تجاوز إلى المحتوى
✦ القرآن الكريم

الآية 154 من سورة آل عمران

رقم السجل 447 · السورة 3 · الآية 154

۞ قراءة النص
۞

ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنۢ بَعْدِ ٱلْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا يَغْشَىٰ طَآئِفَةً مِّنكُمْ ۖ وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ ظَنَّ ٱلْجَٰهِلِيَّةِ ۖ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ ٱلْأَمْرِ مِن شَىْءٍ ۗ قُلْ إِنَّ ٱلْأَمْرَ كُلَّهُۥ لِلَّهِ ۗ يُخْفُونَ فِىٓ أَنفُسِهِم مَّا لَا يُبْدُونَ لَكَ ۖ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلْأَمْرِ شَىْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَٰهُنَا ۗ قُل لَّوْ كُنتُمْ فِى بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ ۖ وَلِيَبْتَلِىَ ٱللَّهُ مَا فِى صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِى قُلُوبِكُمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ﴿154﴾

أشكال النص المحفوظة

دون تشكيل

ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طآئفة منكم وطآئفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية يقولون هل لنا من الأمر من شيء قل إن الأمر كله لله يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور

مع التشكيل

ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا يَغْشَىٰ طَائِفَةً مِّنكُمْ ۖ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ ۖ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الْأَمْرِ مِن شَيْءٍ ۗ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ ۗ يُخْفُونَ فِي أَنفُسِهِم مَّا لَا يُبْدُونَ لَكَ ۖ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا ۗ قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ ۖ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ

الرسم العثماني

ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنۢ بَعْدِ ٱلْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا يَغْشَىٰ طَآئِفَةً مِّنكُمْ ۖ وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ ظَنَّ ٱلْجَٰهِلِيَّةِ ۖ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ ٱلْأَمْرِ مِن شَىْءٍ ۗ قُلْ إِنَّ ٱلْأَمْرَ كُلَّهُۥ لِلَّهِ ۗ يُخْفُونَ فِىٓ أَنفُسِهِم مَّا لَا يُبْدُونَ لَكَ ۖ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلْأَمْرِ شَىْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَٰهُنَا ۗ قُل لَّوْ كُنتُمْ فِى بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ ۖ وَلِيَبْتَلِىَ ٱللَّهُ مَا فِى صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِى قُلُوبِكُمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ

النقل الصوتي

Thumma anzala AAalaykum min baAAdi alghammi amanatan nuAA<u>a</u>san yaghsh<u>a</u> <u>ta</u>ifatan minkum wa<u>ta</u>ifatun qad ahammathum anfusuhum ya<i><u>th</u></i>unnoona bi<b>A</b>ll<u>a</u>hi ghayra al<u>h</u>aqqi <i><u>th</u></i>anna alj<u>a</u>hiliyyati yaqooloona hal lan<u>a</u> mina alamri min shayin qul inna alamra kullahu lill<u>a</u>hi yukhfoona fee anfusihim m<u>a</u> l<u>a</u> yubdoona laka yaqooloona law k<u>a</u>na lan<u>a</u> mina alamri shayon m<u>a</u> qutiln<u>a</u> h<u>a</u>hun<u>a</u> qul law kuntum fee buyootikum labaraza alla<u>th</u>eena kutiba AAalayhimu alqatlu il<u>a</u> ma<u>da</u>jiAAihim waliyabtaliya All<u>a</u>hu m<u>a</u> fee <u>s</u>udoorikum waliyuma<u>hh</u>i<u>s</u>a m<u>a</u> fee quloobikum wa<b>A</b>ll<u>a</u>hu AAaleemun bi<u>tha</u>ti a<b>l</b><u>ss</u>udoor<b>i</b>

English

Then, after grief, He sent down security for you. As slumber did it overcome a party of you, while (the other) party, who were anxious on their own account, thought wrongly of Allah, the thought of ignorance. They said: Have we any part in the cause? Say (O Muhammad): The cause belongeth wholly to Allah. They hide within themselves (a thought) which they reveal not unto thee, saying: Had we had any part in the cause we should not have been slain here. Say: Even though ye had been in your houses, those appointed to be slain would have gone forth to the places where they were to lie. (All this hath been) in order that Allah might try what is in your breasts and prove what is in your hearts. Allah is Aware of what is hidden in the breasts (of men).

Français

Puis Il fit descendre sur vous, après l'angoisse, la tranquillité, un sommeil qui enveloppa une partie d'entre vous, tandis qu'une autre partie était soucieuse pour elle-même et avait des pensées sur Allah non conformes à la vérité, des pensées dignes de l'époque de l'Ignorance. - Ils disaient: «Est-ce que nous avons une part dans cette affaire?» Dis: «L'affaire toute entière est à Allah.» Ce qu'ils ne te révèlent pas, ils le cachent en eux-mêmes: «Si nous avions eu un choix quelconque dans cette affaire, disent-ils, Nous n'aurions pas été tués ici.» Dis: «Eussiez-vous été dans vos maisons, ceux pour qui la mort était décrétée seraient sortis pour l'endroit où la mort les attendait. Ceci afin qu'Allah éprouve ce que vous avez dans vos poitrines, et qu'Il purifie ce que vous avez dans vos cœurs. Et Allah connaît ce qu'il y a dans les cœurs.

Türkçe

Bu gamdan sonra size emniyetle bir uyku verdi ki içinizden bir bölüğü sarıp kapladı. Bir bölükse can kaygısına düşmüştü. Allah hakkında, Müslümanlıktan önceki bilgisizlik çağında olduğu gibi haksız zanlara kapıldılar. Diyorlar ki: Bu işte nemiz var bizim? De ki: Bütün işler Allah'ındır. Onlar, sana açıklamadıklarını yüreklerinde gizliyorlar ve bu işte payımız olsaydı burada öldürülmezdik diyorlar. De ki: Evlerinizde de olsanız, öldürmeleri yazılanlar, gene çıkarlar, öldürülüp yatacakları yerlere giderlerdi ve Allah, gönüllerinizde olanları yoklamak, yüreklerinizdekini artırmak için yaptı bunu ve Allah, yüreklerinizde ne varsa hepsini bilir.

Deutsch

Dann ließ ER euch nach der Kümmernis Sicherheit zukommen, Schlummer, der nur einen Teil von euch überkam. Ein anderer Teil sorgte sich jedoch nur um sich selbst, sie dachten von ALLAH alles andere als das Wahre, eben das Denken der unwissenden Gemeinschaft, sie sagten: "Haben wir in dieser Angelegenheit irgendwelchen Einfluß?!" Sag: "Gewiß, alle Angelegenheiten unterliegen ALLAH." Sie verbergen in sich, was sie dir nicht offenbaren, sie sagen: "Hätten wir in dieser Angelegenheit irgendwelchen Einfluß, würden wir hier nicht getötet." Sag: "Selbst dann, solltet ihr in euren Häusern sein, würden sich diejenigen, denen das Getötet-Werden bestimmt war, an den Ort ihres Todes begeben." Und (ALLAH ließ es zu), damit ALLAH prüft, was in euren Brüsten ist, und damit ER reinigt, was in euren Herzen ist. Und ALLAH ist allwissend über das, was in den Brüsten ist.

روابط التفسير لهذه الآية

الجلالين
«ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة» أمنا «نعاسا» بدل «يغشى» بالياء والتاء «طائفة منكم» وهم المؤمنون فكانوا يميدون تحت الحجف وتسقط السيوف منهم «وطائفة قد أهمتهم أنفسهم» أي حملتهم على الهم فلا رغبة لهم إلا نجاتها دون النبي وأصحابه فلم يناموا وهم المنافقون «يظنون بالله» ظنا «غير» الظن «الحق ظَنَّ» أي كظن «الجاهلية» حيث اعتقدوا أن النبي قتل أولا ينصر «يقولون هل» ما «لنا من الأمر» أي النصر الذي وُعدناه «من شيء قل» لهم «إن الأمر كله» بالنصب توكيدا والرفع مبتدأ وخبره «لله» أي القضاء له بفعل ما يشاء «يخفون في أنفسهم ما لا يبدون» يظهرون «لك يقولون» بيان لما قبله «لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا» أي لو كان الاختبار إلينا لم نخرج فلم نقتل لكن أخرجنا كرها «قل» لهم «لو كنتم في بيوتكم» وفيكم من كتب الله عليه القتل «لبرز» خرج «الذين كتب» قضي «عليهم القتل» منكم «إلى مضاجعهم» مصارعهم فيقتلوا ولم ينجهم وقعودهم لأن قضاءه تعالى كائن لا محالة «و» فعل ما فعل بأخذ «ليبتلي» يختبر «الله ما في صدوركم» قلوبكم من الإخلاص والنفاق «وليمحص» يميز «ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور» بما في القلوب لا يخفى عليه شيء وإنما يبتلي ليظهر للناس.
عرض مصدر التفسير
ابن كثير

يقول تعالى ممتنا على عباده فيما أنزل عليهم من السكينة والأمنة ، وهو النعاس الذي غشيهم وهم مستلئمو السلاح في حال همهم وغمهم ، والنعاس في مثل تلك الحال دليل على الأمان كما قال تعالى في سورة الأنفال ، في قصة بدر : ( إذ يغشيكم النعاس أمنة منه [ وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام ] ) [ الأنفال : 11 ] .

وقال [ الإمام ] أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج ، حدثنا أبو نعيم ووكيع عن سفيان ، عن عاصم ، عن أبي رزين ، عن عبد الله بن مسعود قال : النعاس في القتال من الله ، وفي الصلاة من الشيطان .

قال البخاري : قال لي خليفة : حدثنا يزيد بن زريع ، حدثنا سعيد ، عن قتادة ، عن أنس ، عن أبي طلحة ، رضي الله عنه ، قال : كنت فيمن تغشاه النعاس يوم أحد ، حتى سقط سيفي من يدي مرارا ، يسقط وآخذه ، ويسقط وآخذه .

هكذا رواه في المغازي معلقا . ورواه في كتاب التفسير مسندا عن شيبان ، عن قتادة ، عن أنس ، عن أبي طلحة قال : غشينا النعاس ونحن في مصافنا يوم أحد . قال : فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه ، ويسقط وآخذه .

وقد رواه الترمذي والنسائي والحاكم ، من حديث حماد بن سلمة ، عن ثابت ، عن أنس ، عن أبي طلحة قال : رفعت رأسي يوم أحد ، وجعلت أنظر وما منهم يومئذ أحد إلا يميد تحت حجفته من النعاس . لفظ الترمذي ، وقال : حسن صحيح .

ورواه النسائي أيضا ، عن محمد بن المثنى ، عن خالد بن الحارث ، عن أبي قتيبة ، عن ابن أبي عدي ، كلاهما عن حميد ، عن أنس قال : قال أبو طلحة : كنت فيمن ألقي عليه النعاس - الحديث .

وهكذا روي عن الزبير وعبد الرحمن بن عوف ، رضي الله عنه .

وقال البيهقي : أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرني أبو الحسين محمد بن يعقوب ، أخبرنا محمد بن إسحاق الثقفي ، حدثنا محمد بن عبد الله بن المبارك المخزومي ، حدثنا يونس بن محمد ، حدثنا شيبان ، عن قتادة ، حدثنا أنس بن مالك ، أن أبا طلحة قال : غشينا النعاس ونحن في مصافنا يوم أحد ، فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه ، ويسقط وآخذه ، قال : والطائفة الأخرى المنافقون ليس لهم هم إلا أنفسهم ، أجبن قوم وأرعنه ، وأخذله للحق ( يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية ) كذبة ، أهل شك وريب في الله عز وجل .

هكذا رواه بهذه الزيادة ، وكأنها من كلام قتادة ، رحمه الله ، وهو كما قال ، فإن الله عز وجل يقول : ( ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم ) يعني : أهل الإيمان واليقين والثبات والتوكل الصادق ، وهم الجازمون بأن الله سينصر رسوله وينجز له مأموله ، ولهذا قال : ( وطائفة قد أهمتهم أنفسهم ) يعني : لا يغشاهم النعاس من القلق والجزع والخوف ( يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية ) كما قال في الآية الأخرى : ( بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا [ وزين ذلك في قلوبكم وظننتم ظن السوء وكنتم قوما بورا ] ) [ الفتح : 12 ] وهكذا هؤلاء ، اعتقدوا أن المشركين لما ظهروا تلك الساعة أنها الفيصلة وأن الإسلام قد باد وأهله ، هذا شأن أهل الريب والشك إذا حصل أمر من الأمور الفظيعة ، تحصل لهم هذه الظنون الشنيعة .

ثم أخبر تعالى عنهم أنهم ( يقولون ) في تلك الحال : ( هل لنا من الأمر من شيء ) قال الله تعالى : ( قل إن الأمر كله لله يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك ) ثم فسر ما أخفوه في أنفسهم بقوله : ( يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا ) أي : يسرون هذه المقالة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .

قال [ محمد ] بن إسحاق بن يسار : فحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير ، عن أبيه ، عن عبد الله بن الزبير قال : قال الزبير : لقد رأيتني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين اشتد الخوف علينا ، أرسل الله علينا النوم ، فما منا من رجل إلا ذقنه في صدره ، قال : فوالله إني لأسمع قول معتب بن قشير ، ما أسمعه إلا كالحلم ، [ يقول ] ( لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا ) فحفظتها منه ، وفي ذلك أنزل الله [ تعالى ] ( لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا ) لقول معتب . رواه ابن أبي حاتم .

قال الله تعالى : ( قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم ) أي : هذا قدر مقدر من الله عز وجل ، وحكم حتم لا يحاد عنه ، ولا مناص منه .

وقوله : ( وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم ) أي يختبركم بما جرى عليكم ، وليميز الخبيث من الطيب ، ويظهر أمر المؤمن والمنافق للناس في الأقوال والأفعال ، ( والله عليم بذات الصدور ) أي : بما يختلج في الصدور من السرائر والضمائر .

عرض مصدر التفسير
الطبري
قوله تعالى {ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا} الأمنة والأمن سواء. وقيل : الأمنة إنما تكون مع أسباب الخوف، والأمن مع عدمه. وهي منصوبة بـ {أنزل}، و{نعاسا} بدل منها. وقيل : نصب على المفعول له؛ كأنه قال : أنزل عليكم للأمنة نعاسا. وقرأ ابن محيصن "أمْنَة" بسكون الميم. تفضل الله تعالى على المؤمنين بعد هذه الغموم في يوم أحد بالنعاس حتى نام أكثرهم؛ وإنما ينعس من يأمن والخائف لا ينام. روى البخاري عن أنس أن أبا طلحة قال : غشينا النعاس ونحن في مصافنا يوم أحد، قال : فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه، ويسقط وآخذه. "يغشى" قرئ بالياء والتاء. الياء للنعاس، والتاء للأمنة. والطائفة تطلق على الواحد والجماعة {وطائفة قد أهمتهم أنفسه} يعني المنافقين : معتب بن قشير وأصحابه، وكانوا خرجوا طمعا في الغنيمة وخوف المؤمنين فلم يغشهم النعاس وجعلوا يتأسفون على الحضور، ويقولون الأقاويل. ومعنى {قد أهمتهم أنفسهم} حملتهم على الهم، والهم ما هممت به؛ يقال : أهمني الشيء أي كان من همي. وأمر مهم : شديد. وأهمني الأمر : أقلقني : وهمني : أذابني. والواو في قوله {وطائفة} واو الحال بمعنى إذ، أي إذ طائفة يظنون أن أمر محمد صلى الله عليه وسلم باطل، وأنه لا ينصر. {ظن الجاهلية} أي ظن أهل الجاهلية، فحذف. {يقولون هل لنا من الأمر من شيء} لفظه استفهام ومعناه الجحد، أي ما لنا شيء من الأمر، أي من أمر الخروج، وإنما خرجنا كرها؛ يدل عليه قوله تعالى إخبارا عنهم {لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ها هنا}. قال الزبير : أرسل علينا النوم ذلك اليوم، وإني لأسمع قول معتب بن قشير والنعاس يغشاني يقول : لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ها هنا. وقيل : المعنى يقول ليس لنا من الظفر الذي وعدنا به محمد شيء. والله أعلم. قوله تعالى {قل إن الأمر كله لله} قرأ أبو عمرو ويعقوب "كله" بالرفع على الابتداء، وخبره {لله}، والجملة خبر {إن}. وهو كقوله {ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة} [الزمر : 60]. والباقون بالنصب؛ كما تقول : إن الأمر أجمع لله. فهو توكيد، وهو بمعنى أجمع في الإحاطة والعموم، وأجمع لا يكون إلا توكيدا. وقيل : نعت للأمر. وقال الأخفش : بدل؛ أي النصر بيد الله ينصر من يشاء ويخذل من يشاء. وقال جويبر عن الضحاك عن ابن عباس في قوله {يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية} يعني التكذيب بالقدر. وذلك أنهم تكلموا فيه، فقال الله تعالى {قل إن الأمر كله لله} يعني القدر خيره وشره من الله. {يخفون في أنفسهم} أي من الشرك والكفر والتكذيب. {ما لا يبدون لك} يظهرون لك. {يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ها هنا} أي ما قتل عشائرنا. فقيل : إن المنافقين قالوا لو كان لنا عقل ما خرجنا إلى قتال أهل مكة، ولما قتل رؤساؤنا. فرد الله عليهم فقال {قل لو كنتم في بيوتكم لبرز} أي لخرج. {الذين كتب} ي فرض. {عليهم القتل} يعني في اللوح المحفوظ. {إلى مضاجعهم} أي مصارعهم. وقيل{كتب عليهم القتل} أي فرض عليهم القتال، فعبر عنه بالقتل؛ لأنه قد يؤول إليه. وقرأ أبو حيوة {لبرز} بضم الباء وشد الراء؛ بمعنى يُجعل يَخرج. وقيل : لو تخلفتم أيها المنافقون لبرزتم إلى موطن آخر غيره تصرعون فيه حتى يبتلي الله ما في الصدور ويظهره للمؤمنين. والواو في قوله {وليبتلي} مقحمة كقوله {وليكون من الموقنين}[الأنعام : 75] أي ليكون، وحذف الفعل الذي مع لام كي. والتقدير {وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم} فرض الله عليكم القتال والحرب ولم ينصركم يوم أحد ليختبر صبركم وليمحص عنكم سيئاتكم إن تبتم وأخلصتم. وقيل : معنى {ليبتلي} ليعاملكم معاملة المختبر. وقيل : ليقع منكم مشاهدة ما علمه غيبا. وقيل : هو على حذف مضاف، والتقدير ليبتلي أولياء الله تعالى. وقد تقدم معنى التمحيص. {والله عليم بذات الصدور} أي ما فيها من خير وشر. وقيل : ذات الصدور هي الصدور؛ لأن ذات الشيء نفسه.
عرض مصدر التفسير
الميسر
ثم كان من رحمة الله بالمؤمنين المخلصين أن ألقى في قلوبهم من بعد ما نزل بها من همٍّ وغمٍّ اطمئنانًا وثقة في وعد الله، وكان من أثره نعاس غَشِي طائفة منهم، وهم أهل الإخلاص واليقين، وطائفة أُخرى أهمَّهم خلاص أنفسهم خاصة، وضَعُفَتْ عزيمتهم وشُغِلوا بأنفسهم، وأساؤوا الظن بربهم وبدينه وبنبيه، وظنوا أن الله لا يُتِمُّ أمر رسوله، وأن الإسلام لن تقوم له قائمة، ولذلك تراهم نادمين على خروجهم، يقول بعضهم لبعض: هل كان لنا من اختيار في الخروج للقتال؟ قل لهم -أيها الرسول-: إن الأمر كلَّه لله، فهو الذي قدَّر خروجكم وما حدث لكم، وهم يُخْفون في أنفسهم ما لا يظهرونه لك من الحسرة على خروجهم للقتال، يقولون: لو كان لنا أدنى اختيار ما قُتِلنا هاهنا. قل لهم: إن الآجال بيد الله، ولو كنتم في بيوتكم، وقدَّر الله أنكم تموتون، لخرج الذين كتب الله عليهم الموت إلى حيث يُقْتلون، وما جعل الله ذلك إلا ليختبر ما في صدوركم من الشك والنفاق، وليميز الخبيث من الطيب، ويظهر أمر المؤمن من المنافق للناس في الأقوال والأفعال. والله عليم بما في صدور خلقه، لا يخفى عليه شيء من أمورهم.
عرض مصدر التفسير
السعدي

ويحتمل أن معنى قوله: { لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم } يعني: أنه قدَّر ذلك الغم والمصيبة عليكم، لكي تتوطن نفوسكم، وتمرنوا على الصبر على المصيبات، ويخف عليكم تحمل المشقات: { ثم أنزل عليكم من بعد الغم } الذي أصابكم { أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم } ولا شك أن هذا رحمة بهم، وإحسان وتثبيت لقلوبهم، وزيادة طمأنينة؛ لأن الخائف لا يأتيه النعاس لما في قلبه من الخوف، فإذا زال الخوف عن القلب أمكن أن يأتيه النعاس. وهذه الطائفة التي أنعم الله عليها بالنعاس هم المؤمنون الذين ليس لهم هم إلا إقامة دين الله، ورضا الله ورسوله، ومصلحة إخوانهم المسلمين. وأما الطائفة الأخرى الذين { قد أهمتهم أنفسهم } فليس لهم هم في غيرها، لنفاقهم أو ضعف إيمانهم، فلهذا لم يصبهم من النعاس ما أصاب غيرهم، { يقولون هل لنا من الأمر من شيء } وهذا استفهام إنكاري، أي: ما لنا من الأمر -أي: النصر والظهور- شيء، فأساءوا الظن بربهم وبدينه ونبيه، وظنوا أن الله لا يتم أمر رسوله، وأن هذه الهزيمة هي الفيصلة والقاضية على دين الله، قال الله في جوابهم: { قل إن الأمر كله لله } الأمر يشمل الأمر القدري، والأمر الشرعي، فجميع الأشياء بقضاء الله وقدره، وعاقبة النصر والظفر لأوليائه وأهل طاعته، وإن جرى عليهم ما جرى. { يخفون } يعني المنافقين { في أنفسهم ما لا يبدون لك } ثم بين الأمر الذي يخفونه، فقال: { يقولون لو كان لنا من الأمر شيء } أي: لو كان لنا في هذه الواقعة رأي ومشورة { ما قتلنا هاهنا } وهذا إنكار منهم وتكذيب بقدر الله، وتسفيه منهم لرأي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورأي أصحابه، وتزكية منهم لأنفسهم، فرد الله عليهم بقوله: { قل لو كنتم في بيوتكم } التي هي أبعد شيء عن مظان القتل { لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم } فالأسباب -وإن عظمت- إنما تنفع إذا لم يعارضها القدر والقضاء، فإذا عارضها القدر لم تنفع شيئا، بل لا بد أن يمضي الله ما كتب في اللوح المحفوظ من الموت والحياة، { وليبتلي الله ما في صدوركم } أي: يختبر ما فيها من نفاق وإيمان وضعف إيمان، { وليمحص ما في قلوبكم } من وساوس الشيطان، وما تأثر عنها من الصفات غير الحميدة. { والله عليم بذات الصدور } أي: بما فيها وما أكنته، فاقتضى علمه وحكمته أن قدر من الأسباب، ما به تظهر مخبآت الصدور وسرائر الأمور.

عرض مصدر التفسير
البغوي

( ثم أنزل عليكم ) يا معشر المسلمين ، ( من بعد الغم أمنة نعاسا ) يعني : أمنا ، والأمن والأمنة بمعنى واحد وقيل : الأمن يكون مع زوال سبب الخوف والأمنة مع بقاء سبب الخوف وكان سبب الخوف هنا قائما ، ( نعاسا ) بدل من الأمنة ( يغشى طائفة منكم ) قرأ حمزة والكسائي " تغشى " بالتاء ردا إلى الأمنة وقرأ الآخرون بالياء ردا على النعاس .

قال ابن عباس رضي الله عنهما : أمنهم يومئذ بنعاس يغشاهم وإنما ينعس من يأمن ، والخائف لا ينام .

أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، أنا محمد بن إسماعيل ، أخبرنا إسحاق بن إبراهيم بن عبد الرحمن ، أنا حسين بن محمد ، أخبرنا شيبان عن قتادة أخبرنا أنس أن أبا طلحة قال : غشينا النعاس ونحن في مصافنا يوم أحد قال : فجعل سيفي يسقط من يدي فآخذه ويسقط وآخذه " .

وقال ثابت عن أنس عن أبي طلحة قال : رفعت رأسي يوم أحد فجعلت ما أرى أحدا من القوم إلا وهو يميل تحت جحفته من النعاس .

وقال عبد الله بن الزبير عن أبيه الزبير بن العوام لقد رأيتني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين اشتد علينا الحرب ، أرسل الله علينا النوم والله إني لأسمع قول معتب بن قشير والنعاس يغشاني ما أسمعه إلا كالحلم ، يقول : لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا فذلك قوله تعالى : ( يغشى طائفة منكم ) يعني : المؤمنين ، ( وطائفة قد أهمتهم أنفسهم ) يعني : المنافقين : قيل : أراد الله به تمييز المنافقين من المؤمنين فأوقع النعاس على المؤمنين حتى أمنوا ولم يوقع على المنافقين فبقوا في الخوف وقد أهمتهم أنفسهم أي : حملتهم على الهم يقال : أمر مهم .

( يظنون بالله غير الحق ) أي : لا ينصر محمدا ، وقيل : ظنوا أن محمدا صلى الله عليه وسلم قد قتل ، ( ظن الجاهلية ) أي : كظن أهل الجاهلية والشرك ، ( يقولون هل لنا ) ما لنا : لفظه استفهام ومعناه حجد ، ( من الأمر من شيء ) يعني : النصر ، ( قل إن الأمر كله لله ) قرأ أهل البصرة برفع اللام على الابتداء وخبره في ( لله ) وقرأ الآخرون بالنصب على البدل وقيل : على النعت .

( يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا ) وذلك أن المنافقين قال بعضهم لبعض : لو كان لنا عقول لم نخرج مع محمد إلى قتال أهل مكة ولم يقتل رؤساؤنا ، وقيل : لو كنا على الحق ما قتلنا هاهنا .

قال الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما : يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية يعني : التكذيب بالقدر وهو قولهم ( لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا ( قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب ) قضي ، ( عليهم القتل إلى مضاجعهم ) مصارعهم ، ( وليبتلي الله ) وليمتحن الله ، ( ما في صدوركم وليمحص ) يخرج ويظهر ( ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور ) بما في القلوب من خير وشر .

عرض مصدر التفسير

إشارات تفسيرية في فهرس الموقع

ترد هذه المواد كما في قاعدة الموقع؛ توثيق النسبة يحتاج إلى مقابلة بمصادر معتمدة.

ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (154)

قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ» لا إيجاد لمخلوق في عقدنا ، بل الأمر كله للّه ، فإنه هو الفاعل والموجد للعمل ، الذي له خلق الأعمال من الأحوال والقدرة عليها .


سورة آل‌عمران (3) : الآيات 155 إلى 159

إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (155) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (156) وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (157) وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (158) فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159)

«فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ» أي إنما كان برحمة اللّه «لِنْتَ لَهُمْ» فإن النفوس مجبولة على حبّ من أحسن إليها ، فإياك أن تصلح رعيتك بالخوف الشديد فتزيدهم نفورا ، فإنه يأتي باللين

476

ما يأتي بالقهر والفظاظة ، ولا يأتي بالقهر ما يأتي باللين ، فإن القهر لا يأتي بالرحمة والمودة في قلب المقهور ، وباللين ينقضي المطلوب وتأتي بالمودة ، فتلقيها في قلب من استملته باللين ، وصاحب اللين لا يقاوم ، فإنه لا يقاوم لما يعطيه اللين من الحكم ، فالرخاوة في الدين من الدين ، ولهذا امتن اللّه فجعل نبيه من أهل اللين فقال «فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ» وبهذا فضلهم ، واللين خفض الجناح والمداراة والسياسة ، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : [ مداراة الناس صدقة ] والدعوة إلى اللّه تحتاج إلى علم السياسة ، فإن صورتها من الداعي تختلف باختلاف صورة المدعو ، فثم دعاء بصفة غلظة وقهر ، وثمّ دعاء بصفة لين وعطف «وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ» فلو كان فظا غليظا في فعله وقوله لانفضوا من حوله ، فهم مع العفو واللين لا يقبلون ، فكيف مع الشدة والفظاظة ، لن يزالوا مدبرين «فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ» ليس للرسول من حيث رسالته المشاورة ، فمشاورته لأصحابه في غير ما شرع له ، وذلك من مقام الخلافة لا الرسالة . فلما كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم من الخلفاء قيل له «وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ» فأمر الحق نبيه صلّى اللّه عليه وسلم بمشاورة أصحابه في الأمر الذي يعنّ له إذا لم يوح إليه فيه شيء ، لأن للحق وجها خاصا في كل موجود ، لا يكون لغير ذلك الموجود . فقد يلقي إليه الحق سبحانه في أمر ما ما لا يلقيه لمن هو أعلى منه طبقة ، كعلم الأسماء لآدم مع كون الملأ الأعلى عند اللّه أشرف منه ، ومع هذا كان عند آدم ما لم يكن عندهم . واللّه تعالى يعطي بسبب ، وهو الذي كتبه القلم من علم اللّه في خلقه ، ويعطي بغير سبب ، وهو ما يعطيه من ذلك الوجه ، فلا تعرف به الأسباب ولا الخلق ، فوقعت المشورة ليظهر عنها أمر يمكن أن يكون من علم ذلك الوجه ، فيلقي إليه من شاوره في تدبيره علما قد حصل له من اللّه ، من حيث ذلك الوجه الذي لم يكتب علمه ولا حصل في خلقه ، ولهذا قال اللّه لرسوله «فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ» يعني على إمضاء ما اتفقتم عليه في المشورة ، أو ما انفردت به دونهم . وقوله تعالى : «فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ» في مثل هذا ما لم يقع الفعل ، فإن العزم يتقدم الفعل ، فقيل له: توكل على اللّه ، فإنه ما يدري ما لم يقع الفعل ما يلقي اللّه في نفسك من ذلك الوجه الخاص الإلهي ، فلا يطلع على مراتب العقول إلا أصحاب المشاورة ، ولا سيما في المسامرة ، فإنها أجمع للهمّ والذكر ، وأقدح لزناد الفكر .فعرض الإنسان ما يريد فعله على الآراء دليل على عقله التام ، ليقف على تخالف الأهواء ، فيعلم

477

مع أحدية مطلوبه أنه وإن تفرد فله وجوه متعددة . واعلم أن هذا موطن ، يجب أن تكون المعاملة فيه كما ذكر وأنه قال في موطن آخر (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ) *فإن للمواطن أحكاما ، فافعل بمقتضاها تكن حكيما[ الفرق بين النية والإرادة والقصد والهمة والعزم والهاجس]

- تحقيق - الفرق بين النية والإرادة والقصد والهمة والعزم والهاجس ، اعلم أن اللّه تعالى إذا أراد إيجاد فعل ما ، بمقارنة حركة شخص ما ، بعث إليه رسوله المعصوم ، وهو الخاطر الإلهي المعلوم ، ولقربه من حضرة الاصطفاء ، هو في غاية الخفا ، فلا يشعر بنزوله في القلب إلا أهل الحضور والمراقبة في مرآة الصدق والصفا ، فينقر في القلب نقرة خفية ، تنبه لنزول نكتة غيبية ، فمن حكم به فقد أصاب في كل ما يفعله ، ونجح في كل ما يعمله ، وذلك هو السبب الأول عند الشخص الذي عليه يعول ، وهو نقر الخاطر عند أرباب الخواطر ، وهو الهاجس عند من هو للقلب سائس ، فإن رجع عليه مرة أخرى فهو الإرادة ، وقد قامت بصاحبه السعادة ، فإن عاد ثالثة فهو الهمّ ، ولا يعود إلا لأمر مهم ، فإن عاد رابعة فهو العزم ، ولا يعود إلا لنفوذ الأمر الجزم ، فإن عاد خامسة فهو النية ، وهو الذي يباشر الفعل الموجود عن هذه البنية ، وبين التوجه إلى الفعل وبين الفعل يظهر القصد ، وهو صفة مقدسة يتصف بها الرب والعبد.

الطبعة والمصدر

النصوص والروايات والبيانات كما حُفظت في قاعدة الموقع، دون تعديل الرسم أو التشكيل أو نسبة الترجمات إلى النص العربي. راجع طبعة المصحف الأصلية عند المقابلة.

شارك هذه الصفحة