موقع الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي
موقع الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي

المكتبة الأكبرية: موسوعة الحديث الشريف: (صحيح البخاري) - [الحديث رقم: (6041)]

البخاري
مسلم
أبو داود
الترمذي
النسائي
ابن ماجة
الدارمي
الموطأ
المسند

(صحيح البخاري) - [الحديث رقم: (6041)]

‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏وُهَيْبٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ طَاوُسٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى ثَلَاثِ طَرَائِقَ رَاغِبِينَ رَاهِبِينَ وَاثْنَانِ عَلَى بَعِيرٍ وَثَلَاثَةٌ عَلَى بَعِيرٍ وَأَرْبَعَةٌ عَلَى بَعِيرٍ وَعَشَرَةٌ عَلَى بَعِيرٍ وَيَحْشُرُ بَقِيَّتَهُمْ النَّارُ تَقِيلُ مَعَهُمْ حَيْثُ قَالُوا وَتَبِيتُ مَعَهُمْ حَيْثُ بَاتُوا وَتُصْبِحُ مَعَهُمْ حَيْثُ أَصْبَحُوا وَتُمْسِي مَعَهُمْ حَيْثُ أَمْسَوْا ‏


‏ ‏قَوْله ( وُهَيْب ) ‏ ‏بِالتَّصْغِيرِ هُوَ اِبْن خَالِد ‏ ‏وَابْن طَاوُسٍ ‏ ‏هُوَ عَبْد اللَّه وَصَرَّحَ بِهِ فِي رِوَايَة مُسْلِمٍ. ‏ ‏قَوْله ( عَلَى ثَلَاث طَرَائِقَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِمٍ "" ثَلَاثَة وَالطَّرَائِق جَمْع طَرِيق وَهِيَ تُذَكَّرُ وَتُؤَنَّثُ "". ‏ ‏قَوْله ( رَاغِبِينَ وَرَاهِبِينَ ) ‏ ‏فِي رِوَايَة مُسْلِم "" رَاهِبِينَ "" بِغَيْرِ وَاوٍ وَعَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فَهِيَ الطَّرِيقَةُ الْأُولَى. ‏ ‏قَوْله ( وَاثْنَانِ عَلَى بَعِيرٍ ثَلَاثَةُ عَلَى بَعِيرٍ أَرْبَعَةٌ عَلَى بَعِيرٍ عَشَرَةٌ عَلَى بَعِيرٍ ) ‏ ‏كَذَا فِيهِ بِالْوَاوِ فِي الْأَوَّل فَقَطْ وَفِي رِوَايَة مُسْلِم وَالْإِسْمَاعِيلِيّ بِالْوَاوِ فِي الْجَمِيعِ وَعَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فَهِيَ الطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ. ‏ ‏قَوْله ( وَتَحْشُرُ بَقِيَّتَهُمْ النَّارُ ) ‏ ‏هَذِهِ هِيَ النَّارُ الْمَذْكُورَةُ فِي حَدِيث حُذَيْفَةَ بْن أَسِيدٍ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَعِنْد مُسْلِمٍ فِي حَدِيثٍ فِيهِ ذِكْرُ الْآيَاتِ الْكَائِنَةِ قَبْلَ قِيَام السَّاعَة كَطُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا فَفِيهِ "" وَآخِر ذَلِكَ نَارٌ تَخْرُج مِنْ قَعْر عَدَن تُرَحِّلُ النَّاسَ "" وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ "" تَطْرُدُ النَّاسَ إِلَى حَشْرِهِمْ "". ‏ ‏قَوْله ( تَقِيلُ مَعَهُمْ حَيْثُ قَالُوا إِلَخْ ) ‏ ‏فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى مُلَازَمَةِ النَّارِ لَهُمْ إِلَى أَنْ يَصِلُوا إِلَى مَكَان الْحَشْر. وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ الثَّالِثَةُ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ : هَذَا الْحَشْر يَكُون قَبْل قِيَام السَّاعَة تُحْشَر النَّاسَ أَحْيَاءً إِلَى الشَّام. وَأَمَّا الْحَشْر مِنْ الْقُبُور إِلَى الْمَوْقِف فَهُوَ عَلَى خِلَاف هَذِهِ الصُّورَة مِنْ الرُّكُوب عَلَى الْإِبِل وَالتَّعَاقُبِ عَلَيْهَا وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى مَا وَرَدَ فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي الْبَاب "" حُفَاةً عُرَاةً مُشَاةً "" قَالَ : وَقَوْله "" وَاثْنَانِ عَلَى بَعِيرٍ وَثَلَاثَةٌ عَلَى بَعِيرٍ إِلَخْ "" يُرِيدُ أَنَّهُمْ يَعْتَقِبُونَ الْبَعِيرَ الْوَاحِدَ يَرْكَبُ بَعْضٌ وَيَمْشِي بَعْضٌ. قُلْت : وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرْ الْخَمْسَةَ وَالسِّتَّةَ إِلَى الْعَشَرَةِ إِيجَازًا وَاكْتِفَاءً بِمَا ذُكِرَ مِنْ الْأَعْدَادِ مَعَ أَنَّ الِاعْتِقَابَ لَيْسَ مَجْزُومًا بِهِ وَلَا مَانِعَ أَنْ يَجْعَل اللَّهُ فِي الْبَعِيرِ مَا يَقْوَى بِهِ عَلَى حَمْلِ الْعَشَرَةِ وَمَالَ الْحَلِيمِيّ إِلَى أَنَّ هَذَا الْحَشْرَ يَكُونُ عِنْدَ الْخُرُوجِ مِنْ الْقُبُورِ وَجَزَمَ بِهِ الْغَزَالِيُّ. وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : ظَاهِر حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة يُخَالِف حَدِيث اِبْن عَبَّاس الْمَذْكُور بَعْد أَنَّهُمْ يُحْشَرُونَ حُفَاة عُرَاة مُشَاة قَالَ : وَيُجْمَع بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْحَشْر يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ النَّشْرِ لِاتِّصَالِهِ بِهِ وَهُوَ إِخْرَاجُ الْخَلْقِ مِنْ الْقُبُورِ حُفَاةً عُرَاةً فَيُسَاقُونَ وَيُجْمَعُونَ إِلَى الْمَوْقِف لِلْحِسَابِ فَحِينَئِذٍ يُحْشَر الْمُتَّقُونَ رُكْبَانًا عَلَى الْإِبِل وَجَمَعَ غَيْره بِأَنَّهُمْ يَخْرُجُونَ مِنْ الْقُبُورِ بِالْوَصْفِ الَّذِي فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس ثُمَّ يَفْتَرِقُ حَالُهُمْ مِنْ ثَمَّ إِلَى الْمَوْقِف عَلَى مَا فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة وَيُؤَيِّدهُ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَالنَّسَائِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيث أَبِي ذَرٍّ "" حَدَّثَنِي الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ أَنَّ النَّاس يُحْشَرُونَ يَوْم الْقِيَامَة عَلَى ثَلَاثَة أَفْوَاجٍ : فَوْج طَاعِمِينِ كَاسِينَ رَاكِبِينَ : وَفَوْج يَمْشُونَ وَفَوْج تَسْحَبُهُمْ الْمَلَائِكَةُ عَلَى وُجُوهِهِمْ "" الْحَدِيثَ وَصَوَّبَ عِيَاضٌ مَا ذَهَب إِلَيْهِ الْخَطَّابِيُّ وَقَوَّاهُ بِحَدِيثِ حُذَيْفَة بْن أَسِيدٍ وَبِقَوْلِهِ فِي آخِر حَدِيث الْبَاب "" تَقِيل مَعَهُمْ وَتَبِيت وَتُصْبِحُ وَتُمْسِي "" فَإِنَّ هَذِهِ الْأَوْصَافَ مُخْتَصَّةٌ بِالدُّنْيَا. وَقَالَ بَعْضُ شُرَّاحِ "" الْمَصَابِيح "" : حَمْلُهُ عَلَى الْحَشْرِ مِنْ الْقُبُورِ أَقْوَى مِنْ أَوْجُهٍ : ‏ ‏أَحَدهَا أَنَّ الْحَشْر إِذَا أُطْلِقَ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ إِنَّمَا يُرَاد بِهِ الْحَشْرُ مِنْ الْقُبُورِ مَا لَمْ يَخُصَّهُ دَلِيلٌ ‏ ‏ثَانِيهَا أَنَّ هَذَا التَّقْسِيمَ الْمَذْكُورَ فِي الْخَبَرِ لَا يَسْتَقِيمُ فِي الْحَشْرِ إِلَى أَرْضِ الشَّام لِأَنَّ الْمُهَاجِرَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُون رَاغِبًا أَوْ رَاهِبًا أَوْ جَامِعًا بَيْن الصِّفَتَيْنِ فَإِمَّا أَنْ يَكُون رَاغِبًا رَاهِبًا فَقَطْ وَتَكُون هَذِهِ طَرِيقَةً وَاحِدَةً لَا ثَانِيَ لَهَا مِنْ جِنْسِهَا فَلَا ‏ ‏ثَالِثهَا حَشْر الْبَقِيَّة عَلَى مَا ذُكِرَ وَإِلْجَاء النَّار لَهُمْ إِلَى تِلْكَ الْجِهَةِ وَمُلَازَمَتُهَا حَتَّى لَا تُفَارِقهُمْ قَوْلٌ لَمْ يَرِدْ بِهِ التَّوْقِيفُ وَلَيْسَ لَنَا أَنْ نَحْكُم بِتَسْلِيطِ النَّارِ فِي الدُّنْيَا عَلَى أَهْلِ الشَّنْوَة مِنْ غَيْرِ تَوْقِيفٍ ‏ ‏رَابِعهَا أَنَّ الْحَدِيث يُفَسِّر بَعْضُهُ بَعْضًا. وَقَدْ وَقَعَ فِي الْحِسَان مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ عَلِيّ بْن زَيْد عَنْ أَوْس بْن أَبِي أَوْس عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِلَفْظِ "" ثَلَاثًا عَلَى الدَّوَابِّ وَثَلَاثًا يَنْسِلُونَ عَلَى أَقْدَامهمْ وَثَلَاثًا عَلَى وُجُوههمْ "" قَالَ : وَنَرَى أَنَّ هَذَا التَّقْسِيم الَّذِي وَقَعَ فِي هَذَا الْحَدِيث نَظِير التَّقْسِيم الَّذِي وَقَعَ فِي تَفْسِير الْوَاقِعَة فِي قَوْله تَعَالَى ( وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَة ) الْآيَات فَقَوْله فِي الْحَدِيث "" رَاغِبِينَ رَاهِبِينَ "" يُرِيد بِهِ عَوَامَّ الْمُؤْمِنِينَ وَهُمْ مَنْ خَلَطَ عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا فَيَتَرَدَّدُونَ بَيْن الْخَوْف وَالرَّجَاء يَخَافُونَ عَاقِبَة سَيِّئَاتِهِمْ وَيَرْجُونَ رَحْمَة اللَّه بِإِيمَانِهِمْ وَهَؤُلَاءِ أَصْحَاب الْمَيْمَنَة وَقَوْله "" وَاثْنَانِ عَلَى بَعِير إِلَخْ "" السَّابِقِينَ وَهُمْ أَفَاضِل الْمُؤْمِنِينَ يُحْشَرُونَ رُكْبَانًا. وَقَوْله "" وَتَحْشُر بَقِيَّتَهُمْ النَّار "" بِهِ أَصْحَاب الْمَشْأَمَة وَرُكُوب السَّابِقِينَ فِي الْحَدِيث يَحْتَمِل الْحَمْل دَفْعَة وَاحِدَة تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ الْبَعِير الْمَذْكُور يَكُون مِنْ بَدَائِع فِطْرَة اللَّه تَعَالَى حَتَّى يَقْوَى عَلَى مَا لَا يَقْوَى عَلَيْهِ غَيْره مِنْ الْبُعْرَان وَيَحْتَمِل أَنْ يُرَاد بِهِ التَّعَاقُب قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَإِنَّمَا سَكَتَ عَنْ الْوَاحِد إِشَارَة إِلَى أَنَّهُ يَكُون لِمَنْ فَوْقهمْ فِي الْمَرْتَبَة كَالْأَنْبِيَاءِ لِيَقَع الِامْتِيَاز بَيْن النَّبِيّ وَمَنْ دُونه مِنْ السَّابِقِينَ فِي الْمَرَاكِب كَمَا وَقَعَ فِي الْمَرَاتِب. اِنْتَهَى مُلَخَّصًا وَتَعَقَّبَهُ الطِّيبِيُّ وَرَجَّحَ مَا ذَهَب إِلَيْهِ الْخَطَّابِيُّ وَأَجَابَ عَنْ الْأَوَّل بِأَنَّ الدَّلِيل ثَابِت فَقَدْ وَرَدَ فِي عِدَّة أَحَادِيث وُقُوع الْحَشْر فِي الدُّنْيَا إِلَى جِهَة الشَّام وَذَكَرَ حَدِيث حُذَيْفَة بْن أَسِيد الَّذِي نَبَّهْت عَلَيْهِ قَبْل وَحَدِيث مُعَاوِيَة بْن حَيْدَة جَدّ بَهْزِ بْن حَكِيم رَفَعَهُ "" إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ وَنَحَا بِيَدِهِ نَحْو الشَّام رِجَالًا وَرُكْبَانًا وَتَجُرُونَ عَلَى وُجُوهكُمْ "" أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَسَنَده قَوِيّ وَحَدِيث "" سَتَكُونُ هِجْرَة بَعْد هِجْرَة وَتَنْحَاز النَّاس إِلَى مَهَاجِر إِبْرَاهِيم وَلَا يَبْقَى فِي الْأَرْض إِلَّا شِرَارهَا تَلْفِظهُمْ أَرْضُوهُمْ وَتَحْشُرهُمْ النَّار مَعَ الْقِرَدَة وَالْخَنَازِير تَبِيتُ مَعَهُمْ إِذَا بَاتُوا وَتَقِيل مَعَهُمْ إِذَا قَالُوا "" أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَسَنَده لَا بَأْس بِهِ وَأَخْرَجَ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ النُّعْمَان بْن الْمُنْذِر عَنْ وَهْب بْن مُنَبَّه قَالَ : قَالَ اللَّه تَعَالَى لِصَخْرَةِ بَيْت الْمَقْدِسِ لَأَضَعَنَّ عَلَيْك عَرْشِي وَلَأَحْشُرَنَّ عَلَيْك خَلْقِي. وَفِي تَفْسِير اِبْن عُيَيْنَة عَنْ اِبْن عَبَّاس : مَنْ شَكّ أَنَّ الْمَحْشَر هَهُنَا يَعْنِي الشَّام فَلْيَقْرَأ أَوَّل سُورَة الْحَشْر قَالَ لَهُمْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمئِذٍ اُخْرُجُوا قَالُوا إِلَى أَيْنَ قَالَ إِلَى أَرْض الْمَحْشَر. وَحَدِيث "" سَتَخْرُجُ نَار مِنْ حَضْرَمَوْت تَحْشُر النَّاس قَالُوا : فَمَا تَأْمُرنَا يَا رَسُول اللَّه ؟ قَالَ : عَلَيْكُمْ بِالشَّام "" ثُمَّ حَكَى خِلَافًا هَلْ الْمُرَاد بِالنَّارِ نَار عَلَى الْحَقِيقَة أَوْ هُوَ كِنَايَة عَنْ الْفِتْنَة الشَّدِيدَة كَمَا يُقَال نَار الْحَرْب لِشِدَّةِ مَا يَقَع فِي الْحَرْب قَالَ تَعَالَى ( كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّه ) وَعَلَى كُلّ حَال فَلَيْسَ الْمُرَاد بِالنَّارِ لَا هَذِهِ الْأَحَادِيث نَار الْآخِرَة وَلَوْ أُرِيدَ الْمَعْنَى الَّذِي زَعَمَهُ الْمُعْتَرِض لَقِيلَ تَحْشُرُ بَقِيَّتَهُمْ إِلَى النَّار وَقَدْ أَضَافَ الْحَشْر إِلَى النَّار لَكَوْنِهَا هِيَ الَّتِي تَحْشُرُهُمْ وَتَخْتَطِف مَنْ تَخَلَّفَ مِنْهُمْ كَمَا وَرَدَ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة مِنْ رِوَايَة عَلِيّ بْن زَيْد عِنْد أَحْمَد وَغَيْره ; وَعَلَى تَقْدِير أَنَّ تَكُون النَّار كِنَايَة عَلَى الْفِتْنَة فَنِسْبَة الْحَشْر إِلَيْهَا سَبَبِيَّة كَأَنَّهَا تَفْشُو فِي كُلّ جِهَة وَتَكُون فِي جِهَة الشَّام أَخَفّ مِنْهَا فِي غَيْرهَا فَكُلّ مَنْ عَرَفَ اِزْدِيَادهَا فِي الْجِهَة الَّتِي هُوَ فِيهَا أَحَبَّ التَّحَوُّل مِنْهَا إِلَى الْمَكَان الَّذِي لَيْسَتْ فِيهِ شَدِيدَة فَتَتَوَفَّر الدَّوَاعِي عَلَى الرَّحِيل إِلَى الشَّام وَلَا يَمْتَنِع اِجْتِمَاع الْأَمْرَيْنِ وَإِطْلَاق النَّار عَلَى الْحَقِيقَة الَّتِي تَخْرُج مِنْ قَعْر عَدَن وَعَلَى الْمَجَازِيَّة وَهِيَ الْفِتْنَة إِذْ لَا تَنَافِي بَيْنهمَا وَيُؤَيِّد الْحَمْل عَلَى الْحَقِيقَة ظَاهِر الْحَدِيث الْأَخِير وَالْجَوَاب عَنْ الِاعْتِرَاض الثَّانِي أَنَّ التَّقْسِيم الْمَذْكُور فِي آيَات سُورَة الْوَاقِعَة لَا يَسْتَلْزِم أَنْ يَكُون هُوَ التَّقْسِيم الْمَذْكُور فِي الْحَدِيث فَإِنَّ الَّذِي فِي الْحَدِيث وَرَدَ عَلَى الْقَصْد مِنْ الْخَلَاص مِنْ الْفِتْنَة فَمَنْ اِغْتَنَمَ الْفُرْصَة سَارَ عَلَى فُسْحَة مِنْ الظَّهْر وَيَسَرَة فِي الزَّاد رَاغِبًا فِيمَا يَسْتَقْبِلهُ رَاهِبًا فِيمَا يَسْتَدْبِرهُ وَهَؤُلَاءِ هُمْ الصِّنْف الْأَوَّل فِي الْحَدِيث وَمَنْ تَوَانِي حَتَّى قَلَّ الظَّهْر وَضَاقَ عَنْ أَنْ يَسْعَهُمْ لِرُكُوبِهِمْ اِشْتَرَكُوا وَرَكِبُوا عَقِبَهُ فَيَحْصُل اِشْتَرَاك الِاثْنَيْنِ فِي الْبَعِير الْوَاحِد وَكَذَا الثَّلَاثَة وَيُمْكِنهُمْ كُلٌّ مِنْ الْأَمْرَيْنِ وَأَمَّا الْأَرْبَعَة فِي الْوَاحِد فَالظَّاهِر مِنْ حَالهمْ التَّعَاقُب وَقَدْ يُمْكِنهُمْ إِذَا كَانُوا خِفَافًا أَوْ أَطْفَالًا وَأَمَّا الْعَشَرَة فَبِالتَّعَاقُبِ وَسَكَتَ عَمَّا فَوْقهَا إِشَارَة إِلَى أَنَّهَا الْمُنْتَهَى فِي ذَلِكَ وَعَمَّا بَيْنهَا وَبَيْن الْأَرْبَعَة إِيجَازًا وَاخْتِصَارًا وَهَؤُلَاءِ هُمْ الصِّنْف الثَّانِي فِي الْحَدِيث وَأَمَّا الصِّنْف الثَّالِث فَعَبِّرْ عَنْهُ بِقَوْلِهِ "" تَحْشُر بَقِيَّتَهُمْ النَّار "" إِشَارَة إِلَى أَنَّهُمْ عَجَزُوا عَنْ تَحْصِيل مَا يَرْكَبُونَهُ وَلَمْ يَقَع فِي الْحَدِيث بَيَان حَالهمْ بَلْ يَحْتَمِل أَنَّهُمْ يَمْشُونَ أَوْ يُسْحَبُونَ فِرَارًا مِنْ النَّار الَّتِي تَحْشُرُهُمْ وَيُؤَيِّد ذَلِكَ مَا وَقَعَ فِي آخِر حَدِيث أَبِي ذَرّ الَّذِي تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَيْهِ فِي كَلَام الْمُعْتَرِض وَفِيهِ أَنَّهُمْ سَأَلُوا عَنْ السَّبَب فِي مَشْي الْمَذْكُورِينَ فَقَالَ "" يُبْقِي اللَّه الْآفَة عَلَى الظَّهْر حَتَّى لَا يُلْقِي ذَات ظَهْر حَتَّى إِنَّ الرَّجُل لِيُعْطَى الْحَدِيقَة الْمُعْجَبَة بِالشَّارِفِ ذَات الْقَتَب "" أَيْ يَشْتَرِي النَّاقَة الْمُسِنّ لِأَجْلِ كَوْنِهَا تَحْمِلهُ عَلَى الْقَتَب بِالْبُسْتَانِ الْكَرِيم لِهَوَانِ الْعَقَار الَّذِي عَزَمَ عَلَى الرَّحِيل عَنْهُ وَعِزَّة الظَّهْر الَّذِي يُوصِلهُ إِلَى مَقْصُوده وَهَذَا لَائِق بِأَحْوَالِ الدُّنْيَا وَمُؤَكِّد لِمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْخَطَّابِيُّ وَيَتَنَزَّل عَلَى وَفْقَ حَدِيث الْبَاب يَعْنِي مِنْ "" الْمَصَابِيح "" وَهُوَ أَنَّ قَوْله "" فَوْج طَاعِمِينِ كَاسِينَ رَاكِبِينَ "" مُوَافِق لِقَوْلِهِ "" رَاغِبِينَ رَاهِبِينَ "" وَقَوْله "" وَفَوْج يَمْشُونَ "" مُوَافِق لِلصِّنْفِ الَّذِينَ يَتَعَاقَبُونَ عَلَى الْبَعِير فَإِنَّ صِفَة الْمَشْي لَازِمَة لَهُمْ وَأَمَّا الصِّنْف الَّذِينَ تَحْشُرهُمْ النَّار فَهُمْ الَّذِينَ تَسْحَبهُمْ الْمَلَائِكَة. وَالْجَوَاب عَنْ الِاعْتِرَاض الثَّالِث أَنَّهُ تَبَيَّنَ مِنْ شَوَاهِد الْحَدِيث أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَاد بِالنَّارِ نَار الْآخِرَة وَإِنَّمَا هِيَ نَار تَخْرُج فِي الدُّنْيَا أَنْذَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخُرُوجِهَا وَذَكَرَ كَيْفِيَّة مَا تَفْعَل فِي الْأَحَادِيث الْمَذْكُورَة. وَالْجَوَاب عَنْ الِاعْتِرَاض الرَّابِع أَنَّ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة مِنْ رِوَايَة عَلِيّ بْن زَيْد مَعَ ضَعْفه لَا يُخَالِف حَدِيث الْبَاب لِأَنَّهُ مُوَافِق لِحَدِيثِ أَبِي ذَرّ فِي لَفْظه وَقَدْ تَبَيَّنَ مِنْ حَدِيث أَبِي ذَرّ مَا دَلَّ عَلَى أَنَّهُ فِي الدُّنْيَا لَا بَعْد الْبَعْث فِي الْحَشْر إِلَى الْمَوْقِف إِذْ لَا حَدِيقَة هُنَاكَ وَلَا آفَة تُلْقَى عَلَى الظَّهْر حَتَّى يَعِزّ وَيَقِلَّ وَقَعَ فِي حَدِيث عَلِيّ بْن زَيْد الْمَذْكُور عِنْد أَحْمَد أَنَّهُمْ يَتَّقُونَ بِوُجُوهِهِمْ كُلّ حَدَب وَشَوْك وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ أَرْض الْمَوْقِف أَرْض مُسْتَوِيَة لَا عِوَج فِيهَا وَلَا أَكَمَة وَلَا حَدَب وَلَا شَوْك وَأَشَارَ الطِّيبِيّ إِلَى أَنَّ الْأَوْلَى أَنْ يُحْمَل الْحَدِيث الَّذِي مِنْ رِوَايَة عَلِيّ بْن زَيْد عَلَى مَنْ يُحْشَر مِنْ الْمَوْقِف إِلَى مَكَان الِاسْتِقْرَار مِنْ الْجَنَّة أَوْ النَّار وَيَكُون الْمُرَاد بِالرُّكْبَانِ السَّابِقِينَ الْمُتَّقِينَ وَهُمْ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( يَوْم نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا ) أَيْ رُكْبَانًا كَمَا تَقَدَّمَ فِي تَفْسِير سُورَة مَرْيَم وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيّ عَنْ عَلِيّ فِي تَفْسِير هَذِهِ الْآيَة فَقَالَ : أَمَا وَاَللَّه مَا يُحْشَر الْوَفْد عَلَى أَرْجُلهمْ وَلَا يُسَاقُونَ سَوْقًا وَلَكِنْ يُؤْتَوْنَ بِنُوق لَمْ تَرَ الْخَلَائِقُ مِثْلَهَا عَلَيْهَا رِحَال الذَّهَب وَأَزِمَّتهَا الزَّبَرْجَد فَيَرْكَبُونَ عَلَيْهَا حَتَّى يَضْرِبُوا أَبْوَاب الْجَنَّة وَالْمُرَاد سَوْق رَكَائِبهمْ إِسْرَاعًا بِهِمْ إِلَى دَار الْكَرَامَة كَمَا يُفْعَل فِي الْعَادَة بِمَنْ يَشْرُف وَيَكْرُم مِنْ الْوَافِدِينَ عَلَى الْمُلُوك. قَالَ : وَيُسْتَبْعَد أَنْ يُقَال يَجِيء وَفْد اللَّه عَشْر عَلَى بَعِير جَمِيعًا أَوْ مُتَعَاقِبِينَ وَعَلَى هَذَا فَقَدْ رَوَى أَبُو هُرَيْرَة حَال الْمَحْشُورِينَ عِنْد اِنْقِرَاض الدُّنْيَا إِلَى جِهَة أَرْض الْمَحْشَر وَهُمْ ثَلَاثَة أَصْنَاف وَحَال الْمَحْشُورِينَ فِي الْأُخْرَى إِلَى مَحِلّ الِاسْتِقْرَار اِنْتَهَى كَلَام الطَّيِّبِي عَنْ جَوَاب الْمُعْتَرِض مُلَخَّصًا مُوَضَّحًا بِزِيَادَاتٍ فِيهِ لَكِنْ تَقَدَّمَ مِمَّا قَرَّرْته أَنَّ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة مِنْ رِوَايَة عَلِيّ بْن زَيْد لَيْسَ فِي الْمَحْشُورِينَ مِنْ الْمَوْقِف إِلَى مَحِلّ الِاسْتِقْرَار. ثُمَّ خَتَمَ كَلَامه بِأَنْ قَالَ : هَذَا مَا سَنَحَ لِي عَلَى سَبِيل الِاجْتِهَاد ثُمَّ رَأَيْت فِي صَحِيح الْبُخَارِيّ فِي "" بَاب الْمَحْشَر : يُحْشَرُ النَّاس يَوْم الْقِيَامَة عَلَى ثَلَاث طَرَائِق "" فَعَلِمْت مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الَّذِي ذَهَب إِلَيْهِ الْإِمَام التُّورْبَشْتِيّ هُوَ الْحَقّ الَّذِي لَا مَحِيدَ عَنْهُ. قُلْت : وَلَمْ أَقِف فِي شَيْء مِنْ طُرُق الْحَدِيث الَّذِي أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ عَلَى لَفْظ يَوْم الْقِيَامَة لَا فِي صَحِيحه وَلَا فِي غَيْره وَكَذَا هُوَ عِنْد مُسْلِم وَالْإِسْمَاعِيلِيّ وَغَيْرهمَا لَيْسَ فِيهِ يَوْم الْقِيَامَة نَعَمْ ثَبَتَ لَفْظ يَوْم الْقِيَامَة فِي حَدِيث أَبِي ذَرّ الْمُنَبَّه عَلَيْهِ قَبْلُ وَهُوَ مُؤَوَّل بِأَنَّ الْمُرَاد بِذَلِكَ أَنَّ يَوْم الْقِيَامَة يَعْقُبُ ذَلِكَ فَيَكُون مِنْ مَجَاز الْمُجَاوَرَة وَيَتَعَيَّن ذَلِكَ لِمَا وَقَعَ فِيهِ أَنَّ الظَّهْر يَقِلُّ لِمَا يُلْقَى عَلَيْهِ مِنْ الْآفَة وَأَنَّ الرَّجُل يَشْتَرِي الشَّارِف الْوَاحِد بِالْحَدِيقَةِ الْمُعْجَبَة فَإِنَّ ذَلِكَ ظَاهِر جِدًّا فِي أَنَّهُ مِنْ أَحْوَال الدُّنْيَا لَا بَعْد الْمَبْعَث. وَقَدْ أَبْدَى الْبَيْهَقِيّ فِي حَدِيث الْبَاب اِحْتِمَالَيْنِ فَقَالَ : قَوْله "" رَاغِبِينَ "" يَحْتَمِل أَنْ يَكُون إِشَارَة إِلَى الْأَبْرَار وَقَوْله "" رَاهِبِينَ "" إِشَارَة إِلَى الْمُخَلَّطِينَ الَّذِينَ هُمْ بَيْن الْخَوْف وَالرَّجَاء وَاَلَّذِينَ تَحْشُرُهُمْ النَّار هُمْ الْكُفَّار. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ حَذَفَ ذِكْرَ قَوْله "" وَاثْنَانِ عَلَى بَعِير إِلَخْ "". وَأُجِيبَ بِأَنَّ الرَّغْبَة وَالرَّهْبَة صِفَتَانِ لِلصِّنْفَيْنِ الْأَبْرَار وَالْمُخَلَّطِينَ وَكِلَاهُمَا يُحْشَر اثْنَانِ عَلَى بَعِير إِلَخْ قَالَ : وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون ذَلِكَ فِي وَقْت حَشْرِهِمْ إِلَى الْجَنَّة بَعْد الْفَرَاغ. ثُمَّ قَالَ بَعْد إِيرَاد حَدِيث أَبِي ذَرّ : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِالْفَوْجِ الْأَوَّل الْأَبْرَار وَبِالْفَوْجِ الثَّانِي الَّذِينَ خَلَّطُوا فَيَكُونُونَ مُشَاة وَالْأَبْرَار رُكْبَانًا وَقَدْ يَكُون بَعْض الْكُفَّار أَعْيَا مِنْ بَعْض فَأُولَئِكَ يُسْحَبُونَ عَلَى وُجُوههمْ وَمَنْ دُونهمْ يَمْشُونَ وَيَسْعَوْنَ مَعَ مَنْ شَاءَ اللَّه مِنْ الْفُسَّاق وَقْت حَشْرهمْ إِلَى الْمَوْقِف وَأَمَّا الظَّهْر فَلَعَلَّ الْمُرَاد بِهِ مَا يُحْيِهِ اللَّه بَعْد الْمَوْت مِنْ الدَّوَابّ فَيَرْكَبهَا الْأَبْرَار وَمَنْ شَاءَ اللَّه وَيَلْقَى اللَّه الْآفَة عَلَى بَقِيَّتِهَا حَتَّى يَبْقَى جَمَاعَة مِنْ الْمُخَلَّطِينَ بِلَا ظَهْر. قُلْت : وَلَا يَخْفَى ضَعْف هَذَا التَّأْوِيل مَعَ قَوْله فِي بَقِيَّة الْحَدِيث "" حَتَّى إِنَّ الرَّجُل لِيُعْطِيَ الْحَدِيقَة الْمُعْجَبَة بِالشَّارِفِ "" وَمِنْ أَيْنَ يَكُون لِلَّذِينَ يُبْعَثُونَ بَعْد الْمَوْت عُرَاة حُفَاة حَدَائِق حَتَّى يَدْفَعُوهَا فِي الشَّوَارِفِ ؟ فَالرَّاجِح مَا تَقَدَّمَ. وَكَذَا يَبْعُدُ غَايَة الْبُعْد أَنْ يَحْتَاج مَنْ يُسَاق مِنْ الْمَوْقِف إِلَى الْجَنَّة إِلَى التَّعَاقُب عَلَى الْأَبْعِرَة فَرَجَحَ أَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يَكُون قَبْل الْمَبْعَث وَاَللَّه أَعْلَم. ‏



يرجى ملاحظة أن بعض المحتويات تتم ترجمتها بشكل شبه تلقائي!