موقع الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي
موقع الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي

كتاب شمس المغرب

سيرة الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي ومذهبه

جمع وإعداد: محمد علي حاج يوسف

هذا الموقع مخصص للطبعة الجديدة من شمس المغرب

  الصفحة السابقة

المحتويات

الصفحة التالية  


الشمس في السماء، حيث تطلع كلّ يوم من جهة الشرق ثم تتسلق مرتفعة نحو بطن السماء، ثم تهبط حتى تغيب وراء الجبال والتلال البعيدة لتختفيَ عن أعيُننا من أجل أن تفاجئَنا من جديد في صبيحة اليوم التالي. غير أنّ ابن العربي سلك طريقاً مختلفاً وغير عاديّ، حيث طلعت شمسه من المغرب، في بلاد الأندلس، ثم ارتحل، بعكس جهة الشمس، إلى المشرق حتى استقرّ الأمر به في الشام، وغابت شمسه هناك. ولقد تجلى ذلك في حياته وسلوكه، فكان أيضاً مختلفاً ومتميّزاً عن جميع أقرانه من علماء الفقه والحديث والتفسير والكلام والفلاسفة؛ حيث يمكن أن نقول غير مبالغين أنه جمع بين جميع هذه العلوم المتفرّقة ففاق بها أهلها المتخصصين بها.

فمن يدرس كتبه ويطّلع على مكنوناتها يجد عنده إلى كلّ علم باب وعلى كل سؤال جواب. فنحن لا نبالغ أبداً وكذلك ابن العربي لا يفاخر حين يشبّه نفسه بالشمس؛ فهو حقّاً عالِمٌ جليلٌ، رغم أنّ الذين استطاعوا الغوص في بحار العلوم المبثوثة في كتبه لا يزالون قليل.

يقول الشيخ محي الدين ابن العربي في ديوانه:

إذا شمسُ النفوس أرت ضُحاها
تراها فيه حالاً بعد حالٍ
وإنّي من حقيقتِه بسِـرّي
فما أنا في الوجود سواهُ عيناً
فتلك سماؤنا لمّا بناها
مِن أَجلي كان ربّي في شؤون
سنفرغ منكمُ جوداً إليكمْ
ويلحمها بذات منه لمّا
يعذّبنا النهار سدىً وويلا
فغطّاها الظلامُ بسِـرّ كوني

تزايدت القلوب بما تلاها
ومجلاها الهلالُ إذا تلاها
كمثلِ الشمس إذ تعطي سناها
وما هم في الوجود بنا سواها
وهذي أرضنا لمّا طحاها
وقد بلغت فواكهُهم أناها
لتعطي نفوسكم منها مُناها
علمت بأنها كانت سداها
وليلته يعذّبنا نداها
وجلاّها النهار وما جلاها[1]

وهذا التشبيه أو الشبه بين ابن العربي والشمس ليس تشابهاً في الشكل والحركة، ولكنه تشابهٌ عميقٌ في المغزى والحقيقة، وهو ينسحب على الكثير من التفاصيل كما سنرى لاحقاً. في الحقيقة لقد بدأت رحلة ابن العربي، مثل الشمس، من المشرق، من الجزيرة، من منبع الإسلام، ومنبع الحضارات؛ غير أنه بدأ في الباطن - في عالم الذرّ - في ظهور أجداده من قبيلة طيءٍ التي اشتهرت، كالشمس، بالجود والسخاء والكرم. فانتقل الشيخ الأكبر محمد ابن العربي في ذراري آبائه من اليمن في جزيرة العرب إلى المغرب،



[1] الديوان: ص163.


  الصفحة السابقة

المحتويات

الصفحة التالية  

البحث في نص الكتاب

هذا الموقع مخصص للطبعة الجديدة من شمس المغرب