9 - فص حكمة نورية في كلمة يوسفية

9 - فص حكمة نورية في كلمة يوسفية
هذه الحكمة النورية انبساط نورها على حضرة الخيال وهو أول مبادئ الوحي الإلهي في أهل العناية. تقول عائشة رضي اللَّه عنها: «أول ما بدى‏ء به رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم من‏ الوحي الرؤيا الصادقة، فكان لا يرى رؤيألا خرجت مثل فلق الصبح «تقول لا خفاء بها. وإلى هنا بلغ علمهألا غير. وكانت‏ المدة له في ذلك ستة أشهر ثم جاءه‏ المَلَك، وما علمت أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قد قال: «إن الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا»، وكل ما يرى في حال النوم فهو من ذلك القبيل، وإِن اختلفت الأحوال. فمضى قولها ستة أشهر، بل عمره كله في الدنيا بتلك المثابة:
إنما هو منام في منام. وكل ما ورد من هذا القبيل فهو المسمى عالم الخيال ولهذا يُعَبَّر، أي الأمر الذي هو في نفسه على صورة كذا ظهر في صورة غيرها، فيجوزُ العابرُ من هذه الصورة التي أبصرها النائم إلى صورة ما هو الأمر عليه إن أصاب كظهور العلم في صورة اللبن. فعبَّر في التأويل من صورة اللبن إلى صورة العلم فتأوَّلَ أي قال: مآل‏ هذه الصورة اللبنية إلى صورة العلم.
ثم إنه صلى اللَّه عليه وسلم كان إذا أُوحي إليه أُخِذَ عن المحسوسات المعتادة فسجي‏ وغاب عن الحاضرين عنده: فإذا سُرِّي عنه رُدَّ. فما أدركه إلا في حضرة الخيال، إلا أنه لا يسمى نائماً. وكذلك إذا تمثل له المَلَك رجلًا فذلك من حضرة الخيال، فإنه ليس برجل وإنما هو ملك، فدخل في صورة إنسان. فعبَّره‏ الناظر العارف حتى وصل إلى صورته الحقيقية، فقال هذا جبريل أتاكم يعلمكم‏ دينكم. وقد قال لهم ردوا عليَّ الرجل فسماه بالرجل من أجل الصورة التي ظهر لهم فيها. ثم قال هذا جبريل فاعتبر الصورة التي مآل هذا الرجل المتخيل إليها. فهو صادق في المقالتين:
صدق للعين‏ في العين الحسِّية، وصدق في أن هذا جبريل، فإنه جبريل بلا شك. وقال يوسف عليه السلام: «إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَب والشَّمْسَ والْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ»: فرأى إخوته في صورة الكواكب ورأى أباه وخالته في صورة الشمس والقمر. هذا من جهة يوسف، ولو كان من جهة المرئي لكان ظهور إخوته في صورة الكواكب وظهور أبيه وخالته في صورة الشمس والقمر مراداً لهم. فلما لم يكن لهم علم بما رآه يوسف كان الإدراك من يوسف في‏ خزانة خياله ، وعَلِمَ ذلك يعقوب حين قصها عليه فقال: «يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى‏ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً» ثم برأ أبناءه عن ذلك الكيد وألحقَهُ بالشيطان، وليس إلا عين الكيد، فقال:
«إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ» أي ظاهر العداوة. ثم قال يوسف بعد ذلك في آخر الأمر: «هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا» أي أظهرها في الحس بعد ما كانت في صورة الخيال، فقال‏ النبي محمد صلى اللَّه عليه وسلم: «الناس نيام»، فكان قول يوسف: «قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا» بمنزلة من رأى في نومه أنه قد استيقظ من رؤيا رآها ثم عبرها. ولم يعلم أنه في النوم عينه ما بَرح، فإذا استيقظ يقول رأيت كذا ورأيت كأني استيقظت وأوَّلها بكذا. هذا مثل ذلك. فانظر كم بين إدراك محمد صلى اللَّه عليه وسلم وبين إدراك يوسف عليه السلام في آخر أمره حين قال: «هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا». معناه حساً أي محسوساً، وما كان إلا محسوساً، فإن الخيال لا يعطي أبداً إلا المحسوسات، غير ذلك ليس له.
فانظر ما أشرف علم ورثة محمد صلى اللَّه عليه وسلم. وسأبسط من القول في هذه الحضرة بلسان يوسف المحمدي ما تقف عليه إن شاء اللَّه فنقول: اعلم أن المقول عليه «سوى الحق» ومسمى العالم هو بالنسبة إلى الحق كالظل للشخص، وهو ظل اللَّه ، وهو عين نسبة الوجود إلى العالم لأن الظل موجود بلا شك في الحس‏ ، ولكن إذا كان ثم من يظهر فيه ذلك الظل: حتى لو قدرت عدم من يظهر فيه ذلك الظل: كان الظل معقولًا غير موجود في الحس، بل يكون بالقوة في ذات الشخص المنسوب إليه الظل.
فمحل ظهور هذا الظل الإلهي المسمى بالعالم إنما هو أعيان‏ الممكنات: عليها امتد هذا الظل، فتدرك من هذا الظل بحسب ما امتد عليه من وجود هذه الذات. ولكن باسمه النور وقع الإدراك وامتد هذا الظل على أعيان الممكنات في صورة الغيب المجهول . ألا ترى الظلال تضرب إلى السواد تشير إلى ما فيها من الخفاء لبعد المناسبة بينه وبين أشخاص من هي ظل له؟. وإن كان الشخص أبيض فظله‏ بهذه المثابة.
ألا ترى الجبال إذا بعدت عن بصر الناظر تظهر سوداء وقد تكون في أعيانها على غير ما يدركها الحس من اللونية، وليس ثم علة إلا البعد؟. وكزرقة السماء.
فهذا ما أنتجه البعد في الحس في الأجسام غير النيرة. وكذلك أعيان الممكنات ليست نيرة لأنها معدومة وإن اتصفت بالثبوت لكن لم تتصف بالوجود إذ الوجود نور . غير أن الأجسام النيرة يعطي فيها البعد في الحس صغراً ، فهذا تأثير آخر للبعد. فلا يدركها الحس إلا صغيرة الحجم وهي في أعيانها كبيرة عن ذلك القدر وأكثر كميات، كما يعلم بالدليل أن الشمس مثل الأرض في الجرم مائة و ستين‏ مرة، وهي في الحس على قدر جرم الترس مثلًا. فهذا أثر البعد أيضا. فما يعلم من العالم إلا قدر ما يعلم من الظلال، ويجهل من الحق على قدر ما يجهل من الشخص الذي عنه كان ذلك الظل. فمن حيث هو ظل له يُعْلَم، ومن حيث ما يُجْهَل ما في ذات ذلك الظل من صورة شخص مَنْ امتد عنه بجهل من الحق. فلذلك نقول إن الحق معلوم لنا من وجه مجهول‏ لنا من وجه: «أَ لَمْ تَرَ إِلى‏ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ ولَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً» أي يكون فيه بالقوة. يقول ما كان الحق ليتجلى للممكنات حتى‏ يظهر الظل فيكون كما بقي من الممكنات التي ما ظهر لها عين في الوجود. «ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا» وهو اسمه النور الذي قلناه، ويشهد له‏ الحس: فإن الظلال لا يكون لها عين بعدم النور. «ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً»:
وإنما قبضه إليه لأنه ظله، فمنه ظهر وإليه يرجع الأمر كله‏ . فهو لا غيره. فكل ما ندركه‏ فهو وجود الحق في أعيان الممكنات. فمن حيث هوية الحق هو وجوده، ومن حيث اختلاف الصور فيه هو أعيان الممكنات. فكمألا يزول عنه باختلاف الصور اسم الظل، كذلك لا يزول باختلاف الصور اسم العالم و اسم سوى الحق. فمن حيث أحدية كونه ظلا هو الحق، لأنه الواحد الأحد. ومن حيث كثرة الصور هو العالم، فتفطن وتحقق ما أوضحته لك. وإذا كان الأمر على ما ذكرته لك فالعالم متوهم ما له وجود حقيقي، وهذا معنى الخيال . أي خيِّل لك أنه أمر زائد قائم بنفسه خارج عن الحق وليس كذلك في نفس الأمر. ألا تراه في الحس متصلًا بالشخص الذي امتد عنه، ويستحيل عليه الانفكاك عن ذلك الاتصال لأنه يستحيل على الشي‏ء الانفكاك عن ذاته؟ فاعرف عينك ومن أنت وما هويتك وما نسبتك إلى الحق، وبما أنت حق وبما أنت عالمٌ وسوى وغيرٌ وما شاكل هذه الألفاظ. وفي هذا يتفاضل العلماء، فعالم وأعلم. فالحق بالنسبة إلى ظل خاص صغيرٍ وكبيرٍ، وصافٍ وأصفى، كالنور بالنسبة إلى حجابه عن الناظر في الزجاج‏ يتلون بلونه، وفي نفس الأمر لا لون له. ولكن هكذا تُراهُ. ضَرْب مثال‏ لحقيقتك بربك. فإن قلت: إن النور أخضر لخضرة الزجاج صدقت وشاهِدُكَ الحس، وإن قلت إنه ليس بأخضر ولا ذي لون لِمَا أعطاه لك الدليل، صدقت وشاهدك النظر العقلي الصحيح. فهذا نور ممتد عن ظل وهو عين الزجاج فهو ظل نوري لصفائه.
كذلك المتحقق منا بالحق تظهر صورة الحق فيه أكثر مما تظهر في غيره. فمنا من يكون الحق سمعه وبصره وجميع قوة وجوارحه بعلامات قد أعطاها الشرع الذي يخبر عن الحق. مع هذا عين الظل موجود، فإن الضمير من سمعه يعود عليه : وغيرُهُ من العبيد ليس كذلك. فنسبة هذا العبد أقرب إلى وجود الحق من نسبة غيره من العبيد. وإذا كان الأمر على ما قررناه‏ فاعلم أنك خيال وجميع ما تدركه مما تقول فيه ليس أنا خيال. فالوجود كله خيال في خيال، والوجود الحق إنما هو اللَّه‏ خاصة من حيث ذاته وعينه لا من حيث أسماؤه، لأن أسماءه لها مدلولان: المدلول الواحد عينه وهو عين المسمى، والمدلول الآخر ما يدل عليه مما ينفصل الاسم‏ به من هذا الاسم الآخر ويتميز. فأين الغفور من الظاهر ومن الباطن، وأين الأول من الآخر.؟
فقد بان لك بما هو كلُّ اسم عينُ الاسم الآخر وبما هو غير الاسم الآخر. فبما هو عينه هو الحق، وبما هو غيره هو الحق المتخيَّل الذي كنا بصدده .
فسبحان من لم يكن عليه دليل سوى نفسه ولا ثبت كونه إلا بعينه. فما في الكون إلا ما دلت عليه الأحدية. وما في الخيال إلا ما دلت عليه الكثرة. فمن وقف مع الكثرة كان مع العالم ومع الأسماء الإلهية وأسماء العالم. ومن وقف مع الأحدية كان مع الحق من حيث ذاته الغنية عن العالمين . وإذا كانت غنية عن العالمين‏ فهو عين غنائها عن نسبة الأسماء لها، لأن الأسماء لها كما تدل عليها تدل على مسميات أخر يحقق‏ ذلك‏ أثرُها. «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ» من حيث عينه: «اللَّهُ الصَّمَدُ» من حيث استنادنا إليه: «لَمْ يَلِدْ» من حيث هويته ونحن، «وَ لَمْ يُولَدْ» كذلك، «وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ» كذلك. فهذا نعته فأفرد ذاته بقوله: «اللَّهُ أَحَدٌ» وظهرت الكثرة بنعوته المعلومة عندنا . فنحن نلد ونولد ونحن نستند إليه ونحن أكفاء بعضنا لبعض. وهذا الواحد منزه عن هذه النعوت فهو غني عنها كما هو غني عنا. و ما للحق نَسَبٌ إلا هذه السورة، سورة الإخلاص، وفي ذلك نزلت. فأحدية اللَّه من حيث الأسماء الإلهية التي تطلبنا أحدية الكثرة، وأحدية اللَّه من حيث الغنى عن وعن الأسماء أحدية العين، وكلاهما يطلق عليه الاسم الأحد ، فاعلم ذلك. فما أوجد الحق الظلال وجعلها ساجدة متفيئة عن اليمين والشمال‏ إلا دلائل لك‏ عليك وعليه لتعرف من أنت وما نسبتك إليه وما نسبته إليك حتى تعلم من أين ومن أي حقيقة إلهية اتصف ما سوى اللَّه بالفقر الكلي إلى اللَّه، وبالفقر النسبي بافتقار بعضه إلى بعض، وحتى تعلم من أين ومن أي حقيقة اتصف الحق بالغناء عن الناس والغناء عن العالمين، واتصف العالم بالغناء أي بغناء بعضه عن بعض من وجهِ ما هو عين ما افتقر إلى بعضه به. فإن العالم مفتقر إلى الأسباب بلا شك افتقارا ذاتيا. وأعظم الأسباب له سببية الحق: ولا سببية للحق يفتقر العالم إليها سوى الأسماء الإلهية . والأسماء الإلهية كل اسم يفتقر العالم إليه‏ من عالم مثله وعين الحق. فهو اللَّه لا غيره ، ولذلك قال: «يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ واللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ». ومعلوم أن لنا افتقاراً من بعضنا لبعضنا.
فأسماؤنا أسماء اللَّه تعالى إذ إليه الافتقار بلا شك، وأعياننا في نفس الأمر ظله لا غيره‏ . فهو هويتنألا هويتنا، وقد مهدنا لك السبيل فانظر .
 

 

The Meccan Revelations Website:


The Sun from the West:


The Single Monad:





كل تقوى لا يمنحك من جهة لا تخطر ببالك فأنت فيه مخدوع فلا يعوَّل عليه.
الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي [من كتاب ما لا يعول عليه - -]

مشاركة الصفحة

الإعجاب بصفحتنا على الفيسوك:
SINGLEMONAD

الإعجاب بصفحتنا على الفيسوك:
IBNALARABICOM


الإعجاب بهذه الصفحة على الفيسبوك:

اختر أي نص لتقوم بتغريده!