المكتبة الأكبرية: موسوعة الحديث الشريف: (موطأ مالك) - [الحديث رقم: (1060)]
(موطأ مالك) - [الحديث رقم: (1060)]
حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِك عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُ سَمِعَهُمَا يَذْكُرَانِ أَنَّ يَحْيَى بْنَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ طَلَّقَ ابْنَةَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَكَمِ الْبَتَّةَ فَانْتَقَلَهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَكَمِ فَأَرْسَلَتْ عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ فَقَالَتْ اتَّقِ اللَّهَ وَارْدُدْ الْمَرْأَةَ إِلَى بَيْتِهَا فَقَالَ مَرْوَانُ فِي حَدِيثِ سُلَيْمَانَ إِنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ غَلَبَنِي وَقَالَ مَرْوَانُ فِي حَدِيثِ الْقَاسِمِ أَوَ مَا بَلَغَكِ شَأْنُ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ فَقَالَتْ عَائِشَةُ لَا يَضُرُّكَ أَنْ لَا تَذْكُرَ حَدِيثَ فَاطِمَةَ فَقَالَ مَرْوَانُ إِنْ كَانَ بِكِ الشَّرُّ فَحَسْبُكِ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ مِنْ الشَّرِّ
( ش ) : قَوْلُهُ : إِنَّ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ طَلَّقَ ابْنَةَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَكَمِ أَلْبَتَّةَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ طَلَّقَهَا آخِرَ ثَلَاثِ تَطْلِيقَاتٍ , فَإِنَّ تِلْكَ الطَّلْقَةَ تُوصَفُ بِهَا أَلْبَتَّةَ ; لِأَنَّ حُكْمَهَا فِي ذَلِكَ حُكْمُ الثَّلَاثِ وَانْتِقَالُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَابْنَتِهِ يُرِيدُ مِنْ مَوْضِعِ عِدَّتِهَا , وَهُوَ مَوْضِعُ سُكْنَاهَا مَعَ زَوْجِهَا , وَذَلِكَ أَنَّ السُّكْنَى , وَإِنْ كَانَتْ حَقًّا مِنْ حُقُوقِ الزَّوْجِيَّةِ , فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ حِفْظُ النَّسَبِ وَلِحَقِّ اللَّهِ بِهِ تَعَلُّقٌ فَيُغَلَّظُ لِذَلِكَ فَلَيْسَ لِلزَّوْجَةِ إسْقَاطُهُ , وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ لِلْمَبْتُوتَةِ : السُّكْنَى عَلَى زَوْجِهَا فِي الْعِدَّةِ وَيُحْبَسُ وَيُبَاعُ عَلَيْهِ فِيهِ مَالُهُ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ هَذَا حَقٌّ عَلَى الزَّوْجِ , وَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ يُؤْخَذُ بِهِ كَمَا يُؤْخَذُ بِسَائِرِ الْحُقُوقِ اللَّازِمَةِ. ( مَسْأَلَةٌ ) , فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ : إِنْ استيقن أَنَّهُ لَا شَيْءَ لَهُ فَذَلِكَ عَلَيْهَا وَمَعْنَى ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ يَسْقُطُ عَنْهُ حَقُّ السُّكْنَى , وَالنَّفَقَةِ ; لِأَنَّهُ إنَّمَا يَجِبُ ذَلِكَ عَلَيْهِ بِشَرْطِ الْيَسَارِ وَالْغِنَى وَيَسْقُطُ مَعَ الْعَدَمِ فَيَكُونُ عَلَيْهَا أَنْ تُسْكِنَ نَفْسَهَا كَمَا يَكُونُ عَلَيْهَا أَنْ تُنْفِقَ عَلَى نَفْسِهَا , وَهَذَا فِي الْمَدْخُولِ بِهَا الَّتِي يُوطَأُ مِثْلُهَا , وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا لَمْ يَكُنْ لَهَا سُكْنَى فِي وَفَاةٍ وَلَا طَلَاقٍ صَغِيرَةً كَانَتْ أَوْ كَبِيرَةً قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ. ( مَسْأَلَةٌ ) , وَإِنْ كَانَتْ أَمَةً فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ : لَمْ يَخْتَلِفْ أَصْحَابُنَا أَنَّ لَهَا السُّكْنَى فِي الْفِرَاقِ كَانَ الزَّوْجُ حُرًّا أَوْ عَبْدًا إِذَا بُوِّئَتْ بَيْتًا قَالَ مَالِكٌ وَتَعْتَدُّ الْأَمَةُ حَيْثُ كَانَتْ إِنْ كَانَ الزَّوْجُ يَأْتِيهَا عِنْدَ أَهْلِهَا اعْتَدَّتْ عِنْدَهُمْ , وَإِنْ كَانَتْ عِنْدَهُمْ بِالنَّهَارِ وَتَبِيتُ عِنْدَ زَوْجِهَا بِاللَّيْلِ اعْتَدَّتْ فِي مَنْزِلِهِ قَالَ أَشْهَبُ : إِنْ كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهَا فَعَلَيْهِ السُّكْنَى وَإِلَّا فَلَا , وَوَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ : إِنَّ سُكْنَى الْعِدَّةِ مُعْتَبَرَةٌ بِالسُّكْنَى حَالَ الزَّوْجِيَّةِ وَيَتَعَيَّنُ فِي مَوْضِعِهِ , فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا عَلَيْهِ سُكْنَى فِي حَالِ الزَّوْجِيَّةِ وَقْتَ كَمَالِ النِّكَاحِ فَبَانَ لَا يَجِبُ لَهَا حَالَ الْفِرَاقِ , وَهُوَ وَقْتُ إسْلَامِ النِّكَاحِ أَوْلَى وَأَحْرَى , وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ : إِنَّ السُّكْنَى حُكْمٌ يَجِبُ بِالزَّوْجِيَّةِ كَالنَّفَقَةِ فَإِذَا اقْتَضَتْ الزَّوْجِيَّةُ ثُبُوتَ إحْدَاهُمَا اقْتَضَتْ الْأُخْرَى , إِذَا لَمْ تَقْتَضِهِ لَمْ تَقْتَضِ الْأُخْرَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ( مَسْأَلَةٌ ) , وَأَمَّا الصَّغِيرَةُ الَّتِي لَا يُوطَأُ مِثْلُهَا فَلَا سُكْنَى لَهَا فِي الطَّلَاقِ , وَإِنْ كَانَ قَدْ بَنَى بِهَا زَوْجُهَا قَالَهُ مَالِكٌ ; لِأَنَّهُ لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا وَيَدُلُّك عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ لِذَلِكَ الْبِنَاءِ حُكْمُ الْبِنَاءِ فِي عِدَّةٍ وَلَا كَمَالِ صَدَاقٍ وَلَا وُجُوبِ سُكْنَى وَلَا نَفَقَةٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ( مَسْأَلَةٌ ) إِذَا ثَبَتَ أَنَّ لِلْمُعْتَدَّةِ السُّكْنَى فَلَا تَبِيتُ فِي غَيْرِ بَيْتِهَا وَلَهَا أَنْ تَخْرُجَ نَهَارًا خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ , وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ الَّذِي تَضَمَّنَهُ النَّصُّ الْإِسْكَانَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ , وَالْخُرُوجُ بِالنَّهَارِ لَا يُنَافِي السُّكْنَى فَلَمْ تُمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ وَلِأَنَّ فِي مَنْعِهَا مِنْ التَّصَرُّفِ إضْرَارٌ بِهَا فَلَيْسَ كُلُّ النِّسَاءِ لَهَا مَنْ يَتَصَرَّفُ لَهَا. ( فَصْلٌ ) وَقَوْلُهُ : فَنَقَلَهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَكَمِ يُرِيدُ قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا فَأَرْسَلَتْ عَائِشَةُ إِلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ اتَّقِ اللَّهَ وَرُدَّ الْمَرْأَةَ إِلَى بَيْتِهَا إنْكَارًا مِنْهَا لِانْتِقَالِهَا مِنْ بَيْتِهَا قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا ; لِأَنَّ ذَلِكَ عِنْدَ عَائِشَةَ وَاجِبٌ عَلَيْهَا تُجْبَرُ عَلَيْهِ إِنْ أَبَتْهُ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهَا : رُدَّ الْمَرْأَةَ إِلَى بَيْتِهَا , وَهُوَ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ يَوْمَئِذٍ , وَلَوْ كَانَتْ الزَّوْجَةُ لَا تُجْبَرُ عَلَى الْمُقَامِ فِي بَيْتِ سُكْنَاهَا مُدَّةَ الْعِدَّةِ لَمَا خَاطَبَتْ بِذَلِكَ مَنْ إِلَيْهِ حُكْمُ الْمَدِينَةِ , وَإِنَّمَا كَانَتْ تُخَاطِبُ بِهِ الْمَرْأَةَ فِي خَاصَّتِهَا وَتُعْلِمُهَا أَنَّ ذَلِكَ أَفْضَلُ لَهَا , وَذَلِكَ أَنَّ انْتِقَالَهَا لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ بِعُذْرٍ أَوْ بِغَيْرِ عُذْرٍ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ : إِذَا خَافَتْ الزَّوْجَةُ الْمُعْتَدَّةُ مِنْ وَفَاةِ زَوْجِهَا سُقُوطَ الْمَبِيتِ أَوْ كَانَتْ بِقَرْيَةٍ لَيْسَ فِيهَا مُسْلِمُونَ وَتَخَافُ عَلَى نَفْسِهَا اللُّصُوصَ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُؤْمَنُ عَلَيْهَا فِي نَفْسِهَا فَلَهَا أَنْ تَتَحَوَّلَ , وَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ فَلَا تَتَحَوَّلُ , وَلَوْ كَانَتْ فِي مِصْرٍ مِنْ الْأَمْصَارِ فَخَافَتْ جَارَ سُوءٍ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : تَرْفَعُ أَمْرَهَا إِلَى السُّلْطَانِ ; لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ : لَا تَنْتَقِلُ إِلَّا لِأَمْرٍ لَا تَسْتَطِيعُ الْقَرَارَ عَلَيْهِ , وَالْمَدِينَةُ بِخِلَافِ الْقَرْيَةِ , وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الْمَدِينَةَ فِيهَا مَنْ تَرْفَعُ أَمْرَهَا إِلَيْهِ وَيَكْفِيهَا مَنْ تَتَّقِيهِ مِنْ الْجَارِ السُّوءِ وَغَيْرِهِ , وَالْقَرْيَةُ فِي الْغَالِبِ لَيْسَ فِيهَا سُلْطَانٌ وَلَا يُمْنَعُ الْمُتَعَدِّي مِنْ التَّعَدِّي فَإِذَا خَافَتْ عَلَى نَفْسِهَا انْتَقَلَتْ عَنْهَا. ( فَصْلٌ ) وَقَوْلُ عَائِشَةَ رَضِىَ اللَّهَ عَنْهَا لَمَّا اعْتَرَضَ مَرْوَانُ بِحَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ وَانْتِقَالِهَا إِلَى مَنْزِلِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ : لَا يَضُرُّك أَنْ لَا تَذْكُرَ حَدِيثَ فَاطِمَةَ تُرِيدُ أَنَّ حُكْمَ فَاطِمَةَ غَيْرُ حُكْمِ هَذِهِ لَمَّا اعْتَقَدَتْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ إنَّمَا انْتَقَلَتْ ; لِأَنَّ مَنْزِلَهَا كَانَ غَيْرَ مَأْمُونٍ وَاعْتَقَدَ مَرْوَانُ أَنَّهُ إنَّمَا جَازَ خُرُوجُهَا لِمَا كَانَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا وَذَوِيهِ مِنْ الشَّرِّ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ فَاطِمَةَ كَانَتْ لَسِنَةً فَلِذَلِكَ قَالَ : إِنْ كَانَ بِك الشَّرُّ فَحَسْبُك مَا بَيْنَ هَذَيْنِ إِنَّ أَبْلَغَ ذَلِكَ فِي قِصَّةِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ هَذَيْنِ مِنْهُ مَا فِيهِ كِفَايَةٌ , وَقَدْ أَنْكَرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَلَى بِنْتِ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ انْتِقَالَهَا حِينَ طَلَّقَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرَ وَيَقْتَضِي ذَلِكَ أَنَّ انْتِقَالَهَا كَانَ لِغَيْرِ عُذْرٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ( مَسْأَلَةٌ ) فَإِذَا انْتَقَلَتْ لِغَيْرِ عُذْرٍ فَأَرَادَ الزَّوْجُ أَنْ يَنْقُلَهَا إِلَى مَوْضِعٍ وَأَرَادَتْ هِيَ غَيْرَهُ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ إِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى الزَّوْجِ فِي ذَلِكَ ضَرَرٌ مِنْ كَثْرَةِ كِرَاءٍ وَلَا سُكْنَى فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا , وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهَا الَّتِي تَخْتَصُّ بِالسُّكْنَى فَإِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى الزَّوْجِ فِيمَا تَخْتَارُهُ ضَرَرٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ صَرْفُهَا عَنْهُ ; لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ وَجْهِ الْإِضْرَارِ بِهَا وَمُقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ عَقْدَ الْكِرَاءِ لِلزَّوْجَةِ , وَإِنَّمَا عَلَى الزَّوْجِ أَدَاءُ الْكِرَاءِ كَسَائِرِ النَّفَقَاتِ. ( مَسْأَلَةٌ ) وَحُكْمُ الْمَنْزِلِ الَّذِي تَنْتَقِلُ إِلَيْهِ حُكْمُ الَّذِي انْتَقَلَتْ مِنْهُ مِنْ مُلَازَمَتِهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا فِيهِ ; لِأَنَّهُ بَدَلٌ مِنْ الدَّارِ الَّتِي انْتَقَلَتْ عَنْهَا فَكَانَ حُكْمُهُ حُكْمَهَا. ( مَسْأَلَةٌ ) وَلَيْسَ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَنْتَقِلَ مِنْ مَوْضِعِ عِدَّتِهَا بِغَيْرِ عُذْرٍ , فَإِنْ انْتَقَلَتْ أَجْبَرَهَا السُّلْطَانُ عَلَى الرُّجُوعِ لِأَنَّهُ حَقٌّ مِنْ حُقُوقِ الزَّوْجِ , وَالْوَلَدِ الْمُرْتَقَبِ , وَقَدْ تُغَلَّظُ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فَلَيْسَ لِأَحَدٍ إسْقَاطُهُ.



