مجموعة من الإشارات والتأويلات المحفوظة في قاعدة كتب الموقع.
☷ الفهرسسورة الصافات — الآيات 178-180
وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (178) وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (179) سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (180)
[ تنزيه الحق عن وصف الواصفين ]
-الوجه الأول -الخطاب لمحمد صلّى اللّه عليه وسلم في حق كل ناظر في صفات اللّه ، فيقول له «سُبْحانَ رَبِّكَ» لمحمد صلّى اللّه عليه وسلم ضمير هذا الكاف ، أي ربك الذي أرسلك إليهم ، لتعرفهم بما أرسلك به إليهم وأنزله بوساطتك عليهم «رَبِّ الْعِزَّةِ» العزة الامتناع ، والتسبيح تنزيه ، والتنزيه بعد عما نسب إليه من الصاحبة والولد ،
فذكر سبحانه أنّه امتنعت ذاته أن تكون محلا لما وصفه به الملحدون ، فإن العزة المنع ، فالحق منزه الذات لنفسه ، ما تنزه بتنزيه عبده إياه ، وتنزيه الخلق الحق إنما هو علم لا عمل ، إذ لو كان التنزيه من الخلق إلههم عملا لكان اللّه الذي هو المنزّه سبحانه محلا لأثر هذا العمل ،
فكان قوله تعالى : «سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ» أي هو الممتنع لنفسه أن يقبل ما وصفوه به في نظرهم وحكموا عليه بعقولهم ، وأن الحق لا يحكم عليه الخلق ، والعقل والعاقل خلق ، وإنما يعرف الحق من الحق بما أنزله إلينا أو أطلعنا عليه كشفا وشهودا ، بوحي إلهي ، أو برسالة رسول ثبت صدقه وعصمته فيما يبلغه عن اللّه ،
فدخل تحت قوله تعالى في تنزيه نفسه «عَمَّا يَصِفُونَ» العياذ برب العزة عما يصفون ، يريد مما يطلق عليه مما لا ينبغي لجلاله من الصاحبة والولد والأنداد ، وعما يصفه به عباده مما تعطيهم أدلتهم في زعمهم بالنظر الفكري ،
فالفيلسوف نفى عن الحق العلم بمفردات العالم الواقعة في الحس ، لأن حصول هذا العلم على التعيين إنما هو للحس واللّه منزه عن الحواس ، وأما المتكلم الأشعري فانتقل من تنزيهه عن التشبيه بالمحدث إلى التشبيه بالمحدث ،
فقال مثلا في استوائه على العرش : إنه يستحيل عليه أن يكون استواؤه استواء الأجسام لأنه ليس بجسم ، لما في ذلك من الحد والمقدار وطلب المخصص المرجح للمقادير ، فيثبت له الافتقار ، بل استواؤه كاستواء الملك على ملكه ، وأنشدوا في ذلك استشهادا على ما ذهبوا إليه من الاستواء .
قد استوى بشر على العراق *** من غير سيف ودم مهراقف
شبهوا استواء الحق على العرش باستواء بشر على العراق ، واستواء بشر محدث ، فشبهوه بالمحدث ، والقديم لا يشبه المحدث ، فقال تعالى تنزيها «عَمَّا يَصِفُونَ» من حيث نظرهم ، واستدلوا بعقولهم أن العلم باللّه لا يقبل التحول إلى الجهل ولا الدخول عليه ، وما من دليل عقلي إلا ويقبل الدخل والشبهة ، ولهذا اختلف العقلاء ،
فكل واحد من المخالفين عنده دليل مخالفه شبهة لمخالفه ، لكونه خالف دليل هذا الآخر ، فعين أدلتهم هي عين شبهاتهم ، فأين الحق ؟ وأين الثقة ؟
وأصل الفساد إنما وقع من حيث حكّموا الخلق على الحق الذي أوجدهم ، فمن وصف الحق إنما وصف نفسه ، ولا يعرف منه إلا نفسه ، لأن رب العزة لا يعيّنه وصف ، ولا يقيده نعت ، ولا يدل على حقيقته اسم خاص ،
وإن لم يكن الحكم ما ذكرناه فما هو رب العزة ، فإن العزيز هو المنيع الحمى ، ومن يوصل إليه بوجه ما من وصف أو نعت أو علم أو معرفة فليس بمنيع الحمى ،
ولذلك عمم بقوله «عَمَّا يَصِفُونَ» فالعلم بالسلب هو العلم باللّه سبحانه ،
وللّه الأسماء ما له الصفات ، فإنه تنزه عن الصفة لا عن الاسم ، فالحق سبحانه لا يعرف في ليس كمثله شيء ، وفيما ذكره في سورة الإخلاص ،
وفي عموم قوله بالتسبيح الذي هو التنزيه «رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ»
والعزة تقتضي المنع أن يوصل إلى معرفته ، وإن كان تعبدنا بما وصف به نفسه شرعا ، فنقرره في موضعه ونقوله كما أمرنا به على جهة القربة إليه ،
وما ظفر بالأمر إلا من جمع بين التنزيه والتشبيه ، فقال بالتنزيه من وجه عقلا وشرعا ، وقال بالتشبيه من وجه شرعا لا عقلا ،
والشهود يقضي بما جاءت به الرسل إلى أممها في اللّه ، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ، فكل واصف فإنما هو واقف مع نعت مخصوص ،
فينزه اللّه نفسه عن ذلك النعت من حيث تخصيصه ، لا من حيث أنه له ، فإن له أحدية المجموع لا أحدية كل واحد من المجموع ،
والواصف إنما يصفه بأحدية كل واحد من المجموع ، فهو المخاطب أعني من نعته بذلك ، بقوله «سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ» لذلك ما ورد خبر بالصفات ، لما فيها من الآفات ، ألا ترى من جعله موصوفا ،
كيف يقول : إن لم يكن كذلك كان مئوفا ، وما علم أن الذات إذا قام كمالها على الوصف ، فإنه حكم عليها بالنقص الخالص الصرف ، من لم يكن كماله لذاته ، افتقر بالدليل في الكمال إلى صفاته ، وصفاته ما هي عينه ، فقد جهل
القائل: إن الصفة كونه ، فقال تعالى : «سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ» فأوقف العالم في مقام الجهل والعجز والحيرة ، ليعرف العارفون ما طلب منهم من العلم به ، وما لا يمكن أن يعلم ، فيتأدبون ولا يتجاوزون مقاديرهم ، كما قالت اليهود في الخبر النبوي المشهور : من كون الحق يضع الأرض يوم القيامة على إصبع والسماوات على إصبع - الحديث –
فقرأ النبي صلّى اللّه عليه وسلم (ما قدروا اللّه حق قدره)
فصاحب علم النظر الواقف مع عقله ، المتحكم على الحق بدليله ، هيهات أن يدرك الألوهية ، وأين الألوهية من الكون ؟ !
وأين المحدث من حضرة العين ؟ !
كيف يدرك من له شبه من لا شبه له ؟ للعقل عقل مثله ، وليس للحق حق مثله ، محال وجود ذاتين وإلهين ، لا يشبه شيئا ، ولا يتقيد بشيء ، ولا يحكم عليه شيء ، بل ما يضاف إليه إلا بقدر ما تمس حاجة الممكن المقيّد إليه ، فالعقل ما عرفه ، كيف يلتمس بأمر هو خلقه عاجزا فقيرا مستمدا ؟
تعالى اللّه عن إدراك المدركين علوا كبيرا «سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ» (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) فلا يطلب بالعقول ، ما لا يصح إليه الوصول
- الوجه الثاني -اعلم أن عين العبد لا تستحق شيئا من حيث عينه ، لأنه ليس بحق أصلا ، والحق هو الذي يستحق ما يستحق ، فجميع الأسماء التي في العالم ويتخيل أنها حق للعبد حق للّه ، فالاستحقاق بجميع الأسماء الواقعة في الكون الظاهرة الحكم إنما يستحقها الحق ، والعبد يتخلق بها ، وليس للعبد سوى عينه ،
ولا يقال في الشيء : إنه يستحق عينه ، فإن عينه هويته ، فلا حق ولا استحقاق ، وكل ما عرض أو وقع عليه اسم من الأسماء إنما وقع على الأعيان من كونها مظاهر ، فما وقع اسم إلا على وجود الحق في الأعيان ، والأعيان على أصلها لا استحقاق لها ،
فالوجود للّه وما يوصف به من أية صفة كانت إنما المسمى بها هو مسمى اللّه ، فهو المسمى بكل اسم والموصوف بكل صفة والمنعوت بكل نعت ،
ولذلك قال : «سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ» من أن يكون له شريك في الأسماء كلها ، فالكل أسماء اللّه ، أسماء أفعاله أو صفاته أو ذاته ، فما في الوجود إلا اللّه ،
والأعيان معدومة في عين ما ظهر فيها ، فالصفات للّه حقيقة جهلنا معناها بالنسبة إليه ،
وعرفنا معناها بالنسبة إلينا ، من وجه معرفتنا بمعناها إذا نسبت إلينا ،
ومن كون الباري اتصف بها على طريقة مجهولة عندنا ، فلا نعرف كيف ننسبها إليه لجهلنا بذاته ، فتكون أصلا فيه عارضة فينا ، فلا نستحق شيئا ل
من أسمائه ولا مما نعتقد فيها أنها أسماؤنا ، وهذا موضع حيرة ومزلة قدم ، إلا لمن كشف اللّه عن بصيرته ،
فقوله تعالى فيما وصف به نفسه مما هو عند النظار صفة للخلق حقيقة وأخذوه في اللّه تجوزا ، من جوع وظمأ ومرض وغضب ورضى وسخط وتعجب وفرح وتبشبش ، إلى قدم ويد وعين وذراع ،
وأمثال ذلك ، مما وردت به الأخبار عن اللّه على ألسنة الرسل ، وما ورد من ذلك في الكلام المنسوب إلى اللّه المعبر عنه بصحيفة وقرآن وفرقان وتوراة وإنجيل وزبور ،
فالأمر عند المحققين أن هذه كلها صفات حق لا صفات خلق ،
وأن الخلق اتصف بها مزاحمة للحق ، كما اتصف العالم أيضا بجميع الأسماء الإلهية الحسنى ، فالكل أسماؤه من غير تخصيص ، هذا مذهب المحققين فيه فإنه صادق ،
ولهذا نحن في ذلك على التوقيف ، فلا نصفه إلا بما وصف به نفسه ، ولا نسميه إلا بما سمى به نفسه ، لا نخترع له اسما ، ولا نحدث له حكما ، ولا نقيم به صفة
- الوجه الثالث - «سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ» هي حضرة لا تقبل التنزيه ولا التشبيه ، فيتنزه عن الحد بنفي التنزيه الذي كان يتخيله المنزه ، فإن التنزيه يحدّه ويشير إليه ويقيده ، ويتنزه عن المقدار بنفي التشبيه
- الوجه الرابع -التسبيح تنزيه ما هو ثناء بأمر ثبوتي ، لأنه لا يثنى عليه إلا بما هو أهل له ، وما هو له لا يقع فيه المشاركة ، وما أثني عليه إلا بأسمائه ،
وما من اسم له سبحانه عندنا معلوم إلا وللعبد التخلق به والاتصاف به على قدر ما ينبغي له ،
فلما لم يتمكن في العالم أن يثنى عليه بما هو أهله ، جعل الثناء عليه تسبيحا من كل شيء ،
ولهذا أضاف الحمد إليه فقال (يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ) أي بالثناء الذي يستحقه وهو أهله ،
وليس إلا التسبيح ، فإنه سبحانه يقول «سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ»
والعزة المنع من الوصول إليه بشيء من الثناء عليه الذي لا يكون إلا له ، عما يصفون ، وكل مثن واصف ، فذكر سبحانه تسبيحه على كل حال ومن كل عين .
الرابط الدائم: /books/tafsir.php?id=1513
إصدار الموقع الإلكتروني؛ رقم السجل ليس ترقيم الطبعة المطبوعة. راجع أصول النصوص وتوثيق النسبة.

