مجموعة من الإشارات والتأويلات المحفوظة في قاعدة كتب الموقع.
☷ الفهرسسورة الضحى — الآيات 10
وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ (10)
[ «وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ» الآية - يدخل فيه السائل عن العلم ]
سواء كان في القوت المحسوس أو المعنوي ، فإن العلم من هذا الباب ويدخل فيه ، والإفادة ، فإن الضال يطلب الهداية ، والجائع يطلب الطعام ، والعاري يطلب الكسوة التي تقيه برد الهواء وحره وتستر عورته ، والجاني العالم بأنك قادر على مؤاخذته يطلب منك العفو عن جنايته ، فاهد الحيران ، وأطعم الجائع ، واسق الظمآن ، واكس العريان ، فعمم بقوله «وَأَمَّا السَّائِلَ» وإن كان المقصود في سبب نزولها السؤال في العلم ، لأنه تعليم لحال سابق كان لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وهو قوله (وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى)
فقال له «وَأَمَّا السَّائِلَ» إذا جاءك يسألك فإنما هو بمنزلتك حين كنت ضال «فَلا تَنْهَرْ» فلا تنهره كما لم أنهرك ، وبيّن له كما بينت لك ، ولقد علمنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من هذا الباب في تأديب الصحابة ما يتأدب به في ذلك ،
وذلك أن رجلا جاء إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو بين ظهراني أصحابه ،
فقال [ يا رسول اللّه إني أسألك عن ثياب أهل الجنة ، أخلق تخلق أم نسيج تنسج ؟
فضحك الحاضرون من سؤاله ، فغضب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم
وقال : (أتضحكون أن جاهلا سأل عالما ، يا هذا الرجل إنها تشقق عنها ثمر الجنة)
فأجابه بما أرضاه ، وعلّم أصحابه الأدب مع السائل ، فأزال خجله وانقلب عالما فرحا ، فقد جرت العادة عند العلماء القاصرين عما ذكرناه أن المتعلم السائل إذا جاء ليسأل العالم عن أمر لا يعلمه ، فإن كانت المسألة بالنظر إلى حالة السائل عظيمة
قال له : لا تسأل عما لا يعنيك ، وهذا ليس قدرك ، وتقصر عن فهم الجواب على هذا السؤال ، وليس الأمر كذلك ، ولا في نفس الأمر ، وإنما القصور في المسؤول حيث لم يعلم الوجه الذي تحتمله المسألة بالنظر إلى هذا السائل ، فيعلمه به ليحصل له الفائدة فيما سأل عنه ، ويستر عنه الوجوه التي فيها مما لا يحتمله عقله ، ولا يبلغ إليه فهمه ، فيسر السائل بجواب العالم ويصير عالما بتلك المسألة من ذلك الوجه ، وهو وجه صحيح ،
فما سأل سائل قط في مسئلة ليس فيه أهلية لقبول جواب عنها ، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم [ إن اللّه أدبني فأحسن تأديبي ]
فينبغي لنا أن نتبع الآداب الإلهية التي أدب اللّه سبحانه بها أنبياءه ، فإن الحائر إذا سأل يسأل إما بحاله وإما بقوله ، والعالم بما حار فيه يجب عليه أن يبيّن له ما حار فيه ، فإن كان المسؤول فيه مما تكون حقيقته الحيرة فيه أبان له هذا العالم أن العلم به أنّه يحار فيه ، فأزال عنه الحيرة في الحيرة ، وإن كانت من العلوم التي إذا بينت زالت الحيرة فيه وبان بيان الصبح لذي عينين أبانه له فعلمه ، فأزال عنه الحيرة ، ولا يرده ، ولا يقول له : ليس هذا عشك فادرج ، ولا سألت ما لا يعطيه مقامك ، فإن الإنسان إذا قال مثل هذا القول لمن سأله عن علم ما فليس بعالم ، وهو جاهل المسألة وبالوجه الذي ينبغي من هذه المسألة أن يقابل به هذا السائل ، والعلم وسوء الخلق لا يجتمعان في موفق ، فكل عالم فهو واسع المغفرة والرحمة ، وسوء الخلق إنما هو من الضيق والحرج ، وأما إذا كان السؤال خطأ فلا يلزم الجواب عنه ، فإن سأل سائل ذو وهم : متى كان وجود العالم من وجود الحق ؟ قلن :
متى سؤال زماني ، والزمان من عالم النسب ، وهو مخلوق للّه تعالى ، لأن عالم النسب له خلق التقدير لا الإيجاد ، فهذا سؤال باطل ، فانظر كيف تسأل فنهى اللّه نبيه عن انتهار سائل العلم ، تعليما لنا ، فقال «وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ» لأنه قال له (وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى) أي حائرا (ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ) وقد ورد في الخبر
[ استوصوا بطالب العلم خيرا ، ومن سئل عن علم فكتمه ألجمه اللّه بلجام من نار ]،
ومن هذه الآية كان سؤال الرجل السلطان أولى من سؤال غير السلطان ، لأن وجود الحق أظهر فيه من غيره من السوقة والعامة ، ولهذا رفعت الكدية عن الذين يسألون الملوك ، فإنهم نواب اللّه ، وهم موضع حاجة الخلق ، وهم المأمورون أن لا ينهروا السائل ،
يقول اللّه لنبيه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو النائب الأكبر «وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ» ولهذا يسأل اللّه تعالى يوم القيامة النواب وهم الرعاة عمن استرعاهم عليه ، ويسأل الرعايا ما فعلوا فيهم ،
قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم [ المسائل كدوح يكدح بها الرجل في وجهه ، فمن شاء أبقى على وجهه ، ومن شاء ترك ، إلا أن يسأل ذا سلطان في أمر لا يجد منه بدا ] .
الرابط الدائم: /books/tafsir.php?id=2249
إصدار الموقع الإلكتروني؛ رقم السجل ليس ترقيم الطبعة المطبوعة. راجع أصول النصوص وتوثيق النسبة.

