المكتبة الأكبرية: موسوعة الحديث الشريف: (صحيح البخاري) - [الحديث رقم: (6225)]
(صحيح البخاري) - [الحديث رقم: (6225)]
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ هِشَامِ بْنِ حُجَيْرٍ عَنْ طَاوُسٍ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ سُلَيْمَانُ لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى تِسْعِينَ امْرَأَةً كُلٌّ تَلِدُ غُلَامًا يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ قَالَ سُفْيَانُ يَعْنِي الْمَلَكَ قُلْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَنَسِيَ فَطَافَ بِهِنَّ فَلَمْ تَأْتِ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ بِوَلَدٍ إِلَّا وَاحِدَةٌ بِشِقِّ غُلَامٍ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَرْوِيهِ قَالَ لَوْ قَالَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمْ يَحْنَثْ وَكَانَ دَرَكًا لَهُ فِي حَاجَتِهِ وَقَالَ مَرَّةً قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ اسْتَثْنَى وَحَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ مِثْلَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ
قَوْله ( عَنْ هِشَام بْن حُجَيْر ) بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ جِيم مُصَغَّر هُوَ الْمَكِّيّ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْحُمَيْدِيِّ عَنْ سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ "" حَدَّثَنَا هِشَام بْن حُجَيْر "". قَوْله ( لَأَطُوفَنَّ ) اللَّام جَوَاب الْقَسَم كَأَنَّهُ قَالَ مَثَلًا وَاَللَّهِ لَأَطُوفَنَّ , وَيُرْشِد إِلَيْهِ ذِكْر الْحِنْث فِي قَوْله "" لَمْ يَحْنَثْ "" لِأَنَّ ثُبُوته وَنَفْيَهُ يَدُلُّ عَلَى سَبْق الْيَمِين. وَقَالَ بَعْضهمْ : اللَّام اِبْتِدَائِيَّة وَالْمُرَاد بِعَدَمِ الْحِنْثِ وُقُوع مَا أَرَادَ , وَقَدْ مَشَى اِبْن الْمُنْذِر عَلَى هَذَا فِي كِتَابه الْكَبِير فَقَالَ "" بَاب اِسْتِحْبَاب الِاسْتِثْنَاء فِي غَيْر الْيَمِين لِمَنْ قَالَ سَأَفْعَلُ كَذَا "" وَسَاقَ هَذَا الْحَدِيث , وَجَزَمَ النَّوَوِيّ بِأَنَّ الَّذِي جَرَى مِنْهُ لَيْسَ بِيَمِينٍ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيث تَصْرِيحٌ بِيَمِينٍ , كَذَا قَالَ , وَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ فِي بَعْض طُرُق الْحَدِيث , وَاخْتُلِفَ فِي الَّذِي حَلَفَ عَلَيْهِ هَلْ هُوَ جَمِيع مَا ذُكِرَ أَوْ دَوَرَانُهُ عَلَى النِّسَاء فَقَطْ دُون مَا بَعْدَهُ مِنْ الْحَمْل وَالْوَضْع وَغَيْرهمَا , وَالثَّانِي أَوْجَهُ ; لِأَنَّهُ الَّذِي يَقْدِر عَلَيْهِ , بِخِلَافِ مَا بَعْده فَإِنَّهُ لَيْسَ إِلَيْهِ , وَإِنَّمَا هُوَ مُجَرَّد تَمَنِّي حُصُول مَا يَسْتَلْزِم جَلْب الْخَيْر لَهُ , وَإِلَّا فَلَوْ كَانَ حَلَفَ عَلَى جَمِيع ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ إِلَّا بِوَحْيٍ , وَلَوْ كَانَ بِوَحْيٍ لَمْ يَتَخَلَّف , وَلَوْ كَانَ بِغَيْرِ وَحْيٍ لَزِمَ أَنَّهُ حَلَفَ عَلَى غَيْر مَقْدُور لَهُ وَذَلِكَ لَا يَلِيق بِجَنَابِهِ. قُلْت : وَمَا الْمَانِع مِنْ جَوَاز ذَلِكَ وَيَكُون لِشِدَّةِ وُثُوقِهِ بِحُصُولِ مَقْصُوده وَجَزَمَ بِذَلِكَ وَأَكَّدَ بِالْحَلِفِ , فَقَدْ ثَبَتَ فِي الْحَدِيث الصَّحِيح "" إِنَّ مِنْ عِبَاد اللَّه مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّه لَأَبَرَّهُ "" وَقَدْ مَضَى شَرْحُهُ فِي غَزْوَة أُحُدٍ. قَوْله ( تِسْعِينَ ) تَقَدَّمَ بَيَان الِاخْتِلَاف فِي الْعَدَد الْمَذْكُور فِي تَرْجَمَة سُلَيْمَان عَلَيْهِ السَّلَام مِنْ أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء , وَذَكَرَ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيّ فِي كِتَابه الْمَذْكُور أَنَّ فِي بَعْض نُسَخ مُسْلِم عَقِبَ قِصَّة سُلَيْمَان هَذَا الِاخْتِلَاف فِي هَذَا الْعَدَد وَلَيْسَ هُوَ مِنْ قَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ النَّاقِلِينَ , وَنَقَلَ الْكَرْمَانِيُّ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الصَّحِيح أَكْثَر اِخْتِلَافًا فِي الْعَدَد مِنْ هَذِهِ الْقِصَّة. قُلْت : وَغَابَ عَنْ هَذَا الْقَائِل حَدِيث جَابِر فِي قَدْر ثَمَن الْجَمَل وَقَدْ مَضَى بَيَان الِاخْتِلَاف فِيهِ فِي الشُّرُوط , وَتَقَدَّمَ جَوَاب النَّوَوِيّ وَمَنْ وَافَقَهُ فِي الْجَوَاب عَنْ اِخْتِلَاف الْعَدَد فِي قِصَّة سُلَيْمَان بِأَنَّ مَفْهُوم الْعَدَد لَيْسَ بِحُجَّة عِنْد الْجُمْهُور فَذِكْر الْقَلِيل لَا يَنْفِي ذِكْر الْكَثِير , وَقَدْ تُعُقِّبَ بِأَنَّ الشَّافِعِيّ نَصَّ عَلَى أَنَّ مَفْهُوم الْعَدَد حُجَّة , وَجَزَمَ بِنَقْلِهِ عَنْهُ الشَّيْخ أَبُو حَامِد وَالْمَاوَرْدِيّ وَغَيْرهمَا , وَلَكِنَّ شَرْطه أَنْ لَا يُخَالِفهُ الْمَنْطُوق. قُلْت : وَاَلَّذِي يَظْهَر مَعَ كَوْن مَخْرَج الْحَدِيث عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَاخْتِلَاف الرُّوَاة عَنْهُ أَنَّ الْحُكْم لِلزَّائِدِ لِأَنَّ الْجَمِيع ثِقَاتٌ , وَتَقَدَّمَ هُنَاكَ تَوْجِيهٌ آخَرُ. قَوْله ( تَلِد ) فِيهِ حَذْفٌ تَقْدِيره فَتَعْلَق فَتَحْمِل فَتَلِد , وَكَذَا فِي قَوْله "" يُقَاتِل "" تَقْدِيره فَيَنْشَأ فَيَتَعَلَّم الْفُرُوسِيَّة فَيُقَاتِل , وَسَاغَ الْحَذْف لِأَنَّ كُلّ فِعْل مِنْهَا مُسَبَّب عَنْ الَّذِي قَبْله , وَسَبَبُ السَّبَبِ سَبَبٌ. قَوْله ( فَقَالَ لَهُ صَاحِبه قَالَ سُفْيَان يَعْنِي الْمَلَك ) هَكَذَا فَسَّرَ سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة أَنَّ صَاحِب سُلَيْمَان الْمَلَك , وَتَقَدَّمَ فِي النِّكَاح مِنْ وَجْه آخَر الْجَزْم بِأَنَّهُ الْمَلَك. قَوْله ( فَنَسِيَ ) زَادَ فِي النِّكَاح "" فَلَمْ يَقُلْ "" قِيلَ الْحِكْمَة فِي ذَلِكَ أَنَّهُ صَرَفَ عَنْ الِاسْتِثْنَاء السَّابِق الْقَدْرُ , وَأَبْعَدَ مَنْ قَالَ فِي الْكَلَام تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ وَالتَّقْدِير فَلَمْ يَقُلْ إِنْ شَاءَ اللَّه فَقِيلَ لَهُ قُلْ إِنْ شَاءَ اللَّه , وَهَذَا إِنْ كَانَ سَبَبه أَنَّ قَوْله فَنَسِيَ يُغْنِي عَنْ قَوْله فَلَمْ يَقُلْ فَكَذَا يُقَال إِنَّ قَوْله فَقَالَ لَهُ صَاحِبه قُلْ إِنْ شَاءَ اللَّه فَيَسْتَلْزِم أَنَّهُ كَانَ لَمْ يَقُلْهَا , فَالْأَوْلَى عَدَم اِدِّعَاء التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير , وَمِنْ هُنَا يَتَبَيَّن أَنَّ تَجْوِيز مَنْ اِدَّعَى أَنَّهُ تَعَمَّدَ الْحِنْث مَعَ كَوْنه مَعْصِيَة لِكَوْنِهَا صَغِيرَة لَا يُؤَاخَذُ بِهَا لَمْ يُصِبْ دَعْوَى وَلَا دَلِيلًا , وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : قَوْله "" فَلَمْ يَقُلْ "" أَيْ لَمْ يَنْطِق بِلَفْظِ إِنْ شَاءَ اللَّه بِلِسَانِهِ , وَلَيْسَ الْمُرَاد أَنَّهُ غَفَلَ عَنْ التَّفْوِيض إِلَى اللَّه بِقَلْبِهِ , وَالتَّحْقِيق أَنَّ اِعْتِقَاد التَّفْوِيض مُسْتَمِرٌّ لَهُ لَكِنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ "" فَنَسِيَ "" أَنَّهُ نَسِيَ أَنْ يَقْصِد الِاسْتِثْنَاء الَّذِي يَرْفَع حُكْم الْيَمِين , فَفِيهِ تَعَقُّب عَلَى مَنْ اِسْتَدَلَّ بِهِ لِاشْتِرَاطِ النُّطْق فِي الِاسْتِثْنَاء. قَوْله ( فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة ) هُوَ مَوْصُولٌ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُور أَوَّلًا. قَوْله ( يَرْوِيهِ ) هُوَ كِنَايَةٌ عَنْ رَفْعِ الْحَدِيثِ , وَهُوَ كَمَا لَوْ قَالَ مَثَلًا قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة الْحُمَيْدِيِّ التَّصْرِيح بِذَلِكَ وَلَفْظه "" قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "" وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْ اِبْن أَبِي عُمَر عَنْ سُفْيَان. قَوْله ( لَوْ قَالَ إِنْ شَاءَ اللَّه لَمْ يَحْنَث ) تَقَدَّمَ الْمُرَاد بِمَعْنَى الْحِنْث , وَقَدْ قِيلَ هُوَ خَاصّ بِسُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَام وَأَنَّهُ لَوْ قَالَ فِي هَذِهِ الْوَاقِعَة إِنْ شَاءَ اللَّه حَصَلَ مَقْصُودُهُ , وَلَيْسَ الْمُرَاد أَنَّ كُلّ مَنْ قَالَهَا وَقَعَ مَا أَرَادَ , وَيُؤَيِّد ذَلِكَ أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام قَالَهَا عِنْدَمَا وَعَدَ الْخَضِرَ أَنَّهُ يَصْبِر عَمَّا يَرَاهُ مِنْهُ وَلَا يَسْأَلهُ عَنْهُ وَمَعَ ذَلِكَ فَلَمْ يَصْبِر كَمَا أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ فِي الْحَدِيث الصَّحِيح "" رَحِمَ اللَّه مُوسَى , لَوَدِدْنَا لَوْ صَبَرَ حَتَّى يَقُصَّ اللَّه عَلَيْنَا مِنْ أَمْرِهِمَا "" وَقَدْ مَضَى ذَلِكَ مَبْسُوطًا فِي تَفْسِير سُورَة طَه , وَقَدْ قَالَهَا الذَّبِيح فَوَقَعَ مَا ذُكِرَ فِي قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام ( سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّه مِنْ الصَّابِرِينَ ) فَصَبَرَ حَتَّى فَدَاهُ اللَّه بِالذِّبْحِ , وَقَدْ سُئِلَ بَعْضهمْ عَنْ الْفَرْق بَيْن الْكَلِيم وَالذَّبِيح فِي ذَلِكَ فَأَشَارَ إِلَى أَنَّ الذَّبِيح بَالَغَ فِي التَّوَاضُع فِي قَوْله ( مِنْ الصَّابِرِينَ ) حَيْثُ جَعَلَ نَفْسه وَاحِدًا مِنْ جَمَاعَة فَرَزَقَهُ اللَّه الصَّبْر. قُلْت : وَقَدْ وَقَعَ لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام أَيْضًا نَظِير ذَلِكَ مَعَ شُعَيْب حَيْثُ قَالَ لَهُ ( سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّه مِنْ الصَّالِحِينَ ) فَرَزَقَهُ اللَّه ذَلِكَ. قَوْله ( وَكَانَ دَرَكًا ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَالرَّاء أَيْ لَحَاقًا , يُقَال أَدْرَكَهُ إِدْرَاكًا وَدَرَكًا , وَهُوَ تَأْكِيد لِقَوْلِهِ "" لَمْ يَحْنَثْ "". قَوْله ( قَالَ : وَحَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَاد ) الْقَائِل هُوَ سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ , وَقَدْ أَفْصَحَ بِهِ مُسْلِم فِي رِوَايَته , وَهُوَ مَوْصُول بِالسَّنَدِ الْأَوَّل أَيْضًا , وَفَرَّقَهُ أَبُو نُعَيْم فِي الْمُسْتَخْرَج مِنْ طَرِيق الْحُمَيْدِيِّ عَنْ سُفْيَان بِهِمَا. قَوْله ( مِثْل حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة ) أَيْ الَّذِي سَاقَهُ مِنْ طَرِيق طَاوُسٍ عَنْهُ. وَالْحَاصِل أَنَّ لِسُفْيَانَ فِيهِ سَنَدَيْنِ إِلَى أَبِي هُرَيْرَة : هِشَام عَنْ طَاوُسٍ , وَأَبُو الزِّنَاد عَنْ الْأَعْرَج. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِم بَدَل قَوْله "" مِثْل حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة "" بِلَفْظِ "" عَنْ الْأَعْرَج عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْله أَوْ نَحْوه "" وَيُسْتَفَاد مِنْهُ نَفْي اِحْتِمَال الْإِرْسَال فِي سِيَاق الْبُخَارِيّ لِكَوْنِهِ اِقْتَصَرَ عَلَى قَوْله "" عَنْ الْأَعْرَج مِثْل حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة "" وَيُسْتَفَاد مِنْهُ أَيْضًا اِحْتِمَال الْمُغَايَرَة بَيْن الرِّوَايَتَيْنِ فِي السِّيَاق لِقَوْلِهِ "" مِثْله أَوْ نَحْوه "" وَهُوَ كَذَلِكَ فَبَيْن الرِّوَايَتَيْنِ مُغَايَرَة فِي مَوَاضِع تَقَدَّمَ بَيَانهَا عِنْد شَرْحه فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء , وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيق.



