الجزء الثاني • الصفحة 282 • الباب 167
فى معرفة كيمياء السعادة
نغمات طيبة مستلذة تستلذ بها الأسماع كنغمات الدولاب فتكسو الأحوال وتنزل بها على النفوس الحيوانية في مجالس السماع فإن كانت النفس في أي شيء كانت من تعلق بجارية أو غلام أو يكون من أهل الله فيكون تعلقه حب جمال الإلهي متخيل اكتسبوه من ألفاظ نبوية مثل
قوله في الصحيح إن الله جميل يحب الجمال
وقوله في التجريد اعبد الله كأنك تراه فيأخذه الوجد على ما تخيله ومنهم من يغمره الحال لا من حضرة التخيل بل يجد أمرا لا يكيف ولا يدخل تحت الحصر والمقدار ومنهم من تهب عليه من هذه الأحوال التي تعطي الوجد روايح على نفوس غير عاشقة إلا بنسبة جزئية لا كلية فتعطيه من الحكم لذلك معنى يسمى التواجد ثم يخرج من ذلك النور إلى موضع الرحمة العامة التي وسعت كل شيء وهو المعبر عنه بالعرش فيجد هنالك من الحقائق الملكية إسرافيل وجبريل وميكائيل ورضوان ومالك ومن الحقائق الملكية البشرية آدم وإبراهيم ومحمد إسلام الله عليهم فيجد عند آدم وإسرافيل علم الصور الظاهرة في العالم المسماة أجساما وأجسادا وهياكل سواء كانت نورية أو غير نورية ويجد عند جبريل ومحمد عليه السلام علم الأرواح المنفوخة في هذه الصور التي عند آدم وإسرافيل فيقف على معاني ذلك كله ويرى نسبة هذه الأرواح إلى هذه الصور وتدبيرها إياها ومن أين وقع فيها التفاضل مع انبعاثها من أصل واحد وكذلك الصور علم من هذه الحضرة ذلك كله ويعلم من هذه الحضرة علم الأكاسير التي تقلب صور الأجساد بما فيه من الروح وينظر إلى ميكائيل وإبراهيم عليه السلام فيجد عندهما علم الأرزاق وما يكون به التغذي للصور والأرواح وبما ذا يكون بقاؤها ويقف على كون الإكسير غذاء مخصوصا لذلك الجسد الذي يرده ذهبا أو فضة بعد ما كان حديدا أو نحاسا وهو صحة ذلك الجسم وإزالة مرضه الذي كان قد دخل عليه في معدنه فصيره حديدا أو غير ذلك وكل هذا من هذه الحضرة يعلمه ثم ينظر إلى رضوان ومالك فيجد عندهما علم السعادة والشقاء والجنة ودرجاتها وجهنم ودركاتها وهو علم المراتب في الوعد والوعيد ويعلم حقيقة ما تعطي كل واحدة منهما وإذا علم هذا كله علم العرش وحملته وما تحت إحاطته وهو منتهى الأجسام وليس وراءه جسم مركب ذو شكل ومقدار فإذا علم هذا كله عرج به معراجا آخر معنويا في غير صورة متخيلة إلى مرتبة المقادير فيعلم منها كميات الأشياء الجسمية وأوزانها في الأجسام المقدرة من المحيط إلى التراب وما فيهن وما بينهن من أصناف العالم الذين هم عمار هذه الأمكنة ثم ينتقل إلى علم الجوهر المظلم الكل الذي لا جزء له ولا صورة فيه وهو غيب كل ما وراءه من العالم ومنه ظهرت هذه الأنوار والضياءات في عالم الأجسام وهي الأنوار المركبة سلخت من هذا الجوهر فبقي مظلما كما سلخ النهار من الليل فبانت الظلمة وهذا هو أصل الظلمة في العالم وأصل العالم في الأحكام الناموسية ثم ينتقل من هذا المقام إلى حضرة الطبيعة البسيطة فيعلم حكمها في الأجسام مطلقا من اختلاف تركيباتها وأحوالها ومن أين وقع الغلط لبعض الطبيعيين فيما غلطوا فيه من العلم بأحكامها وذلك لجهلهم بالعلم بذاتها فصاحب هذا الكشف يعلم ذلك كله ثم ينتقل من النظر في ذلك إلى شهود اللوح المحفوظ وهو الموجود الانبعاثي عن القلم وقد رقم الله فيه ما شاءه من الكوائن في العالم فيعلم هذا التالي لما في هذا اللوح علم القوتين وهما علم العلم وعلم العمل ويعلم الانفعالات الانبعاثية ومن كون هذا الروح لوحا يعلم ما سطره فيه من سماه لوحا بالقلم الإلهي مما أملاه الحق عليه وكتابته فيه نقش صور المعلومات التي يجر بها الله في العالم في الدنيا إلى يوم القيامة خاصة وهي علوم محصورة مسطرة صورا كصور الحروف المرقومة في الألواح والكتب المسماة كلمات وعدد أمهاتها ما يكون من ضرب درجات الفلك في مثلها سواء من غير زيادة ولا نقصان ومن هنا جعل الله في الفلك الذي تقطع فيه الكواكب بسباحتها ثلاثمائة درجة وستين درجة وفيها انحصرت السنة في الدار الدنيا بسباحة الشمس والقمر قال تعالى الشَّمْسُ والْقَمَرُ بِحُسْبانٍ وتتكرر بالسنين من أول وجودها وما هو تكرار على الحقيقة إلى أن ينتهي إلى قدر ما خرج من ضرب الثلاثمائة والستين في مثلها من السنين يكون عمر عالم الدنيا ثم يملي أمرا آخر وعلوما تختص بالقيامة وبالموازين أيضا إلى أجل مسمى بتميز في الدارين وهو انتهاء مدة الانتقام على أهل دار الشقاء خاصة ثم يستأنف فيه كتابة العذاب في هذه الدار مع
الخلود الدائم في الدارين لأهلها غير أنه لا بد مهما كانت الكتابة أن تجري إلى أجل مسمى لاستحالة دخول ما لا يتناهى في الوجود ثم ينتقل هذا التابع من هذا المقام إلى
طبعة القاهرة (الميمنية / بولاق)، في أربعة أجزاء؛ صورة الصفحة مأخوذة من مسار الصور الأصلي للموقع.

