِ وَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ كَانَ دَعْوَى الِاضْطِرَابِ فِي الْحَدِيثِ مَنْفِيَّةً , لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ عَلَى الْحُفَّاظِ فِي الْحَدِيثِ لَا يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ مُضْطَرِبًا إِلَّا بِشَرْطَيْنِ : أَحَدُهُمَا اِسْتِوَاءُ وُجُوهِ الِاخْتِلَافِ فَمَتَى رَجَحَ أَحَدُ الْأَقْوَالِ قُدِّمَ , وَلَا يُعَلُّ الصَّحِيحُ بِالْمَرْجُوحِ , وَثَانِيهِمَا مَعَ الِاسْتِوَاءِ أَنْ يَتَعَذَّرَ الْجَمْعُ عَلَى قَوَاعِدِ الْمُحَدِّثِينَ أَوْ يَغْلِبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ ذَلِكَ الْحَافِظَ لَمْ يَضْبِطْ ذَلِكَ الْحَدِيثَ بِعَيْنِهِ , فَحِينَئِذٍ يُحْكَمُ عَلَى تِلْكَ الرِّوَايَةِ وَحْدَهَا بِالِاضْطِرَابِ , وَيَتَوَقَّفُ عَلَى الْحُكْمِ بِصِحَّةِ ذَلِكَ الْحَدِيثِ لِذَلِكَ , وَهَاهُنَا يَظْهَرُ عَدَمُ اِسْتِوَاءِ وُجُوهِ الِاخْتِلَافِ عَلَى أَبِي إِسْحَاقَ فِيهِ ; لِأَنَّ الرِّوَايَاتِ الْمُخْتَلِفَةَ عَنْهُ لَا يَخْلُو إِسْنَادٌ مِنْهَا مِنْ مَقَالٍ غَيْرِ الطَّرِيقَيْنِ الْمُقَدَّمُ ذِكْرُهُمَا عَنْ زُهَيْرٍ وَعَنْ إِسْرَائِيلَ , مَعَ أَنَّهُ يُمْكِنُ رَدُّ أَكْثَرِ الطُّرُقِ إِلَى رِوَايَةِ زُهَيْرٍ , وَالَّذِي يَظْهَرُ بَعْدَ ذَلِكَ تَقْدِيمُ رِوَايَةِ زُهَيْرٍ لِأَنَّ يُوسُفَ بْنَ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ قَدْ تَابَعَ زُهَيْرًا , وَقَدْ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْمُعْجَمِ الْكَبِيرِ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ أَبِي زَائِدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ كَرِوَايَةِ زُهَيْرٍ , وَرَوَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ مِنْ طَرِيقِ لَيْثِ بْنِ أَبِي سَلِيمٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ اِبْنِ مَسْعُودٍ , كَرِوَايَةِ زُهَيْرٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ , وَلَيْثٌ وَإِنْ كَانَ ضَعِيفَ الْحِفْظِ فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ بِهِ وَيُسْتَشْهَدُ فَيُعْرَفُ أَنَّ لَهُ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ عَنْ أَبِيهِ أَصْلًا اِنْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ. قَوْلُهُ : ( سَمِعْت أَحْمَدَ بْنَ الْحَسَنِ ) اِبْنَ جُنَيْدِبٍ التِّرْمِذِيَّ الْحَافِظَ الْجَوَّالَ كَانَ مِنْ تَلَامِذَةِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ. رَوَى عَنْ أَبِي عَاصِمٍ وَالْفِرْيَابِيِّ وَيَعْلَى بْنِ عُبَيْدٍ وَغَيْرِهِمْ , وَعَنْهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ , وَكَانَ أَحَدَ أَوْعِيَةِ الْحَدِيثِ مَاتَ سَنَةَ 205 خَمْسٍ وَمِائَتَيْنِ ( إِذَا سَمِعْت الْحَدِيثَ عَنْ زَائِدَةَ ) هُوَ اِبْنُ قُدَامَةَ الثَّقَفِيُّ أَبُو الصَّلْتِ الْكُوفِيُّ أَحَدُ الْأَعْلَامِ , رَوَى عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ وَزِيَادِ بْنِ عَلَاقَةَ وَعَاصِمِ بْنِ بَهْدَلَةَ , وَعَنْهُ اِبْنُ عُيَيْنَةَ وَابْنُ مَهْدِيٍّ وَغَيْرُهُمَا وَثَّقَهُ أَبُو حَاتِمٍ وَغَيْرُهُ , مَاتَ غَازِيًا بِأَرْضِ الرُّومِ سَنَةَ 162 اِثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ. كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ , وَقَالَ فِي التَّقْرِيبِ ثِقَةٌ ثَبْتٌ صَاحِبُ سُنَّةٍ ( وَزُهَيْرٍ ) تَقَدَّمَ تَرْجَمَتُهُ آنِفًا. ( إِلَّا حَدِيثَ أَبِي إِسْحَاقَ ) قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ : قَالَ أَحْمَدُ زُهَيْرٌ سَمِعَ مِنْ أَبِي إِسْحَاقَ بِأَخَرَةٍ , وَقَالَ فِي هَامِشِهَا نَقْلًا عَنْ التَّهْذِيبِ : وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ ثِقَةٌ إِلَّا أَنَّهُ سَمِعَ مِنْ أَبِي إِسْحَاقَ بَعْدَ الِاخْتِلَاطِ. اِنْتَهَى ( وَأَبُو إِسْحَاقَ اِسْمُهُ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ السَّبِيعِيُّ الْهَمْدَانِيُّ ) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ : مُكْثِرٌ ثِقَةٌ عَابِدٌ مِنْ الثَّالِثَةِ , يَعْنِي مِنْ أَوْسَاطِ التَّابِعِينَ , اِخْتَلَطَ بِآخِرِهِ مَاتَ سَنَةَ 129 تِسْعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ , وَقِيلَ قَبْلَ ذَلِكَ. اِنْتَهَى , وَقَالَ فِي الْخُلَاصَةِ أَحَدُ أَعْلَامِ التَّابِعِينَ قَالَ أَبُو حَاتِمٍ ثِقَةٌ يُشْبِهُ الزُّهْرِيَّ فِي الْكَثْرَةِ , وَقَالَ حُمَيْدٌ الرُّؤَاسِيُّ : سَمِعَ مِنْهُ اِبْنُ عُيَيْنَةَ بَعْدَمَا اِخْتَلَطَ. اِنْتَهَى. قُلْت : هُوَ مُدَلِّسٌ , صَرَّحَ بِهِ الْحَافِظُ فِي طَبَقَاتِ الْمُدَلِّسِينَ ( وَلَا يُعْرَفُ اِسْمُهُ ) اِسْمُهُ عَامِرٌ , لَكِنَّهُ مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ ( حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ) الْهُذَلِيُّ مَوْلَاهُمْ الْكُوفِيُّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْكَرَابِيسِيُّ الْحَافِظُ , رَبِيبُ شُعْبَةٍ جَالَسَهُ نَحْوًا مِنْ عِشْرِينَ سَنَةً , لَقَبُهُ غُنْدُرٌ , قَالَ اِبْنُ مَعِينٍ : كَانَ مِنْ أَصَحِّ النَّاسِ كِتَابًا , قَالَ أَبُو دَاوُدَ مَاتَ سَنَةَ 193 ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ , وَقَالَ اِبْنُ سَعْدٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ , وَقَالَ الْحَافِظُ ثِقَةٌ صَحِيحُ الْكِتَابِ إِلَّا أَنَّ فِيهِ غَفْلَةً اِنْتَهَى. ( عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ) بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَارِقٍ الْجُمَلِيِّ الْمُرَادِيِّ الْكُوفِيِّ الْأَعْمَى , ثِقَةٌ عَابِدٌ كَانَ لَا يُدَلِّسُ وَرُمِيَ بِالْإِرْجَاءِ. قَوْلُهُ : ( سَأَلْت أَبَا عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ هَلْ تَذْكُرُ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ شَيْئًا قَالَ لَا ) هَذَا نَصٌّ صَحِيحٌ صَرِيحٌ فِي أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِيهِ شَيْئًا وَهُوَ الْقَوْلُ الرَّاجِحُ , قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ : أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ , وَالْأَشْهَرُ أَنَّهُ لَا اِسْمَ لَهُ غَيْرُهَا , وَيُقَالُ اِسْمُهُ عَامِرٌ كُوفِيٌّ ثِقَةٌ وَالرَّاجِحُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ سَمَاعُهُ مِنْ أَبِيهِ , وَقَالَ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ رَوَى عَنْ أَبِيهِ وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ ذَكَرَهُ اِبْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ وَقَالَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِيهِ شَيْئًا , وَقَالَ اِبْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي الْمَرَاسِيلِ : قُلْت لِأَبِي هَلْ سَمِعَ أَبُو عُبَيْدَةَ مِنْ أَبِيهِ ؟ قَالَ : يُقَالُ إِنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ اِنْتَهَى. وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : أَبُو عُبَيْدَةَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِيهِ عَلَى الصَّحِيحِ. اِنْتَهَى. تَنْبِيهٌ : قَالَ الْعَيْنِيُّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ رَادًّا عَلَى الْحَافِظِ مَا لَفْظُهُ : وَأَمَّا قَوْلُ هَذَا الْقَائِلِ أَبُو عُبَيْدَةَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِيهِ فَمَرْدُودٌ بِمَا ذُكِرَ فِي الْمُعْجَمِ الْأَوْسَطِ لِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ قَالَ : حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَتَّابٍ الْكُوفِيُّ سَمِعْت أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَذْكُرُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ يَقُولُ كُنْت مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ. الْحَدِيثَ , وَبِمَا أَخْرَجَ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ فِي ذِكْرِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَصَحَّحَ إِسْنَادَهُ , وَبِمَا حَسَّنَ التِّرْمِذِيُّ عِدَّةَ أَحَادِيثَ رَوَاهَا عَنْ أَبِيهِ : مِنْهَا لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ جِيءَ بِالْأَسْرَى. وَمِنْهَا كَانَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ كَأَنَّهُ عَلَى الرَّضْفِ. وَمِنْهَا قَوْلُهُ : وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ. وَمِنْ شَرْطِ الْحَدِيثِ الْحَسَنِ أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلَ الْإِسْنَادِ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ , اِنْتَهَى كَلَامُ الْعَيْنِيِّ. قُلْت : لَا بُدَّ لِلْعَيْنِيِّ أَنْ يُثْبِتَ أَوَّلًا صِحَّةَ رِوَايَةِ الْمُعْجَمِ الْأَوْسَطِ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَسْتَدِلَّ بِهَا عَلَى صِحَّةِ سَمَاعِ أَبِي عُبَيْدَةَ , وَدُونُهُ خَرْطُ الْقَتَادِ , وَأَمَّا اِسْتِدْلَالُهُ عَلَى سَمَاعِهِ مِنْ أَبِيهِ بِمَا أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ وَتَصْحِيحُهُ فَعَجِيبٌ جِدًّا. فَإِنَّ تَسَاهُلَهُ مَشْهُورٌ , وَقَدْ ثَبَتَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ نَفْسِهِ عَدَمُ سَمَاعِهِ مِنْ أَبِيهِ كَمَا عَرَفْت وَأَمَّا اِسْتِدْلَالُهُ عَلَى ذَلِكَ بِمَا حَسَّنَ التِّرْمِذِيُّ عِدَّةَ أَحَادِيثَ رَوَاهَا عَنْ أَبِيهِ فَمَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَى أَنَّ التِّرْمِذِيَّ قَدْ يُحَسِّنُ الْحَدِيثَ مَعَ الِاعْتِرَافِ بِانْقِطَاعِهِ , وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي الْمُقَدِّمَةِ.
الترقيم من فهرس الموقع، ولا يثبت مطابقة رقم الحديث في جميع الطبعات والروايات.

