المكتبة الأكبرية: موسوعة الحديث الشريف: (صحيح مسلم) - [الحديث رقم: (4793)]
(صحيح مسلم) - [الحديث رقم: (4793)]
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ دِينَارٍ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ جَمِيعًا عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ وَاللَّفْظُ لِابْنِ حَاتِمٍ وَابْنِ دِينَارٍ قَالَا حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرٍو عَنْ طَاوُسٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى فَقَالَ مُوسَى يَا آدَمُ أَنْتَ أَبُونَا خَيَّبْتَنَا وَأَخْرَجْتَنَا مِنْ الْجَنَّةِ فَقَالَ لَهُ آدَمُ أَنْتَ مُوسَى اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِكَلَامِهِ وَخَطَّ لَكَ بِيَدِهِ أَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي بِأَرْبَعِينَ سَنَةً فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى وَفِي حَدِيثِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ وَابْنِ عَبْدَةَ قَالَ أَحَدُهُمَا خَطَّ و قَالَ الْآخَرُ كَتَبَ لَكَ التَّوْرَاةَ بِيَدِهِ
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( اِحْتَجَّ آدَم وَمُوسَى ) قَالَ أَبُو الْحَسَن الْقَاضِي : اِلْتَقَتْ أَرْوَاحهمَا فِي السَّمَاء , فَوَقَعَ الْحِجَاج بَيْنهمَا. قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : وَيَحْتَمِل أَنَّهُ عَلَى ظَاهِره. وَأَنَّهُمَا اِجْتَمَعَا بِأَشْخَاصِهِمَا , وَقَدْ ثَبَتَ فِي حَدِيث الْإِسْرَاء أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِجْتَمَعَ بِالْأَنْبِيَاءِ , صَلَوَات اللَّه وَسَلَامه عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ فِي السَّمَاوَات , وَفِي بَيْت الْمَقْدِس , وَصَلَّى بِهِمْ. قَالَ : فَلَا يَبْعُد أَنَّ اللَّه تَعَالَى أَحْيَاهُمْ كَمَا جَاءَ فِي الشُّهَدَاء. قَالَ : وَيَحْتَمِل أَنَّ ذَلِكَ جَرَى فِي حَيَاة مُوسَى ; سَأَلَ اللَّه تَعَالَى أَنْ يُرِيَهُ آدَم فَحَاجَّهُ. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَقَالَ مُوسَى : يَا آدَم أَنْتَ أَبُونَا خَيَّبْتنَا , وَأَخْرَجْتنَا مِنْ الْجَنَّة ) وَفِي رِوَايَة ( أَنْتَ آدَم الَّذِي أَغْوَيْت النَّاس , وَأَخْرَجْتهمْ مِنْ الْجَنَّة ) وَفِي رِوَايَة ( أُهْبِطَتْ النَّاس بِخَطِيئَتِك إِلَى الْأَرْض ). مَعْنَى ( خَيَّبْتنَا ) أَوْقَعْتنَا فِي الْخَيْبَة , وَهِيَ الْحِرْمَان وَالْخُسْرَان. وَقَدْ خَابَ يَخِيب وَيَخُوب , وَمَعْنَاهُ كُنْت سَبَب خَيْبَتنَا وَإِغْوَائِنَا بِالْخَطِيئَةِ الَّتِي تَرَتَّبَ عَلَيْهَا إِخْرَاجُكَ مِنْ الْجَنَّة , ثُمَّ تَعَرَّضْنَا نَحْنُ لِإِغْوَاءِ الشَّيَاطِين. وَالْغَيّ الِانْهِمَاك فِي الشَّرّ. وَفِيهِ جَوَاز إِطْلَاق الشَّيْء عَلَى سَبَبه. وَفِيهِ ذِكْر الْجَنَّة وَهِيَ مَوْجُودَة مِنْ قَبْل آدَم. هَذَا مَذْهَب أَهْل الْحَقّ. قَوْله : ( اِصْطَفَاك اللَّه بِكَلَامِهِ وَخَطَّ لَك بِيَدِهِ ) فِي ( الْيَد ) هُنَا الْمَذْهَبَانِ السَّابِقَانِ فِي كِتَاب الْإِيمَان وَمَوَاضِع فِي أَحَادِيث الصِّفَات : أَحَدهمَا الْإِيمَان بِهَا , وَلَا يُتَعَرَّض لِتَأْوِيلِهَا , مَعَ أَنَّ ظَاهِرهَا غَيْر مُرَاد. وَالثَّانِي تَأْوِيلهَا عَلَى الْقُدْرَة. وَمَعْنَى ( اِصْطَفَاك ) أَيْ اِخْتَصَّك وَآثَرَك بِذَلِكَ. قَوْله : ( أَتَلُومُنِي عَلَى أَمْر قَدَّرَهُ اللَّه عَلَيَّ قَبْل أَنْ يَخْلُقنِي بِأَرْبَعِينَ سَنَة ؟ ) الْمُرَاد بِالتَّقْدِيرِ هُنَا الْكِتَابَة فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ , وَفِي صُحُف التَّوْرَاة وَأَلْوَاحهَا , أَيْ كَتَبَهُ عَلَيَّ قَبْل خَلْقِي بِأَرْبَعِينَ سَنَة , وَقَدْ صَرَّحَ بِهَذَا فِي الرِّوَايَة الَّتِي بَعْد هَذِهِ , ( فَقَالَ : بِكَمْ وَجَدْت اللَّه كَتَبَ التَّوْرَاة قَبْل أَنْ أُخْلَق ؟ قَالَ مُوسَى : بِأَرْبَعِينَ سَنَة. قَالَ : أَتَلُومُنِي عَلَى أَنْ عَمِلْت عَمَلًا كَتَبَ اللَّه عَلَيَّ أَنْ أَعْمَلهُ قَبْل أَنْ يَخْلُقنِي بِأَرْبَعِينَ سَنَة ؟ ) فَهَذِهِ الرِّوَايَة مُصَرِّحَة بِبَيَانِ الْمُرَاد بِالتَّقْدِيرِ , وَلَا يَجُوز أَنْ يُرَاد بِهِ حَقِيقَة الْقَدَر , فَإِنَّ عِلْم اللَّه تَعَالَى وَمَا قَدَّرَهُ عَلَى عِبَاده وَأَرَادَ مِنْ خَلْقه أَزَلِيّ لَا أَوَّل لَهُ , وَلَمْ يَزَلْ سُبْحَانه مُرِيدًا لِمَا أَرَادَهُ مِنْ خَلْقه مِنْ طَاعَة وَمَعْصِيَة , وَخَيْر وَشَرّ. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَحَجَّ آدَم مُوسَى ) هَكَذَا الرِّوَايَة فِي جَمِيع كُتُب الْحَدِيث بِاتِّفَاقِ النَّاقِلِينَ وَالرُّوَاة وَالشُّرَّاح وَأَهْل الْغَرِيب : ( فَحَجَّ آدَم مُوسَى ) بِرَفْعِ آدَم , وَهُوَ فَاعِل , أَيْ غَلَبَهُ بِالْحُجَّةِ , وَظَهَرَ عَلَيْهِ بِهَا. وَمَعْنَى كَلَام آدَم أَنَّك يَا مُوسَى تَعْلَم أَنَّ هَذَا كُتِبَ عَلَيَّ قَبْل أَنْ أُخْلَق , وَقُدِّرَ عَلَيَّ , فَلَا بُدّ مِنْ وُقُوعه , وَلَوْ حَرَصْت أَنَا وَالْخَلَائِق أَجْمَعُونَ عَلَى رَدِّ مِثْقَال ذَرَّة مِنْهُ لَمْ نَقْدِر , فَلِمَ تَلُومنِي عَلَى ذَلِكَ ؟ وَلِأَنَّ اللَّوْم عَلَى الذَّنْب شَرْعِيّ لَا عَقْلِيّ , وَإِذْ تَابَ اللَّه تَعَالَى عَلَى آدَم , وَغَفَرَ لَهُ , زَالَ عَنْهُ اللَّوْم فَمَنْ لَامَهُ كَانَ مَحْجُوجًا بِالشَّرْعِ. فَإِنْ قِيلَ : فَالْعَاصِي مِنَّا لَوْ قَالَ : هَذِهِ الْمَعْصِيَة قَدَّرَهَا اللَّه عَلَيَّ لَمْ يَسْقُط عَنْهُ اللَّوْم وَالْعُقُوبَة بِذَلِكَ , وَإِنْ كَانَ صَادِقًا فِيمَا قَالَهُ. فَالْجَوَاب أَنَّ هَذَا الْعَاصِي بَاقٍ فِي دَار التَّكْلِيف , جَارٍ عَلَيْهِ أَحْكَام الْمُكَلَّفِينَ مِنْ الْعُقُوبَة وَاللَّوْم وَالتَّوْبِيخ وَغَيْرهَا , وَفِي لَوْمه وَعُقُوبَته زَجْر لَهُ وَلِغَيْرِهِ عَنْ مِثْل هَذَا الْفِعْل , وَهُوَ مُحْتَاج إِلَى زَجْر مَا لَمْ يَمُتْ فَأَمَّا آدَم فَمَيِّت خَارِج عَنْ دَار التَّكْلِيف وَعَنْ الْحَاجَة إِلَى الزَّجْر , فَلَمْ يَكُنْ فِي الْقَوْل الْمَذْكُور لَهُ فَائِدَة , بَلْ فِيهِ إِيذَاء وَتَخْجِيل. وَاَللَّه أَعْلَم.



