المكتبة الأكبرية: موسوعة الحديث الشريف: (صحيح البخاري) - [الحديث رقم: (6107)]
(صحيح البخاري) - [الحديث رقم: (6107)]
حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا يَزِيدُ الرِّشْكُ قَالَ سَمِعْتُ مُطَرِّفَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ يُحَدِّثُ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُعْرَفُ أَهْلُ الْجَنَّةِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَلِمَ يَعْمَلُ الْعَامِلُونَ قَالَ كُلٌّ يَعْمَلُ لِمَا خُلِقَ لَهُ أَوْ لِمَا يُسِّرَ لَهُ
قَوْله ( حَدَّثَنَا يَزِيدُ الرِّشْك ) بِكَسْرِ الرَّاء وَسُكُون الْمُعْجَمَة بَعْدهَا كَاف كُنْيَته أَبُو الْأَزْهَر , وَحَكَى الْكَلَابَاذِيّ أَنَّ اِسْم وَالِده سِنَان بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة وَنُونَيْنِ , وَهُوَ بَصْرِيٌّ تَابِعِيٌّ ثِقَةٌ , قِيلَ كَانَ كَبِير اللِّحْيَة فَلُقِّبَ الرِّشْك وَهُوَ بِالْفَارِسِيَّةِ كَمَا زَعَمَ أَبُو عَلَى الْغَسَّانِيُّ وَجَزَمَ بِهِ اِبْن الْجَوْزِيّ الْكَبِير اللِّحْيَة , وَقَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيُّ : كَانَ غَيُورًا فَقِيلَ لَهُ إرشك بِالْفَارِسِيَّةِ فَمَضَى عَلَيْهِ الرِّشْك , وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ بَلْ الرِّشْك بِالْفَارِسِيَّةِ الْقَمْل الصَّغِير الْمُلْتَصِق , بِأُصُولِ شَعْر اللِّحْيَة , وَذَكَرَ الْكَلَابَاذِيّ أَنَّ الرِّشْك الْقَسَّام. قُلْت : بَلْ كَانَ يَزِيد يَتَعَانَى مَسَّاحَة الْأَرْض فَقِيلَ لَهُ الْقَسَّام وَكَانَ يُلَقَّب الرِّشْك لَا أَنَّ مَدْلُول الرِّشْك الْقَسَّام بَلْ هُمَا لَقَب وَنِسْبَة إِلَى صَنْعَة , وَالْمُعْتَمَد فِي أَمْره مَا قَالَ أَبُو حَاتِم , وَمَا لِيَزِيدَ فِي الْبُخَارِيّ إِلَّا هَذَا الْحَدِيث أَوْرَدَهُ هُنَا وَفِي كِتَاب الِاعْتِصَامِ. قَوْله ( قَالَ رَجُل ) هُوَ عِمْرَان بْن حُصَيْن رَاوِي الْخَبَر , بَيَّنَهُ عَبْد الْوَارِث بْن سَعِيد عَنْ يَزِيد الرِّشْك عَنْ عِمْرَان بْن حُصَيْن قَالَ "" قُلْت يَا رَسُول اللَّه "" فَذَكَرَهُ , وَسَيَأْتِي مَوْصُولًا فِي أَوَاخِر كِتَاب التَّوْحِيد , وَسَأَلَ عَنْ ذَلِكَ آخَرُونَ , وَسَيَأْتِي مَزِيدُ بَسْطٍ فِيهِ فِي شَرْح حَدِيث عَلِيٍّ قَرِيبًا. قَوْله ( أَيُعْرَفُ أَهْلُ الْجَنَّةِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ ) فِي رِوَايَة حَمَّاد بْن زَيْد عَنْ يَزِيد عِنْد مُسْلِم بِلَفْظِ "" أَعُلِمَ "" بِضَمِّ الْعَيْن , وَالْمُرَاد بِالسُّؤَالِ مَعْرِفَةُ الْمَلَائِكَةِ أَوْ مَنْ أَطْلَعَهُ اللَّه عَلَى ذَلِكَ ; وَأَمَّا مَعْرِفَةُ الْعَامِلِ أَوْ مَنْ شَاهَدَهُ فَإِنَّمَا يُعْرَفُ بِالْعَمَلِ. قَوْله ( فَلِمَ يَعْمَل الْعَامِلُونَ ) فِي رِوَايَات حَمَّاد "" فَفِيمَ "" ؟ وَهُوَ اِسْتِفْهَام وَالْمَعْنَى إِذَا سَبَقَ الْقَلَم بِذَلِكَ فَلَا يَحْتَاج الْعَامِل إِلَى الْعَمَل لِأَنَّهُ سَيَصِيرُ إِلَى مَا قُدِّرَ لَهُ. قَوْله ( قَالَ : كُلٌّ يَعْمَل لِمَا خُلِقَ لَهُ أَوْ لِمَا يُيَسَّرُ لَهُ ) وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ "" يُسِرّ "" بِضَمِّ أَوَّله وَكَسْر الْمُهْمَلَة الثَّقِيلَة , وَفِي رِوَايَة حَمَّاد الْمُشَار إِلَيْهَا "" قَالَ كُلّ مُيَسَّر لِمَا خُلِقَ لَهُ "" وَقَدْ جَاءَ هَذَا الْكَلَام الْأَخِير عَنْ جَمَاعَة مِنْ الصَّحَابَة بِهَذَا اللَّفْظ يَزِيدُونَ عَلَى الْعَشَرَة سَأُشِيرُ إِلَيْهَا فِي آخِر الْبَاب الَّذِي يَلِي الَّذِي يَلِيهِ , مِنْهَا حَدِيث أَبِي الدَّرْدَاء عِنْد أَحْمَد بِسَنَدٍ حَسَن بِلَفْظِ "" كُلّ اِمْرِئٍ مُهَيَّأٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ "" وَفِي الْحَدِيث إِشَارَة إِلَى أَنَّ الْمَآل مَحْجُوب عَنْ الْمُكَلَّف فَعَلَيْهِ أَنْ يَجْتَهِد فِي عَمَل مَا أُمِرَ بِهِ فَإِنَّ عَمَله أَمَارَةٌ إِلَى مَا يَؤُولُ إِلَيْهِ أَمْره غَالِبًا وَإِنْ كَانَ بَعْضهمْ قَدْ يُخْتَم لَهُ بِغَيْرِ ذَلِكَ كَمَا ثَبَتَ فِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود وَغَيْره لَكِنْ لَا اِطِّلَاع لَهُ عَلَى ذَلِكَ فَعَلَيْهِ أَنْ يَبْذُل جَهْده وَيُجَاهِد نَفْسه فِي عَمَل الطَّاعَة لَا يَتْرُك وُكُولًا إِلَى مَا يَؤُولُ إِلَيْهِ أَمْره فَيُلَام عَلَى تَرْك الْمَأْمُور وَيَسْتَحِقّ الْعُقُوبَة , وَقَدْ تَرْجَمَ اِبْن حِبَّان بِحَدِيثِ الْبَاب "" مَا يَجِب عَلَى الْمَرْء مِنْ التَّشْمِير فِي الطَّاعَات وَإِنْ جَرَى قَبْلَهَا مَا يَكْرَه اللَّهُ مِنْ الْمَحْظُورَات "" وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق أَبِي الْأَسْوَد عَنْ عِمْرَان أَنَّهُ قَالَ لَهُ : أَرَأَيْت مَا يَعْمَل النَّاس الْيَوْم أَشَيْء قُضِيَ عَلَيْهِمْ وَمَضَى فِيهِمْ مِنْ قَدَرٍ قَدْ سَبَقَ أَوْ فِيمَا يَسْتَقْبِلُونَ مِمَّا أَتَاهُمْ بِهِ نَبِيّهمْ وَثَبَتَتْ الْحُجَّة عَلَيْهِمْ ؟ فَقَالَ : لَا بَلْ شَيْء قُضِيَ عَلَيْهِمْ وَمَضَى فِيهِمْ , وَتَصْدِيق ذَلِكَ فِي كِتَاب اللَّه عَزَّ وَجَلَّ ( وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ) وَفِيهِ قِصَّة لِأَبِي الْأَسْوَد الدُّؤَلِيّ مَعَ عِمْرَان وَفِيهِ قَوْله لَهُ : أَيَكُونُ ذَلِكَ ظُلْمًا ؟ فَقَالَ : لَا كُلّ شَيْء خَلْق اللَّه وَمِلْك يَده فَلَا يُسْأَل عَمَّا يَفْعَل. قَالَ عِيَاض : أَوْرَدَ عِمْرَان عَلَى أَبِي الْأَسْوَد شُبْهَة الْقَدَرِيَّة مِنْ تَحَكُّمِهِمْ عَلَى اللَّه وَدُخُولِهِمْ بِآرَائِهِمْ فِي حُكْمِهِ , فَلَمَّا أَجَابَهُ بِمَا دَلَّ عَلَى ثَبَاتِهِ فِي الدِّين قَوَّاهُ بِذِكْرِ الْآيَة وَهِيَ حَدٌّ لِأَهْلِ السُّنَّة , وَقَوْله كُلّ خَلْق اللَّه وَمُلْكه يُشِير إِلَى أَنَّ الْمَالِك الْأَعْلَى الْخَالِق الْآمِر لَا يُعْتَرَض عَلَيْهِ إِذَا تَصَرَّفَ فِي مُلْكه بِمَا يَشَاء , وَإِنَّمَا يُعْتَرَض عَلَى الْمَخْلُوقِ الْمَأْمُورِ.



