المكتبة الأكبرية: موسوعة الحديث الشريف: (صحيح البخاري) - [الحديث رقم: (5651)]
(صحيح البخاري) - [الحديث رقم: (5651)]
حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ هُوَ ابْنُ عَيَّاشٍ عَنْ أَبِي حَصِينٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْصِنِي قَالَ لَا تَغْضَبْ فَرَدَّدَ مِرَارًا قَالَ لَا تَغْضَبْ
قَوْله : ( حَدَّثَنِي يَحْيَى بْن يُوسُف ) هُوَ الزِّمِّيّ بِكَسْرِ الزَّاي وَتَشْدِيد الْمِيم , لَمْ أَرَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ رِوَايَة إِلَّا عَنْ أَبِي بَكْر بْن عَيَّاش , وَأَبُو حَصِين بِفَتْحِ أَوَّله. قَوْله : ( عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ) خَالَفَهُ الْأَعْمَش فَقَالَ عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي سَعِيد "" أَخْرَجَهُ مُسَدَّد فِي مُسْنَده عَنْ عَبْد الْوَاحِد بْن زِيَاد عَنْ الْأَعْمَش , وَهُوَ عَلَى شَرْط الْبُخَارِيّ أَيْضًا لَوْلَا عَنْعَنَة الْأَعْمَش. قَوْله : ( أَنَّ رَجُلًا ) هُوَ جَارِيَة بِالْجِيمِ اِبْن قُدَامَةَ أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَابْن حِبَّان وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثه مُبْهَمًا وَمُفَسَّرًا , وَيَحْتَمِل أَنْ يُفَسَّر بِغَيْرِهِ , فَفِي الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيث سُفْيَان بْن عَبْد اللَّه الثَّقَفِيّ "" قُلْت يَا رَسُول اللَّه قُلْ لِي قَوْلًا أَنْتَفِع بِهِ وَأَقْلِلْ , قَالَ : لَا تَغْضَب , وَلَك الْجَنَّة "" وَفِيهِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاء "" قُلْت : يَا رَسُول اللَّه دُلَّنِي عَلَى عَمَل يُدْخِلنِي الْجَنَّة , قَالَ : لَا تَغْضَب "" وَفِي حَدِيث اِبْن عُمَر عِنْدَ أَبِي يَعْلَى "" قُلْت يَا رَسُول اللَّه قُلْ لِي قَوْلًا وَأَقْلِلْ لَعَلِّي أَعْقِلهُ "". قَوْله : ( أَوْصِنِي ) فِي حَدِيث أَبِي الدَّرْدَاء "" دُلَّنِي عَلَى عَمَل يُدْخِلنِي الْجَنَّة "" وَفِي حَدِيث اِبْن عُمَر عِنْدَ أَحْمَد "" مَا يُبَاعِدنِي مِنْ غَضَب اللَّه "" زَادَ أَبُو كُرَيْبٍ عَنْ أَبِي بَكْر بْن عَيَّاش عِنْدَ التِّرْمِذِيّ "" وَلَا تُكْثِر عَلَيَّ لَعَلِّي أَعِيه "" وَعِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق عُثْمَان بْن أَبِي شَيْبَة عَنْ أَبِي بَكْر بْن عَيَّاش نَحْوه. قَوْله : ( فَرَدَّدَ مِرَارًا ) أَيْ رَدَّدَ السُّؤَال يَلْتَمِس أَنْفَع مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَعَمَّ فَلَمْ يَزِدْهُ عَلَى ذَلِكَ. قَوْله : ( قَالَ لَا تَغْضَب ) فِي رِوَايَة أَبِي كُرَيْبٍ "" كُلّ ذَلِكَ يَقُول لَا تَغْضَب "" وَفِي رِوَايَة عُثْمَان بْن أَبِي شَيْبَة قَالَ "" لَا تَغْضَب ثَلَاث مَرَّات "" وَفِيهَا بَيَان عَدَد الْمِرَار , وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيث أَنَس أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُعِيد الْكَلِمَة ثَلَاثًا لِتُفْهَم عَنْهُ , وَأَنَّهُ كَانَ لَا يُرَاجَع بَعْد ثَلَاث , وَزَادَ أَحْمَد وَابْن حِبَّان فِي رِوَايَة عَنْ رَجُل لَمْ يُسَمَّ قَالَ "" تَفَكَّرْت فِيمَا قَالَ فَإِذَا الْغَضَب يَجْمَع الشَّرّ كُلّه "" قَالَ الْخَطَّابِيُّ مَعْنَى قَوْله "" لَا تَغْضَب "" اِجْتَنِبْ أَسْبَاب الْغَضَب وَلَا تَتَعَرَّض لِمَا يَجْلِبهُ. وَأَمَّا نَفْس الْغَضَب فَلَا يَتَأَتَّى النَّهْي عَنْهُ لِأَنَّهُ أَمْر طَبِيعِيّ لَا يَزُول مِنْ الْجِبِلَّة , وَقَالَ غَيْره : مَا كَانَ مِنْ قَبِيل الطَّبْع الْحَيَوَانِيّ لَا يُمْكِن دَفْعه , فَلَا يَدْخُل فِي النَّهْي لِأَنَّهُ مِنْ تَكْلِيف الْمُحَال , وَمَا كَانَ مِنْ قَبِيل مَا يُكْتَسَب بِالرِّيَاضَةِ فَهُوَ الْمُرَاد. وَقِيلَ مَعْنَاهُ لَا تَغْضَب لِأَنَّ أَعْظَم مَا يَنْشَأ عَنْهُ الْغَضَب الْكِبْر لِكَوْنِهِ يَقَع عِنْدَ مُخَالَفَة أَمْر يُرِيدهُ فَيَحْمِلهُ الْكِبْر عَلَى الْغَضَب , فَاَلَّذِي يَتَوَاضَع حَتَّى يَذْهَب عَنْهُ عِزَّة النَّفْس يَسْلَم مِنْ شَرّ الْغَضَب. وَقِيلَ : مَعْنَاهُ لَا تَفْعَل مَا يَأْمُرك بِهِ الْغَضَب. وَقَالَ اِبْن بَطَّال : فِي الْحَدِيث الْأَوَّل أَنَّ مُجَاهَدَة النَّفْس أَشَدُّ مِنْ مُجَاهَدَة الْعَدُوّ ; لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ الَّذِي يَمْلِك نَفْسه عِنْدَ الْغَضَب أَعْظَم النَّاس قُوَّة. وَقَالَ غَيْره : لَعَلَّ السَّائِل كَانَ غَضُوبًا , وَكَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُر كُلّ أَحَد بِمَا هُوَ أَوْلَى بِهِ , فَلِهَذَا اِقْتَصَرَ فِي وَصِيَّته لَهُ عَلَى تَرْك الْغَضَب. وَقَالَ اِبْن التِّين : جَمَعَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْله "" لَا تَغْضَب "" خَيْر الدُّنْيَا وَالْآخِرَة لِأَنَّ الْغَضَب يَئُولُ إِلَى التَّقَاطُع وَمَنْع الرِّفْق , وَرُبَّمَا آلَ إِلَى أَنْ يُؤْذِي الْمَغْضُوب عَلَيْهِ فَيُنْتَقَص ذَلِكَ مِنْ الدِّين. وَقَالَ الْبَيْضَاوِيّ : لَعَلَّهُ لَمَّا رَأَى أَنَّ جَمِيع الْمَفَاسِد الَّتِي تَعْرِض لِلْإِنْسَانِ إِنَّمَا هِيَ مِنْ شَهْوَته وَمِنْ غَضَبه , وَكَانَتْ شَهْوَة السَّائِل مَكْسُورَة فَلَمَّا سَأَلَ عَمَّا يَحْتَرِز بِهِ عَنْ الْقَبَائِح نَهَاهُ عَنْ الْغَضَب الَّذِي هُوَ أَعْظَم ضَرَرًا مِنْ غَيْره , وَأَنَّهُ إِذَا مَلَكَ نَفْسه عِنْدَ حُصُوله كَانَ قَدْ قَهَرَ أَقْوَى أَعْدَائِهِ اِنْتَهَى. وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مِنْ بَاب التَّنْبِيه بِالْأَعْلَى عَلَى الْأَدْنَى , لِأَنَّ أَعْدَى عَدُوّ لِلشَّخْصِ شَيْطَانه وَنَفْسه , وَالْغَضَب إِنَّمَا يَنْشَأ عَنْهُمَا , فَمَنْ جَاهَدَهُمَا حَتَّى يَغْلِبهُمَا مَعَ مَا فِي ذَلِكَ مِنْ شِدَّة الْمُعَالَجَة كَانَ لِقَهْرِ نَفْسه عَنْ الشَّهْوَة أَيْضًا أَقْوَى. وَقَالَ اِبْن حِبَّان بَعْد أَنْ أَخْرَجَهُ : أَرَادَ لَا تَعْمَل بَعْد الْغَضَب شَيْئًا مِمَّا نَهَيْت عَنْهُ , لَا أَنَّهُ نَهَاهُ عَنْ شَيْء جُبِلَ عَلَيْهِ وَلَا حِيلَة لَهُ فِي دَفْعه. وَقَالَ بَعْض الْعُلَمَاء : خَلَقَ اللَّه الْغَضَب مِنْ النَّار وَجَعَلَهُ غَرِيزَة فِي الْإِنْسَان , فَمَهْمَا قَصَدَ أَوْ نُوزِعَ فِي غَرَض مَا اِشْتَعَلَتْ نَار الْغَضَب وَثَارَتْ حَتَّى يَحْمَرّ الْوَجْه وَالْعَيْنَانِ مِنْ الدَّم ; لِأَنَّ الْبَشَرَة تَحْكِي لَوْن مَا وَرَاءَهَا , وَهَذَا إِذَا غَضِبَ عَلَى مَنْ دُونه وَاسْتَشْعَرَ الْقُدْرَة عَلَيْهِ , وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ فَوْقه تَوَلَّدَ مِنْهُ اِنْقِبَاض الدَّم مِنْ ظَاهِر الْجِلْد إِلَى جَوْف الْقَلْب فَيَصْفَرّ اللَّوْن حُزْنًا , وَإِنْ كَانَ عَلَى النَّظِير تَرَدَّدَ الدَّم بَيْنَ اِنْقِبَاض وَانْبِسَاط فَيَحْمَرّ وَيَصْفَرّ وَيَتَرَتَّب عَلَى الْغَضَب تَغَيُّر الظَّاهِر وَالْبَاطِن كَتَغَيُّرِ اللَّوْن وَالرِّعْدَة فِي الْأَطْرَاف وَخُرُوج الْأَفْعَال عَنْ غَيْر تَرْتِيب وَاسْتِحَالَة الْخِلْقَة حَتَّى لَوْ رَأَى الْغَضْبَان نَفْسه فِي حَال غَضَبه لَكَانَ غَضَبه حَيَاء مِنْ قُبْح صُورَته وَاسْتِحَالَة خِلْقَته , هَذَا كُلّه فِي الظَّاهِر , وَأَمَّا الْبَاطِن فَقُبْحه أَشَدُّ مِنْ الظَّاهِر ; لِأَنَّهُ يُوَلِّد الْحِقْد فِي الْقَلْب وَالْحَسَد وَإِضْمَار السُّوء عَلَى اِخْتِلَاف أَنْوَاعه , بَلْ أَوْلَى شَيْء يَقْبُح مِنْهُ بَاطِنه , وَتَغَيُّر ظَاهِره ثَمَرَة تَغَيُّر بَاطِنه , وَهَذَا كُلّه أَثَره فِي الْجَسَد , وَأَمَّا أَثَره فِي اللِّسَان فَانْطِلَاقه بِالشَّتْمِ وَالْفُحْش الَّذِي يَسْتَحْيِي مِنْهُ الْعَاقِل وَيَنْدَم قَائِله عِنْدَ سُكُون الْغَضَب وَيَظْهَر أَثَر الْغَضَب أَيْضًا فِي الْفِعْل بِالضَّرْبِ أَوْ الْقَتْل , وَإِنْ فَاتَ ذَلِكَ بِهَرَبِ الْمَغْضُوب عَلَيْهِ رَجَعَ إِلَى نَفْسه فَيُمَزِّق ثَوْبه وَيَلْطِم خَدَّهُ , وَرُبَّمَا سَقَطَ صَرِيعًا , وَرُبَّمَا أُغْمِيَ عَلَيْهِ , وَرُبَّمَا كَسَرَ الْآنِيَة وَضَرَبَ مَنْ لَيْسَ لَهُ فِي ذَلِكَ جَرِيمَة. وَمَنْ تَأَمَّلَ هَذِهِ الْمَفَاسِد عَرَفَ مِقْدَار مَا اِشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْكَلِمَة اللَّطِيفَة مِنْ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "" لَا تَغْضَب "" مِنْ الْحِكْمَة وَاسْتِجْلَاب الْمَصْلَحَة فِي دَرْء الْمَفْسَدَة مِمَّا يَتَعَذَّر إِحْصَاؤُهُ وَالْوُقُوف عَلَى نِهَايَته , وَهَذَا كُلّه فِي الْغَضَب الدُّنْيَوِيّ لَا الْغَضَب الدِّينِيّ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيره فِي الْبَاب الَّذِي قَبْله , وَيُعِين عَلَى تَرْك الْغَضَب اِسْتِحْضَار مَا جَاءَ فِي كَظْم الْغَيْظ مِنْ الْفَضْل , وَمَا جَاءَ فِي عَاقِبَة ثَمَرَة الْغَضَب مِنْ الْوَعِيد , وَأَنْ يَسْتَعِيذ مِنْ الشَّيْطَان كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيث سُلَيْمَان بْن صُرَد , وَأَنْ يَتَوَضَّأ كَمَا تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَيْهِ فِي حَدِيث عَطِيَّة , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ الطُّوفِيّ : أَقْوَى الْأَشْيَاء فِي دَفْع الْغَضَب اِسْتِحْضَار التَّوْحِيد الْحَقِيقِيّ , وَهُوَ أَنْ لَا فَاعِل إِلَّا اللَّه , وَكُلّ فَاعِل غَيْره فَهُوَ آلَة لَهُ , فَمَنْ تَوَجَّهَ إِلَيْهِ بِمَكْرُوهٍ مِنْ جِهَة غَيْره فَاسْتَحْضَرَ أَنَّ اللَّه لَوْ شَاءَ لَمْ يُمَكِّن ذَلِكَ الْغَيْر مِنْهُ اِنْدَفَعَ غَضَبه ; لِأَنَّهُ لَوْ غَضِبَ وَالْحَالَة هَذِهِ كَانَ غَضَبه عَلَى رَبّه جَلَّ وَعَلَا وَهُوَ خِلَاف الْعُبُودِيَّة. قُلْت : وَبِهَذَا يَظْهَر السِّرُّ فِي أَمْره صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي غَضِبَ بِأَنْ يَسْتَعِيذ مِنْ الشَّيْطَان لِأَنَّهُ إِذَا تَوَجَّهَ إِلَى اللَّه فِي تِلْكَ الْحَالَة بِالِاسْتِعَاذَةِ بِهِ مِنْ الشَّيْطَان أَمْكَنَهُ اِسْتِحْضَار مَا ذُكِرَ , وَإِذَا اِسْتَمَرَّ الشَّيْطَان مُتَلَبِّسًا مُتَمَكِّنًا مِنْ الْوَسْوَسَة لَمْ يُمْكِنهُ مِنْ اِسْتِحْضَار شَيْء مِنْ ذَلِكَ , وَاللَّهُ أَعْلَمُ.


