نص إلكتروني محفوظ وفق تسجيلات الموقع الأصلية.
☷ فهرس الكتابموعظة الفضيل بن عياض لأمير المؤمنين هارون الرشيد
فقرعت، فقال: من؟ قلت: أجب أمير المؤمنين، قال: وما لي ولأمير المؤمنين؟ فقلت:
سبحان الله، أما عليك طاعته؟ فنزل ففتح الباب، ثم ارتقى إلى الغرفة، ثم أطفأ السراج، ثم التجأ إلى زاوية من زوايا البيت، فدخلنا فجعلنا نجول عليه بأيدينا، فسبقت كف هارون الرشيد قبلي إليه، فقال: يا لها من كف ما ألينها، إن نجت غدا من عذاب الله عز وجل.
فقلت في نفسي: ليكلمنا الليلة كلاما من قلب نقي، فقال له: خذ لما جئناك له رحمك الله، فقال له: إن عمر بن عبد العزيز لما ولّي الخلافة دعا سالم بن عبد الله، ومحمد بن كعب القرظيّ، ورجاء بن حيوة، فقال لهم: إني قد ابتليت بهذا البلاء، فأشيروا عليّ، فعدّ الخلافة بلاء، وعددتها أنت وأصحابك نعمة. فقال له سالم بن عبد الله: إن أردت النجاة من عذاب الله فصم عن الدنيا، وليكن إفطارك منها الموت.
وقال محمد بن كعبان: إن أردت النجاة من عذاب الله فليكن كبير المؤمنين عندك أبا، و أوسطهم عندك أخا، وأصغرهم عندك ولدا، فوقّر أباك، وأكرم أخاك، وتحنن على ولدك.
وقال رجاء بن حيوة: إن أردت النجاة من عذاب الله فأحب للمسلمين ما تحب لنفسك، واكره لهم ما تكره لنفسك، ثم متّ إن شئت. فإني أقول لك: يا هارون الرشيد، إني أخاف عليك أشد الخوف يوم تزلّ فيه الأقدام، فهل معك رحمك الله من يشير عليك بمثل هذا؟ فبكى هارون بكاء شديدا حتى غشي عليه، فقلت له: أرفق بأمير المؤمنين، فقال: تقتله أنت و أصحابك، وأرفق به أنا، ثم أفاق فقال له: زدني رحمك الله، فقال: يا أمير المؤمنين، بلغني أن عاملا لعمر بن عبد العزيز شكى إليه، فكتب إليه: يا أخي أذكّرك طول سهر أهل النار في النار مع خلود الأبد، وإياك أن ينصرف بك من عند الله عز و جل، فيكون آخر العهد وانقطاع الرجاء. فلما قرأ الكتاب طوى البلاد حتى قدم على عمر بن عبد العزيز فقال له: ما أقدمك؟ قال: خلعت قلبي بكتابك، لا أعود إلى ولاية حتى ألقى الله، قال: فبكى هارون بكاء شديدا، ثم قال: زدني رحمك الله، فقال: يا أمير المؤمنين، إن العباس عم المصطفى صلى الله عليه وسلم، جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أمّرني على إمارة، فقال له: «إن الإمارة حسرة و ندامة يوم القيامة، فإن استطعت أن لا تكون أميرا فافعل» ، فبكى هارون، وقال: زدني رحمك الله، قال: يا حسن الوجه، أنت الذي يسألك الله تعالى عن هذا الخلق يوم القيامة، فإن استطعت أن تقي هذا الوجه من النار فافعل، وإياك أن تصبح أو تمسي و في قلبك غش لأحد من رعيتك، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أصبح عنده غش لم يرح رائحة الجنة» ، فبكى هارون، وقال له: عليك دين؟ قال: نعم، لربي، لم يحاسبني عليه،
رابط دائم لهذا المقطع: /books/musamara.php?id=135
نسخة الموقع الإلكترونية. يرجى الرجوع إلى الطبعة المحققة والمصدر الأصلي عند الاقتباس الأكاديمي؛ لا يدل ترقيم المقاطع بالضرورة على صفحات طبعة ورقية.

