عفويات: ابن عربي في فاس وسيمياء الأساس: ملكوت الوجه


عفويات: ابن عربي في فاس وسيمياء الأساس: ملكوت الوجه



م.شوقي الزّين - مفكّر جزائري



«كنت بمدينة فاس سنة 591ه/1195م وعساكر الموحدين قد عبرت الأندلس لقتال العدو حين استفحل أمره على الإسلام فلقيت رجلا من رجال الله ولا أزكى على الله أحداً وكان من أخص أودائي فسألني: ماتقول في هذا الجيش، هل يفتح له وينصر في هذه السنة أم لا؟ فقلت له: ما عندك في ذلك، فقال إن الله قد ذكر ووعد نبيه بهذا الفتح في هذه السنة». (ابن عربي، الفتوحات المكية، الجزء الرابع، ص. 220).

«إذا كان بإمكان ابن عربي أن يختار إسماً رمزياً لمدينة فاس، لكان سيسمّيها "نور"، لأنّه للمرة الثانية يرتقي فيها إلى منزل النور». (كلود أداس، ابن عربي أو البحث عن الكبريت الأحمر، باريس، غاليمار، 1989، ص. 182).

«الوجه هو مجلى كلمة الله» (إيمانويل لفيناس، الغيرية والتعالي، منشورات فاتا مورغانا، ص. 114).
«فأينما تولّوا فثمّ وجه الله» (البقرة، الآية 115).

 إنّ الواقعة التاريخية في المعركة بين أبي يوسف يعقوب الموحّدي والملك ألفونس الثامن القشتلي في ضواحي إشبيلية، كانت مثيرة وحاسمة في التطوّر الروحي لدى ابن عربي، ولقاء تلاميذ الدقّاق وابن حرزهم الذيْن يعتبران ذاكرة فاس الروحية والفكرية. وفي هذه المدينة كانت له سجالات مع المتكلّمين حول العلاقة بين الذات والصفات مثل عبد الله الكتّاني الفاسي، فكان أن أجاب بإجابته المفضّلة "البين بينية" (لا ونعم) في جوابه أيضاً لابن رشد القرطبي حول حشر الأجساد. إنّها الإجابة البرزخية التي يشهر بها ابن عربي لتبيان أنه في الضفتين معاً، أي لا في هذه الضفّة ولا تلك، لأنّه فيهما معاً، لكن من موقع "جسدي" لا يُرى، وليس من موقع "جسمي" محدّد الأبعاد والأعماق. فكان أن وقعت له حادثة "الوجه بلا قفا"، يرى في كل الاتجّاهات، كعين واحدة يبلغ نظرها حدود الآفاق، الوجه الآخر لحلول الترياق؛ وحادثة "منزل النور" في التمييز بين الجسم والجسد؛ الجسم بكثافته الطينية، والجسد بلطافته العينية. الجسم هو كل ما كبُر أو صغُر أو عظُم تحتويه المعرفة حتى وإن لم يحط به الإدراك؛ الجسد هو كل ما شبُه أو مثُل فكان لطيفاً في صورة الكثيف، أو خفياً في صورة الجليّ. فكان أن يحبّذ ابن عربي الجسد على الجسم، لأنّه برزخي، بيني، عيني، كوني.

في فاس العتيقة والعريقة والعميقة، في جامع عين الخيل، كان لابن عربي هذا الحضور الوجودي والشهودي في معاينة الأنوار بوجه بلا أسوار، وأبعاد بلا أسرار، وأعماق بلا أغوار: «وهذا مقام نلته سنة 593ه/1197م بمدينة فاس في صلاة العصر وأنا أصلّي بجماعة بالمسجد الأزهر بجانب عين الخيل فرأيته نوراً يكاد يكون أكشف من الذي بين يديّ غير أنّي لما رأيته زال عني حكم الخلف وما رأيت لي ظهراً ولا قفا ولم أفرّق في تلك الرؤية بين جهاتي بل كنت مثل الكرة لا أعقل لنفسي جهة إلا بالفرض لا بالوجود»1. ما معنى أن نكون وجهاً؟ وما الفرق بين الوجه العرفاني الفاقد للجهات، والوجه العقلاني المحدق بالجهات كما في رسالة إيمانويل كانط "ما التوجّه في التفكير؟". ما الفارق بين الأنوار العرفانية في المعراج الذاتي لدى ابن عربي، والتنوير الفلسفي في التقدّم العقلاني لدى الفيلسوف في رسالته "ما هي الأنوار؟". ليست هذه التساؤلات مباحث من أجل التشابهات أو التقابلات بين التجربة العرفانية والتجربة الفلسفية، فكلاهما من نمط واحد، ولكن يختلفان في الهيئة كاختلاف الماء عن الماء من حيث سيولته أو صلابته. وفي إنصافه لأفلاطون يكتب ابن عربي: «والاشتغال بالفكر حجاب وغيرنا يمنع هذا ولكن لا يمنعه أحد من أهل طريق الله، بل مانعه انما هو أهل النظر والاستدلال من علماء الرسوم الذين لا ذوق لهم في الأحوال، فإن كان لهم ذوق في الأحوال كأفلاطون الإلهي من الحكماء فذلك نادر في القوم، ونجد نفسه يخرج مخرج نفس أهل الكشف والوجود، وما كرهه من كرهه من أهل الإسلام إلا لنسبته إلى الفلسفة لجهلهم بمدلول هذه اللفظة»2.

ما هذا الوجه الذي أردفه ابن عربي بالحقيقة عندما كتب في أكثر من كتاب ورسالة أنّ «وجه الشيء حقيقته»؟ نعلم أنّ الوجه لم يكن له حضور في تاريخ الفكر، فهو الأكثر بروزاً من "الأناتوميا" البشرية والحيوانية، ولكن الأكثر خفاءً من حيث التفكير والتنظير. تشبه حالته الشمس التي تختفي من فرط وضوحها وإشراقها. فهي لا تظهر (بفتح التاء)، ولكن تظهر (بضمّ التاء)، أي مجرّد وسيط بين الإدراك وموضوعه. لم يتمتّع الوجه بمدينة فاضلة كالتي أسّسها أفلاطون أو الفارابي حيث الغالب، بشكل من القياس المجازي، هو القلب كرئيس والدماغ كحاجب والأعضاء أو الجوارح كجنود. لقد بقي الوجه على هامش القراءات والتنظيرات سوى شذرات هنا وهناك.

إنّ خطورة الوجه أنّه حامل كل المقوّمات التي يقوم عليها الإنسان: فالوجه وحده يبتسم ويغضب ويفرح وينشرح ويمتعض. إنّه العنوان الجليّ لما كمُن من الحال الخفيّ. والوجه وحده، في "جسميته"، مسرح المفاتن (العين، الحاجب، اللسان، الشفتين) وفي "جسديته"، حلبة المكامن (نظرة، غمزة، رمشة، ابتسامة حب أو ابتسامة سخرية أو ابتسامة غضب، إلخ). والوجه وحده الذي تعبره قنوات العين والأذن والأنف والفمّ من أجل الرؤية والسماع والشمّ والذوق. فهو يحمل في مساحته "المتجسّم" (العين، الأذن، الأنف، الفمّ) و"المتجسّد" (الرؤية، السماع، الشمّ، الذوق)، لأنّ الآلات لا تتطابق مع المآلات، أي الآلة الوجهية لا تتماهى مع الغاية الحسية أو الحدسية.

وهل عجيباً إذا كان "الوجه" هو الكتاب الوحيد الذي بنى عليه أهل العرفان علومهم الكشفية وعلى رأسها "الفراسة"، تلك الفراسة التي لم تنل هي الأخرى حظّها من التقنين أو التسنين: «الفراسة عبارة عن الاستدلال بالأحوال الظاهرة على الأخلاق الباطنة»3. كل عضو في الوجه له خاصية سلوكية أو هو يرتبط بفعل أو انفعال أو افتعال أو تفاعل. ومنزل النور الذي يقول ابن عربي أنّه بلغه في فاس له هذا الأساس في المتن النبوي: «اتّقوا فراسة المؤمن فإنّه ينظر بنور الله»4. والفراسة، أكثر من ارتباطها بالذكاء، فهي تلتحم بشيء يتعدّى العقل، وهو المعنى اللغوي الاشتقاقي الذي يتحدّث عن "التفرّس بالشيء"، كخاطر يهجم مثل هجوم الأسد على فريسته، فنستبق الفعل قبل وقوعه بمجرّد اجتماع العلامات من نظرات أو إشارات أو حركات. فالفراسة هي، بهذا المعنى، من نظام "الباده"، وليست من نظام "البداهة".

ليس الغرض من إيراد الفراسة هو القيام بمبحث في هذا الفنّ، ولكن لارتباطه بالأرضية التي تهمنا هنا وهي الوجه بوصفه حامل الدلالات والعلامات، بوصفه ملكوت الأحوال، وجبروت الأفعال. لكن يربطه ابن عربي بالنور وبالحقيقة، إلى درجة أنّ "وجه" الكائن هو حقيقته، ما هو عليه، وهو ما يعبّر عنه "بالوجه بلا قفا"، ككائن كروي، مستدير، كعين شاملة، لأنّه يرى كل الأمكنة والأزمنة، فتنعطف بدايته على نهايته، كالدائرة التي نقطة البداية هي عينها نقطة النهاية، عنوان الاكتمال وسيمياء الكمال. والوجه هو الوحيد الذي يتبدّى في عرائه، وحجبه هو حجب الكائن: «إنّ بشرة الوجه هي التي تبقى عارية، معرّاة، ولكنه عراء محتشم؛ والأكثر فراغاً أيضاً: ثمة في الوجه فقراً أساسياً، والدليل على ذلك هو أننا نحاول حجب هذا الفقر باختلاق الوضعيات، في شكل السعة»5. ويصف لفيناس الوجه على أنّه "المعنى" الذي يفتقر إلى سياق، لأنّه يعبّر عن الكائن كما هو، لأنّ الدليل على الكائن هو الكائن نفسه، كذلك "الوجه" لا يعبّر سوى عن ذاته، في شكل دوران وجودي بالمعنى الذي رأيناه مع ابن عربي.

يكتب لفيناس: «الوجه هو المعنى، ومعنى بلا سياق. أعني بذلك أنّ الآخر في استقامة وجهه ليس شخصاً في سياق. عادة إننا "شخصا": أستاذ في السوربون، وكيل مجلس الدولة، ابن فلان، كل ما هو مدوّن في جواز السفر، طريقة في اللباس، أو في التعرّف. وكل معنى، بالدلالة العادية، يرتبط بسياق: معنى الشيء هو في علاقته بشيء آخر. لكن هنا، بالعكس، الوجه هو معنى لذاته. أنت هو أنت. يمكن القول أنّ الوجه لا "يُرى". إنّه ما لا يمكنه أن يكون جوهراً، أن يشمله فكرك. إنّه ما لا يحصره شيء، ويرتقي بك إلى الماوراء»6. يبرز هذا النص عند لفيناس كيف أنّ الوجه لا مرآة له، ويتّخذ معناه في ذاته، بدون انعكاس مرآوي على شيء آخر غيره. فهو بالأحرى دائري، كروي، يحيل إلى ذاته (أنت هو أنت). فقط "المرآة الإدارية" تتدخّل في ربط الكائن بذاته، عندما تكون البطاقة الشخصية أصدق من الكائن نفسه، تصدّقها الصورة الموضوعة: ليس صورة يدّ أو رجل أو ذراع، ولكن صورة "وجه". ولا ننسى أيضاً أنّ في اللسان الإغريقي العريق "الوجه" و"الشخص" لهما المعنى ذاته (πρόσωπο).

لكن إذا كان "الوجه" هو الأصل في المنحى الذي اختاره ابن عربي ولفيناس، فإنّ المنحى الذي حبّذه إيمانويل كانط هو بالأحرى التجليات التاريخية للوجه، في التفكير كما في التعبير والتدبير (في رسالته "ما التوجّه في التفكير؟"). فهو واحد بذاته (وجه)، ولكن متعدّد بأسمائه ونحويته: التوجّه، التوجيه، الوجاهة، الوجهة. في كلّ موطن أو موقع ثمّة وجه: ذات، كائن، حقيقة. لكن رغم الأبعاد الجغرافية التي تتبدّى في هذه "النحويات الوجهية" لأنّ التوجّه هو التنقّل من موضع إلى آخر، والتوجيه هو حمل الآخر على اتّخاذ مسار معيّن، والوجاهة هي الارتباط بالشيء لوزنه بميزان الحصافة، والوجهة هي القبلة التي يتولاّها الكائن؛ أقول رغم هذه الأبعاد المكانية والمواقعية في المسار والمدار، فإنّ الوجه كأصل يحضر بلطافته الجسدية، في ما وراء كثافته الجسمية. لأنّ التوجّه أو التوجيه أو الوجهة هي كلّها "الوجه" في حركته، فلم يتحرّك سوى الوجه لأجل الوجه بالوجه.

وهو ما عبّر عنه ابن عربي في "معراجه الفاسي" بهذه الكلمات الفاتنة والإشارات الكامنة: «قلت حسبي حسبي قد ملأ أركاني فما وسعني مكاني وأزال عني به إمكاني، فحصلت في هذا الإسراء معاني الأسماء كلّها فرأيتها ترجع إلى مسمّى واحد وعين واحدة، فكان ذلك المسمّى مشهودي وتلك العين وجودي، فما كانت رحلتي إلاّ فيّ ودلالتي إلاّ عليّ»7. فلم يسافر "الوجه" سوى في ذاته، بشكل دائري أو دوري، على هيئة الكون الذي صدر منه، فأصبح عيناً واحدة، ترى بنظرة واحدة، فحصلت على علوم الأوّلين والآخرين، في مشهد القوّة واليمين، وفي مطلع الوجاهة والتمكين. فالوجه دائري، جسماً وجسداً، وكلّ كائن فهو دائري، من الفلك في الكون إلى الجنين في البطن. وكل وجهة يتولاّها فهي وجهه وقِبلته. الاستدارة أصل والاستقامة فرع. فلا يستقيم الشيء سوى باستدارته، فهو في بحثه عن ذاته لا ينفكّ عن تيهه وهذيانه. لأنّ كل بحث عن الحقيقة، كل مبحث عن الوجه، هو استدارة، دوران وحوران، وليس عجيباً أن تكون الدورة والاستدارة هي في أصلها ووجهها "حيرة". فلأنّ الكائن يبحث عن ذاته، فإنّه يدور ويحور، أي يحير و يحار. فأينما تولّى فثمّ وجهه، لأنّ سفره في ذاته، وعلّة بحثه في كيانه، بالفقر والسعة، بالعري والحجب. ولا يحجب الوجه سوى من لا وجه له، ولا ذات. لأنّ نفي الوجه هو نقض للحقيقة الذاتية، بحكم أنّ الوجه هو منبع الأنوار ومجلى الأغوار، نقرأ فيه كتاب الكائن، نتفرّس فيه علامات السائر والحائر، نرى فيه ما لا نراه في ذواتنا، بل نرى فيه ذواتنا. الوجه هو الوحيد الذي لا مرآة له، ولكن هو مرآة لغيره، لأنّ الوجوه واحدة، تحيل بعضها إلى بعض، في إحالة هي الأخرى حيلة وحيرة، لأنّها دورة واستدارة.

لهذا "أشكل الإنسان عليه الإنسان" كما كان يحبّ أبو حيّان التوحيدي قوله، لأنّ في الأصل هناك الحيرة والاستدارة، لا تنفكّ الأشياء عن الدوران على رحى الوجود، في ذهاب وإياب، في ولوج وخروج، في نزول وعروج، والكلّ داخل الوجه الذي هي عليه الكائنات بالذات، فلا تغادر نواتها، ولا تحيد عن ذواتها، ما دام المبتدأ يؤول بها إلى المنتهى، والمنتهى عينه المبتدأ. فلا تبرح مكانها حقيقة، وهي تسرح في وجوهها مجازاً، أي في الوجهات التي تتولاّها رهبة أو رغبة، عمداً أو قهراً، نفعاً أو عنفاً.

--------------------------------------

1 ابن عربي، الفتوحات المكية، الجزء الثاني، ص. 486

2 المرجع نفسه، ص. 523

3 فخر الدين الرازي، الفراسة، تحقيق إبراهيم مدكور، القاهرة، الهيئة المصرية للكتاب، 1982، ص. 92

4 الترمذي، الجامع الصحيح، الحديث 3127

5 إيمانويل لفيناس، الأخلاق واللاتناهي، منشورات فايار، 1982، ص. 90

6 المرجع نفسه، ص. 91

7 ابن عربي، الفتوحات المكية، الجزء الثالث، ص. 350

 

The Meccan Revelations Website:


The Sun from the West:


The Single Monad: