المكتبة الأكبرية: موسوعة الحديث الشريف: (سنن الترمذي) - [الحديث رقم: (3376)]
(سنن الترمذي) - [الحديث رقم: (3376)]
حَدَّثَنَا الْأَنْصَارِيُّ حَدَّثَنَا مَعْنٌ حَدَّثَنَا مَالِكٌ و حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ عَنْ مَالِكٍ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ كَانَ النَّاسُ إِذَا رَأَوْا أَوَّلَ الثَّمَرِ جَاءُوا بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا أَخَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي ثِمَارِنَا وَبَارِكْ لَنَا فِي مَدِينَتِنَا وَبَارِكْ لَنَا فِي صَاعِنَا وَمُدِّنَا اللَّهُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ عَبْدُكَ وَخَلِيلُكَ وَنَبِيُّكَ وَإِنِّي عَبْدُكَ وَنَبِيُّكَ وَإِنَّهُ دَعَاكَ لِمَكَّةَ وَأَنَا أَدْعُوكَ لِلْمَدِينَةِ بِمِثْلِ مَا دَعَاكَ بِهِ لِمَكَّةَ وَمِثْلِهِ مَعَهُ قَالَ ثُمَّ يَدْعُو أَصْغَرَ وَلِيدٍ يَرَاهُ فَيُعْطِيهِ ذَلِكَ الثَّمَرَ قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ
قَوْلُهُ : ( إِذَا رَأَوْا أَوَّلَ الثَّمَرِ ) وَهُوَ الَّذِي يُسَمَّى الْبَاكُورَةَ ( جَاءُوا بِهِ ) أَيْ بِأَوَّلِ الثَّمَرِ ( إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) قَالَ الْعُلَمَاءُ كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ رَغْبَةً فِي دُعَائِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الثَّمَرِ وَالْمَدِينَةِ وَالصَّاعِ وَالْمُدِّ وَإِعْلَامًا لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِابْتِدَاءِ صَلَاحِهَا لِمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ الزَّكَاةِ وَغَيْرِهَا وَتَوْجِيهِ الْخَارِصِينَ ( وَبَارَكَ لَنَا فِي مَدِينَتِنَا ) أَيْ فِي ذَاتِهَا مِنْ جِهَةِ سَعَتِهَا وَسَعَةِ أَهْلِهَا وَقَدْ اِسْتَجَابَ اللَّهُ دُعَاءَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِأَنْ وَسَّعَ نَفْسَ الْمَسْجِدِ وَمَا حَوْلَهُ مِنْ الْمَدِينَةِ وَكَثُرَ الْخَلْقُ فِيهَا حَتَّى عُدَّ مِنْ الْفَرَسِ الْمُعَدِّ لِلْقِتَالِ الْمُهَيَّأِ بِهَا فِي زَمَنِ عُمَرَ أَرْبَعُونَ أَلْفَ فَرَسٍ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْبَرَكَةِ هُنَا مَا يَشْمَلُ الدُّنْيَوِيَّةَ وَالْأُخْرَوِيَّةَ وَالْحِسِّيَّةَ ( وَبَارَكَ لَنَا فِي صَاعِنَا وَمُدِّنَا ) قَالَ الْقَاضِي : الْبَرَكَةُ هُنَا بِمَعْنَى النَّمَاءِ وَالزِّيَادَةِ وَتَكُونُ بِمَعْنَى الثَّبَاتِ وَاللُّزُومِ , قَالَ فَقِيلَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذِهِ الْبَرَكَةُ دِينِيَّةً وَهِيَ مَا تَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الْمَقَادِيرِ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الزَّكَاةِ وَالْكَفَّارَةِ فَتَكُونُ بِمَعْنَى الثَّبَاتِ وَالْبَقَاءِ لَهَا كَبَقَاءِ الْحُكْمِ بِهَا بِبَقَاءِ الشَّرِيعَةِ وَثَبَاتِهَا , وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ دُنْيَوِيَّةً مِنْ تَكْثِيرِ الْكَيْلِ وَالْقُدْرَةِ بِهَذِهِ الْأَكْيَالِ حَتَّى يَكْفِيَ مِنْهُ مَا لَا يَكْفِي مِنْ غَيْرِهِ فِي غَيْرِ الْمَدِينَةِ , أَوْ تَرْجِعُ الْبَرَكَةُ إِلَى التَّصَرُّفِ بِهَا فِي التِّجَارَةِ وَأَرْبَاحِهَا وَإِلَى كَثْرَةِ مَا يُكَالُ بِهَا مِنْ غَلَّاتِهَا وَثِمَارِهَا ; أَوْ تَكُونُ الزِّيَادَةُ فِيمَا يُكَالُ بِهَا لِإِتْسَاعِ عَيْشِهِمْ وَكَثْرَتِهِ بَعْدَ ضِيقِهِ لِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَوَسَّعَ مِنْ فَضْلِهِ لَهُمْ وَمَلَّكَهُمْ مِنْ بِلَادِ الْخِصْبِ وَالرِّيفِ بِالشَّامِ وَالْعِرَاقِ وَمِصْرَ وَغَيْرِهَا حَتَّى كَثُرَ الْحَمْلُ إِلَى الْمَدِينَةِ وَاتَّسَعَ عَيْشُهُمْ حَتَّى صَارَتْ هَذِهِ الْبَرَكَةُ فِي الْكَيْلِ نَفْسِهِ فَزَادَ مُدَّهُمْ وَصَارَ هَاشِمِيًّا مِثْلَ مُدِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّتَيْنِ أَوْ مَرَّةً وَنِصْفًا , وَفِي هَذَا كُلِّهِ إِجَابَةُ دَعْوَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَبُولُهَا اِنْتَهَى كَلَامُ الْقَاضِي. قَالَ النَّوَوِيُّ : وَالظَّاهِرُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ أَنَّ الْمُرَادَ الْبَرَكَةُ فِي نَفْسِ الْمَكِيلِ فِي الْمَدِينَةِ بِحَيْثُ يَكْفِي الْمُدُّ فِيهَا لِمَنْ لَا يَكْفِيهِ فِي غَيْرِهَا اِنْتَهَى ( وَإِنَّهُ دَعَاك لِمَكَّةَ ) أَيْ بِقَوْلِهِ : { فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنْ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنْ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ } ( بِمِثْلِ مَا دَعَاك بِهِ لِمَكَّةَ وَمِثْلُهُ ) أَيْ بِمِثْلِ ذَلِكَ الْمِثْلِ ( مَعَهُ ) وَالْمَعْنَى بِضِعْفِ مَا دَعَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ( قَالَ ) أَيْ أَبُو هُرَيْرَةَ ( ثُمَّ يَدْعُو ) أَيْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( أَصْغَرَ وَلِيدٍ ) أَيْ مَوْلُودٍ ( يَرَاهُ ) وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ : ثُمَّ يُعْطِيه أَصْغَرَ مِنْ أَنْ يُحْضِرَهُ مِنْ الْوَلَدَانِ , وَفِي أُخْرَى لَهُ ثُمَّ يَدْعُو أَصْغَرَ وَلِيدٍ لَهُ فَيُعْطِيه ذَلِكَ الثَّمَرَ. قَالَ الْقَارِي : التَّحْقِيقُ أَنَّ الرِّوَايَتَيْنِ يَعْنِي الرِّوَايَةَ الْمُطْلَقَةَ وَالْمُقَيَّدَةَ مَحْمُولَتَانِ عَلَى الْحَالَتَيْنِ , وَالْمَعْنَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ عِنْدَهُ أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ وَلِيدٌ لَهُ أَعْطَاهُ أَوْ وَلِيدٌ آخَرُ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِ أَعْطَاهُ إِذْ لَا شَكَّ أَنَّهُمَا لَوْ اِجْتَمَعَا لَشَارَكَ بَيْنَهُمَا نَعَمْ إِذَا لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ حَاضِرًا عِنْدَهُ فَلَا شُبْهَةَ أَنَّهُ يُنَادِي أَحَدًا مِنْ أَوْلَادِ أَهْلِهِ لِأَنَّهُ أَحَقُّ بِبِرِّهِ مِنْ غَيْرِهِ اِنْتَهَى ( فَيُعْطِيهِ ذَلِكَ الثَّمَرَ ) فِيهِ بَيَانُ مَا كَانَ عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَكَمَالِ الشَّفَقَةِ وَالرَّحْمَةِ وَمُلَاطَفَةِ الْكِبَارِ وَالصِّغَارِ وَخَصَّ بِهَذَا الصَّغِيرَ لِكَوْنِهِ أَرْغَبَ فِيهِ وَأَكْثَرَ تَطَلُّعًا إِلَيْهِ وَحِرْصًا عَلَيْهِ. قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَابْنُ مَاجَهْ.



