موقع الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي
موقع الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي

[الأحداث الرئيسية في سيرة الشيخ محي الدين ابن العربي.]

بعض شيوخ الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي

من خلال إجازته التي كتبها للملك المظفر الأيوبي

انظر تحقيق هذه الإجازة في النسخة الجديدة من كتاب شمس المغرب

 الشيخ أحمد الحارون الحسيني قدس الله سره (ت 1382هـ) :

الصوفي العارف بالله: أحمد بن محمد بن غنيم الحارون الحسيني الحجّار.

ولد بدمشق في حي الصالحية بجانب جامع الحنابلة سنة (1318هـ) لأبٍ ينتسب للسيّد أحمد الرفاعي الحسيني شيخ الطريقة الرفاعية، وأمٍ تنسب لبني شيبة.

وكان والده يعمل في تقطير الزهور والورود، وما لبث أن توفي حين بلغ ابنه أحمد السابعة من عمره.

فتعهدته أمُّه التي أرسلته إلى كتّاب مجاور لبيتها، فبقي فيه عاما، ثم التحق بمكتب آخر في سوق الجمعة بالصالحية، فمكث فيه ثلاثة أعوام، ولم يكن هذان المكتبان – شأن غيرهما- يعنيان إلا بالقرآن الكريم.

ولما بلغ الثانية عشرة من عمره أخذ يتعلم صناعة قطع الحجارة، وعمل نحّاتا وحجّارا لسنوات طويلة في جبل قاسيون، بالإضافة إلى عنايته بالدرس والبحث، ومحافظته على تلاوة القرآن الكريم والطاعات، مشددا على أمراض الظاهر والباطن، ومؤمنا أن رضا الله ينحصر في الأعمال الصالحة، وأن رأس الأمراض الباطنة اعتقال القلب وأسره بغير الله، ولذا فالشفاء يكون بأن ينسى الإنسان غير الله تماما .

بعد هذا بدأ حياته الصوفية، جاعلا علاقته مع الله عزوجل، ناظرا إلى كل أمر من أموره بعيني الشريعة والحقيقة قائلا: «إن الشريعة بؤبؤة العين، وإن الحقيقة نورها، ولا سبيل للعين أن ترى بدون نور».

وفي سنة 1917م طُلب إلى الجنديــة، فسافر إلى حلب أولًا، وهناك أخذ يرشد الجنـود ويؤمهم، ويدعوهم إلى الخير، فصاروا ينادونه في الثكنة: «خوجة أفندي» ويستمتعون بتلاوته وإنشاده لقصائد الشيخ محي الدين بن عربي، والشيخ أحمد زرَّوق المغربي، والشيخ عبد الغني النابلسي.

ثم تحرك مع الجنــود إلى فـلسطيــن ليحـارب أعـداء الدولة العثمانيـة، وقد أبلى في الحــرب، وكان يخوض المعــارك أثناء الدوريات ويعود بالغنـائم، حتى وصل خبره للقـائـد الذي أعجب به كل الإعجاب.

لما انتهت خدمته العسكرية عاد إلى العمل بصناعته حجّارا نحّاتا، يصنع البحرات والأجران، وما لبث في سنة 1346هـ أن تزوج وعمل على خدمة أسرته وصيانتها.

وبعد الحرب العالمية الأولى اتصل بالعلماء والصالحين كالشيخ أمين التكريتي، والشيخ أمين الخربوطلي، والشيخ عبد المحسن التغلبي، والشيخ أمين كفتارو، والشيخ توفي الأيوبي، والمحدث الشيخ بدر الدين الحسني، والشيخ عبد المحسن الأسطواني، والشيخ إبراهيم الغلاييني، والمحدث الشيخ محد بن جعفر الكتاني، والشيخ محمد الهاشمي، والشيخ أمين سويد، والسيخ محمود أبي الشامات، وغيرهم.

وفي العقد الرابع من حياته اتصل بعلماء آخرين منهم المفتي الشيخ محمد شكري الأسطواني، وقاضي دمشق الشيخ عزيز الخاني، والمفتي الشيخ محمد عطا الكسم، والشيخ أمين الزملكاني، والشيخ عبد الله المنجد، والشيخ هاشم الخطيب، والشيخ عبد الرحمن الخطيب، والشيخ توفيق الهبري، وغيرهم.

وكان يشارك الثـوار الوطنيين جهــادهم ضد الاستعمـار الفرنسـي، وأمد الثورة بالمال كذلك، وكانت له مواقف مأثورة حينما أسهم مع رفاقه في القتـال ضد القـوات الفرنـسيـة التي أرادت عبور جسر نهر تورا، وصمد ولم ينهــزم، رغم أنه أصيـب في ساعده .

ولم يكفه اشتراكه بقتــال الغوطة، بل كان يشارك في القتـــال على طريق دمشق القادم من لبنان، ليقطـع الإمدادات التي تأتي للفرنسـييـن، وقد استطاع مرة مع أبناء عكاش نسـف الخط الحديـدي بين دُمّر والفيجة، وكان يمــد الثــوار بالسلاح.

لم ينقطع عن عمله في الحجارة والأجران إلا في السنوات العشر الأخيرة.

انصرف لمطالعة الكتب الدينية والكونية (العلمية) في خلواته بعد أن تعلم القراءة والكتابة عندما تقدمت به السن. وكان يجمع منها ويؤلف، فترك كُتبًا في التشريح والفلك والذرة، وعلم طبقات الأرض والنبات والطرائف والكهرباء وغير ذلك من كتب كثيرة، وكان خطه صعب القراءة فقام مريدوه بتبييض مؤلفاته، وإعادة كتابتها كالأستاذ صلاح المنجد، والأستاذ محمد غراب، والأستاذ محمد الحمصي .

وتتميز كتابته بالدقة العلمية، وتفهم أسرار الشريعة والحقيقة، إضافة إلى التحليل الدقيق بلغة سهلة مفهومة وكان يمانع في نشرها بحياته.

لم يُعدَّ حلقات علمية كما يفعل العلماء، وإنما كانت له جلسات في دور إخوانه ومريديه متنقلة، يقرؤون بها كُتبًا من مثل: «زاد المعاد» و «الرسالة القشيرية» و «الحلية» و «رياض الصالحين» و «إحياء علوم الدين» و «الشفاء» وغير ذلك، وكان المعيد الذي يقرأ في الدرس الأستاذ عبد الغني الباجقني.

له في العلوم حجة عظيمة، لم يخرج من جولاته العلمية إلا منتصرًا، ولم تقهر حجته مع عالم في القضايا العلمية، ولا مع طبيب في بحث تشريحي أو فسيولوجي، ولا مع متخصص في علم النفس، وقد آتاه الله في جلسات نقاشه هيمنة عجيبة على المجالس.

وكان كما ذكر العلماء يجتذب إليه جلساءه بشكل عجيب في روح مداعبة لطيفية، وأثنى عليه الكثيرون، وذكروا عنه قصصًا غريبة جدا، وحكايات عجيبة تدلّ على ولايته، وللناس من معاصريه فيه اعتقاد كبير.

قال عنه الدكتور مصطفى السباعي: « .. هذا الطراز من الرجال الذين يُحيون القلوب، وينعشون الأرواح، ويلتزمون حدود الشرعية، ويبتعدون عن استغلال التصوف لجمع المال والشهرة ... وكان من قوة الروح بحيث أصبح منارًا للمهتدين، ومرشدا للضالين ، وقد أنقذ بهدايته وروحانيته عددًا من أبناء البيوت المعروفة في دمشق، ممن كانوا ينغمسون في الترف واللهو، فأصبحوا بعد ذلك من كرام الناس دينا وأخلاقا واستقامة، وبذلك أحبّوه الحب الخالص لله، فلزموا مجالسه، واستفادوا من أخلاقه ومواعظه واعتبروه الأب الروحي لهم، كما أنقذ كثيرا من الضالين وقطاع الطرق والمجرمين فهداهم بفضل الله إلى الإيمان والتقوى .. وكان مما حبّبه إليّ تواضعه، وحسن خلقه ، وتهربه من الشهرة ، وتزهده في الدنيا مع إقبالها عليه، وسخاؤه الذي لا أعتقد أن له فيه مثيلا، أو قريبا منه، وفهمه للإسلام فهما صحيحا، وإدراكه لمشكلات الحياة التي يحياها المسلمون اليوم ... وكنت كلما شعرت بظمأ روحي إلى كلام الربانيين وهدايتهم، أذهب إليه فأملأ روحي من هدي كلامه، وأملأ عقلي مما أفاض الله عليه في آخر عمره من فهم لمختلف العلوم بحيث استطاع أن يصنف فيه عشرات المجلدات التي ستظل أبدا ودائما ناطقة بعظمة هذا الرجل وربانيته واستعداده الروحي والعقلي حتى كان كبار العلماء يعترفون له بذلك ... فكان وهو طريح الفراش يناقش ويتكلم ، ويحضر بعض كتبه لنرى رأينا فيها مع استمراره على عادته في البشاشة والدعابة التي عُرف بها .. »

وقال الشيخ حسن مأمون، مفتي مصر وشيخ الأزهر بعد أن اطلع على شرح الشيخ الحارون لكتاب «ما لا يعوّل عليه» لابن عربي: «أشعر وكأنني في حضرة الإمام الغزالي».

أرسل إليه مفتي بغداد الشيخ قاسم القيسي أسئلة عن التوحيد والتصوف فأجابه إجابة أدهشته، ولما زاره في دمشق قال: «يا حارون إنا بك حائرون» . وأضاف ما معناه : أن الأجوبة التي أرسلتها إليَّ تحير العقول، ذلك أنها أجوبة العلم الوهبي قبل الكسبي.

وقال مفتي بغداد كذلك في جلسة له بزاوية أبي الشامات في حي القنوات: «لقد زرت اليوم رجلا عارفا كبيرا، وسمعت عن الصوفية الشيء الكثير، وخرجت من الدار بعد أن فهمت أنه يتكلم بلسان الصوفية كلسان العارفين بالله تعالى».

قال الشيخ ياسين الموقت من صوفيي حلب: «إن الشيخ أحمد الحارون كان أكبر عارف في وقته».

وقال الشيخ محمد سعيد البرهاني : «إن الشيخ أحمد الحارون لا يجود الزمن بمثله إلا مرة في كل مائة عام سيرًا على سنة النبي العظيم: إن الله ليبعث على رأس كل مائة سنة من يجدد لهذه الأمة المحمدية أمر دينها».

وقال الشيخ الصوفي يحيى الصباغ: «إن مثلنا مع الشيخ أحمد كمثل الجنـد بالنسبة للقائــد الكبير».

قال الشيخ الصوفي محمد أمين الزعبي: «إن الشيخ أحمد الحارون قد كان شيخ الأبدال بعد المحدث الأكبر المرحوم الشيخ بدر الدين الحسني، والمرحوم الشيخ سليم المسوتي، والمرحوم الشيخ سعيد الحبّال».

كان للشيخ الحارون كرامات يحدث بها من يحضر إليه ولو لمرة واحدة وكان الناس يتناقلونها، أما هو فكان يقول مستشهدا بقول كبار الصوفيين: «إن الكرامات كالدمى توضع بين يدي الأطفال، ولا قيمة في ديننا إلا للقرآن والحديث» ، «كرامتان ليس بعدهما كرامة: الإيمان والاستقامة، فإذا وجدتم رجلا مستقيما فلا تطلبوا منه كرامة» . ويقول: «إن الكرامات يخجل الولي منها كما تخجل المرأة في طمثها» ، «إذا رأيتم من شخص كرامات خارقة وكان سيره يخالف الشريعة فاضربوا به وبكراماته عرض الحائط».

حدث الدكتور أمين شيخ بكري من حلب، أحد أساتذة الجامعة، قال: «أكثرَ أحدُ أصدقائي من ذِكر الشيخ الحارون، وذكر كراماته وعلمه حتى ضقتُ به، وقلت أريد أن أرى شيخك هذا ذا الكرامات والعلوم. وقلت في نفسي: سأحضرُ له سؤالًا لا يعرف كيف يجيب عنه، فلما ذهبنا، وكنا ببابه نقرعه إذ طلت الخادم، فاعتذرت بأن الشيخ نائم، ولكن صوت الشيخ صاح من الداخل، أدخليهم ضيوفنا من حلب، أنا أنتظرهم منذ ثلاثة أيام، فالتفتُ إلى صديقي وقال أرأيت؟ قلت: ليس هذا عجيبا. ثم دخلنا؛ فرأيناه في سريره، ورحب بنا، وكان يوجه الكلام إلىّ خاصة بشيء من دعابة قاسية ويستهزئ من الجامعة التي خرّجتني، وأنا وقتئذ قد تخرّجت متفوقا على زملائي، وقبل أن أطرح سؤالي الذي نويت وهو أن أسأله عن الروح وشأنها قال لي: قم فهاتِ ذلك الكتاب من هناك، وأشار إلى مجموعة من مجلدات أمسكت ببعصها لأناوله فصاح بي: كلا ... ليس هذا، وإنما الذي يليه، فجئت به إليه فقال: افتح ففتحت فصاح: أهكذا يفتح الكتاب؟ هاتِ. فأخذه وفتحة فتحة سريعة في منتصفه، ودفعه إلى بقسوة، وقال: اقرأ ... فبهتُّ، واقشعر جلدي إذ وجدت مكتوبا في راس الصفحة وبالخط الأحمر {ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر بي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا} وسكتُّ، فقال: أفهمت؟».

وكان أكبر كرامات الشيخ أحمد التي اشتهر بها بين الناس إبراء المرضى بإذن الله؛ فهو من هذا الباب عيسوي المقام، وكان بيته مقصودا منذ الفجر وحتى الليل لا يكاد يخلو من قاصدين يلتمسون علاجًا ودعاءً فيكتب لهم التمائم ويدعو ويعالج .

حكى تلميذه الأستاذ محمود غراب يقول: «رجعت مرة إلى البيت فوجدت أهلي في غم واضطراب لأن ولدي عبد الله يشكو من عينه على أثر ضربة أصابته أفقدته الرؤية، فحملته مسرعا إلى بيت الشيخ القريب مني أستشيره ما اصنع، وكان الوقت ليلا فاستدعى على الفور جاره الدكتور خالد الطباع وقال: انظر الولد ما لعينه ؟ ففحص الطبيب الولد وقرر أنه يعاني نزيفا في الشبكية، يستدعي نقله علاجا إلى المستشفى، فصاح الشيخ ينادي ابنته وطلب منها زبدية وبيضة ثم أسال البيضة في الزبدية، ومد يده على سرواله، فأخرج قطعة من (سكر نبات) نفخها بفمه، ثم حرك بها بياض البيضة، ثم طلب من ابنته قطّارة، فقطر بعيني الولد نقطتين، كل ذلك والطبيب مندهش يعترض، والشيخ لا يأبه له، ثم قال لي: اذهب بولدك وغدًا سيرى، قال الراوي:«وحملت الولد إلى البيت وأضجعته في سريره فنام، وأنزل الله عليّ سكينة فنمت أنا أيضا، ولم أصح حتى الصبح على أصوات فرح من أم الولد وجدَّتُه، فعلمتُ أنَّ الولد معافىً سليم، فحملته ثانية، وركضت إلى دار الشيخ مبتهجا، فاستدعى الطبيب نفسه، وقال له: انظر عين الولد، وقرر الطبيب بعد الفحص أنَّ العين سليمة لا شيء فيها».

وكان عنده سخاء وكرم، يؤوي الغريب، ويطعم الجائع والبائس، ويعطي المحتاج، يتفقد الأسر المستورة، يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، فلا يمسك مالا البتة، حتى ليستوي عنده الذهب والتراب، ومن قصصه في ذلك، ما رواه الأستاذ واصل الحلواني، قال: «ذهبت مرة لزيارته، وقرعت الباب منتظرًا، فأتى طحان يحمل على دابته للشيخ كيسين من الدقيق، وجاء رجل بائس فقير فوقف بعد أن سلم وقفة ذل واستحياء، وفتح الشيخ الباب، فقبّلنا يديه، وضغط على يدنا ليقبلها، وكانت هذه من عاداته، وكان يقول واحدة بواحدة، حتى هذا الفقير لم يسلم من أخذ يده ليرد إليه الشيخ قٌبلَته حتى تكون واحدة بواحدة، ثم سأل الرجل المذكور: ماذا تريد يا بني؟ فأطرق ونظر إلى الأرض، ثم سأله ثانية، فقرب نحوه الرجل وهمس في أذنه كلمات، فقال الشيخ للطحان: اصحبه إلى داره وأعطه الطحنة».

جاءه من مدينة جدّة (شيك) بمبلغ ستة عشر ألف ليرة أو ستة وعشرين ألف، أهداه إياه أحد الكرماء، وحمله إليه الشيخ أبو راتب الشلاح، فلم يتسلمه منه، وأمر به فاشترى دارًا في المهاجرين لرجل كان والده المتوفّى صديقا له، وهو ذو عيال يعجز عن دفع أجرة بيته، ولما قصّر المبلغ عن شراء الدار سعى فأكمله له.

بسيط المعيشة يكتفي بالبسيط من الثياب والطعام والعيش والكفاف، ومات لا يملك سوى الدار التي هو فيها، اشتراها من إرث والده، ومن جهد عمله خلال عشرات السنين.

وقد وصفوا داره بأنها مستشفى لأمراض النفس والقلب والجسم.

توفي ليلة الجمعة 19 جمادى الأولى سنة 1382هـ وخرجت جنازته مهيبة حافلة، ودفن بجوار قبر الشيخ أرسلان الدمشقي بناء على وصيته، وقد تمنى جوار الشيخ أرسلان كبارُ الصلحاء فلم ينالوه.

الترجمة منقولة من كتاب نثر الجواهر والدرر للدكتور يوسف مرعشلي 190-194 بتصرف بسيط.