20- الشيخ محمد زاهد السمرقندي

20- الشيخ محمد زاهد السمرقندي

هو القاضي الشيخ جلال الدين محمّد زاهد بن عبد الفتاح السمرقندى، ابن أخت الشيخ يعقوب الجرخي الحصاري. صحب الشيخَ عبيدَ الله الأحرار اثني عشر عامًا وصنّف كتابًا في فضائله وشمائله سمّاه "سلسلة العارفين وتذكرة الصدّيقين"، وله أيضاً كتاب آخر بعنوان "المسموعات" جمع فيه ما سمعه منه.

مولده وحياته

ولد الشيخ محمد زاهد في شهر صفر سنة 835 ه، واشتهر بزهده، فيقول شيخه عبيد الله الأحرار: «زهده أعلى من زهد إبراهيم ابن الأدهم بألف درجة». ويقول الشيخ محمد زاهد في كتابه "سلسلة العارفين وتذكرة الصدّيقين" عن لقائه بشيخه عبيد الله الأحرار: «إني انتظمت في سلك خدمه سنة ثلاث وثمانين وثمانمائة ولم أزل حتى انتقل سنة خمس وتسعين، فكانت مدة شرفي بخدمته اثنتي عشرة سنة ولله الحمد على ذلك، وكان سبب اتصالي بجنابه أني خرجت مع رجل من طلبة العلم إسمه الشيخ نعمة الله من سمرقند، نقصد هراة لطلب العلم، فلما وصلنا إلى قرية شادمان أقمنا فيها أياما من شدة الحر، فبينما نحن كذلك إذ حضر إليها سيدنا الشيخ رضي الله عنه وقت العصر فذهبنا لزيارته، فسألني: من أين أنت؟ فقلت: من سمرقند. فطفق يحدث أجمل حديث وذكر خلال كلامه جميع ما كننته في سري فرداً فرداً، حتى أخبرني عن سفري إلى هراة، فلما وجدت ذلك تعلق قلبي به كل التعلق. ثم قال لي: إن كان مقصودك طلب العلم هو متيسر هنا، فتيقنت أنه ما من خاطر إلا وقد اطلع عليه، ولم يخرج من قلبي محبة السفر إلى هراة، فلما كوشف بذلك قال لي أحد أتباعه إنه مشغول بالكتابة فتريثت قليلاً فلما فرغ قام من مقامه وأقبل نحوي، ثم قال: أخبرني بجلية أمرك، هل مرادك من هراة تحصيل الطريق أو العلم؟ فدهشت من جلالته وسكت، فقال له رفيقي: بل الغالب عليه الطريق، وإنما جعل طلب العلم تستراً، فتبسم وقال: إن كان كذلك فهو أفضل وأحسن. ثم أخذني إلى جهة بستان له، فلم نزل نسير حتى غبنا عن أعين الناس، ثم وقف، ومنذ أخذ بيدي جاءتني غيبة امتدت معي حتى استغرقت زمناً طويلاً، فلما أفقت رجع يحدثني رضي الله عنه ثم قال: لعلك تقدر أن تقرأ خطي، وأخرج من جيبه ورقة فقرأها وطواها ودفعها إلي، وقال: إحفظها. وإذا فيها حقيقة العبادة خضوع وخشوع وانكسار يظهر على قلب ابن آدم من شهود عظمة الله تعالى، وهذه السعادة موقوفة على محبة الله تعالى، وهي موقوفة على اتباع سيد الأولين والآخرين عليه من الصلوات أكملها ومن التحيات أتمها، وهو موقوف على معرفة طريقه، فلزم لذلك بالضرورة مصاحبة العلماء الوارثين لعلوم الدين وتلقي العلوم النافعة منهم حتى تظهر المعارف الإلهية المنوطة بمتابعة النبي صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم، ومجانبة علماء السوء الذين اتخذوا الدين وسيلة لجمع الدنيا وسببا للجاه، والمتصوفة الرقاصين وأهل السماع الذين يتناولون ما يجدون من حلال وحرام، وعدم الإصغاء للمسائل المخالفة لعقائد أهل السنة والجماعة من مشكلات علم الكلام والتصوف، والسلام. ثم رجع إلى مجلسه فقرأ الفاتحة، ورخص لي بالسفر إلى هراة، فتوجهت كما أمرني قاصداً إلى بخارى، فما سرت خطوات إلا وأتبعني بكتاب إلى حضرة الشيخ كلان نجل الإمام الجليل مولانا سعد الدين الكاشغري؛ وإذا فيه: عليك بملاحظة أحوال حامل هذا الكتاب ومحافظته عن مخالطة الأغيار، فلما رأيت ذلك أخذ بمجامع قلبى محبة وإخلاصاً، ولكن ما انثنى عزمي، بل أخذت الكتاب ومضيت، فوجدت في أثناء الطريق زحمة تامة ودغدغة قوية، من جملتها إنى كنت كلما سرت مرحلتين أو ثلاث ضعفت دابتي وعجزت حتى إنى بدلت ستة أفراس إلى بخارى، فلما وصلت إليها رمدت عيني رمداً شديداً بقي مدة أيام، فلما شفيت تهيأت للسفر فأصابتني حمى مزعجة جداً، فنظرت حينئذ في نفسي أني إذا سافرت ربما أهلك، فرجعت عن ذلك العزم وانقطع أملي من السفر وعزمت على الرجوع إلى خدمة الشيخ رضي الله عنه، حتى إذا وصلت إلى طاشكند أحببت أن أزور الشيخ إلياس العاشق بها أولا، فأودعت ثيابي وكتبي ودابتي عند أحد الأحباب وذهبت، فلقيني أحد خدامه فقلت له: ارجع معي لنزور الشيخ، قال: وأين دابتك؟ قلت: أودعتها عند فلان. قال: إذهب فأت بها إلى داري ثم نمضي للزيارة. فبينما أنا راجع، إذ سمعت قائلا يقول لي: قد فقدت دابتك بما عليها، فتحيرت وتغيرت وجلست أتفكر في ذلك، فوقع في قلبي أنه يحتمل أن يكون ذلك لعدم رضاء حضرة الشيخ بهذه الزيارة، فإن السادات رضوان الله عليهم لهم غيرة عظيمة على أتباعهم فكيف يكون الشيخ متوجهاً إليك هذا التوجه وأنت تقصد زيارة غيره؟ فلا بد أن تصاب بأكثر من ذلك، فأعرضت عنها، وعقدت النية على زيارة سيدنا ومولانا قبل كل شيء، فما تم هذا الأمر إلا وجاءنى شخص فقال لي: وجدت الدابة وما عليها، فأتيت إلى من أودعتها عنده فقال لي: يا محمد إني كنت ربطت دابتك هاهنا وبعد لحظة غابت عن نظري فطفقت أفتش عليها فما وجدتها حتى يئست منها، ثم رجعت فوجدتها واقفة وسط السوق بين الناس، ولم ينقص مِن ما عليها شيء مع ما في السوق من كثرة الإزدحام، فعجبت لذلك كل العجب. ثم أخذتها وتوجهت إلى سمرقند، فلما وصلت عند حضرة الشيخ رضي الله عنه، تبسم وقال: أهلاً وسهلاً ومرحباً، فلم أفارق عتبته بعد هذا!»

وقال: «كان رضي الله عنه إذا تكلم بالحقائق كثيرا ما يوجه خطابه إلي، وسألني مرة فقال: هل أنت إذا سمعت مني كلاماً على الحقائق تغير عقيدتك التي تلقنتها من أبويك في صباك، وتلقيتها من أستاذك ورسخت في قلبك؟ قلت: لا. قال: إذاً أنت أهل لسماعه».

من أقواله وأحواله

وكتب الشيخ محمد زاهد في هذا الكتاب أيضاً أنَّ الشيخ عبيد الله الأحرار مرض مرة فأمره أن يأتيه بطبيب من هراة، قال: «فجاءني مولانا قاسم، وقال: يا مولانا محمد أسرع في ذهابك وإيابك فإني لا أستطيع أن أرى سيدنا ومولانا مريضاً، وحرضني تحريضاً تاماً، فلما جئت بالطبيب وجدت الشيخ قد شفي، ومولانا قاسم قد توفي، وكانت مدة غيابي عنه خمسة وثلاثين يوماً. فسألت الشيخ عن سبب وفاته، فقال: جاء في ذات يوم، فقال: إني قد فديتك بنفسي. فقلت له: لا تفعل هكذا إن المتعلقين بك كثيرون وأنت رجل شاب، فقال: ما جئتك مستشيرا في هذا الأمر بل قررته في نفسي وصممت عليه وجئت، وقد قبل الله عزَّوجلَّ مني ذلك، ولطالما راجعته في ذلك ونهيته عنه فما قبل، وما زال مصراً على جوابه الأوَّل وانصرف. قال وفي اليوم الثاني انتقل مرض الشيخ بعينه إلى مولانا قاسم وتوفي به، وذلك يوم الاثنين لستة أيام خلت من شهر ذي الحجة سنة إحدى وتسعين وثمانمائة، وبرأ الشيخ تماماً فلم يحتج للطبيب الذي أتيت به».

وقال: أخرج رضي الله عنه من جيبه ورقة ودفعها إليّ، وقال: "احفظها"، وإذا فيها: «حقيقة العبادة خضوع وخشوع وانكسار يظهر على قلب ابن آدم من شهود عظمة اللّه تعالى، وهذه السعادة موقوفة على محبة اللّه تعالى، وهي موقوفة على اتباع سيد الأولين والآخرين عليه من الصلوات أكملها، ومن التحيات أتمها، وهو موقوف على معرفة طريقه. فلزم لذلك بالضرورة مصاحبة العلماء الوارثين لعلوم الدين، وتلقي العلوم النافعة منهم، حتى تظهر المعارف الإلهية المنوطة بمتابعته صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم، ومجانبة علماء السوء الذين اتخذوا الدين وسيلة لجمع الدنيا وسببا للجاه، والمتصوفة الرقاصين وأهل السماع الذين يتناولون ما يجدون من حلال وحرام، وعدم الإصغاء للمسائل المخالفة لعقائد أهل السنة والجماعة، من مشكلات علم الكلام والتصوف والسلام.»

وفاته رحمه الله

توفي الشيخ محمد زاهد سنة 936 ه، الموافق 1529 م، في ضواحي قصبة الحصار على مقربة من مدينة سمرقند.

ومن أشهر أصحابه رضي الله عنه الخواجكي الكاسپاني، نسبة إلى قرية كاسپان، وابن أخته الشيخ الدرويش محمد الذي خلفه، الآتي ذكره.

قدَّس الله أسرارهم أجمعين.

=======================

System.String[]

The Meccan Revelations Website:


The Sun from the West:


The Single Monad:





الحب الذي يعطيك التعلق بوجود المحبوب وهو غير موجود فهو صحيح وإن لم فلا تعول عليه.
الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي [من كتاب ما لا يعول عليه - -]

مشاركة الصفحة

الإعجاب بصفحتنا على الفيسوك:
SINGLEMONAD

الإعجاب بصفحتنا على الفيسوك:
IBNALARABICOM


الإعجاب بهذه الصفحة على الفيسبوك:

اختر أي نص لتقوم بتغريده!