6- فص حكمة حقية في كلمة إِسحاقية

6- فص حكمة حقية في كلمة إِسحاقية
فداء نبي ذَبْح لقربان‏
وأين ثؤاج الكبش من نوس إِنسان‏
وعظمه اللَّه العظيم عناية
بن وبه لا أدر من أي ميزان‏
ولا شك أن البُدْن أعظم قيمة
وقد نزلت عن ذبح كبش لقربان‏
فيا ليت شعري كيف ناب بذاته‏
شخيص كبيش عن خليفة رحمان‏
أ لم تدر أن الأمر فيه مرتب‏
وفاء لإرباح ونقص لخسران؟
فلا خلق أعلى من جماد وبعده‏
نبات على قَدْرٍ يكون وأوزان‏
وذو الحس بعد النبت والكل عارف‏
بخلاف كشف وإِيضاح برهان‏
وأما المسمى آدما فمقيد
بعقل وفكر وقلادة إِيمان‏
بذا قال سهل‏ والمحقق مثلنا
لأن وإِياهم بمنزل إِحسان
فمن شهد الأمر الذي قد شهدته‏
يقول بقولي في خفاء وإِعلان‏
ولا تلتفت‏ قولًا يخالف قولنا
ولا تبذر السمراء في أمر عميان‏
هم الصم والبكم الذين أتى بهم‏
لأسماعنا المعصوم في نص قرآن
اعلم أيدنا اللَّه وإِياك أن إِبراهيم الخليل عليه السلام قال لابنه: «إِنِّي أَرى‏ فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ» والمنام حضرة الخيال فلم يعبرها. وكان كبش‏ ظهر في صورة ابن إِبراهيم في المنام فصدَّق إِبراهيم الرؤيا، ففداه ربه من وَهم إِبراهيم بالذبح‏ العظيم الذي هو تعبير رؤياه عند اللَّه تعالى وهو لا يشعر. فالتجلي الصوري في حضرة الخيال محتاج‏ إِلى علم آخر يدرك به ما أراد اللَّه تعالى بتلك الصورة.
ألا ترى كيف قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم لأبي بكر في تعبير الرؤيا:
«أصبت بعض وأخطأت بعضاً» فسأله أبو بكر أن يعرِّفه ما أصاب فيه وما أخطأ فلم يفعل. وقال اللَّه تعالى لإبراهيم عليه السلام حين ناداه: «أَنْ يا إِبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا» وما قال له صَدَقْتَ‏ في الرؤيا أنه ابنك: لأنه ما عبرها، بل أخذ بظاهر ما رأى، والرؤيا  تطلب التعبير. ولذلك قال العزيز «إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ‏ ». ومعنى التعبير الجواز من صورة ما رآه إِلى أمر آخر. فكانت البقر سنين في المَحْل والخصب. فلو صدَق في الرؤيا لذبح ابنه، وإِنما صدّق الرؤيا في‏ أن ذلك عين ولده، وما كان عند اللَّه إِلا الذِّبحَ العظيم في صورة ولده ففداه لما وقع في ذهن إِبراهيم عليه السلام: ما هو فداء في نفس الأمر عند اللَّه‏ .
فصوّر الحس الذِّبح وصور الخيال ابن إِبراهيم عليه السلام. فلو رأى الكبش في الخيال لعبَّره‏ بابنه وبأمر آخر. ثم قال‏ «إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ‏ » أي الاختبار المبين أي الظاهر يعني الاختبار في العلم: هل يعلم ما يقتضيه موطن الرؤيا من التعبير أم لا؟ لأنه يعلم أن موطن الخيال يطلب التعبير: فغفل فما وفَّى الموطن حقه، وصدّق الرؤيا لهذا السبب كما فعل تقي بن مخلد الإمام صاحب المسند، سمع في الخبر الذي ثبت عنده أنه عليه السلام قال: «من رآني في النوم فقد رآني في اليقظة فإِن الشيطان لا يتمثل على صورتي» فرآه تقي بن مخلد وسقاه النبي صلى اللَّه عليه و سلم في هذه الرؤيا لبناً فصدّق تقيُّ بن مخلد رؤياه فاستقاء فقاء لبناً. ولو عبَّر رؤياه لكان ذلك اللبن علماً. فحرمه اللَّه علماً كثيراً على قدر ما شرب‏ . ألا ترى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم أُتِيَ‏ في المنام بقدح لبن: «فشربته حتى خرج الرِّي من أظافيري‏ ثم أعطيت فضلي عمر». قيل ما أوَّلته يا رسول اللَّه؟ قال العلم، وما تركه لبناً على‏ «إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ»  
صورة ما رآه لعلمه بموطن الرؤي وما تقتضيه‏ من التعبير. وقد عُلِمَ أن صورة النبي صلى اللَّه عليه وسلم التي شاهدها الحس أنها في المدينة مدفونة، وأن صورة روحه ولطيفته‏ ما شاهدها أحدٌ من أحدٍ ولا من نفسه‏ . كل روح بهذه المثابة فتتجسد له روح النبي في المنام بصورة جسده كما مات عليه لا يخرم‏ منه شي‏ء. فهو محمد صلى اللَّه عليه وسلم المرئي من حيث روحه في صورة جسدية تشبه المدفونة لا يمكن للشيطان أن يتصور بصورة جسده صلى اللَّه عليه وسلم عصما من اللَّه في حق الرائي. ولهذا من رآه بهذه الصورة يأخذ عنه جميع ما يأمره وينهاه عنه‏ ويخبره كما كان يأخذ عنه في الحياة الدنيا من الأحكام على حسب ما يكون منه اللفظ الدال عليه من نص وظاهر ومجمل وما كان‏ فإِن أعصاه شيئاً فإِن ذلك الشي‏ء هو الذي يدخله التعبير، فإِن خرج في الحس كما كان في الخيال فتلك رؤيألا تعبير لها. وبهذا القدر وعليه اعتمد إبراهيم عليه السلام وتقي بن مخلد. ولما كان للرؤيا هذان الوجهان، وعلمنا اللَّه: فيما فعل بإِبراهيم وما قال له: الأدب لما يعطيه مقام النبوة، عَلِمْنَا في رؤيتنا الحق تعالى في صورة يردها الدليل العقلي أنْ نعبِّر تلك الصورة بالحق المشروع إِما في حق حال الرائي و المكان الذي رآه فيه وهما معاً. وإِن لم يردها الدليل العقلي أبقيناها على ما رأيناها كما نرى الحق في الآخرة سواء.
فللواحد الرحمن في كل موطن‏
من الصور ما يخفي وما هو ظاهر
فإِن قلت هذا الحق قَدْ تَكُ‏ صادقاً
وإِن قلت أمراً آخراً أنت عابر
وما حكمه في موطن دون موطن‏
ولكنه بالحق للخلق سافر
إِذا ما تجلى للعيون ترده‏
عقول ببرهان عليه تثابر
ويُقْبَل في مجلَى العقول وفي الذي‏
يسمى خيالً والصحيح النواظر
يقول أبو يزيد في هذا المقام لو أن العرش وما حواه مائة ألف ألف مرة في زاوية من زوايا قلب العارف ما أحس بها . وهذا وسع أبي يزيد في عالم الأجسام. بل أقول لو أن مألا يتناهى وجوده يقدَّر انتهاء وجوده مع العين الموجدة له في زاوية من زوايا قلب العارف ما أحس بذلك في علمه. فإِنه قد ثبت أن القلب وسع الحق ومع ذلك ما اتصف بالري فلو امتلأ ارتوى. و قد قال ذلك أبو يزيد. ولقد نبهنا على هذا المقام بقولنا:
يا خالق الأشياء في نفسه‏
أنت لما تخلقه جامع‏
تخلق مألا ينتهي كونه فيه‏
بك فأنت الضيق الواسع‏
لو أن ما قد خلق اللَّه ما لا
ح بقلبي فجره الساطع‏
من وسع الحق فما ضاق عن‏
خلق فكيف الأمر يا سامع؟
بالوهم يخلق كل إِنسان في قوة خياله مألا وجود له إِلا فيها، وهذا هو الأمر العام. والعارف يخلق بالهمة ما يكون له وجود من خارج محل الهمة ولكن لا تزال الهمة تحفظه. ولا يئودها حفظه، أي حفظ ما خلقته. فمتى طرأ على العارف غفلة عن حفظ ما خلق عُدِمَ ذلك المخلوق، إِلا أن يكون العارف قد ضبط جميع الحضرات وهو لا يغفل مطلقاً، بل لا بد من حضرة يشهدها.
فإِذا خلق العارف بهمته ما خلق وله هذه الإحاطة ظهر ذلك الخلق بصورته‏ في كل حضرة، وصارت الصور يحفظ بعضها بعضاً. فإِذا غفل العارف عن حضرة م وعن حضرات وهو شاهد حضرة ما من الحضرات، حافظٌ لما فيها من صورة خلقه، انحفظت‏ جميع الصور بحفظه تلك الصورة الواحدة في الحضرة التي ما غفل عنها، لأن الغفلة ما تعم قط لا في العموم ولا في الخصوص.
وقد أوضحت هنا سراً لم يزل أهل اللَّه‏ يغارون على مثل هذا أن يظهر لما فيه من رد دعواهم أنهم الحق، فإِن الحق لا يغفل و العبد لا بد له أن يغفل عن شي‏ء دون شي‏ء. فمن حيث الحفظ لما خلق له أن يقول «أنا الحق»، ولكن ما حفظه لها حفظ الحق: وقد بينا الفرق. ومن حيث ما غفل عن صورة م و حضرتها فقد تميز العبد من الحق. ولا بد أن يتميز مع بقاء الحفظ لجميع الصور بحفظه صورة واحدة منها في الحضرة التي ما غفل عنها. فهذا حفظ بالتضمن، وحفظ الحق ما خلق ليس كذلك بل حفظه لكل صورة على التعيين.
وهذه مسألة أُخبرت أنه ما سطرها أحد في كتاب لا أن ولا غيري إِلا في هذا الكتاب:
فهي يتيمة الدهر وفريدته. فإِياك أن تغفل عنها فإِن تلك الحضرة التي يبقي لك الحضور فيها مع‏ الصورة، مثلها مثَلُ الكتاب الذي قال اللَّه فيه‏ «ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْ‏ءٍ» فهو الجامع للواقع وغير الواقع. ولا يعرف ما قلناه إِلا من كان‏ قرآنا في نفسه فإِن المتقي اللَّه «يجعل له فرقاناً» وهو مثل ما ذكرناه في هذه المسألة فيما يتميز به العبد من الرب. وهذا الفرقان‏ أرفع فرقان.
فوقتاً يكون العبد رباً بلا شك‏
ووقتاً يكون العبد عبداً بلا إِفك‏
فإِن كان عبداً كان بالحق واسعاً
وإِن كان رباً كان في عيشة ضنك‏
فمن كونه عبداً يرى عين نفسه‏
وتتسع الآمال منه بلا شك‏
ومن كونه رباً يرى الخلق كله‏
يطالبه من حضرة المُلك والمَلك‏
ويعجز عمَّا طالبوه بذاته‏
لذا تر بعض العارفين به يبكي‏
فكن عبد رب لا تكن ربَّ عبده‏
فتذهب بالتعليق في النار والسبك

 

 

The Meccan Revelations Website:


The Sun from the West:


The Single Monad: