نص إلكتروني محفوظ وفق تسجيلات الموقع الأصلية.
☷ فهرس الكتابموعظة سفيان الثوري للمنصور بمكة
الحميد يقول: اعلم أن الناس في الدنيا على أبواب ملوكهم طبقات، فمنهم الخواص المقرّبون، و الخدم المنتخبون، والأمناء الثقات، والكبراء السادات، والتجار الطالبون للأرباح، والفقراء أصحاب الصدقات.
فأحسن أحوالك أن تنزل نفسك منزلة الفقراء والسؤال لا مقام ذي الصلة والنوال، كم يدعون فلا يجيبون، ويرغبون فلا يرغبون؟ فما لكم لا تكونون كما قال الله تعالى:
فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ، وأشرف الذكر ذكر القلب، لأنه موضع نظر الله عز وجل من العبد.
وقال بعضهم يوبخ نفسه: أما تستحي من الله، كم يكون منك الخطا ومنه العطا، كم يكون منك الجفا ومنه الوفا؟ هلاّ كان منك التوبة فيكون منه القبول؟ يا نفس، كم تعصيه و يستر عليك وتتمادى في الذنب ويمهلك؟ أما تخشي عقابه؟ أما تستحي من عتابه؟ أخاف عليك إن لم تنته عن قبيح فعلك ليصبنّ عليك سخطه، وليحرقنك بنار غضبه، هذا قلبك في فلوات المعاصي ضائع، وسرك في الأعمال القبيحة رائع، فبادري بالتوبة والإقلاع، و الندم والاسترجاع، فكأنك وقد كشف القناع، ولا تغترّي بالحياة الدنيا فما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع.
وأنشدني محمد بن عبد الواحد لبعضهم:
أنت سترى كيف أهتكه ذا طريق لست أسلكه
أملك الدنيا بأجمعها وفؤادي لست أملكه
قال بعض العارفين: للعارفين أربع علامات: ذكر المنة، وصدق الهمة، وعرفان الحرمة، و خوف الفرقة. وقال بعض الصالحين: من علامات العارف أن ينظر إلى الدنيا بعين الاعتبار، وإلى الآخرة بعين الانتظار، وإلى النفس بعين الاحتقار، وإلى الطاعة بعين الاعتذار لا بعين الاستكبار، وإلى المغفرة بعين الاستبشار، وإلى المعروف سبحانه وتعالى بعين الافتخار.
حدثنا يونس بن يحيى، ثنا ابن البطيء، عن ابن شادان، عن أحمد بن إسحاق، عن أحمد بن محمود، عن الحسن بن عبد العزيز المخزومي، انا أبو حفص القيسي، عن أبي معبد، قال: سمعت بلال بن سعيد يقول: كان أخوان في بني إسرائيل خرجا يتعبدان، فلما أرادت الطريق تفرق بينهما قال أحدهما لصاحبه: خذ أنت في هذه الطريق، وأنا في هذه الطريق، فإذا كان رأس السنة اجتمعنا في ذلك الموضع، فلما اجتمعا قال أحدهما لصاحبه: أي ذنب فيما عملت أعظم؟ قال: بينما أنا أمشي على الطريق إذا بسنبلة فأخذتها
رابط دائم لهذا المقطع: /books/musamara.php?id=172
نسخة الموقع الإلكترونية. يرجى الرجوع إلى الطبعة المحققة والمصدر الأصلي عند الاقتباس الأكاديمي؛ لا يدل ترقيم المقاطع بالضرورة على صفحات طبعة ورقية.

