24- الشيخ أحمد الفاروقي السرهندي

24- الشيخ أحمد الفاروقي السرهندي

الشيخ أحمد الفاروقي السرهندي ينتهي نسبه لسيدنا عمر الفاروق رضي الله عنه، فهو أحمد بن عبد الأحد بن زين العابدين بن عبد الحي بن محمد بن حبيب الله بن الإمام رفيع الدين بن نور بن نصير الدين بن سليمان بن يوسف بن عبد الله بن إسحاق بن عبد الله بن شعيب ابن أحمد بن يوسف بن شهاب الدين المعروف بفرخ شاه الكابلي ابن نصير الدين بن محمود بن سليمان بن مسعود بن عبد اللّه الواعظ الأصغر ابن عبد اللّه الواعظ الأكبر ابن أبي الفتح بن إسحاق بن إبراهيم بن ناصر بن سيدنا عبد اللّه ابن أمير المؤمنين عمر الفاروق رضي الله عنه.

مولده وحياته

ولد سنة 971 للهجرة الموافق لسنة 1563 من الميلاد في بلدة سرهند، وتقرأ أيضاً: سهرند، وهي مدينة من أعمال اللاهور في الهند. أخذ الشيخ أحمد أكثر العلوم عن والده وأخذ عنه مبادئ الكتب العربية، وحفظ القرآن الكريم في صغره، واستظهر عدة من المتون في أنواع العلوم، ثم رحل إلى سيالكوت وقرأ هناك على كمال الدين الكشميري، وأخذ الحديث عن يعقوب الكشميري الصرفي، وأخذ الحديث أيضاً في الحرمين الشريفين من كبار المحدثين مثل ابن حجر المكي وعبد الرحمن بن فهد المكي، وحصل إجازة كتب الحديث والتفسير وبعض كتب الأصول. ولما بلغ من العمر سبعة عشرة سنة فرغ من تحصيل العلوم الدراسية وتحقيقها وتدقيقها، وأجازه والده بالطريقة القادرية والجشتية، وقد صنَّفَ في تلك الفترة بعض الرسائل مثل "رسالة التهليلية" و"رسالة رد الروافض" و"رسالة إثبات النبوة"، ورسالة في الرد على الشيعة الإمامية، فلما توفي والده خرج لأداء فريضة الحج، ولما دخل بلدة دهلي في بلاد الهند لقي فيها الشيخ محمد الباقى بالله فبايعه في الطريقة النقشبندية العلية ولازم صحبته، وبعد فترة وجيزة أجازه الشيخ محمد الباقي في الطريقة النقشبندية إجازة مطلقة وأمره بالرجوع إلى وطنه، فرجع للإرشاد وشرع في هداية الطالبين وتربية السالكين فتهافت عليه المريدون والعلماء والأمراء.

كان الشيخ أحمد الفاروقي رضي الله عنه يحرض أصحابه على التمسك بالشريعة وإحياء السنة النبوية والعمل بما فيها واجتناب البدع المخالفة، وكان يحثُّ على ذلك أمراء عصره وحكام دهره كما تشهد على ذلك مكاتيبه العديدة، حتى استنارت أقطار الهند وما يليها بنور السنة النبوية. ومن أهمِّ كتبه بالإضافة إلى الرسائل السابقة: "المكتوبات الربانية" الذي نشر في ثلاثة مجلدات بالفارسية، يشتمل المجلد الأول على ثلاثمائة وثلاثة عشر مكتوباً، والثاني على تسعة وتسعين مكتوباً، والثالث على مائة وأربعة عشر مكتوباً، وتمَّ تعريبها من قبل محمد مراد المترلوي المكي ونشرت في تركيا عام 2002، وله رسائل أخرى بالعربية والفارسية‏، منها: رسالة في المبدأ والمعاد، ورسالة في المكاشفات الغيبية، ورسالة في آداب المريدين، ورسالة في المعارف اللدنية، وله تعليقات على كتاب عوارف المعارف للسهروردي.

وقد أوضح رضي الله عنه في كتبه الفرق بين وحدة الوجود ووحدة الشهود، وبيَّن أن وحدة الوجود تعتري السالك في أثناء سلوكه، فمن ترقَّى مقاما أعلى من ذلك تتجلى له حقيقة وحدة الشهود. وكان له محاورات كثيرة وردود على الملاحدة في زمانه، وجادلهم بقلمه ولسانه، ورد على الروافض، وحقق الفرق بين البدعة والسنة.

انتقده بعض علماء عصره على كلام وقع منه فيها يُشعر بأن مقامه أعلى من مقام أبي بكر الصديق رضي الله عنه، فورفعوا الأمر إلى السلطان نور الدين جهانكير. فلما حضر عنده قال له: أحق ما يقولون؟ قال: نعم، إلا أن ذلك بطريق التبعية لا الأصالة، فهو من قبيل ما إذا طلبتم أدنى الخدم لتسرُّون إليه حديثا، فلا يصل هذا الخادم إلى مقامكم إلا بعد طيِّ منازل الأمراء، ثم يعود إلى محله الأول، فلا يلزم أن يكون مقامه فوق مقام الأمراء، فارتضى السلطان منه بذلك الجواب. فلما أبصر المنكرون أنه قد أخفق سعيهم فيه، قال بعضهم للسلطان: ألم تر تكبر هذا الشيخ، فإنه ما سجد لكم وقت دخوله، بل ولا تواضع التواضع المتعارف، مع أنكم ظل اللّه في أرضه، وخليفته في خليقته! فاستفزه الغضب، وأمر بسجنه في حصن كواليار، وهو من أمنع حصون الهند وأشهرها. وكان السلطان شاه جهان ابن السلطان جهانكير مخلصا للشيخ رضي الله عنه جدا، فقبل أن يحضر عند والده أرسل إليه أفضل خان، والشيخ عبد الرحمن المفتي مع كتب من الفقه يقول له: جوَّزَ العلماء سجدة التحيَّة عند السلطان، فأنتم إن سجدتم له عند لقائه فأنا أضمن أنه لا يصل إليكم منه ضرر، فلم يقبل منه، بل قال: هذه رخصة، والعزيمة أن لا يسجد لغير اللّه تعالى، ولبث في السجن ثلاث سنين، ثم أخرجه بشرط أن يقيم في معسكره ويدور معه، فأقام كذلك ثلاث سنين أيضا، ثم أطلقه، فعاد إلى سرهند.

وذكر نجله الأكبر أن سبب إطلاقه أنه كان مع ما عليه الحصن من الحصانة والحرس الشديد المحدق به من كل الجوانب فكان يخرج رضي الله عنه لصلاة الجمعة فيصلي ثم يرجع، ولا يعلمون من أين يخرج، فلما رأوا منه ذلك أخرجوه من السجن. وقد استغلَّ رضي الله عنه فترة وجوده بالسجن بالكتابة حيث لم يمكنه أن يفيد الناس بنفسه فأفادهم بكتبه.

من أقواله وأحواله

يقول رضي الله عنه: «اعلم أن العناية الإلهية جذبتني جذب المرادين أولا، ثم يسرت لي طيّ منازل السلوك ثانيا، فوجدت اللّه سبحانه أولا عين[136] الأشياء، كما قاله أرباب التوحيد الوجودي من متأخري الصوفية. ثم وجدت اللّه في الأشياء من غير حلول ولا سريان. ثم وجدته سبحانه معها بمعية ذاتية، ثم رأيته بعدها، ثم قبلها، ثم رأيته سبحانه، وما رأيت شيئاً، وهو المعنيّ بالتوحيد الشهودي المعبر عنه بالفناء، وهو أول قدم توضع في الولاية، وأسبق كمال في البداية، وهذه الرؤية في أيِّ مرتبة من المراتب المذكورة تحصل أولا في الآفاق، ثم ثانيا في الأنفس. ثم ترقيت في البقاء، وهو ثاني قدم في الولاية، فرأيت الأشياء ثانيا، فوجدت اللّه تعالى عينها، بل عين نفسي، ثم وجدته تعالى في الأشياء، بل في نفسي، ثم مع الأشياء، بل مع نفسي، ثم قبل الأشياء، بل قبل نفسي، ثم بعد الأشياء، بل بعد نفسي، ثم رأيت الأشياء، وما رأيت اللّه تعالى أصلا، وهي النهاية التي هي الرجوع إلى البداية، والعود إلى مرتبة العوام. وهذا المقام هو أتم مقامات دعوة الخلق إلى الحق، وأكمل منازل التكميل والإرشاد لتمام المناسبة للخلق المقتضية لكمال الإفادة والاستفادة».

ويقول رضي الله عنه: «لما صحبت القائم اليوم مقام المشايخ العلية، والنائب مناب الأكابر النقشبندية، الواصل إلى نهاية النهاية، البالغ أقصى درجات الولاية، قطب مدار الخلائق، كاشف أسرار الحقائق، الفرد الكامل في المحبة الذاتية، المحقق الجامع لكمالات الولاية المحمدية، مسند أهل الإرشاد والهداية، مرشد طريق درج النهاية في البداية، زبدة العارفين، قدوة المحققين، شيخنا وملاذنا ومولانا الشيخ الأجل، والعارف الأكمل: محمد الباقي، أبقاه اللّه تعالى، حصل لي ببركة توجهه الجذبة التي تشعبت بعد الاستهلاك في صفة القيومية، وتشرفت باندراج النهاية في البداية، ثم حصلت لي مراتب السلوك، ووصلت إلى النهاية التي هي عبارة عن الوصول إلى الاسم الرب بمدد أسد اللّه الغالب كرّم اللّه تعالى وجهه. ثم ترقيت إلى القابلية التي هي عبارة عن الحقيقة المحمدية بمدد الشيخ بهاء الدين شاه نقشبند قدس اللّه سره العزيز، ثم إلى مقام اجمال تلك القابلية، وهو مقام الأقطاب المحمدية، بمدد الروح المقدسة النبوية، وفي أثناء ذلك حصل لي مدد يسير من الشيخ علاء الدين العطار قدس اللّه سره. ولما وصلت إلى ذلك المقام أُعطيت خِلعة القطبية من الحضرة المحمدية، ثم جذبتني العناية الإلهية، فعرجت إلى مقام الأصل الممتزج بالظل، الذي فوق مقام الأقطاب المختص بالأفراد، ثم أدركتني العناية الصمدانية، فأوصلتني إلى مقام الأصل الخاص، وفي هذا العروج وصل إليّ من الغوث الأعظم: الشيخ عبد القادر الكيلاني قدس اللّه سره العزيز مدد عظيم، وتصرف قوي أوصلني إلى مقام أصل الأصل. ثم نزلت إلى العالم المعبر عنه بالسير عن اللّه بالله، فمررت إذ ذاك على مقامات مشايخ السلاسل سوى النقشبندية والقادرية فاستقبلوني بالتعظيم والإكرام، وألقوا عليّ من نفائس نسبهم، وخصائص مواجيدهم، وانكشفت لي حقائق كل منها، وتفاوت درجاتها، وكان حصول العلوم اللدنية لي من روحانية الخضر، على نبينا وعليه السلام، قبل وصولي إلى مقام الأقطاب المذكور سابقا، وبعد الوصول إلى ذلك المقام يأخذ الواصل العلوم من حقيقة نفسه كل ذلك بوراثته صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم».

ويقول رضي الله عنه: «كثيرا ما كان يعرج[137] بي فوق العرش المجيد، ولقد عرج بي مرة، فلما ارتفعت فوقه بقدر ما بين مركز الأرض وبينه، رأيت مقام الإمام شاه نقشبند رضي اللّه عنه، ورأيت فوق ذلك قليلا مقامات بعض المشايخ منهم: الشيخ معروف الكرخي، والشيخ أبو سعيد الخراز رضي اللّه عنهما، والبعض في مقامه، وتحته الشيخ نجم الدين الكبرى، والشيخ علاء الدين العطار، وسائر المشايخ دونه، وفوق هذه الدرجات مقام أئمة أهل البيت، والخلفاء الراشدين، وكافة الأنبياء فوقهم على طرف من مقام نبينا عليه وعليهم الصلاة والسلام، ومقامات الملائكة على الطرف الآخر، ومقامه صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم أرفع وأعلى، وأعلم أني كلما أريد العروج يتيسر لي، وربما يقع من غير ما قصد».

ويقول رضي الله عنه: «روى أبو داود عنه صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم أنه قال: "إن اللّه يبعث على رأس كل مائة سنة من يجدّد لهذه الأمة أمر دينها"[138] لكن بين من يجدد المائة، ومن يجدد الألف من الفرق، كما بين المائة والألف، بل أعظم من ذلك».

ويقول رضي الله عنه: «بشرني رسول اللّه صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم بأنك من المجتهدين في علم الكلام، ويغفر اللّه بشفاعتك لألوف يوم القيامة، وكتب لي خط الإرشاد بيده الشريفة، وقال: "لم أكتب لأحد قبلك مثله"».

ويقول رضي الله عنه: «العلوم والمعارف الصادرة عني هي خارجة عن طور الولاية، وإنما هي مقتبسة من مشكاة أنوار النبوة على مصدرها الصلاة والسلام، جُدِّدت بتجديد الألف الثاني بطريق التبعية والوراثة، تعجز أرباب الولاية كالعلماء عن إدراكها، لأنها وراء علوم العلماء ومعارف الأولياء، بل علوم هؤلاء بالنسبة إلى تلك العلوم قشر، وتلك العلوم لبابها، ولا تخالف الشريعة، بل هي أساس الدين وخلاصة علم الذات والصفات تعالت وتقدست، وما تكلم بها أحد من العظماء ولا الكبراء، استأثر اللّه سبحانه بها هذا العبد، فصاحب هذه العلوم والمعارف مجدد هذا الألف، والمجدد هو الذي لا يفيض الحق على جميع العالم مدة تجديده شيئا إلا بواسطته».

ويقول رضي الله عنه: «قد كشف لي التوحيد الوجودي، وألقيت إليّ علوم كثيرة ومعارف جمة، ورقائق وافية من هذا المقام، ولاحت لي معارف مظهر الصفة العلمية الشيخ الأكبر رضي الله عنه، وتشرفت بالتجلي الذاتي[139] الذي بيّنه الشيخ، وجعله نهاية العروج، وخصه بخاتم الولاية مفصلا موضح».

ويقول رضي الله عنه: «كشفت لي خفايا المتشابهات القرآنية، وأسرار المقطعات الفرقانية، فوجدت تحت كل حرف منها بحرا من العلوم الدالة على الذات العلية، لو أظهرت شيئا منها لقطع مني الحلقوم[140]».

ويقول رضي الله عنه: «أطلعني اللّه على أسماء من يدخلون في سلسلتنا من الرجال والنساء إلى يوم القيامة، وإن نسبتي هذه تبقى بواسطة أولادي إلى يوم القيامة، حتى إن الإمام المهدي سيكون على هذه النسبة الشريفة».

ويقول رضي الله عنه: «كنت مرة في حلقة الذكر مع أصحابي، فخطر لي أني في قصور ونقص، فألقي إليّ في الحال: إني قد غفرت لك، ولمن توسل بك إليّ بواسطة أو بغير واسطة إلى يوم القيامة».

ويقول رضي الله عنه: «جاءتني روحانية أمير المؤمنين علي، كرَّم اللّه وجهه، فقالت: إني بعثت إليك لأعلمك علم السموات، واجتمعت بروحانيات الإمام الأعظم أبي حنيفة وأساتذته وتلامذته، والإمام الشافعي وأساتذته فأمدّوني بإمدادهم، وأفاضوا عليّ من بركاتهم، حتى استغرقت في أنوارهم، وربتني روحانية حضرات السادات النقشبندية والقادرية والجشتية والسهروردية، فتحليت بنسبتهم الخاصة، حتى صرت لو أردت أن أربي السالكين بنسبة كل واحد منهم لفعلت».

ويقول رضي الله عنه: «اعلم يا أخي أن الذي لا بد منه، وكلفنا اللّه به امتثال الأوامر، واجتناب النواهي، لقوله تعالى: ﴿مٰا آتٰاكُمُ اَلرَّسُولُ فَخُذُوهُ ومٰا نَهٰاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: 7]، وإذا كنا مأمورين بالإخلاص في ذلك، وهو لا يتصور بدون الفناء وبغير المحبة الذاتية، وجب علينا أيضاً سلوك طريق الصوفية الموصلة للفناء والمحبة الذاتية، حتى نتحقق حقيقة الإخلاص، ولما كانت طرق الصوفية متفاوتة بالكمال والتكميل كان كلُّ طريق تلتزم فيه متابعة السنة السنية، وأداء الأحكام أولى وأنسب بالاختيار، وذلك الطريق هو طريق السادة النقشبندية قدس اللّه أسرارهم العلية، فإن هؤلاء الأكابر التزموا في هذه الطريقة متابعة السنة، واجتناب البدعة؛ لا يجوِّزون العمل بالرخصة، ولو وجدوا ظاهرا أنَّ له نفعاً في الباطن، ولا يتركون الأخذ بالعزيمة، ولو علموا صورةً أنه مضرٌّ بالسيرة، ويجعلون الأحوال والمواجيد تابعة للأحكام الشرعية، والأذواق والمعارف خادمة للعلوم الدينية».

ويقول رضي الله عنه: «السير والسلوك عبارة عن الحركة في العلم، وهو من مقولة الكيف، فلا مجال للحركة في الجسم هنا. فالسير إلى اللّه تعالى، وهو السير الأول: عبارة عن الحركة العلمية التي هي السير من علم الأسفل إلى علم الأعلى، ومن ذلك الأعلى إلى أن ينتهي بعد طي علوم الممكنات كلها وزوالها بأسرها إلى علم الواجب تعالى، وهذا هو المعبر عنه بالفناء. والسير في اللّه تعالى، وهو السير الثاني: عبارة عن الحركة العلمية في مراتب الوجوب من الأسماء والصفات، والشؤون والاعتبارات، والتقديسات والتنزيهات، إلى أن ينتهي إلى المرتبة التي لا يمكن التعبير عنها بعبارة، ولا يشار إليها بإشارة، ولا تكنى بكناية ولا يعلمها عالم، ولا يدركها مدرك، وهذا السير يسمى بالبقاء. والسير عن اللّه تعالى، وهو السير الثالث: عبارة عن الحركة العلمية التي هي التنزل من علم الأعلى إلى علم الأسفل، وهكذا إلى أن يرجع إلى الممكنات، وينزل عن علوم المراتب الوجوبية كلها، وهو العارف الذي نسي اللّه باللّه، ورجع عن اللّه مع الله، وهو الواجد الفاقد، الواصل المهجور، القريب البعيد. والسير في الأشياء، وهو السير الرابع: عبارة عن حصول علوم الأشياء تدريجيا بعد زوالها في السير الأول. فالسير الرابع مقابل للأول، والثالث للثاني كما رأيت؛ فالسير إلى اللّه والسير في اللّه لتحصيل الولاية التي هي عبارة عن الفناء والبقاء، والثالث والرابع لتحصيل مقام الدعوة المختصة بالرسل عليهم الصلاة والسلام، ولكل التابعين نصيب منه أيضا، كما قال تعالى: ﴿قُلْ هٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اَللّٰهِ عَلىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا ومَنِ اِتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: 108] ».

ويقول رضي الله عنه: «اعلم أن مشايخ الطريقة النقشبندية، قدس اللّه أسرارهم، اختاروا السير في الابتداء من عالم الأمر، ويقطعون في ضمنه عالم الخلق، بخلاف مشايخ سائر الطرق، فإن ابتداء سيرهم من عالم الخلق، ثم بعد طي عالم الخلق يضعون القدم في عالم الأمر، ويصلون إلى الجذبة، فلهذا صارت الطريقة النقشبندية أقرب الطرق، فلا جرم نهاية الغير مندرجة في بدايتهم».

ويقول رضي الله عنه: «الولاية عبارة عن الفناء والبقاء، وهي إما عامة، وإما خاصة. ونعني بالعامة: مطلق الولاية، وبالخاصة: الولاية المحمدية على صاحبها أفضل الصلاة والتحية. والفناء فيها أتم، والبقاء بها أكمل».

ويقول رضي الله عنه: «اعلم أن أصل كل بلاء إنما يكون من الابتلاء بالنفس، ومتى تخلص الإنسان منها تخلص من الابتلاء بما سواه تعالى».

ويقول رضي الله عنه: «اعلم أن مراتب الكمال متفاوتة بحسب تفاوت الاستعدادات، والتفاوت في الكمال قد يكون بحسب الكمية، وقد يكون بحسب الكيفية، وقد يكون بهما مع».

ويقول رضي الله عنه: «اعلم أن فيض الحق تعالى على الدوام للخواص والعوام، سواء كان من قسم الأموال والأولاد، أو من جنس الهداية والإرشاد، من غير تفاوت، وإنما نشأ التفاوت من القبول وعدمه ﴿ومٰا ظَلَمَهُمُ اَللّٰهُ ولٰكِنْ كٰانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [الأعراف: 160]. فالشمس تشرق على الثوب وعلى القصَّار إشراقا واحدا، فيسود وجه القصار ويبيض الثوب. وعدم القبول لهذا بسبب الإعراض عن جانب الحق تعالى، فإن المقبل يقبل عليه، كما قال صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم في الحديث القدسي: "من تقرب إليّ شبرا تقربت منه ذراعا"[141]. والمعرض يعرض عنه، كما قال صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم: "فأعرض، فأعرض اللّه عنه"،[142] جزاء وفاقا، قال تعالى ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: 152]، ﴿نَسُوا اَللّٰهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: 67]، وفي الحديث (القدسي): "إنما هي أعمالكم أحصيها لكم"، من غير زيادة ولا نقصان، "كما تدين تدان"،[143] "فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه"[144]».

ويقول رضي الله عنه: «إن إزالة المرض القلبي في هذه الفرصة اليسيرة بالذكر الكثير من أهم المهمات، وعلاج العلة المعنوية في هذه المهلة القليلة من أعظم المقاصد، والقلب المبتلى بالغير لا يُرجى منه خير، لا يقبلون هناك إلا سلامة القلب وخلاص الروح، ونحن هنا دائما في تحصيل أسباب ابتلائهما، هيهات! هيهات! (فكام يقول الله سبحانه وتعالى): ﴿ومٰا ظَلَمَهُمُ اَللّٰهُ ولٰكِنْ كٰانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [الأعراف: 160]».

ويقول رضي الله عنه: «اعلم أن الولاية عبارة عن الفناء والبقاء، والخوارق من لوازمها، ولكن ما كل من كانت خوارقه أكثر تكون ولايته أتم وأكمل، بل تكون خوارقه أقل وولايته أتم وأكمل».

ويقول رضي الله عنه: «اعلم أن السماع والوجد ينفع جماعة متصفين بتقلب الأحوال، ومتسمين بتبدل الأوقات، فوقتا حاضرون، ووقتا غائبون، ووقتا فاقدون، ووقتا واجدون، وهم أرباب القلوب في مقام التجليات الصفاتية ينتقلون من صفة إلى صفة، ويتحولون من اسم إلى اسم، وتلون الأحوال نقد وقتهم، وتشتت الآمال حاصل مقامهم، يستحيل في حقهم دوام الحال، ويمتنع استمرار الوقت، فزمانا في قبض، وحينا في بسط، فهم أبناء الوقت والمغلوبون، وأرباب الأحوال والمقهرون، فتارة يعرجون، وأخرى يهبطون.

وأما أرباب التجليات الذاتية الذين خلصوا من مقام القلب بالكلية، ووصلوا إلى مُقلّبه، وحُرِّروا عن رق الحال إلى محوِّله، فلا يحتاجون إلى السماع والوجد، فإن وقتهم دائمي، وحالهم سرمدي، بل لا وقت لهم ولا حال، فهم آباء الأوقات وأرباب التمكين، وهم الواصلون الذين لا رجوع لهم أصلا، ولا فقد لهم قطعا، فمن لا فقد له، لا وجد له».

ويقول رضي الله عنه: «اعلم أن المعارف التي تناسب مقام الولاية شطحات المشايخ، وعلوم تخبر عن التوحيد والاتحاد، وتنبىء عن الإحاطة والسريان، وتشير إلى القرب والمعية، وتشعر بالظلية والمرآتية، وتثبت الشهود والمشاهدة، وبالجملة: فمعارف الأولياء الفصوص والفتوحات المكية، ومعارف الأنبياء الكتاب والسنة. وولاية الأولياء تخبر عن قرب الحق تعالى، وولاية الأنبياء تخبر عن أقربيته تعالى. وولاية الأولياء تدل على الشهود، وولاية الأنبياء تثبت نسبة مجهولة الكيف. وولاية الأولياء لا تعرف الأقربية ولا الجهالة ما هي، وولاية الأنبياء مع وجود الأقربية تعرف القرب عين البعد، والشهود نفس الغيبة».

ويقول رضي الله عنه: «اعلم أن الشريعة والحقيقة متحدتان في الحقيقة، لا تغاير بينهما ولا فرق إلا:

بالإجمال والتفصيل: فالشريعة إجمال، والحقيقة تفصيل.

وبالاستدلال والكشف: فالشريعة استدلال، والحقيقة كشف.

وبالغيب والشهادة: فالشريعة غيب، والحقيقة شهادة.

وبالتعمُّل وعدمه: فالشريعة تعمُّل وتكلُّف، والحقيقة لا تعمُّل فيها ولا تكلُّف.

فالأحكام والعلوم التي ثبَّتت وتبيَّنَت بموجب الشريعة الغراء هي التي تتبين بعينها بعد التحقُّق بحقيقة حقِّ اليقين، وتنكشف بالتفصيل، وتظهر من الغيب إلى الشهادة، ويرتفع تمحل العمل من البين، وعلامة الوصول إلى حقيقة حق اليقين مطابقة علومه ومعارفه لعلوم الشريعة ومعارفها، وما دامت المخالفة موجودة ولو بأدنى شعرة، فذلك دليل على عدم الوصول».

وفاته رحمه الله

لما خرج رضي الله عنه من السجن عاد إلى سرهند إلى أن توفي فيها سنة 1034 ه، عن عمر يناهز ثلاث وستين سنة، ودفن فيها‏. ومن أبنائه رضي الله عنه الشيخ محمد سعيد، الملقب بخازن الرحمة، له حاشية على ‏(‏المشكاة‏)‏، توفي في سنة 1020 ه، والشيخ‏:‏ محمد معصوم، ويُلقب بالعروة الوثقى، له مجموع مكاتيب، توفي سنة 1077‏ ه، وسيأتي ذكره إن شاء الله تعال.‏ ومن أبنائه أيضاً الشاه محمد يحيى، وقد أخذ عن أخويه، وخالفهما في مسألة الإشارة بالسبابة، وتوفي سنة 1098‏ ه.‏

ترك الشيخ أحمد الفاروقي السرهندي رضي الله عنه الكثير من الخلفاء، ومن أشهرهم الشيخ حسن البركي، والشيخ نور الفتني، والشيخ بديع الدين السهارنفوي، والشيخ أحمد البركي، والشيخ محمد طاهر اللاهوري، والشيخ آدم البنوري، والشيخ نعمان البدخشي، والشيخ محمد الصديق البدخشي، والشيخ أحمد الديبني، والشيخ عبد الحي البلخي، والشيخ مزمل، والشيخ هاشم الكشمي، والشيخ يار محمد القديم الطالقاني، والشيخ حسن كريم الدين الأبدالي، والشيخ محمد أشرف الكابلي، والشيخ أصفر أحمد الرومي، والشيخ عثمان اليمني، والشيخ عبد العزيز النحوي الحنبلي، والشيخ علي المالكي، والشيخ علي الطبري، وابنه الشيخ محمد سعيد خازن الرحمة، شيخ السلسلة القادرية، وابنه سيدنا الشيخ محمد معصوم، العروة الوثقى، شيخ هذه السلسلة النقشبندية الآتي ذكره.

قدَّس الله أسرارهم أجمعين.

=======================

System.String[]

The Meccan Revelations Website:


The Sun from the West:


The Single Monad: