المكتبة الأكبرية: موسوعة الحديث الشريف: (صحيح البخاري) - [الحديث رقم: (5682)]
(صحيح البخاري) - [الحديث رقم: (5682)]
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ قَالَ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى خَيْبَرَ فَسِرْنَا لَيْلًا فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ لِعَامِرِ بْنِ الْأَكْوَعِ أَلَا تُسْمِعُنَا مِنْ هُنَيْهَاتِكَ قَالَ وَكَانَ عَامِرٌ رَجُلًا شَاعِرًا فَنَزَلَ يَحْدُو بِالْقَوْمِ يَقُولُ اللَّهُمَّ لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا فَاغْفِرْ فِدَاءٌ لَكَ مَا اقْتَفَيْنَا وَثَبِّتْ الْأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا وَأَلْقِيَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا إِنَّا إِذَا صِيحَ بِنَا أَتَيْنَا وَبِالصِّيَاحِ عَوَّلُوا عَلَيْنَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ هَذَا السَّائِقُ قَالُوا عَامِرُ بْنُ الْأَكْوَعِ فَقَالَ يَرْحَمُهُ اللَّهُ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ وَجَبَتْ يَا نَبِيَّ اللَّهِ لَوْلَا أَمْتَعْتَنَا بِهِ قَالَ فَأَتَيْنَا خَيْبَرَ فَحَاصَرْنَاهُمْ حَتَّى أَصَابَتْنَا مَخْمَصَةٌ شَدِيدَةٌ ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ فَتَحَهَا عَلَيْهِمْ فَلَمَّا أَمْسَى النَّاسُ الْيَوْمَ الَّذِي فُتِحَتْ عَلَيْهِمْ أَوْقَدُوا نِيرَانًا كَثِيرَةً فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا هَذِهِ النِّيرَانُ عَلَى أَيِّ شَيْءٍ تُوقِدُونَ قَالُوا عَلَى لَحْمٍ قَالَ عَلَى أَيِّ لَحْمٍ قَالُوا عَلَى لَحْمِ حُمُرٍ إِنْسِيَّةٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهْرِقُوهَا وَاكْسِرُوهَا فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوْ نُهَرِيقُهَا وَنَغْسِلُهَا قَالَ أَوْ ذَاكَ فَلَمَّا تَصَافَّ الْقَوْمُ كَانَ سَيْفُ عَامِرٍ فِيهِ قِصَرٌ فَتَنَاوَلَ بِهِ يَهُودِيًّا لِيَضْرِبَهُ وَيَرْجِعُ ذُبَابُ سَيْفِهِ فَأَصَابَ رُكْبَةَ عَامِرٍ فَمَاتَ مِنْهُ فَلَمَّا قَفَلُوا قَالَ سَلَمَةُ رَآنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَاحِبًا فَقَالَ لِي مَا لَكَ فَقُلْتُ فِدًى لَكَ أَبِي وَأُمِّي زَعَمُوا أَنَّ عَامِرًا حَبِطَ عَمَلُهُ قَالَ مَنْ قَالَهُ قُلْتُ قَالَهُ فُلَانٌ وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ وَأُسَيْدُ بْنُ الْحُضَيْرِ الْأَنْصَارِيُّ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَذَبَ مَنْ قَالَهُ إِنَّ لَهُ لَأَجْرَيْنِ وَجَمَعَ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ إِنَّهُ لَجَاهِدٌ مُجَاهِدٌ قَلَّ عَرَبِيٌّ نَشَأَ بِهَا مِثْلَهُ
حَدِيث سَلَمَة بْن الْأَكْوَع فِي قِصَّة عَامِر بْن الْأَكْوَع , تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي غَزْوَة خَيْبَر مِنْ كِتَاب الْمَغَازِي , وَقَوْله فِيهِ : "" وَكَانَ عَامِر رَجُلًا شَاعِرًا فَنَزَلَ يَحْدُو بِالْقَوْمِ "" يُؤْخَذ مِنْهُ جَمِيع التَّرْجَمَة لِاشْتِمَالِهِ عَلَى الشِّعْر وَالرَّجَز وَالْحُدَاء وَيُؤْخَذ مِنْهُ الرَّجَز مِنْ جُمْلَة الشِّعْر , وَقَوْله : "" اللَّهُمَّ لَوْلَا أَنْتَ مَا اِهْتَدَيْنَا "" قَالَ اِبْن التِّين : هَذَا لَيْسَ بِشِعْرٍ وَلَا رَجَز لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَوْزُونٍ , وَلَيْسَ كَمَا قَالَ بَلْ هُوَ رَجَز مَوْزُون , وَإِنَّمَا زِيدَ فِي أَوَّله سَبَب خَفِيف وَيُسَمَّى الْخَزْم بِالْمُعْجَمَتَيْنِ وَقَوْله : "" فَاغْفِرْ فِدَاء لَك مَا اِقْتَفَيْنَا "" أَمَّا فِدَاء فَهُوَ بِكَسْرِ الْفَاء وَالْمَدّ مَنُون , وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولهُ بِالْقَصْرِ , وَشَرْط اِتِّصَاله بِحَرْفِ الْجَرّ كَاَلَّذِي هُنَا , قَالَهُ اِبْن التِّين. وَقَالَ الْمَازِرِيُّ لَا يُقَال لِلَّهِ فِدَاء لَك لِأَنَّهَا كَلِمَة تُسْتَعْمَل عِنْدَ تَوَقُّع مَكْرُوه لِشَخْصٍ فَيَخْتَار شَخْص آخَر أَنْ يَحِلّ بِهِ دُون ذَلِكَ الْآخَر وَيَفْدِيه , فَهُوَ إِمَّا مَجَاز عَنْ الرِّضَا كَأَنَّهُ قَالَ : نَفْسِي مَبْذُولَة لِرِضَاك أَوْ هَذِهِ الْكَلِمَة وَقَعَتْ خِطَابًا لِسَامِعِ الْكَلَام , وَقَدْ تَقَدَّمَ لَهُ تَوْجِيه آخَر فِي غَزْوَة خَيْبَر. وَقَالَ اِبْن بَطَّال : مَعْنَاهُ اِغْفِرْ لَنَا مَا اِرْتَكَبْنَاهُ مِنْ الذُّنُوب , وَفِدَاء لَك دُعَاء أَيْ اِفْدِنَا مِنْ عِقَابك عَلَى مَا اِقْتَرَفْنَا مِنْ ذُنُوبنَا , كَأَنَّهُ قَالَ : اغْفِرْ لَنَا وَافْدِنَا مِنْك فِدَاء لَك , أَيْ مِنْ عِنْدَك فَلَا تُعَاقِبنَا بِهِ. وَحَاصِله أَنَّهُ جَعَلَ اللَّام لِلتَّبْيِينِ مِثْل هَيْت لَك , وَاسْتَدَلَّ بِجَوَازِ الْحُدَاء عَلَى جَوَاز غِنَاء الرُّكْبَان الْمُسَمَّى بِالنَّصْبِ , وَهُوَ ضَرْب مِنْ النَّشِيد بِصَوْتٍ فِيهِ تَمْطِيط , وَأَفْرَطَ قَوْم فَاسْتَدَلُّوا بِهِ عَلَى جَوَاز الْغِنَاء مُطْلَقًا بِالْأَلْحَانِ الَّتِي تَشْتَمِل عَلَيْهَا الْمُوسِيقَى , وَفِيهِ نَظَرٌ. وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : اُخْتُلِفَ فِيهِ , فَأَبَاحَهُ قَوْم مُطْلَقًا , وَمَنَعَهُ قَوْم مُطْلَقًا , وَكَرِهَهُ مَالِك وَالشَّافِعِيّ فِي أَصَحّ الْقَوْلَيْنِ , وَنُقِلَ عَنْ أَبِي حَنِيفَة الْمَنْع , وَكَذَا أَكْثَر الْحَنَابِلَة. وَنَقَلَ اِبْن طَاهِر فِي "" كِتَاب السَّمَاع "" الْجَوَاز عَنْ كَثِير مِنْ الصَّحَابَة , لَكِنْ لَمْ يَثْبُت مِنْ ذَلِكَ شَيْء إِلَّا فِي النَّصْب الْمُشَار إِلَيْهِ أَوَّلًا. قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : الْغِنَاء الْمَمْنُوع مَا فِيهِ تَمْطِيط وَإِفْسَاد لِوَزْنِ الشِّعْر طَلَبًا لِلطَّرِبِ وَخُرُوجًا مِنْ مَذَاهِب الْعَرَب. وَإِنَّمَا وَرَدَتْ الرُّخْصَة فِي الضَّرْب الْأَوَّل دُون أَلْحَان الْعَجَم. وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : هُوَ الَّذِي لَمْ يَزَلْ أَهْل الْحِجَاز يُرَخِّصُونَ فِيهِ مِنْ غَيْر نَكِير إِلَّا فِي حَالَتَيْنِ : أَنْ يُكْثِر مِنْهُ جِدًّا وَأَنْ يَصْحَبهُ مَا يَمْنَعهُ مِنْهُ. وَاحْتَجَّ مَنْ أَبَاحَهُ بِأَنَّ فِيهِ تَرْوِيحًا لِلنَّفْسِ , فَإِنْ فَعَلَهُ لِيَقْوَى عَلَى الطَّاعَة فَهُوَ مُطِيع أَوْ عَلَى الْمَعْصِيَة فَهُوَ عَاصٍ , وَإِلَّا فَهُوَ مِثْل التَّنَزُّه فِي الْبُسْتَان وَالتَّفَرُّج عَلَى الْمَارَّة. وَأَطْنَبَ الْغَزَالِيّ فِي الِاسْتِدْلَال , وَمُحَصَّله أَنَّ الْحُدَاء بِالرَّجَزِ وَالشِّعْر لَمْ يَزَلْ يُفْعَل فِي الْحَضْرَة النَّبَوِيَّة , وَرُبَّمَا اُلْتُمِسَ ذَلِكَ , وَلَيْسَ هُوَ إِلَّا أَشْعَار تُوزَن بِأَصْوَاتٍ طَيِّبَة وَأَلْحَان مَوْزُونَة , وَكَذَلِكَ الْغِنَاء أَشْعَار مَوْزُونَة تُؤَدَّى بِأَصْوَاتٍ مُسْتَلَذَّة وَأَلْحَان مَوْزُونَة. وَقَدْ تَقَدَّمَ لَهُ بِوَجْهٍ آخَر فِي غَزْوَة خَيْبَر وَالْحَلِيمِيّ مَا تَعَيَّنَ طَرِيقًا إِلَى الدَّوَاء أَوْ شَهِدَ بِهِ طَبِيب عَدْل عَارِف.



