من مقدمة كتاب إيجاز البيان عن سيرة فضيلة الشيخ رمضان

من مقدمة كتاب إيجاز البيان عن سيرة فضيلة الشيخ رمضان

 

 طَلَبَ الوِصَالَ بِرَبِّهِ السِّرُّ[1] ***  وَطَرِيقُهُ اَلْفَقْرُ وَالذِّكْرُ
 وَأَتَى بِقَلْبٍ لَيْسَ فِيهِ غَيْرُهُ ***  وَبِهِمَّةٍ يَحْنُو لَهَا الصَّخْرُ
 فَقَضَى حَيَاتَهُ مُخْلِصاً في حُبِّهِ ***  وَلأَجْلِ ذٰلِكَ يَرْخُصُ الْعُمْرُ
 حَتَّى تَفَانَتْ نَفْسُهُ، وَتَنَفَّسَتْ ***  بِهِ رُوحُهُ، وَانْشَرَحَ الصَّدْرُ
 فَحَبَاهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ مَعَارِف ***  لا يَسْتَطِيعُ لِوَسْعِهَا الْبَحْرُ[2]

 بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيِّدِ الأوَّلين والآخِرين، وشفيعِ المذنبين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

 ذهبتُ مرَّةً إلى البحر، ووقفتُ أمام الشاطئ، فرأيتُ الناس يلعبون حوله ويجمعون الأصداف الغريبة التي نحتها بعناية فائقة عبر عشرات السنين، وألقاها على جوانبه وكأنَّهُ يدعو الناس إليه ليخبرهم عن الكنوز العظيمة والأسرار الغريبة التي أودعها الله سبحانه وتعالى في أغوار أعماقه البعيدة. وهؤلاء الناس الذين يجتمعون حول البحر يختلفون في غاياتهم ومقاصدهم؛ فمنهم من يأتي لقضاء بعض الوقت، أو للاستمتاع بالنسيم الرطب ومراقبة الأمواج والاسترخاء على الشواطئ، ومنهم من يأتي للتأمُّل في عظمة هذا البحر وسَعته والتفكُّر في مخلوقاته الغريبة التي تتجلَّى فيها القدرة العظيمة للخالق سبحانه وتعالى الذي أبدع السموات والأرض، ومنهم من يحبُّ البحر لذاته فلا تستريح روحه إلا بالقرب منه حيث تسرح في آفاقه التي لا تتناهى وأحواله التي لا تنقضي. وفي النهاية كلُّ واحدٍ من هؤلاء الناس يصل إلى هدفه ويقضي حاجته من هذا البحر، الذي يستوعبهم جميعاً على اختلاف طبقاتهم، ويقضي جميع حوائجهم على اختلاف مقاصدهم ومآربهم.

 

 وعندما يقف المرء أمام البحر لا بدّ أن يشعر بالعجز والحيرة؛ فهو يريد أن يُبحرَ في آفاقه ويستكشفَ أغواره وأعماقه، ولكنَّه لا يدري كيف يبدأ ومن أين يبدأ، ولا يعلم فيما إذا كان قادراً حقاً على الخوض في غماره ومجابهة أمواجه ومواجهة أهواله، بل لا سبيل له غير الاستسلام والانقياد. غير أنّ الإنسان في مثل هذا الموقف لا يمكن أن يقاوم رغبته الجامحة كي يبحرَ، ولو بخياله، ويسرحَ متفكراً في عظمة هذا المشهد الخلاب الذي تصنعه حركة الأمواج الممتدة إلى الآفاق الشاسعة، والتي تتداخل لترسم -بلونٍ واحدٍ- لوحةً بديعةً، بل لوحاتٍ كثيرة أبدية تتغير مع الأنفاس، لتعكس من خلال صفائها المخضَّب بالظلال سعة القدرة الإلهيّة الخلاقة الكامنة في باطن هذا البحر الذي خلق الله سبحانه وتعالى فيه عوالم لا تتناهى من النباتات والحيوانات ذات الألوان والأشكال الغريبة التي تسحر الإنسان ويعجز عن وصفها البيان. وأمام مثل هذه اللوحة الجميلة، التي تدهش الروح وتستغرق القلب ويتألق معها الإحساس والشعور، ينسى المرء همومه ويشعر بالراحة والأمان، ولذلك يلجأ الناس عادةً إلى البحر ويقصدونه عند المهمَّات أو لمجرد الاستئناس بحديثه الذي يتخطى الآذان ويستقرُّ عند شغاف الجِنان. وأجمل ما في الأمر أنّ البحر صديق كلِّ الناس على اختلاف طبقاتهم وأعمارهم ولغاتهم وأديانهم وثقافاتهم وهيئاتهم ومواردهم ومقاصدهم، فهو يجمع بينهم جميعاً ولا يميِّز بين الفقير والغني ولا بين القوي والضعيف ولا بين الصغير والكبير ولا بين العامّة والأمير، بل كلُّهم يقصدونه وكلُّ واحد منهم يجد عنده حاجته، وهو لا يردُّهم أبداً بل يُنصت إليهم جميعاً ويَسمع حديثهم ويحاورهم ويحلُّ مشكلاتهم من غير أن يفشي سرَّهم لأحد، فما أعظم وما أحلم وما أكرم هذا البحر!

 وبينما كان الناس يستمتعون بدفء الرمال ونعومتها، شدّني صوت الموج المتلاطم، وسرحت في رحابه، ونظرت نحو الأفق البعيد، حتى ملأ اللون الأزرقُ عينيَّ وأحاطني من كلِّ الجهات، ولم أعد أميّز بين السماء والبحر الذي بدا وكأنّه قد اتَّصل بها كما أحاطت به ومنحته لونها الأزرق الجميل. ثمّ رجعتُ إلى نفسي وأردت أن أبسط يدي لأغرف غرفة من الماء، ولكنني خفت أن يتلوَّث هذا البحر بحبَّات الرمال الصفراء التي علقت بيدي، وخفت أن يختلط لونها بلونه فيضطرب ويفقد بعض هذا الصفاء المتناغم مع زرقة السماء الأبدية. ولكنني نظرت فرأيت الناس يخوضون في البحر ويترامون على شواطئه الواسعة وهو يستوعبهم جميعاً ولا يعبأ بهم ولا يزعجه شغبهم وصراخهم، بل إنّه يبدو في غاية السرور والسعادة وهو يمدُّ موجه الدافئ في كلِّ ليلة ليكنس الشواطئ من جديد، ويزيِّنها ويرتِّبها لضيوفه الذين سيقصدونه في اليوم التالي؛ فالماء إذا بلغ قُلَّتين لا ينجس،[3] فما بالك بهذا البحر الذي ينحت الصخر ويحمل الجبال ويحيط بالأرض، بل هو الذي يزيل الدرن ويغسل الدنس.

 من أجل ذلك قرَّرت أن أتجرّأ على الكتابة عن هذا البحر المحيط، وأنا أعرف أن أيَّ وصف، مهما علا، سيقصر عن بلوغ الحقيقة وينقص من قدر الموصوف، ولكنَّ الخوض في التعريف بأهل الله سبحانه وتعالى خيرٌ لنا من الوقوف!

 فبهذا العجز المطبق والتردد المقلق نقف الآن أمام فضيلة الشيخ رمضان، وهو بحرٌ جامعٌ يغري العقول للإبحار في آفاقه، ولكنّ الخيال يعجز عن الغوص في أعماقه؛ فأنا أريد أن أعرّف الناس به ولكنني أُدرك أنّ وصفي له لا يمكن أن يحيط ببعض صفاته، وكلامي لا شكّ يقصُر عن الوصول إلى أوّل درجة من عُلوِّ درجات همّته، بل أخشى أنني قد أسيئ التعبير وأنا لا أملك العبارة، أو أخطئ الهدف لدى استخدام الإشارة. فالشيخ رمضان صبحي ديب الدمشقي قد جمع بين شرف المقام الرفيع وغاية البساطة والتواضع، حتى إنّ الكثير من الناس حوله ربما لا ينتبهون لكريم مروره، وهو عند الأشراف بدرٌ لامعٌ ونورٌ ساطعٌ، تُشترى لَفتُته بالغالي والنفيس، وسرُّه محاطٌ دائماً بالتعظيم والتقديس.

 وكما قال سيدي الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي:[4] إِنَّما يَعْرِفُ الشَّرِيفَ الشَّرِيفُ،[5] فلقد أكرمني الله مرَّة بلقاء أحد العلماء من تركية وهو فضيلة الشيخ محمَّد فاضل الجيلاني الحسني،[6] وذلك بُعيد لقائه الأوَّل بفضيلة الشيخ رمضان، أدام الله ظلَّه الكريم ومتَّعنا بجاهه العظيم، فسألته عن هذا اللقاء فأجابني بكلامٍ جميلٍ يُثلج الصدر وينمُّ عن صفاء ذوقه وقوّة بصيرته، فقال: «العالم العلاَّمة فضيلة الشيخ رمضان ديب، عالمٌ ربَّاني، ومدرسةٌ جامعةٌ كاملةٌ، لا يوجد له مثيلٌ في دمشق، ولا في بلاد الشام، بل ولا في العالَم بأسره، وقد اِلْتَقيت بكبار العلماء في دمشق وفي باقي البلدان الإسلامية وأعتقد أنَّ الشيخ رمضان هو الوحيد الذي حاز على هذه المرتبة الرفيعة في جميع العلوم الإسلامية بما فيها علوم التزكية والتريبة... وأسأل الله سبحانه وتعالى له بطول العمر ودوام الصحَّة والعافية حتى يستفيد المسلمون من علمه وبركته.»

 فكيف لي -والأمر هكذا- أن أتجرّأ بالمغامرة، ولكنّ الهدفَ العظيم يغري بالمبادرة، ونُبلَ الغاية يدعوني إلى المثابرة، وليس لي سبيلٌ إلى هدفي وغايتي سوى حسنِ النيَّة والقصد، راجياً من حضرة المولى سبحانه وتعالى أن يطوي على عبده الفقير هذا البعد.

 عندما الْتَقيته لأوَّل مرَّة توالت عليَّ المفاجآت تترى؛ فعندما دخلت غرفة الضيوف في بيته الذي في جامع أبو النور، حيث يستقبل طلابَ العلم والحفّاظ والسائلين وأصحابَ الحوائج وغيرهم من عامَّة الناس الذين يقصدونه في كلِّ يوم بالعشرات، فعندما دخلت ساورتني بعض الشكوك، بل ظننت لدرجة اليقين أنني في ورشة مهندس إلكترونيات، ثم قلت: لا بل إنه مهندس كهربائي، ثم رأيت أنواعاً أخرى مختلفة من العُدد تملأ زوايا الغرفة الصغيرة التي امتلأت جدرانها أيضاً بالرفوف التي تضم أصنافاً كثيرة من كتب الفقه والتفسير والحديث، وكذلك بعض كتب الطب بتخصصاته المختلفة، وحتى بعض النسخ القديمة من الإنجيل، بالإضافة إلى كتب أخرى بلغات أجنبية. وزادت دهشتي حينما قيل لي إنه هو الذي يمارس جميع هذه الأعمال ويقرأ في جميع هذه الكتب والمراجع!

 وبعد أن استعدت بعض أنفاسي من شدة الدهشة دخل علينا شيخٌ مَهيبٌ في عقده التاسع من العمر، ذو لحية بيضاءَ طويلة ويضع على رأسه طاقية بيضاءَ ويلبس جلابية بيضاءَ أيضاً، ولكنَّها ذات تصميم خاص جميل وبسيط ومتواضع؛[7] فلما دخل سلَّم علينا، وقمنا وسلمنا عليه ثم طلب منا الجلوس وجلس هو على طاولة بلاستيكية صغيرة أمامنا في حين أجلسنا على الأريكة المريحة، فِعلَ الكِرامِ النبلاء، ليزيل عن ضيوفه الحرج ويتنَزَّل لمستوى الجلساء، بتواضع أريحي وبساطة طبيعية، وذلك من وراثة أخلاق الأنبياء.[8]

 ولكنَّ هذه الأمور الشكلية لم تكن سوى المقدمة، في حين إنَّ دهشتي الكبيرة تضاءلت بسرعة بعد الدقائق الأولى من الحديث معه، لتبدأ بعدها دهشة أكبر ومفاجأة أعظم؛ فبعد أن رحَّب بنا وبادلني بعض الحديث، أطرق قليلاً ثم بدأ يكلمني وكأنه يعرفني، بل بدا وكأنه حقاً يعرفني أكثر مما أعرف نفسي؛ وبحكمة بديعة ومهارة بارعة استطاع أن يشخِّص عِللي وأمراضي ويشرحها لي من غير أن يُشعر أحداً من الحاضرين أنه يتكلم عني شخصياً!

 لقد أحسست بلا ريب ولا أدنى شكٍّ أنني كتابٌ مفتوحٌ أمامه، وأدركت بشكلٍ عمليٍ ملموسٍ معنى الخبر الذي يقول: "اتقوا فِراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله"،[9] وقد ورد كذلك في الحديث القدسي أن العبد لا يزال يتقرّب إلى الله سبحانه وتعالى بالنوافل حتى يحبَّه، فإذا أحبَّه الله سبحانه وتعالى كان سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به،[10] فليس فقط لباسه أبيض ولحيته بيضاء، ولكن قلبه أيضاً مرآة بيضاء مجلوة ينعكس فيها نور الله سبحانه وتعالى فيسمعَ به ويبصرَ به، ويقول النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أيضاً: "المؤمن مرآة المؤمن"،[11] والمؤمن اسمٌ من أسماء الله الحسنى؛ فإذا كان العبد المؤمن مرآةً للمؤمن فقد نال سعادة الأبد وتحررت روحه من قيود النفس وحدود الجسد!

 وبعد ذلك، أدركت بعد فترة قصيرة أنَّ فضيلة الشيخ رمضان لم يكتفِ بتشخيص العلل والأمراض، بل شرع بالمداواة وإنما بطريقة بديعة تستعصي عن الوصف، فمنذ ذلك اللقاء الأول بدأ بتركيب الدواء بحكمة بالغة وصبر جميل وتؤدة حتى هيَّأه لي وهيَّأني لتناوله. ولم يكن ذلك الدواء شراباً ولا حبوباً ولا مساحيق ولكنَّه انسجامٌ روحاني لطيف تنفعل له النفوس وتنشرح له الصدور؛ فمع أنه لا يأمر ولا ينهى، ولكنَّ جميع أحوالي انتظمت بمجرَّد صحبته وحضور مجالسه ودروسه، فهو يؤثِّر على جُلسائه بحاله قبل مقاله، ولقد قال لنا مرة: "من لا ينفعُك حاله لا ينفعُك مقاله، ومن لم ينفعْك لحظه لم ينفعْك لفظه". فهذا هو الشيخ المربي الذي لولاه ما عرفت ربي!

 ثم أدركت كذلك أن هذا الحال هو أيضاً شأن جميع المريدين المخلصين الذين أكرمهم الله سبحانه وتعالى بمعرفته وصحبته، فلم أرَ عالماً حكيماً مثله، يجيب على تساؤلات الحاضرين قبل أن يسألوا، ويعطيهم أجوبة عملية قابلة للتطبيق، تشفي الصدور وتداوي علل النفوس. لم يصاحبه أحد إلا تغير حاله إلى الأفضل سواء على المستوى الديني أو على المستوى الدنيوي، وسواء على المستوى النفسي أو على المستوى المادي. وهٰهنا يكمن الفرق الفارق بين أهل العلم الإلهي وأهل العلم الطبيعي، فأصحاب العلم الطبيعي، بما في ذلك الفقهاء وجميع علماء الدين، الذين حصّلوا علومهم من الدراسة والكتب، ربما يستطيعون الإجابة عن أيِّ سؤال في مجال تخصصهم، إذا أحسن السائل صياغة السؤال لهم، وتوصيل مراده من صيغته، وهذا أمر نادر. ولذلك نجد بعضهم يسرد ما يحفظه من غير وعيٍ لحقيقة السؤال وفيما إذا كان السائل سينتفع بهذا الجواب أم لا. وأما أهل العلم الإلهي فقد ورثوا علومهم من الحبيب المصطفى صلَّى الله عليه وسلَّم الذي لا ينطق عن الهوى، بل يدعو إلى الله على بصيرة، كما قال الله سبحانه وتعالى في سورة يوسف: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّه عَلَى بَصِيرَة أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّه وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ)، ولقد قال صلَّى الله عليه وسلَّم كذلك: العلماء ورثة الأنبياء،[12]‏ فهؤلاء العلماء العارفون الوارثون الذين سلكوا على نهج رسول الله سيِّدنا محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم هم أهل العلم الإلهي الذي يتجلى به الله سبحانه وتعالى على قلوبهم التي تحلَّت بالذكر والمراقبة بعد أن تخلَّت عن الدنيا وشهواتها حتى أصبحت مرآةً بيضاءَ مجلوةً ينعكس فيها هذا النور الإلهي الذي يبصرون به، فتراهم يُرشدون السائل لأقصر السبل وأنجحها، وهو لا يحتاج معهم لتفصيل السؤال، بل قد يجيبونه لمجرد أو حتى قبل أن يخطر السؤال بباله، وهذا أمر يدركه بوضوح جميع الذين أكرمهم الله سبحانه وتعالى بمعرفة فضيلة الشيخ رمضان وصحبته.

 ومنذ ذلك اللقاء الأول وأنا لا زلت أكتشف في كلِّ يوم أن مقام فضيلة الشيخ رمضان، أدام الله ظلَّه، فوق ما تخيلت بما لا يمكن أن أتخيل، بل فوق كلِّ مقام يمكن أن نطالعه أو نقرأ عنه في كتب الصوفية؛ فهل هو من الأبدال أو من الأوتاد، أم هل هو القطب أم إنه من الأفراد![13]

هو في الناس لا يعلو عليهم

***  ويراه العارفون بالله قطبا[14]

 فهو لا يُظهر حاله أبداً في معاملاته وأحاديثه المختلفة، ولا يصف نفسه سوى بالعبودية لله سبحانه وتعالى وأنه مفتقر إلى حضرة المولى عزَّ وجلَّ في كلِّ لمحة وفي كلِّ حين، ولا يملك من أمره شيئاً بل الأمر كلُّه لله ربِّ العالمين. وهو كثيراً ما يذكر أنّ كُتَّاب السيَر كثيراً ما يخطئون حينما يُغفلون الصفات البشرية للأعلام الذين يكتبون عنهم فيُظهرون فقط صفاتهم الملائكية وأخلاقهم الرفيعة، حتى يظنَّ القرَّاء أنَّ هؤلاء قد اندثروا ولن يجود الزمان بمثلهم أبداً، في حين أنَّ أهل الله سبحانه وتعالى موجودون بيننا في كلِّ مكان وفي كلِّ زمان، ولكنَّ الناس يزهدون بهم وقد لا يعرفونهم إلا بعد فوات الأوان. ولذلك قالوا: "أزهد الناس بالعالم أهله"،[15] وذلك لأنهم كثيراً ما يغفلون عن مقامه الرفيع بسبب تواضعه وتنَزُّله لمستواهم وتعامله معهم بطريقة بسيطة لا يرون فيها تميُّزه عليهم بل ربما ترى نفوسهم، الجاهلة، المتعالية بطبعها، تميُّزَها عليه فيعتقدون أنهم أعلم منه وأكثر حكمة في تسيير الأمور وذلك لأنهم لا ينظرون إلا إلى مصالحهم المباشرة الآنية. ويقول سيدي الشيخ رمضان: "العاقل من عرف العارف في حياته، والجاهل من عرف العارف بعد موته!"

 وإنّ مما يميّز فضيلة الشيخ رمضان بين العلماء والشيوخ أنه لا يحاول أبداً أن يُظهر تنَزُّهه عن الصفات البشرية المعتادة بل يعاشر جميع الناس الذين حوله بتواضعٍ فطري ولغة أقرب إلى لغتهم العامية في عباراتها وصياغتها وكلماتها، وبأسلوبٍ بسيطٍ لا يخلو من المزاح والضحك، على الرغم من أنه يحاول استثمار جميع المواقف للتذكير بحضرة الله سبحانه وتعالى والدعوة إلى صراطه المستقيم.

 من أجل ذلك لا أعتقد أننا سنستطيع أبداً معرفة حقيقة مقام فضيلة الشيخ رمضان بين الأولياء والعارفين، وقد نُقل لنا عن سماحة الشيخ أحمد كفتارو، قُدِّس سرُّه، أنَّه قال أنَّ الناس لن يعرفوا الشيخ رمضان إلا بعد وفاته بخمسين سنة.

أَنَّى وَكَيْفَ لَنَا بِوَصْفِ مَقَامِهِ ***  وَبِهِ الثُّرَيَّا في عُلاَهَا تَهْتَدِي
 فَمَقَامُهُ العُمَرِيُّ يَسْمُو عَالِي ***  وَتَرَاهُ بَيْنَ النَّاسِ أَزْهَدَ زَاهِدِ
 مَنْ كَانَ هذَا وَصْفُهُ فَهُوَ الَّذِي ***  قَدْ نَالَ مِنْ إِرْثِ النَّبِيِّ مُحَمَّدِ[16]

 لكنَّ الدراسة المنصفة والمتمعِّنة لسيرة فضيلة الشيخ رمضان وأخلاقه الرفيعة تُظهر تشابهاً عميقاً بينه وبين أمير المؤمنين سيِّدنا الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله تبارك وتعالى عنه، حتى يمكننا أن نقول غير مبالغين إنَّ فضيلة الشيخ رمضان هو عمر هذا الزمان. فإنَّ لكلِّ زمانٍ رجالاً من أهل المقامات والمراتب العالية، فمقامات الرُّسل والأنبياء والصحابة والأولياء، وحتى الملائكة المقرَّبين، هي من الترتيب الإلهي الحكيم للخلق؛ لا يمكن أن تنقطع من العالَم، وهي ليست حكراً على عصرٍ أو مِصر، بل لا يخلو الزمان من وجود رجال (أو نساء، من الإنس أو من الجنِّ) يتَّصفون بها ويسلكون على مناهجها ويعرجون على معارجها قدماً بقدم، فيُقال إنَّ فلاناً على قدم، أو على قلب،[17] فلانٍ.

 ومعنى "على قلب فلان" أي إنهم يتقلبون في المعارف الإلهية تقلّب ذلك الشخص، ويقول الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي، رضي الله عنه، أنَّ مِن رحمة الله بخلقه أنْ جعل على قدم كلِّ نبيٍّ وليّاً وارثاً له، واحداً على الأقلِّ، أو أكثر من واحد، فلا بدَّ أن يكون في كلِّ عصرٍ مائة ألفِ وليٍّ وأربعةٌ وعشرونَ ألفَ وليّ، على عدد الأنبياء ويزيدون ولا ينقصون. فإنْ زادوا قسم الله عِلم ذلك النبيِّ على من ورثه، فإنَّ العلوم المُنزلة على قلوب الأنبياء لا ترتفع من الدنيا وليس لها إلا قلوب الرجال، فتُقسم عليهم بحسب عددهم؛ فلا بدّ من أن يكون في الأمَّة من الأولياء على عدد الأنبياء وأكثر من ذلك.[18]

 ولا يعني ذلك أنّ التابعين أفضل أو أنزل من السابقين، وإنما هي مقاماتٌ أنزلهم الله تبارك وتعالى بها وأحوالٌ يجريها سبحانه وتعالى عليهم، وقد يجتمعون في بعضها ويفترقون في بعضها الآخر، وقد يعلو أحدهم على الآخر من جهةٍ ما ويعلو عليه الآخر من جهةٍ أخرى، وجميع ذلك من المدد المحمَّدي والفضل الإلهي الذي يهبه الله سبحانه وتعالى لمن يشاء من عباده المخلَصين.[19] فلما الْتقى الخضر عليه السلام مع موسى عليه الصلاة والسلام وحدث بينهما ما كان، كما ذكره الله سبحانه وتعالى في سورة الكهف، ورد في الأثر أنَّ الخضر قال لموسى: يا موسى إني على علمٍ من علمِ الله علَّمَنيه لا تعلمه أنت، وأنت على علمٍ من علمِ الله علّمَكَه الله لا أعلمه أنا.[20] فلم يقل له إنه أعلم منه، بل كلُّ واحد منهما ميَّزهُ الله بنوع من العلم وخصَّهُ بمقامات أو أحوال خاصة. ويؤيد ما نقلناه قول النبي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: «مثل أمتي كمثل الغَيْثِ، لا يدرى أوله خَيْرٌ أو آخره».[21].

 ================================

 [1] السرّ موضعٌ في القلب كالقلب بالنسبة إلى النفس، فهو قلب القلب. وقيل إنَّ للسرِّ سرّاً يسمّى سِرُّ السرّ، وهكذا إلى سبعة مراتب. راجع كتاب: سلوك القلب، محمد حاج يوسف، دار فصِّلت – حلب، 1999، ص 65، وكذلك: الفتوحات المكية، دار الفكر-بيروت، د.ت. (وهي نسخة مصورة من طبعة القاهرة المشهورة ذات المجلدات الأربعة)، ج1ص117س8.

 [2] من كلام مُعدِّ الكتاب، وهو من البحر الكامل، أحَذٌّ مُضمرٌ.

 [3] يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا بلغ الماء قلتين لم ينجس"، وفي رواية: "لم يحمل الخبث"، أخرجه الشافعي في مسنده 7، والدارمي في سننه (1/187)، وأبو داود (1/51)، وابن ماجه في كتاب الطهارة، والترمذي (1/97)، والنسائي (1/175)، وابن خزيمة في صحيحه (1/49)، والدارقطني في سننه (1/14) والطحاوي في شرح معاني الآثار (1/15).

 [4] الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي هو أبو عبد الله محمدُ بن عليّ بن محمد بن أحمد بن عبد الله الحاتمي الطائي، وُلد سنة 560/1165 وتوفي في دمشق سنة 638/1240، وهو غير العالم الجليل القاضي أبي بكر محمد بن عبد الله ابن العربي المعافري الإشبيلي المالكي والمشهور في الفقه والأصول والحديث، وفي بعض الأحيان يخطئ بعض الدارسين بين هذين العالمين الجليلين وينقلون أقوالاً أو كتباً لأحدهما باسم الآخر. ومن أجل ذلك بدأ أهل المشرق يفرّقون بينهما بحيث يسمّون الشيخ الأكبر بابن عربي (بدون التعريف) والقاضي أبا بكر بابن العربي (مع التعريف)، ولكن هذا الاصطلاح لم يعُمّم وهو غير مبرر لأنَّ الشيخ الأكبر يوقّع اسمه في كتبه بابن العربي، وكذلك يدعوه جميع تلامذته الأوائل. وللمزيد عن ذلك راجع كتاب شمس المغرب ص 13.

 [5] يقول الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي في الفتوحات المكية [ج1ص47س22] عن سبب جهل أغلب الناس بسرِّ الحجر الأسود الذي قال عنه النبيُّ محمَّدٌ صلَّى الله عليه وسلَّم إنّه يمين الله في الأرض بها يصافح عباده [كنز العمال: حديث رقم 34729]:

جُهِلَتْ ذاتُهُ فَقِيلَ كَثِيفٌ *** عِنْدَ قَوْمٍ وَعِنْدَ قَوْمٍ لَطِيفُ
 قَالَ لي حِينَ قُلْتُ لِمْ جَهَلِوهُ! *** إِنَّما يَعْرِفُ الشَّرِيفَ الشَّرِيفُ

  [6] الشيخ الفاضل محمد فاضل الجيلاني، شيخ جليل وعالم كبير من تركيا، وهو من آل البيت رضي الله عنهم، ومن أحفاد تاج العارفين الشيخ عبد القادر الجيلاني (470/1077 – 561/1166)، الإمام الصوفي والفقيه الحنبلي، الذي تنسب إليه الطريقة القادرية. وللشيخ فاضل الجيلاني العديد من المؤلفات مثل كتاب نهر القادرية، الذي يحتوي على سيرة عطرة لجدِّه عبد القادر الجيلاني، كما قام بتحقيق تفسير الجيلاني (في ستة أجزاء) وكتاب الصلوات والأوراد للجيلاني أيضاً، وهو كذلك صاحب ومدير مركز الجيلاني للتحقيق الذي أخذ على عاتقه نشر وإحياء تراث آل البيت والشيخ عبد القادر الجيلاني وعلماء المسلمين عامة، ومركزه الرئيسي في استانبول وله فروع في دمشق وبيروت والقاهرة.

 [7] ولقد علمت لاحقاً أن فضيلة الشيخ رمضان طوَّر تصميم هذه الجلابية بنفسه منذ أن كان يعمل في الطاحونة مع والده قبل أكثر من ستين سنة، وهي مصممة بطريقة توفر الراحة والسهولة بالإضافة إلى البساطة والتواضع، وهي مؤلفة من سروال عريض وجلابية قصيرة تزيد قليلا عن طول القميص.

 [8] أخرج الحاكم في المستدرك عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه، قال: أتي النبي صلى الله عليه وسلم برجل ترعد فرائصه، قال: فقال له: «هَوِّنْ عَلَيْكَ فَإِنَّمَا أَنَا ابْنُ امْرَأَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ كَانَتْ تَأْكُلُ القَدِيدَ فِي هٰذِهِ البَطْحَاءِ»، قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. المستدرك على الصحيحين في الحديث، محمد بن عبد الله حاكم نيسابوري، بيروت، دار الكتب العلمية، 1990: حديث رقم 3692، ج8ص412.

 [9] ورد ذلك في حديث رواه الترمذي في جامعه (3127) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وقال حديث غريب، ورواه الطبراني في المعجم الكبير من حديث أبي أمامة رضي الله عنه، وإسناده ضعيف، ورواه ابن جرير من حديث ثوبان رضي الله عنه، وإسناده ضعيف جدّاً. وحكم عليه ابن الجوزي بالوضع، والألباني بالضعف (سلسلة الأحاديث الضعيفة: 1821). وذكر العقيلي (4/129) إنه هو قول عمرو بن أبي قيس. وقد كتب محمود سعيد ممدوح كتاباً بعنوان "بشارة المؤمن بتصحيح حديث اتقوا فراسة المؤمن"، دار الرازي، 1995.

 [10] روى البخاري في صحيحه (الرقاق، حديث رقم: 6021) عن النبي صلى الله عليه وسلم عن ربّ العزّة أنه يقول: "مَا تَقَرَّبَ إِليَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِليَّ مِمّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِليَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطُشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ".

 [11] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الْمُؤْمِنُ مِرْآةُ الْمُؤْمِنِ، وَالْمُؤْمِنُ أَخُو الْمُؤْمِنِ؛ يَكُفُّ عَلَيْهِ ضَيْعَتَهُ، وَيَحُوطُهُ مِنْ وَرَائِهِ»، رواه البخاري في الأدب المفرد (رقم: 239)، وأبو داود (ج2ص304).

 [12] أخرج أبو داود في سننه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "العُلَمَاءُ وَرَثَةُ الأنْبِيَاءِ، وَإنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرّثوا دِينَاراً وَلا دِرْهَماً، وَرَّثُوا العِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظّ وَافِرٍ"، سنن أبي داود، الإمام الحافظ أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني الأزدي، تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد، المكتبة العصرية-بيروت، 1970، كتاب العلم، ص317، حديث رقم: 3641.

 [13] الأفراد فئة من رجال الله خارجين عن دائرة القطب، بل القطب واحد منهم [الفتوحات المكّيّة: ج1ص53س7]، والأفراد هم الذين أفردهم الحق إليه واختصَّهم له وأرخى الحجاب؛ حجاب العادة بينهم وبين الخلق، فاستخلصهم لنفسه ورضي عنهم ورضوا عنه [الفتوحات المكّيّة: ج3ص15س15]، والأفراد بين البشر مثل الملائكة المهيَّمين [الفتوحات المكّيّة: ج2ص53س18]، وانظر تعريف الملائكة المهيَّمين بعد قليل. وللمزيد عن معنى القطب والأوتاد والأبدال وغيرهم من طبقات الأولياء، راجع الباب الثالث والسبعين من الفتوحات المكية [ج2ص2].

 [14] من كلام مُعدِّ الكتاب، وهو من البحر الخفيف.

 [15] رويت هذه المقالة عن عكرمة، وقد بيَّن الشيخ علي الطنطاوي في ذكرياته (ج1ص192) ما قد يكون سبباً لهذا الزهد؛ إذا قال:" لأنهم يرونه في جده وهزله، وغضبه ورضاه، والبعيدون عنه لايرونه إلا في أحسن حالاته، ولا يبصرون منه إلا أجمل جوانبه".

 [16] من كلام مُعدِّ الكتاب، وهو من البحر الرجز.

 [17] وللتمييز بين قولنا "على قلب" و "على قدم"، راجع كتاب شمس المغرب: سيرة الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي ومذهبه، محمد علي حاج يوسف، دار فصلت – حلب، 2006، وراثة الأنبياء ص110-112.

 [18] الفتوحات المكية: ج3ص207.

 [19] أما بالنسبة لحديث النبي صلى الله عليه وسلم: «إن خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يكون قوم يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السمن»، [متفق عليه، رواه البخاري في الشهادات (2651), ومسلم في فضائل الصحابة (2535), والترمذي في الفتن (2222), والنسائي في الأيمان والنذور (3809), وأبو داود في السنة (4657), وأحمد (4/427)]، وأحاديث أخرى مشابهة، فيقول جمهور أهل العلم أن جمهور الصحابة أفضل من قرن التابعين، فهو تفضيل جملة على جملة، وقيل إنه تفضيل فرد على فرد.

 [20] صحيح البخاري، باب العلم، حديث رقم 122.

 [21] رواه الترمذي (2869)، وأحمد (3/130، 143) عن أنس.

The Meccan Revelations Website:


The Sun from the West:


The Single Monad: