موقع الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي
موقع الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي

كتاب شمس المغرب

سيرة الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي ومذهبه

جمع وإعداد: محمد علي حاج يوسف

هذا الموقع مخصص للطبعة الجديدة من شمس المغرب

  الصفحة السابقة

المحتويات

الصفحة التالية  


كتب به إليه سنة تسع وستمائة، فقال:

بسم الله الرحمن الرحيم وصل الاهتمام السلطاني الغالب بأمر الله العزيز، أدام الله عدل سلطانه، إلى والده الداعي له محمد ابن العربي؛ فتعين عليه الجواب بالوصية الدينية والنصيحة السياسية الإلهية على قدر ما يعطيه الوقت ويحتمله الكتاب، إلى أن يقدّر الاجتماع ويرتفع الحجاب. فقد صح عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: "الدين النصيحة"، قالوا: لمن يا رسول الله؟ فقال: "لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم". وأنت يا هذا بلا شك من أئمة المسلمين، وقد قلّدك الله هذا الأمر وأقامك نائباً في بلاده ومتحكماً بما توفّق إليه في عباده، ووضع لك ميزاناً مستقيماً تقيمه فيهم، وأوضح لك محجّةً بيضاءَ تمشي بهم عليها وتدعوهم إليها. على هذا الشرط ولاّك، وعليه بايعناك. فإن عدلت فلك ولهم، وإن جُرت فلهم وعليك. فاحذر أن أراك غداً بين أئمة المسلمين من أخسر الناس أعمالاً الذين ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، ولا يكون شكرك لما أنعم الله به عليك من استواء ملكك بكفران النعم وإظهار المعاصي وتسليط النوّاب السوء بقوة سلطانك على الرعيّة الضعيفة؛ فإن الله أقوى منك، فيتحكمون فيهم بالجهالة والأغراض وأنت المسؤول عن ذلك. فيا هذا قد أحسن الله إليك وخلع خِلع النيابة عليك. فأنت نائب الله في خلقه، وظله الممدود في أرضه، فأنصف المظلوم من الظالم. ولا يغرّنك أن الله وسّع عليك سلطانك وسوّى لك البلاد ومهّدها مع إقامتك على المخالفة والجور وتعدّي الحدود؛ فإن ذلك الاتّساع مع بقائك على مثل هذه الصفات إمهال من الحق لا إهمال، وما بينك وبين أن تقف على أعمالك إلا بلوغ الأجل المسمّى، وتصل إلى الدار التي سافر إليها آباؤك وأجدادك، ولا تكن من النادمين فإن الندم في ذلك الوقت غير نافع.

يا هذا ومِن أشدّ ما يمرّ على الإسلام والمسلمين، وقليل ما هم، رفع النواقيس والتظاهر بالكفر وإعلاء كلمة الشرك ببلادك، ورفع الشروط التي اشترطها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه على أهل الذمة: من أنهم لا يحدثون في مدينتهم ولا ما حولها كنيسة ولا ديراً ولا قليه ولا صومعة راهب ولا يجددون ما خرب منها، ولا يمنعون كنائسهم أن ينزلها أحد من المسلمين ثلاث ليال يطعمونهم، ولا يأوون جاسوساً، ولا يكتمون غشاً للمسلمين، ولا يعلمون أولادهم القرآن، ولا يظهرون شركاً، ولا يمنعون ذوي قربائهم من الإسلام إن أرادوه، وأن يوقّروا المسلمين وأن يقوموا لهم من مجالسهم إذا أرادوا الجلوس، ولا يتشبهون بالمسلمين في شيء من لباسهم في قلنسوة ولا عمامة ولا نعلين ولا فرق شعر، ولا يتسمّون بأسماء المسلمين ولا يتكنّون بكِناهم، ولا يركبون سرجاً ولا يتقلّدون سيفاً، وأن لا يتخذوا شيئاً من سلاح ولا ينقشوا خواتيمهم بالعربية ولا يبيعوا الخمور، وأن يجروا مقادم رؤوسهم وأن يلزموا زيّهم حيث ما كانوا، وأن يشدوا الزنانير على أوساطهم، ولا يظهروا صليباً ولا شيئا من كتبهم في طريق المسلمين، ولا يجاوروا المسلمين بموتاهم، ولا يضربوا بالناقوس إلا ضرباً خفياً، ولا يرفعوا أصواتهم بالقراءة في كنائسهم في شيء من حضرة المسلمين، ولا يخرجوا سعايين، ولا يرفعوا مع أمواتهم أصواتهم، ولا يظهروا النيران معهم ولا يشتروا من الرقيق ما جرت عليه سهام المسلمين. فإن خالفوا شيئاً مما شورطوا عليه فلا ذمة لهم وقد حل للمسلمين منهم ما يحل من أهل المعاندة والشقاق؛ فهذا كتاب الإمام العادل عمر بن الخطاب رضي الله عنه.



  الصفحة السابقة

المحتويات

الصفحة التالية  

البحث في نص الكتاب

هذا الموقع مخصص للطبعة الجديدة من شمس المغرب