تجاوز إلى المحتوى
✦ إشارات تفسيرية في آيات القرآن

سورة ص — الآيات 5 — إشارات تفسيرية في آيات القرآن

مجموعة من الإشارات والتأويلات المحفوظة في قاعدة كتب الموقع.

۞ قراءة النص

مجموعة من الإشارات والتأويلات المحفوظة في قاعدة كتب الموقع.

☷ الفهرس
رقم السجل 1519

سورة ص — الآيات 5

جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ (5)

[ الإله لا يكون بالجعل ]

قال المشركون لما دعوا إلى توحيد الإله في ألوهته بقوله تعالى : (وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ) أكثروا التعجب

وقالوا : «جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً» فهي حكاية اللّه لنا عن المشرك أنه قال هكذا ، إما لفظا وإما معنى ، والمشرك هو من جعل مع اللّه إلها آخر من واحد فما زاد ، وكان ذلك من أجل اعتقادهم فيما عبدوه أنهم آلهة دون اللّه ، المشهود له عندهم بالعظمة على الجميع ،

والذي قالوا فيه (ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى)

" إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ» فالناس يحملون هذا القول على أنه من قول الكفار ، حيث دعاهم إلى توحيد إله وهم يعتقدون كثرتها ، وما علموا أن جعل الألوهية من الكثيرين أعجب ، ففي الحقيقة ليس العجب ممن وحّد ،

وإنما العجب ممن كثر الآلهة بلا دليل ولا برهان ، وهذا القول عندنا من قول الحق ، أو قول الرسول ،

وأما قول الكفار فانته في قوله «إِلهاً واحِداً» والتعجب أنه بأول العقل يعلم الإنسان أن الإله لا يكون بجعل جاعل ، فإنه إله لنفسه ،

ولهذا وقع التوبيخ بقوله تعالى : (تَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ) والإله في ضرورة العقل لا يتأثر ، وقد كان هذا خشبة يلعب بها أو حجرا يستجمر به ، ثم أخذه وجعله إلها يذل ويفتقر إليه ويدعوه خوفا وطمعا ، فمن مثل هذا يقع التعجب مع وجود العقل عندهم ، فوقع التعجب من ذلك ، ليعلم من حجب العقول عن إدراك ما هو لها بديهي وضروري ، ذلك لتعلموا أن الأمور بيد اللّه ، وأن الحكم فيها للّه ، وأن العقول لا تعقل بنفسها ، وإنما تعقل ما تعقله بما يلقي إليها ربها وخالقها ، ولهذا تتفاوت درجاتها ، فمن عقل مجعول عليه قفل ، ومن عقل محبوس في كنّ ، ومن عقل طلع على مرآته صدأ ، فلو كانت العقول تعقل لنفسها ، لما أنكرت توحيد موجدها في قوم وعقلته في قوم ، والحد والحقيقة فيها على السواء ، فلهذا جعلنا قوله تعالى «إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ» ليس من قول الكفار بل قال اللّه عند قولهم «جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً» «إن هذا لشيء عجاب» حيث جعلوا الإله الواحد آلهة ، وخصوص وصفه أنه إله ، وبه يتميز ، فلا يتكثر بما به يتميز ، ويشهد لهذا النظر قولهم فيم


حكى اللّه عنهم (ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى) فهم يعلمون أنهم نصبوهم آلهة ، ولهذا وقع الذم عليهم بقوله (تَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ ؟) والإله من له الخلق والأمر من قبل ومن بعد. واعلم أنّ اللّه تعالى عصم لفظ «اللَّهِ» أن يطلق على أحد ، وما عصم لفظ إله ، فكثرت الآلهة في العالم لقبولها التنكير ، واللّه واحد معروف لا يجهل ،

أقرت بذلك عبدة الآلهة فقالت : (ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى)

وما قالت : إلى إله كبير هو أكبر منها ؛ ولهذا أنكروا ما جاء به صلّى اللّه عليه وسلم في القرآن والسنة من أنه إله واحد من إطلاق الإله عليه ، وما أنكروا اللّه ، ولو أنكروه ما كانوا مشركين ، فبمن يشركون إذا أنكروه ؟

فما أشركوا إلا بإله لا باللّه ، فقالوا : «جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً ؟»

وما قالوا : أجعل الآلهة اللّه ؟ فإن اللّه ليس عند المشركين بالجعل .

ومن ذلك قول السامري (هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى) في الجعل ، ولم يقل : هذا اللّه الذي يدعوكم إليه موسى ؛ وقول فرعون (لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى)

ولم يقل : إلى اللّه الذي يدعو إليه موسى عليه السلام ؛

وقال : (ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي) .

(5) الفتوحات ج 2 / 590 - إيجاز البيان آية 163 - الفتوحات ج 4 / 254 ، 106 - ج 2 / 590 ، 409 - ج 3 / 94 ، 248 - ج 2 / 590 ، 591 - ج 4 / 254 - ج 3 / 178
الطبعة والمصدر

إصدار الموقع الإلكتروني؛ رقم السجل ليس ترقيم الطبعة المطبوعة. راجع أصول النصوص وتوثيق النسبة.

شارك هذه الصفحة