The Greatest Master Muhyiddin Ibn al-Arabi
The Greatest Master Muhyiddin Ibn al-Arabi

الذخائر والأعلاق في شرح ترجمان الأشواق

للشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي

تحقيق الدكتور محمد حاج يوسف

 

 


28- القصيدة الثامنة والعشرين وهي ثلاث وعشرون بيتاً من البحر الرجز المجزوء

وقال رضي الله عنه:

1

بَيْنَ النَّقَا وَلَعْلَعِ

***

ظِبَاءُ ذَاتِ الْأَجْرَعِ

2

تَرْعَى بِهَا فِي خَمَرٍ

***

خَمَائِلاً وَتَرْتَعِي

3

مَا طَلَعَتْ أَهِلَّة

***

بِأُفقِ ذَاكَ المَطْلَعِ

4

إِلَّا وَدِدْتُ أَنَّهَ

***

مِنْ حَذَرٍ لَمْ تَطْلَعِ

5

وَلَا بَدَتْ لَامِعَة

***

مِنْ بَرْقِ ذَاكَ الْيَرْمُعِ

6

إِلَّا اشْتَهَيْتُ أَنَّهَ

***

لِماَ بِنَا لَمْ تَلْمَعِ

7

يَا دَمْعَتِي فَانْسَكِبِي،

***

يَا مُقْلَتِي لَا تُقْلِعِي

8

يَا زَفْرَتِي خُذْ صُعُدا،

***

يَا كَبِدِي تَصَدَّعِي

9

وَأَنْتَ يَا حَادِي اتَّئِدْ،

***

فَالنَّارُ بَيْنَ أَضْلُعِي

10

قَدْ فَنِيَتْ مِمَّا جَرَى

***

خَوْفَ الْفِرَاقِ أَدْمُعِي

11

حَتَّى إِذَا حَلَّ النَّوَى

***

لَمْ تَلْقَ عَيْناً تَدْمَعِ

12

فَارْحَلْ إِلَى وَادِي اللِّوَى،

***

مَرْتَعُهُمْ وَمَصْـرَعِي

13

إِنَّ بِهِ أَحِبَّتِي

***

عِنْدَ مِيَاهِ الْأَجْرَعِ

14

وَنَادِهِمْ: مَنْ لِفَتًى

***

ذِي لَوْعَة مُوَدِّعِ

15

رَمَتْ بِهِ أَشْجَانُهُ

***

بَهْمَاءَ رَسْمٍ بَلقَعِ

16

يَا قَمَراً تَحْتَ دُجىً

***

خُذْ مِنْهُ شَيْئاً وَدَعِ

17

وَزَوِّدِيهِ نَظْرَةً

***

مِنْ خَلْفِ ذَاكَ الْبُرقُعِ

18

لِأنَّهُ يَضْعُفُ عَنْ

***

دَرْكِ الْجَمَالِ الْأَرْوَعِ

19

أو عَلّلِيهِ بِالمُنَى

***

عَسَاهُ يَحْيَا وَيَعِي

20

مَا هو إِلَّا مَيِّتٌ

***

بَيْنَ النَّقَا وَلَعْلَعِ

21

فَمُتُّ يَأْساً وَأَسًى

***

كَمَا أَنَا فِي مَوْضِعِي

22

مَا صَدَقَتْ رِيحُ الصَّبَ

***

حِينَ أَتَتْ بِالْخُدَعِ

23

قَدْ تَكْذِبُ الرِّيحُ إِذَ

***

تُسمِعُ مَا َلْم تَسْمَعِ

شرح البيت الأول:

1

بَيْنَ النَّقَا وَلَعْلَعِ

***

ظِبَاءُ ذَاتِ الْأَجْرَعِ

يقول: بين كثيب المسك الأبيض - الذي تكون فيه الرؤية [كنز العمال: 21063، وانظر: القصيدة الثالثة: البيت الأول] - والتولُّع به (من لفظ كلمة "لعلع"؛ بينهما) فنونٌ من المعارف الملازمة إليهالمقامات التجريد وأحواله، مَن قامت به جرَّعته الغصص العظيمة، هيماناً وشوقاً إلى المعروف، التي هي دلالة عليه، إذ لا بدّ لكل علم من معلوم هو متعلَّقُه، وإن كان عينُه، لكن من حيث ما هو الشيء كذا، خلاف كونه من حيث أمر آخر.

شرح البيت الثاني:

ثم قال:

2

تَرْعَى بِهَا فِي خَمَرٍ

***

خَمَائِلاً وَتَرْتَعِي

يقول: هذه المعارف - المشبَّهة بالظبي - ترعى، أي تتناول بحقيقتها من قوة من قامت به لغلبة سلطانها عليه، و"الخَمَرَ": الشجر الملتف المتداخل بعضه في بعض، إشارة إلى عالم الامتزاج والتداخل منه، و"الخمائل": مثل ذلك، إلاّ أنه قابَل امتزاجا بامتزاج، أي لكلِّ ثمرٍ قطفٌ ويد تقطف من جنسها لا تقدر يد أخرى تتناول ذلك، وسببه الاتساع الإلهي، أي لا يتكرَّر شيءٌ في الوجود، فإنَّهُ يؤدِّي إلى الضيق، والحقائق تأبى ذلك.

شرح البيت الثالث والرابع:

3

مَا طَلَعَتْ أَهِلَّة

***

بِأُفقِ ذَاكَ المَطْلَعِ

4

إِلَّا وَدِدْتُ أَنَّهَ

***

مِنْ حَذَرٍ لَمْ تَطْلَعِ

يقول: ما طلعت أهلة، أي تجليات في مثل أحوال الهلال المرتقب هنا لطلب الشهود بأفق ذاك المطلع، يعني ذلك الكثيب الذي ذكره بلفظ النقا (في البيت الأول).

وقوله "إِلَّا وَدِدْتُ أَنَّهَا مِنْ حَذَرٍ"، يقول: من خوف على فناء المشاهِد في نفسه عن نفسه، فتذهب عينه، والغرض بقاؤه لنفسه بربِّه، ولربِّه بربِّه، لا بنفسه لنفسه، ولا لربِّه بنفسه، ووجه آخر: وهو أنه قد تقرَّر أنّ التجلي - على ما هو المتجلي عليه في نفسه لنفسه - محالٌ حصوله لأحد، فلا يقع التجلي إلا من دون ذلك، مما يليق بمن يتجلى له، فيخاف على المتجلى له أن يعتقد أنّ الأمر في نفسه لنفسه على ذلك بعينه، فتحصل الإحاطة وحصولها محال، كم ذهب بعض النظار في معرفة الباري سبحانه إلى أن معرفتنا به، ومعرفة جبريل له، ومعرفته بنفسه سبحانه، على السواء؛ وما أبعد هذا من العلم الصحيح!

شرح البيتين الخامس والسادس:

5

وَلَا بَدَتْ لَامِعَة

***

مِنْ بَرْقِ ذَاكَ الْيَرْمُعِ

6

إِلَّا اشْتَهَيْتُ أَنَّهَ

***

لِماَ بِنَا لَمْ تَلْمَعِ

يقول "ولا بدت لامعة": يشير إلى تجلي جمادي يقابله نور شعشعاني، كمقابلة نور الشمس لهذه الحجارة الملس البراقة، ومحلها الأرض، كما أنّ محل الأهلَّةِ السماء، فيقول: إنه سواء كان التجلي عُلويا أو سُفليا، طبيعيا أو غير طبيعي، ل أريد أن يقع لِما ذكرنا في التفسير قبل هذا (في قوله: إِلَّا وَدِدْتُ أَنَّهَا مِنْ حَذَرٍ لَمْ تَطْلَعِ)، ولهذا قال: "(إِلَّ اشْتَهَيْتُ أَنَّهَ) لِما بِنَا لَمْ تَلْمَعِ": يشير إلى ما ذكرناه في التفسير (السابق للبيتين 3-4) على الوجه الثاني من أنْ يعتقد أنَّ الأمرَ في نفسه كما تجلى له.

شرح البيتين السابع والثامن:

7

يَا دَمْعَتِي فَانْسَكِبِي،

***

يَا مُقْلَتِي لَا تُقْلِعِي

8

يَا زَفْرَتِي خُذْ صُعُدا،

***

يَا كَبِدِي تَصَدَّعِي

يخاطب عالم النزول والصعود كما ورد في الخبر: «يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلاَئِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلاَئِكَةٌ بِالنَّهَارِ» [كنز العمال: 18947]، فم يصعد منه فهو الهمة، وما ينزل إليه فهو المعارف الوهبية، والتي تأتي بها الملقيات (من قوله تعالى: ﴿فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا﴾ [المرسلات: 5]). وقوله: "يا كبدي تصدعي"، (الكبد هي) خزانة الغذاء،حقيقة ميكائيلية (من كون ميكائيل عليه السلام الملك الموكل بالأرزاق)، يقول لمقسم الأرزاق - ورزق كلِّ عالَم بحسب مُشاكله – و"التصدع": التفرُّق على حسب العالَم الذي يتغذى منه، كأفواه العروق الملتقية من الكبد ما تعطيه من الدم في تلك المجاري، (كما يقول تعالى): ﴿فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اِثْنَتَا عَشْرَة عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ [البقرة: 60].

شرح الأبيات من التاسع إلى الحادي عشر:

9

وَأَنْتَ يَا حَادِي اتَّئِدْ،

***

فَالنَّارُ بَيْنَ أَضْلُعِي

10

قَدْ فَنِيَتَ مِمَّا جَرَى

***

خَوْفَ الْفِرَاقِ أَدْمُعِي

11

حَتَّى إِذَا حَلَّ النَّوَى

***

لَمْ تَلْقَ عَيْناً تَدْمَعِ

يخاطب داعي الحق الذي يدعو الهمم إليه بالتوجه، يقول: (اتَّئد، أي) ل تعجِّل، فإنّ نيران الحبِّ قد أنضجت كبدي، ثم إني في حال الفراق - مع رغبتي في حصول المشاهدة والاتصال - أفكِّر في البينونة عن تلك الحالة، فأبكي لها قبل وقوعها، حتى لو وقعت لم تجد العينُ دمعة ترسلها عند الفراق، لأنها فنيت تلك الرطوبات لهذه النار وعظم حرارته، أو كثرة ما أرسلته من العَبَرات خوف البيْن.

شرح البيتين الثاني عشر والثالث عشر:

12

فَارْحَلْ إِلَى وَادِي اللِّوَى،

***

مَرْتَعُهُمْ وَمَصْـرَعِي

13

إِنَّ بِهِ أَحِبَّتِي

***

عِنْدَ مِيَاهِ الْأَجْرَعِ

يشير إلى مقام العطف، كنّى عنه باللوى والرقة، فإنّ اللوى حيث يلتوي الرمل ويرق، يقول: ذلك المقام هو "مرتعٌ" لهم، وهو "مصرعي"، فإنَّ بعطفهم عليّ أفنى وأذوب، بل أموت دهشا وحيرة عند ذلك العطف الإلهي.

وقوله: "إن به أحبتي"، يعني بمقام اللوى، فإن العطف إنما هو منهم بهم ل بغيرهم. وقوله: "عند مياه الأجرع"، يقول: لا يحصل لك هذا العطف الإلهي إلا بعد تجريع الغصص في الرياضات والمجاهدات، فحصولها مقرون بحصول هذه الغصص، بل هي التي تنتجهذا العطف واللطف والرقة والحنان.

شرح البيتين الرابع عشر والخامس عشر:

14

وَنَادِهِمْ: مَنْ لِفَتًى

***

ذِي لَوْعَة مُوَدِّعِ

15

رَمَتْ بِهِ أَشْجَانُهُ

***

بَهْمَاءَ رَسْمٍ بَلقَعِ

يقول: "ونادهم"، أي الأحبة، "من لفتى"، من الفتوة (وهي: الحميَّة والمروءة والنجدة)، "ذي لوعة "، حرقة الشوق، "مودِّع"، يريد حالة الانصراف من المشاهدة إلى ذاته؛ كما ورد في رؤية (الحقِّ في) الجنة، إذا تجلى الحق لعباده ورأوه وهم بالكثيب في جنة عدن، يقول: «رُدُّوهم إلى قُصُورِهم» [كنز العمال: 21063، وانظر: القصيدة الثالثة: البيت الأول].

وقوله: "رَمَت به أشجانه"؛ أي أحزانه، "بَهماء": حالة التجريد في حالة السلوك، وحالة الحيرة في حالة حصول المعارف، و"الرسم": بقية الأثر، و"البلقع": الخراب، يقول: إنّ هذه الحيرة حصل منها على ما بقي فيه من الأثر الذي لا يمكن زواله، إذ لو زال زالت عينه وجعله خراباً لِما أثَّرت فيه الرياضات والمجاهدات والمعارف والتجليات من الأحكام التي أذهبت منه كلَّ ما لا يليق بظهورها عليه، فصار خراباً منها (أي خالياً من هذه التعلقات الدنوية)، لا أنه خرابٌ في نفسه، بل ذلك الخراب هو العِمارة على الحقيقة.

شرح الأبيات من السادس عشر إلى الثامن عشر:

ثم قال:

16

يَا قَمَراً تَحْتَ دُجىً

***

خُذْ مِنْهُ شَيْئاً وَدَعِ

17

وَزَوِّدِيهِ نَظْرَةً

***

مِنْ خَلْفِ ذَاكَ الْبُرقُعِ

18

لِأنَّهُ يَضْعُفُ عَنْ

***

دَرْكِ الْجَمَالِ الْأَرْوَعِ

"الدجى" هنا: كناية عن الصورة التي يقع فيه التجلي، "قمراً": إذا كان الدجى ظلَّ الأرض، فظلها صورة طبيعية. وقوله: "خذ منه شيئا" غير معين، يريد ما يناسبه، "ودع" ما لا يناسبه لتجلٍّ آخر،مثل التحليل في الإسراء؛ بتركه عند كلِّ عالَم ما يناسبه (مما هو من طبيعته: التراب للتراب، والماء للماء، ...)، إلى أن تبقى اللطيفة الربانية المنفوخة، فيبقى عند الحقِّ بالحقِّ، بما شاء الحقُّ، ثم يردُّها (أي اللطيفة الإنسانية) إلى عرشه وملكها، فتنفصل (عن الحقِّ) فتأخذ من كلِّ عالَم ما تركت عنده، حتى تنزل إلى الأرض وقد انتظم ملكها وقام عرشها فتستوي عليه بالتدبير.

وقوله: "وزوِّديه"، يقول: لصورة القمر (زوِّديه) نظرة أي مشاهدة، وذَكره بلفظ "الزاد" لوقوع السفر عنه بعده. وقوله: "من خلف ذاك البُرقع"، أي اجعل له علامة يعلم بها أنّ تلك الصورة المتجلى له فيها حجاب عن عين الحقيقة، فيعرف ما رأى ومن رأى. وأيضاً: فإنه يضعف المُمكن عن إدراك الجمال الأزلي (لذلك قال: من خلف ذاك البرقع)، وجعله "أروع": أي أنه مُهاب يُخاف من سطوته.

شرح الأبيات من التاسع عشر إلى الحادي والعشرين:

19

أو عَلّلِيهِ بِالمُنَى

***

عَسَاهُ يَحْيَا وَيَعِي

20

مَا هو إِلَّا مَيِّتٌ

***

بَيْنَ النَّقَا وَلَعْلَعِ

21

فَمُتُّ يَأْساً وَأَسًى

***

كَمَا أَنَا فِي مَوْضِعِي

يقول: عللّيه بالمنى؛ عِديه موعداً حسناً بما يلائم غرضه، مثل قوله (تعالى): ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: 40]، فإنه يحيي نفسه بذلك، و"يعي" ما يُقال له فيلزم الآداب وما ينبغي، فإنَّ المنى مما تحيى به النفوس، ولا سيما إذا كانت من صادق جواد على الإطلاق، فإنه "ميِّت" بين ("النقا"، أي:) المكانة الزلفى بالكثيب الأبيض وبين ("لعلع"، أي:) الولوع به، والتعلق لأنه حمل شهود المحبوب.

وقوله: "فمتُّ يأسا"، من تعلق الإدراك بحقيقة المطلوب، و"أسى" على ما فات من زمن جهالتي بما ينبغي، فإنه من طمع فيما لا مَطمع فيه خسر الوقت وشهد الحالُ عليه بجهله.

وقوله: "كما أنا في موضعي"، أي لم أجد حيث أضع قدم الانتقال على الحالة التي أنا عليها، إذ لا أينَ، ولا كمَّ، ولا كيف؛ بل تنزيه مجرد.

شرح البيتين الثاني والعشرين والثالث والعشرين:

ثم قال:

22

مَا صَدَقَتْ رِيحُ الصَّبَ

***

حِينَ أَتَتْ بِالْخُدَعِ

23

قَدْ تَكْذِبُ الرِّيحُ إِذَ

***

تُسمِعُ مَا َلْم تَسْمَعِ

يريد ريح عالم الأنفاس المخبرة بالكوائن التي تودعها حضرة الطيب أو الكلام، وجعلها للصّبا، وهو موضع الشروق، يقول: "ما صدقت" أخبار التجليات حين أتت فيها بصور التشبيه، إذ لا يشبه شيئاً، ولا يشبهه شيء، فكأنها أخبار أتت بالأمر على خلاف ما هو عليه، فجعله مثل الخديعة، وقد يظهر في الشريعة مثل هذا؛ وهو قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: 11]، ثم قال عليه السلام للسوداء: «أين الله؟» فأشارت إلى السماء، فجعل الخطاب عنه تعالى كخطاب من يسأل عنه من المتحيِّزات، إذ المتحيِّز هو الذي يقبل ظرفية المكان، فقال عليه السلام: «أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَ مُؤْمِنَة» [كنز العمال: 1744]، فما كلَّف أمَّته أكثر مما تسعه أفهامهم؛ وسماه إيمانا، وما قال: فإنها عالمة، فإنه سبحانه لا يتحيَّز، (والعالِم لا يقيِّد الله تعالى في جهة)، وقولها: "في السماء": تحيُّز، فالإيمان يقبل هذا القول، والإيمان سبب سعاديّ وضعه الشرع للخلق، والإيمان يُستغنى به عن العلم، ولا يستغنى بالعلم عن الإيمان.

وقوله: "قد تكذب الريح إذا تُسمع ما لم تَسمع"، مثاله الريح إذا هبَّت ببدرِ حنين تُسمع آذان الناس أصوات كؤوسات، ومعلومٌ أنه ما ثم كؤوس تضرب، ولا طبل، فما نقلت صحيحاً، وإنما تلك الأصوات انزعاجها، والهبوب، وأماكن مجوفة تعطي تلك الأصوات، فعلى الحقيقة أنها أعطت صوتاً في آذان السامع لا غير، والحاكم عليها بأنّ ذلك صوت طبلٌ أو غيره ليس ذلك، وإنما أخطأ أنْ كان ذلك خطأ الحاكم على ذلك الصوت بأنه كذا وكذا، كل ما يعطيه الحسّ من المغاليط ليس على الحقيقة نسبة الغلط إلى الحسّ وإنما الغلط للحاكِم (وهو العقل من حيث قوته المفكِّرة)، وهو أمر آخر وراء الحسّ.



 

 

البحث في نص الكتاب



Please note that some contents are translated Semi-Automatically!