5- فص حكمة مُهَيَّمية في كلمة إِبراهيمية

5- فص حكمة مُهَيَّمية في كلمة إِبراهيمية  
إِنما سمي الخليل‏ خليلًا لتخلله وحصره جميع ما اتصفت به الذات الإلهية. قال الشاعر:
قد تخللت مسلك الروح مني‏
وبه سمي الخليل خليلًا
كما يتخلل اللونُ المتلون، فيكون العَرَضُ بحيث جوهره ما هو كالمكان والمتمكن، و لتخلل‏ الحق وجود صورة إِبراهيم عليه السلام‏ .
وكل حكم يصح من ذلك، فإِن لكل حكم موطناً يظهر به لا يتعداه.
ألا ترى الحق يظهر بصفات المحدثات، وأخبر بذلك عن نفسه، وبصفات النقص وبصفات الذم؟ ألا ترى المخلوق يظهر بصفات الحق من أولها إِلى آخره وكلها حق له كما هي صفات المحدثات‏ حق للحق . «الحمد للَّه»: فرجعت إِليه عواقب الثناء من كل حامد ومحمود.
«وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ» فعمَّ ما ذُمَّ وحُمِدَ، وما ثَمَّ إِلا محمود ومذموم.
اعلم أنه ما تخلل شي‏ء شيئألا كان محمولًا فيه. فالمتخلِّل‏ - اسم فاعل- محجوب بالمتخلَّل- اسم مفعول. فاسم المفعول‏ هو الظاهر، واسم الفاعل هو الباطن المستور. وهو غذاء له كالماء يتخلل الصوفة فتربو به وتتسع. فإِن كان الحق هو الظاهر فالخلق مستور فيه، فيكون الخلق جميع أسماء الحق سمعَه وبصرَه وجميعَ نسبه وإِدراكاته. وإِن كان الخلق هو الظاهر فالحق مستور باطن فيه، فالحق سمع الخلق وبصره ويده ورجله وجميع قواه كما ورد في الخبر الصحيح‏ . ثم إِن الذات لو تعرَّت عن هذه النسب لم تكن إِلهاً.
وهذه النسب أحدثتها أعياننا: فنحن جعلناه بمألوهيتنا إِلهاً، فلا يعرف حتى نعرف. قال عليه السلام: «من عرف نفسه عرف ربه» وهو أعلم الخلق باللَّه.
فإِن بعض‏ الحكماء وأبا حامد ادعوا أنه يُعْرَف اللَّه من غير نظر في العالم وهذا غلط. نعم تعرف ذات‏ قديمة أزلية لا يعرف أنها إِله حتى يعرف المألوه. فهو الدليل عليه. ثم بعد هذا في ثاني حال يعطيك الكشف أن الحق نفسه‏ كان عين الدليل على نفسه وعلى أُلوهيته، وأن العالم ليس إِلا تجليه في صور أعيانهم الثابتة التي يستحيل وجودها بدونه‏ ، وأنه يتنوع ويتصوّر بحسب حقائق هذه الأعيان وأحوالها، وهذا بعد العلم به منا أنه إِله لنا. ثم يأتي الكشف الآخر فيظهر لك صورنا فيه، فيظهر بعضنا لبعض‏ في الحق، فيعرف بعضنا بعضاً، ويتميز بعضنا عن بعض . فمنا من يعرف أن في الحق وقعت هذه المعرفة لنا بنا، ومنا من يجهل الحضرة التي وقعت فيها هذه المعرفة بنا: أعوذ باللَّه أن أكون من الجاهلين. وبالكشفين معاً ما يحكم علينألا بنا، لا، بل نحن نحكم علينا بن ولكن فيه، ولذلك قال‏ «فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ»: يعني على المحجوبين إِذ قالوا للحق لِمَ فعلت بنا كذ وكذا مما لا يوافق أغراضهم، «فيكشِفُ لهم عن ساق»: وهو الأمر الذي كشفه العارفون هنا، فيرون أن الحق ما فعل بهم ما ادعوه أنه فعله‏ وأن ذلك منهم، فإِنه ما علمهم إِلا على ما هم عليه، فتدحض‏ حجتهم وتبقى الحجة للَّه تعالى البالغة. فإِن قلت فما فائدة قوله تعالى: «فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ» قلنا «لو شاء» لو حرف امتناع لامتناع: فما شاء إِلا ما هو الأمر عليه. ولكن عين الممكن قابل للشي‏ء ونقيضه في حكم‏ دليل العقل، وأي الحكمين المعقولين وقع، ذلك هو الذي كان عليه الممكن في حال ثبوته.
ومعنى «لَهَداكُمْ‏ » لبيَّن لكم: وما كل ممكن من العالم فتح اللَّه عين بصيرته لإدراك الأمر في نفسه على ما هو عليه: فمنهم العالم والجاهل. فما شاء ، فما هداهم أجمعين، ولا يشاء، وكذلك‏ «إِنْ يَشَأْ»*: فهل يشاء؟ هذا مألا يكون‏ . فمشيئته أحدية التعلق وهي نسبة تابعة للعلم والعلم نسبة تابعة للمعلوم‏ «فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ» «إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ ويَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ»*  
والمعلوم أنت وأحوالك. فليس للعلم أثر في المعلوم، بل للمعلوم أثر في العلم‏ فيعطيه من نفسه ما هو عليه في عينه. وإِنما ورد الخطاب الإلهي بحسب ما تواطأ عليه المخاطبون وما أعطاه النظر العقلي، ما ورد الخطاب على ما يعطيه الكشف. ولذلك كثر المؤمنون وقل العارفون أصحاب الكشوف.
«وَ ما مِنَّألا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ»: وهو ما كنت به في ثبوتك ظهرت به في وجودك، هذا إِن ثبت أن لك وجوداً. فإِن ثبت أن الوجود للحق لا لك، فالحكم لك بلا شك في وجود الحق. وإِن ثبت أنك الموجود فالحكم لك بلا شك. وإِن كان الحاكم الحق، فليس له إِلا إِفاضة الوجود عليك والحكم‏ لك عليك. فلا تحمد إِلا نفسك ولا تذم إِلا نفسك، وما يبقى للحق إِلا حمد إِفاضة الوجود لأن ذلك له لا لك.
فأنت غذاؤه بالأحكام،
وهو غذاؤك بالوجود.
 فتعين عليه ما تعين عليك . فالأمر منه إِليك ومنك إِليه . غير أنك‏ تسمى مكلَّف وما كلَّفك إِلا بما قلت له كلفني بحالك وبما أنت عليه. ولا يسمَّى مكلَّفاً: اسم مفعول.
فيحمدني وأحمده‏
ويعبدني وأعبده‏
ففي حال أقرُّ به‏
وفي الأعيان أجحده‏
فيعرفني وأنكره‏
وأعرفه فأشهده‏
فأنى بالغنى‏ وأنا
أُساعده فأسعده؟
لذاك الحق أوجدني‏
فأعلمه فأوجده‏
بذا جاء الحديث لنا
وحقق فيَّ مقصده

ولما كان للخليل‏ هذه المرتبة التي بها سمي خليلًا لذلك سنّ القِرَى‏ ، وجعله ابن مَسَرّة مع ميكائيل‏ للأرزاق ، وبالأرزاق يكون تغذي المرزوقين‏ . فإِذا تخلل الرزق ذات المرزوق بحيث لا يبقى فيه شي‏ء إِلا تخلله، فإِن الغذاء يسري‏ في جميع أجزاء المغتذي كله وما هنالك‏ أَجزاء فلا بد أن يتخلل جميع المقامات الإلهية المعبر عنها بالأسماء فتظهر بها ذاته جل وعلا
فنحن له كما ثبتت‏
أدلتن ونحن لنا
وليس له سوى كوني‏
فنحن له كنحن بنا
فلي وجهان هو وأنا
وليس له أنا بأنا
ولكن فيَّ مظهره‏
فنحن له كمثل إِنا
واللَّه يقول الحق وهو يهدي السبيل.
 

 

The Meccan Revelations Website:


The Sun from the West:


The Single Monad: