مَا رَحَّلُوا يَوْمَ بَانُوا الْبُزَّلَ الْعِيسَ

من ديوان ترجمان الأشواق للشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي، تحقيق محمد حاج يوسف  

 

2- القصيدة الثانية وهي ثلاثة عشر بيتاً من البحر البسيط

 

1 مَا رَحَّلُوا يَوْمَ بَانُوا الْبُزَّلَ الْعِيسَا     إِلاَّ وَقَدْ حَمَلُوا فِيهَا الطَّوَاوِيسَا  
2 مِنْ كُلِّ فَاتِكَةِ الْأَلْحَاظِ مَالِكَةٍ     تَخَالُهَا فَوْقَ عَرْشِ الدُّرِّ بَلْقِيسَا  
3 إِذَا تَمَشَّتْ عَلى صَرْحِ الزُّجَاجِ تَرَى     شَمْساً عَلى فَلَكٍ فِي حِجْرِ إِدْرِيسَا  
4 يُحْيِي، إِذَا قَتَلَتْ بِالْلَّحْظِ، مَنْطِقُهَ     كَأَنَّهَا عِنْدَمَا تُحْيِي بِهِ عِـيسَى  
5 تَوْرَاتُهَا لَوْحُ سَاقَيْهَا سَناً وَأَنَا     أَتْلُو وَأَدْرُسُهُا كَأَنَّنِي مُوسَى  
6 أُسْقُفَّةٍ مِنْ بَنَاتِ الرُّومِ عَاطِلَةٍ     تَرَى عَلَيْهَا مِنَ الْأَنْوَارِ نَامُوسَا  
7 وَحْشِيِّةٍ مَا بِهَا أُنْسٌ قَدِ اْتَّخَذَتْ     فِي بَيْتِ خُلْوَتِهَا لِلذِّكْرِ نَاوُوسَا  
8 قَدْ أَعْجَزَتْ كُلَّ عَلاَّمٍ بِمِلَّتِنَ     وَدَاوُدِيّاً، وَحَبْراً ثُمَّ قِسِّيسَا  
9 إِنْ أَوْمَأَتْ تَطْلُبُ الْإِنْجِيلَ تَحْسَبُهَ     أَقِسَّة أو بَطَارِيقاً شَمَامِيسَا  
10 نَادَيْتُ، إِذْ رَحَّلَتْ لِلْبَيْنِ نَاقَتَهَا:     يَا حَادِيَ الْعِيسِ لا تَحْدُو بِهَا الْعِيسَا  
11 عَبَّيْتُ أَجْيَادَ صَبْرِي يَوْمَ بَيْنِهِمُ     عَلى الطَّرِيقِ كَرَادِيساً كَرَادِيسَا  
12 سَأَلْتُ إِذْ بَلَغَتْ نَفْسِـي تَرَاقِيَهَ     ذَاكَ الْجَمَالَ وَذَاكَ الْلُّطْفَ تَنْفِيسَا  
13 فَأَسْلَمَتْ، وَوَقَانَا اللهُ شِرَّتَهَا،     وَزَحْزَحَ المَلَكُ المَنْصُورُ إِبْلِيسَا  

 

شرح البيت الأول:

 

1 مَا رَحَّلُوا يَوْمَ بَانُوا الْبُزَّلَ الْعِيسَ     إِلاَّ وَقَدْ حَمَلُوا فِيهَا الطَّوَاوِيسَا  

"فيها" بمعنى عليها (أي حملوها عليها)، و"البُزَّل" (جمع بازل، من: بَزَلَ البعيرُ أي طلعت نابه، وذلك يكون في السنة التاسعة للذكر أو للأنثى، ويقال: بَزَلَ الرَّجُلُ: أي كَمُلَتْ تَجْرِبَتُهُ، فالبُزَّل هي): الإبل المسنَّة[1] (أي التي طلعت أسنانها واكتمَلت)، و"رحَّلوها": جعلوا رحالها عليها، و"الطواويس": كناية عن أحبّته، شبَّهَهم بهنَّ لحسنهن.المقصد: "البُزَّل"؛ يريد الأعمال الباطنة والظاهرة، فإنها التي تَرفع الكلم الطيب إلى المستوى الأعلى، كما قال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ اَلْكَلِمُ اَلطَّيِّبُ واَلْعَمَلُ اَلصّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: 10]. و"الطواويس" المحمولة فيها أرواحها، فإنه لا يكون العمل مقبولا، ولا صالحا، ولا حسنا، إلا حتى يكون له روحٌ من نِيَّة عامِله، أو هِمَّته،[2] وشبَّهها بالطيور لأنها روحانية، وكنّى عنها أيضا بالطواويس لتنوُّع اختلافها في الحسن والجمال.

شرح البيت الثاني:

 

 

2 مِنْ كُلِّ فَاتِكَةِ الْأَلْحَاظِ مَالِكَةٍ     تَخَالُهَا فَوْقَ عَرْشِ الدُّرِّ بَلْقِيسَا  

"الفتك": القتل في خلوة[3]، "مالكة": حاكمة، "تخالها": تحسبها، "العرش": السرير، "بلقيس": المذكورة في القرآن في قصة سليمان عليه السلام.المقصد، يقول: مِن كلِّ حِكمة إلهية حصلت للعبد في خلوته، فقتلته عن مشاهدة ذاته، وحكمت عليه؛ فإذا رأيتها حسبتها فوق سرير الدُّرّ، يشير إلى ما تجلى لجبريل والنبي عليهما الصلاة والسلام في بعض إسرائه في رفرف الدّر والياقوت[4] عند سماء الدنيا، فغشي على جبريل وحده، لعلمه بمن تجلى له في ذلك الرفرف الدُّرِّي (وأمّا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فبقي على حاله، لكونه ما علم ما هو، فلم يكن له سلطان عليه، فلما أخبره جبريل عندما أفاق أنَّه الحق قال صلَّى الله عليه وسلَّم عند ذلك: فعلمتُ فضله، يعني فضل جبريل عليَّ في العلم، فالعلم أصعق جبريل، وعدم العلم أبقى النبىّ صلَّى الله عليه وسلَّم على حاله، مع وجود الرؤية من الشخصين) [كنز العمال: 35456، الفتوحات المكية: ج3ص214]. وسمّاها "بلقيسا": لتولدها (أي هذه الحكمة) بين العِلم والعمل، فالعمل كثيف، والعِلم لطيف، كما كانت بلقيس متولِّدة بين الجنّ والإنس، فإن أمّها من الإنس وأباها من الجنّ، ولو كان أبوها من الإنس وأمُّها من الجن، لكانت ولادتُها عندهم، وكانت تغلب عليها الروحانية، ولهذا ظهرت بلقيس عندنا (لأنَّ أمَّها من الإنس).

شرح البيت الثالث:

 

3 إِذَا تَمَشَّتْ عَلى صَرْحِ الزُّجَاجِ تَرَى     شَمْساً عَلى فَلَكٍ فِي حِجْرِ إِدْرِيسَا  

"إذا تمشت": أي إذا سرَت وسارت.[5]المقصد: ذكر صرح الزجاج لَمَّا شبَّهها ببلقيس، وشبَّه الصرح بالفلك، وكنَّى بـ"إدريس" عن مقام الرِّفعة والعلوّ (إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً﴾ [مريم: 57])، وكونُها في حِجره: أي في حُكمه، من جهة تصريفه إيَّاها حيث يريد، كما قال عليه الصلاة والسلام: «لَا تُعْطُوا الْحِكْمَةَ غَيْرَ أَهْلِهَا (فَتَظْلِمُوهَا)»،[6] فلولا الحُكم عليها ما صحَّ التحكُّم فيها؛ بخلاف المتكلِّم بغلبة الحال عليه؛ فيكون في حُكم الوارد. فينبِّهُ في هذا البيت على تملُّكه ميراثاً نبوياً، فإنَّ الأنبياء يملكون الأحوال، وأكثر الأولياء تملكهم الأحوال.[7] وقرن الشمس وإدريس لأنها سماؤه (التي رفعه الله إليها).[8] وشبَّهها بالشمس دون القمر تعريفاً بمقام هذه الحِكمة من غيرها، فكأنه يقول: قوة سلطان هذه الحكمة إذا وردت على قلب صاحب التجريد أثمرت فيه أحوالاً حِساناً ومعارفَ مختلفة، وإذا وردت على قلبٍ متعشِّقٍ بما حصَلَ فيه (قبلها) من المعارف أحرقتها وأذهبتها (أي هذه الحكمة تُحرق هذه المعارف السابقة التي تعشَّق بها القلب، لكونها أعلى منها وأقوى). وذكر "المشي" دون السعي وغيره، لنخوتها وعُجبها وانتقالها في حالات هذا القلب من حال إلى حال، بضربٍ من التمكُّن (المشار إليه بمعنى "التمشّي").

شرح البيت الرابع:

 

4 يُحْيِي[9]، إِذَا قَتَلَتْ بِالْلَّحْظِ، مَنْطِقُهَ     كَأَنَّهَا عِنْدَمَا تُحْيِي بِهِ عِـيسَى  

المقصد: نبّه على مقام الفناء في المشاهدة، بقوله: "قتلت باللحظ"، وكنّى بالإحياء عند النطق لتمام التسوية لنفخ الروح، ووقع التشبيه بعيسى عليه السلام، دون التشبيه بقوله تعالى: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ [الحجر: 29، ص: 72]، أو بقوله تعالى: ﴿أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ﴾ [يس: 82]؛ من وجهين:الوجه الواحد: الأدب، فإنَّا لا نرتفع إلى التشبيه بالحضرة الإلهية، إلاّ بعد أن لا نجد في الكون من يقع التشبيه به فيما قُصد[10].الوجه الآخر: أنّ عيسى عليه السلام، لَمَّا وُجد من غير شهوة طبيعية، فإنه كان من باب التمثُّل في صورة البشر، فكان غالباً على الطبيعة، بخلاف من نزل عن هذه المرتبة، ولَمَّا كان الممثَّل به روحاً في الأصل، كانت في قوة عيسى إحياء الموتى؛ ألا ترى السامريَّ [انظر قصته في الدليل: السامري] - لمعرفته بأنّ جبريل عليه السلام معدن الحياة حيث سلك - أخذ من أثره قبضة، فرماها في العِجل (الذي صنعه من الحلية الذهبية التي جمعها من بني إسرائيل)، فخار وقام حيّاً (﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾ [طه: 88]).

شرح البيت الخامس:

 

5 تَوْرَاتُهَا لَوْحُ سَاقَيْهَا سَناً وَأَنَا     أَتْلُو وَأَدْرُسُهُا كَأَنَّنِي مُوسَى  

"الساق" هنا جيء به لَمَّا كنَّى عنه ببلقيس والصرح، وكانت قد كشفت عن ساقيها (كما في الآية 44 في سورة النمل)، أي بيَّنت أمرها، ومنه قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: 42]، (أي يكشف عن) الأمر الذي يقوم عليه شأن[11] الآخرة، ومنه (قوله تعالى): ﴿واِلْتَفَّتِ اَلسَّاقُ بِالسّاقِ﴾ [القيامة: 29]، أي الْتفَّ أمرُ الدُّنيا بأمر الآخرة. و"التوراة": من وَرَى الزَّنْدُ (أي خرَجت نارُه)، فهو راجع إلى النور. وينسب إلى التوراة أنّ لها أربعة أوجه (في التأويل، لأنَّها في أصلها كلام الله، مثل القرآن الكريم الذي قال عنه النبي صلّى اللهُ عليه وسلّم: «أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، لِكُلِّ حَرْفٍ مِنْهَا ظَهْرٌ وَبَطْنٌ، وَلِكُلِّ حَرْفٍ حَدٌّ وَمُطَّلَعٌ» [كنز العمال: 3086])؛ فشبّه ساقَيها بالتوراة في الأربعة الأوجه والنور، والأربعة هم الذين يحملون العرش الآن،[12] وهي الكتب الأربعة، وستأتي الإشارة إليها مع مناظرتها مع أصحاب الكتب الأربعة في هذه القصيدة. فكأنه يقول: إن أمر هذه الحِكمة قام على النور. ولذا قال: "سنا"، فإنّ النور الذي وقع به التشبيه إنما وقع بأربعة: المشكاة، والمصباح، والزجاج، والزيت المضاف إلى الزيتونة المنزَّهَة عن الجهات، الثابتة في خطِّ الاعتدال. ولَمَّا كنَّى عن ساقَيْها بالتوراة، احتاج إلى ما يناسب ما وقع به التشبيه من التلاوة والدَّرْس، وذكر مَن أُنزلت عليه، و"أتلو" هنا: أتبع، و"أدرسها"، أي أطأ أثرها، فيتغير بصفتي، كما يطأ أحدكم أثر غيره فيغيِّره بوطئه إلى شكلِ ما وطئه به، فإن "الدَّرْس": التغيير.

شرح البيت السادس:

 

6 أُسْقُفَّةٍ مِنْ بَنَاتِ الرُّومِ عَاطِلَةٍ     تَرَى عَلَيْهَا مِنَ الْأَنْوَارِ نَامُوسَا  

"الأسقف": عظيم الروم، و"العاطلة": الخالية من الحليّ، و"الناموس": الخير.والمقصد، يقول: إنّ هذه الحكمة عيسوية المحتد (أي الأصل)، ولهذا نسبها إلى الروم. وقوله "عاطلة": أي هي من عين التوحيد، ليس عليها من زينة الأسماء الإلهية أثر، كأنه جعلها ذاتية لا أسمائية ولا صفاتية، ولكن يظهر عليها من الخير المحض ما يكنَّى عنه بالأنوار، وهي السُّبُحات المحرقة، التي لو رَفع سبحانه الحجب النورانية والظلمانية «لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ (مَا وَقَعَ عَلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ)» [مسلم: 179]، فهذه السّبحات هي التي كنّى عنها بالأنوار التي في قوة هذه الحكمة العيسوية، فهي الخير المحض، إذ هي الذات المطلقة.

شرح البيت السابع:

 

7 وَحْشِيِّةٍ مَا بِهَا أُنْسٌ قَدِ اْتَّخَذَتْ     فِي بَيْتِ خُلْوَتِهَا لِلذِّكْرِ نَاوُوسَا  

"الناووس": قبر من رخام، كانت ملوك الروم تُدفن فيها. والمقصد، يقول: إنّ هذه الحكمة العيسوية ("وَحْشِيِّة") لا يقع بها "أُنسٌ"، فإنّ مشاهدته فناءٌ ليس فيها لذة، كما قال (أبو العباس ابن القاسم) السياري (توفي سنة 342 ه): "ما الْتذَّ عاقل بمشاهدة (الحق) قط، لأن مشاهدة الحق فناء ليس فيها لذة".[13] وجعلها "وَحْشِيِّة"، أي أنها تشره إلى مثلها النفوس الشريفة وهي لا تألف إليها لعدم المناسبة، فلهذا جعلها وحشية. وقوله: "بيت خلوتها"، فكنى بالبيت عن قلبه وخلوتها فيه نظرُها إلى نفسها، فإنّ الحق يقول: «مَا وَسِعَنِي أَرْضِي وَلا سَمَائِي وَوَسِعَنِي قَلْبُ عَبْدِي الْمُؤْمِن»[14]. ولَمَّا كان هذا القلب، الذي وسع هذه الحكمة الذاتية العيسوية، في مقام التجريد والتنزيه، كان كالفلاة وكانت فيه كالوحش، فلهذا قال أيضا: "وَحْشِيِّة". ثم ذكر مَدفن ملوك الروم تذكرةً لها، أي يتذكَّر الموت الذي هو فِراق الشمل، فأنِفت[15] من (أي ترفَّعت عن) التألُّف بعالم الأمر والخلق من أجل الفِراق، فيذكِّرُها ذلك (الناووس، أي) القبر حالةَ الفراق، فيزهِّدَها في اتخاذ الأُلفة (ولذلك سمَّاها: "وحشيَّة").

شرح البيت الثامن:

 

8 قَدْ أَعْجَزَتْ كُلَّ عَلاَّمٍ بِمِلَّتِنَ     وَدَاوُدِيّاً، وَحَبْراً ثُمَّ قِسِّيسَ  

لَمَّا كانت هذه المسألة ذاتية، وكانت الكتب الأربعة لا تدلُّ إلا على الأسماء الإلهية خاصة لها، لَم يقاومها ما تحمله هذه الكتب من العلوم، وكّنى عنها بحامِلها: فكنّى عن القرآن بالعلَّام (بملَّتنا)، وعن الزبور بالمنسوب إلى داود،[16] وعن التوراة بالحَبر، وعن الإنجيل بالقسيس.[17]

شرح البيت التاسع:

 

9 إِنْ أَوْمَأَتْ تَطْلُبُ الْإِنْجِيلَ تَحْسَبُهَ     أَقِسَّة أو بَطَارِيقاً شَمَامِيسَا  

يقول: إن كان من هذه الروحانية إشارة - من كونها عيسوية - إلى الإنجيل بطريق التأييد له فيما وُضع له بحسب الخواطر منَّا[18]، كنَّا لديها بمنزلة هؤلاء (العلماء الأربعة) المذكورين، الذين هم جمال هذا العلم وساداته والقائمون به خادمون بين يديها، لِما هي[19] عليه من العِزَّة والسلطان.

شرح البيت العاشر:

 

10 نَادَيْتُ، إِذْ رَحَّلَتْ لِلْبَيْنِ نَاقَتَهَا:     يَا حَادِيَ الْعِيسِ لا تَحْدُو بِهَا الْعِيسَا  

يقول: هذه الروحانية الذاتية، لَمَّا أرادت الرحيل عن هذا القلب الشريف، لرجوعه من مقام «لِي وَقْتٌ لَا يَسَعُنِي فِيهِ غَيْرُ رَبِّي»،[20] إلى النظر في مصالح ما كُلِّف به من القيام بالعوالِم، بالنظر إلى الأسماء (بعد أن كان في مشاهدة الذات)، "رحَّلَت" الهمَّة التي جاءت عليها لهذا القلب. وكنّى عنها بـ"الناقة"، والملائكة المقرَّبُون المهَيَّمُون[21] هم "حُداة" هذه الهِمم، فأخذ يخاطب روحانياً، بكناية[22] "الحادي"، أن لا يسير بها لِما له بها[23] من التعشُّق والتعلُّق، والإنسانية تأبى[24] استدامة هذه الحالة.

شرح البيتين الأحد عشر والثاني عشر:

 

11 عَبَّيْتُ أَجْيَادَ صَبْرِي يَوْمَ بَيْنِهِمُ     عَلى الطَّرِيقِ كَرَادِيساً كَرَادِيسَا  
12 سَأَلْتُ إِذْ بَلَغَتْ نَفْسِـي تَرَاقِيَهَ     ذَاكَ الْجَمَالَ وَذَاكَ الْلُّطْفَ تَنْفِيسَا  

أراد بـ"الطريق": المعراج الروحاني، و"الكراديس": الجماعات، وأحدها كردوس.[25]وقوله: "تنفيسا"، يريد ما أراد النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «إِنَّ نَفَسَ الرَّحْمٰنِ يَأْتِينِي مِنْ قِبَلِ اليَمَن» [كنز العمال: 33951]، يقول: أريد، إذ ولابدَّ من رحلتها، فلا يزال عالم الأنفاس من جهتها يأتيني مع الأحوال، وهو الذي أيضاً تشير به العرب في أشعارها بإهداء التحية والأخبار مع الرياح إذا هبَّت، فكنّى عن هذا المقام هنا بالأنفاس.

شرح البيت الثالث عشر:

 

13 فَأَسْلَمَتْ، وَوَقَانَا اللهُ شِرَّتَهَا،     وَزَحْزَحَ المَلَكُ المَنْصُورُ إِبْلِيسَا  

يقول: فأجابت وانقادت إلى سؤالي، ووقانا الله سطوتها، كما قال (صلى الله عليه وسلم): «وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ» [مسلم: 486]، هذا مقامه. وزحزح الملك - يريد خاطر العلم والهداية - إبليساً – (يريد) خاطر الاتحاد - فإنّ هذا مقامٌ صعبٌ قلَّ من حصل فيه فسَلِم من القول بالاتحاد والحلول، فإنَّه المشار إليه بقول الله: «كُنْتُ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ» الحديث [البخاري: 6502].
  


 

[1] في المطبوعات غير المحققة: "المسمنة"، والصحيح ما أثبت كما هو في المخطوطات.
[2] في المطبوعات غير المحققة: "روح مزينة عاملة أو همة"، والصحيح ما أثبت كما هو في المخطوطات.
[3] في المطبوعات غير المحققة: "صورة"، والصحيح ما أثبت كما هو في المخطوطات.
[4] الدّرّ هو كبار اللؤلؤ. والياقوت هو حجر من الأحجار الكريمة، صلب ثقيل شفاف مشرب بالحمرة أو الزرقة أو الصفرة، وجمعه يواقيت.
[5] هذه الجملة موجودة في المطبوعات غير المحققة، ومفقودة في المخطوطات الثلاث.
[6] يروى هذا الكلام عن عيسى عليه السلام، رواه ابن عساكر عن ابن عباس أن عيسى ابن مريم قام في بني إسرائيل فقال: «يَا مَعْشَرَ الحَوَارِيِّينَ لَا تُحَدِّثُوا بِالحِكَمِ غَيْرَ أَهْلِهَا فَتَظْلِمُوهَا وَلَا تَمْنَعُوهَا أَهْلَهَا فَتَظْلِمُوهُمْ» انظر في [كشف الخفاء: 3124]، وانظر كذلك في: عوالي الآلئ ج4ص80. والديلمي، أعلام الدين: ص 336.
[7] هذه مسألة إجمالية تحتاج إلى تفصيل، فقد ذكر الشيخ أيضاً مثل هذا الكلام أعلاه في كتاب العبادلة [الصفحة 82 من طبعة مكتبة القاهرة، سنة 1969م، تحقيق عبدد القادر أحمد عطا]. وكذلك في كتاب تاج التراجم [ضمن كتاب رسائل ابن العربي، طبعة جمعية دائرة المعارف العثمانية - حيدر أباد، 1367 ه - 1948م]. لكنَّ الشيخ يقول في الفتوحات المكية [ج3ص20]: "اعلم أن الأحوال تملك الإنسان (النبي والولي وغيرهم)، لابدَّ من ذلك، وإذا سمعت بشخص يملك الأحوال فإنه لا يملك حالاً ما إلا بحال آخر، فالحال الذي أوجبَ له مُلك هذا الحال هو الحاكم عليه في الوقت: فإنَّ الوقت له ... فقالوا الأنبياء يملكون الأحوال والأولياء تصرِّفُهم الأحوال، وهو غلطٌ كبيرٌ من كلِّ وجه، فإنَّ الإنسان لا يخلو أبداً عن حال يكون عليه به يعامل وقته وهو الحاكم عليه". فللتوفيق بين القولين يشرح الشيخ محي الدين في مكان آخر من الفتوحات المكية [ج1ص249] أنَّ "الناس في هذا المقام على إحدى ثلاث مراتب" منهم من يكون وارده أعظم من القوة التي يكون في نفسه عليها فيحكم الوارد عليه فيغلب عليه الحال، ... ومنهم من لا يدوم له حكم ذلك الوارد فيزول عنه الحال فيرجع إلى الناس بعقله فيدبر أمره ويعقل ما يقول ويقال له، ... ومنهم من تكون قوته أقوى من الوارد فإذا أتاه الوارد وهو معك في حديثٍ لَم تشعُر به وهو يأخذ من الوارد ما يُلقَى إليه ويأخذ عنك ما تحدِّثُه به أو يحدِّثُك به". فالأنبياء وبعض الأولياء من هذه المرتبة الثالثة، وأكثر الأولياء من المرتبة الثانية، وبعضهم من المرتبة الأولى، ولكنَّ الجميع تحت تأثير حال من الأحوال لابدَّ من ذلك. ولا خلاف إذاً بين المقولتين عند التفصيل.
[8] يقول ابن العربي إنّ الشمس في السماء الرابعة، وهي السماء المركزية بالنسبة إلى الأرض، وهي قلب العالَم وقلب السموات، وأسكن فيها قطب الأرواح الإنسانية وهو إدريس عليه السلام، وسمى الله هذه السماء "مكاناً عليّاً" لكونها قلباً فإنّ التي فوقها أعلى منها، فأراد علوّ مكانة وليس علو مكان. انظر في كتاب أيام الله (ص: 210).
[9] في المطبوعات غير المحققة: "تحيي"، مما أفقد المعنى تماماً، واختلَّ معها إعراب الجملة، ولا يزال يردِّدُها المنشدون من فرقة ابن عربي بهذا الشكل الخاطئ نقلا عن هذه الكتب المطبوعة، والصحيح ما أثبت كما هو في المخطوطات.
[10] في المطبوعات غير المحققة: "قصدوا"، ولا يوجد مكان هنا لضمير الجماعة، والصحيح ما أثبت كما هو في المخطوطات.
[11] في المطبوعات غير المحققة: "بيان"، والصحيح ما أثبت كما هو في المخطوطات.
[12] يقول الله تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة: 17]، فعندما سمع النبيّ صلّى الله عليه وسلّم هذه الآية قال: وهُم اليوم أربعة،[راجع: الفتوحات المكية: ج1ص148س2، ج3ص184س28. وانظر أيضاً في: عقلة المستوفز: ص43-44] وغداً يوم القيامة سيصبحون ثمانية.[ الفتوحات المكية: ج1ص149س29] وابن العربي يوضّح أيضاً أنّ العرش في اللسان العربي يشير إلى المملكة بالإضافة إلى العرش الذي هو كرسيّ الملك.[الفتوحات المكية: ج1ص147س33] إذن إنّ حملة العرش حسب هذه الآية هم الأعمدة التي تقوم عليها المملكة وذلك مثل الأوتاد الأربعة التي يقوم عليها البيت. وقد بيَّنّا في كتاب "أيام الله" أن هؤلاء الأعمدة الأربعة التي تحمل هذه المملكة هي القوى الأربعة الأساسية في الطبيعة، وهي: قوّة الجاذبية والقوّة الكهرومغناطيسية والقوّة النوويّة الضعيفة والقوّة النوويّة القويّة؛ فالطبيعة مبنية على هذه القوى الأربع. فيمكن القول بكل ثقة إنّ هذه القوى الأربع تمثّل الملائكة الأربعة الأساسيّين جبريل وميكائيل وإسرافيل ومالك، لأنّ ابن العربي يؤكّد بأنّ هؤلاء الملائكة الأربعة هم حملة العرش الذي هو المملكة أي الطبيعة.
[13] وللمزيد من كلام الشيخ محي الدين عن هذه المقولة، راجع كتاب الفتوحات المكية: ج1ص609، 610، 650 و ج3ص213، 396 و ج4ص192.
[14] هذا حديث قدسي ذكره الإمام أبو حامد الغزالي في الإحياء (ج3: ص 16) بلفظ: "قال اللهُ لَمْ يَسَعَنِي سَمَائِي وَلا أَرْضِي وَوَسِعَنِي قَلْبُ عَبْدِي الْمُؤْمِن اللَّيِّنِ الوَادِع"، وقال العراقي في تخريجه: "لم أر له أصلاً" (‏تخريج أحاديث الإحياء، للحافظ العراقي، المجلد الثالث، الحديث رقم 3)، وقال ابن تيمية هو مذكور في الإسرائيليات وليس له إسناد معروف عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم (وانظر في كشف الخفاء، حديث رقم: 2256). ‏وأخرج الإمام أحمد في الزهد (ص 129: رقم 421) عن وهب بن منبه بلفظ: "إِنَّ اللهَ فَتَحَ السَّماَواتِ لِحزْقِيلَ حَتَّى نَظَرَ إِلى الْعَرْشِ، فَقَالَ حِزْقِيلُ: سُبْحَانَكَ مَا أَعْظَمكَ يَا رَبِّ! فَقَالَ اللهُ: إِنَّ السَّمَاواتِ وَالأَرْضَ ضَعُفْنَ عَنْ أَنْ يَسَعْنَنِي وَوَسِعَني قَلْبُ المُؤْمِنِ الْوَادِعِ الْلَّيِّنِ". والشيخ محي الدين يستشهد بهذا الحديث كثيراً في هذا الكتاب وفي كتبه الأخرى، وكذلك غيره من الصوفية. وليس المقصود بالسعة هنا المعنى المعهود بين ذوات الأجسام، سبحانه وتعالى عن ذلك علوًّا كبيرا. والقلب كذلك ليس حيِّزاً ولا متحيِّزاً ليتَّصف بالسعة المعروفة، ولكنَّ القلب سمِّي قلباً من تقلُّبه، والله سبحانه وتعالى كُلَّ يَومٍ، أي كلَّ لحظةٍ، هُوَ فِي شَأْن [الرحمن: 29] (وانظر: تفسير اليوم باللحظة في كتاب "أيام الله: مفهوم الشيخ محي الدين ابن العربي للزمن والخلق في ستة أيام")، فقلب الإنسان الكامل (وهو العبد المؤمن، المتَّصف بكمال الإيمان وكمال العبودية لله سبحانه وتعالى، وهو نبيُّنا محمَّدٌ صلى الله عليه وسلَّم) يتقلَّب مع هذه الشؤون الإلهية كما ترِد عليه في كلِّ وقت، ولا يتوقَّف مع واحدٍ منها إلا في وقت وروده عليه، إذ لو توقَّف معها لفاته من تجليات الحقِّ سبحانه وتعالى على قدر وقوفه، لأنَّ تجليّاته لا تتناهى ولا تتكرَّر، وهي الأكوان؛ فإذا توقف العبد معها وقف مع الأكوان ولم يكن قادراً على تلقِّي التجليّات التي تليها. لذلك يقولون إنَّ الصوفي ابن وقته، فهو في حالة حضور كامل مع الحضرة الإلهية. والله سبحانه وتعالى أعلم، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
[15] في المطبوعات غير المحققة: "ألفت"، والصحيح ما أثبت كما هو في المخطوطات.
[16] الزبور هو الكتاب، وجمعه زُبُر أي كُتُب (كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: 196])، وغلب إطلاق كلمة الزبور على صحف داود عليه السلام.
[17] القسيس أو القسّ: هو من كان بين الأسقف والشماس، والتوراة هي الكتاب المنزّل على موسى عليه السلام، وهي خمسة أسفار، وتسمى عند النصارى بالعهد القديم، والإنجيل عندهم هو العهد الجديد.
[18] في المطبوعات غير المحققة: "هنا"، وفي المخطوطة الأولى: "منِّي"، وأثبت كما هو في المخطوطة الثانية.
[19] في المطبوعات غير المحققة: "هي"، والصحيح ما أثبت كما هو في المخطوطات.
[20] لم أجد هذا النص في كتب الحديث، وهو في رسالة القشيري، وقال العجلوني في كشف الخفاء [2159]: "يقرب منه ما رواه الترمذي في شمائله وابن راهويه في مسنده عن علي في حديث كان صلى الله عليه وسلم إذا أتى منزله جزأ دخوله ثلاثة أجزاء جزءا لله وجزءًا لأهله وجزءًا لنفسه، ثم جزأ جزأه بينه وبين الناس، كذا في اللآلئ، وزاد فيها ورواه الخطيب بسند قال فيه الحافظ الدمياطي أنه على رسم الصحيح".
[21] الأرواح المهيَّمة التي خلقها الله تعالى بشكل مباشِر بدون أيّ وسطاء أو أسباب، وبسبب هذا الخلق المباشِر لهذه الأرواح الملائكية هامت في الله تعالى بحيث لا تعرفُ شيئاً سواه، فهم لا يَعرفون حتى أنفسهم.
[22] في المطبوعات غير المحققة: "بكتابة"، والصحيح ما أثبت كما هو في المخطوطات.
[23] في المطبوعات غير المحققة: "لها"، بدلاً من: "له بها"، مما يعكس المعنى تماما، والصحيح ما أثبت كما هو في المخطوطات.
[24] في المطبوعات غير المحققة: "تمنِّي"، والصحيح ما أثبت كما هو في المخطوطات.
[25] الكردوس هو كلُّ عظمٍ تامٍّ ضخمٍ، أو: كلُّ عظمين الْتَقيا في مَفصِلٍ،  نحو المنكبين والرُّكبتين والوَركين، والجمع:  كَرَاديسُ.

 

The Meccan Revelations Website:


The Sun from the West:


The Single Monad: