19- السيِّد عبيد الله الأحرار السمرقندي

19- السيِّد عبيد الله الأحرار السمرقندي

هو الشيخ ناصر الدين عبيد الله أحرار بن محمود بن شهاب الدين الشاشي السمرقندي، تَرَبَّى في حجر خاله الشيخ إبراهيم الشاشي، ويقول الأحرار عنه: «لم يألُ جهدًا في أن أتعلّم حتّى أرسلني من طاشكند إلى سمرقند رجاء ذلك، فكنتُ كلما ذهبتُ إلى الدرس أصابني مرض يمنعني عنه. فذكرتُ لـه حالي، وإنّك إن كلّفتني بالتحصيل ربما أموت. فتوقّفَ، وقال يا ولدي أنا لم أعلم حقيقة حالك، فاذهب وافعل ما تريد. وأردتُ أن أقرأ يومًا فرمدتْ عيناي؛ ولم أزل كذلك خمسة وأربعين يومًا. فحينئذ تركتُ، ولم أصل في القراءة إلاّ إلى المصباح في النحو».

مولده وحياته

ولد خواجه أحرار في شهر رمضان سنة 806 من الهجرة الموافق 1403 من الميلاد بمدينة طاشكند في غضون الحروب الّتي نشبت بين تيمورلنك وبين أبي يزيد يلدرم بن مراد العثمانيّ، يمتاز الشيخ الأحرار بمكانته الاجتماعية وقدرته المالية على الرغم من إعراضه عن الدراسة والتعلم.

رحل من تاشكند إلى سمرقند فصحب بها الغوث الأكبر الشيخ نظام الدين الخاموش مدة، ثم قصد بخارى وكان وقتئذ عمره إثنين وعشرين سنة، فصحب بها القطب الشهير الشيخ علاء الدين الغجدواني وكان من كبار أصحاب سيدنا الشاه النقشبند. ويقول: كنت في بداية أمري على غاية من الإضطراب حتى صحبته فتبدل الإضطراب بالتمكين، وكنت أظن أن مراد المريد موقوف على إلتفات الشيخ فلما صحبته قال لي: "عليك بدوام الذكر والسعي فيه فإن كل ما يصل بلا مشقة لا بقاء له، فابذل الجهد في المجاهدة وتحمل المشاق الزائدة".

ثم ذهب إلى هراة فلقي بها كبير العارفين السيد قاسم التبريزي، وهو من كبار أصحاب الشاه النقشبندي. يقول: صحبت مشايخ كثيرين فلم أر أعظم حالا منه ولا أكبر، فإن كل ما حصلته من غيره لم أجده شيئا بالنسبة إلى ما نلت منه، وكنت إذا رأيته أشهد جميع الكائنات تطوف به ثم تدخل في باطنه وتتلاشى. فكنت كل يوم آتي إلى بابه ولا أدخل عليه إلا في كل يومين أو ثلاثة مرة، فكان الناس يعجبون لذلك ويقولون لي : كيف يكون قد أذن لك بالدخول ولا تدخل؟ ولو أنه أذن لنا لما خرجنا من عنده. وقال الشيخ قاسم التبريزي يوماً لأصحابه: تمسكوا بأذيال هذا الشاب وأشار إلى ا لشيخ عبيد الله أحرار، فإنه أعجوبة الزمان وعن قريب يستنير العالم بنور سنه وتحيا القلوب الميتة حياة أبدية ببركته. ولقي في هراة أيضا الإمام الجليل الشيخ بهاء الدين عمر الخراساني قدس اللّه سره. ثم صحب سيدنا الشيخ يعقوب الچرخي قدس اللّه سره.

وعزم في إحدى السنوات على أداء فريضة الحج، وأبلغ مريديه وأصحابه أنه من يستطيع أن يصبر في اليوم والليلة على أكل سبع حبات من التين الجاف حتى نصل إلى بيت الله الحرام فهو في رفقتي وصحبتي، فعزم سبعمائة من الأتباع أن يصبروا على هذا الأمر، وتوجهوا بمعية الشيخ لقضاء مناسك الحج.

ومن حرصه على السنة المطهرة أنه افتقد يوماً سواكه فلم يجده، فدفع إلى أحد تلاميذه قطعتين من الذهب لشراء مسواك، فقال له المريد: إن ثمنه أقل من ذلك بكثير! فقال له: إدفع ليُعلم أن سنَّةً واحدة أغلى بكثير من قطعتي الذهب.

لما خرج رضي الله عنه من تاشكند مع خاله إلى سمرقند كان سنه عشرين سنة، فبقي أربع سنوات يختلف إلى المشايخ من أهل ما وراء النهر وغيرهم، ثم عزم على هراة، فأقام بها خمس سنين، ثم عاد إلى وطنه، وسنه تسع وعشرون سنة، واختار الاشتغال بالزراعة، فما تيسر له إلا فدان من بقر شركة شخص آخر، فبارك اللّه له في زراعته، حتى نمت نموا عظيما.

يمتاز الشيخ عبيد الله الأحرار خاصّة بعلاقاته مع ملوك عصره، وبتداخُله في مناسباتهم وخلافاتهم. يقول في ذلك عن نفسه: «لو أنِّي تصدّرتُ للمشيخة ما أبقيتُ لأحد من مشائخ العصر مريدًا؛ ولكنّ الله أمرني بأمر آخر، وهو إنقاذ المسلمين من شرّ الظلمة وأيدي المخالفين، ولهذا خالطتُ السلاطين ابتغاء تسخيرهم لنفع المسلمين».

ويقول رضي الله عنه: «أعطاني الحقُّ تعالى في التصرّف قوةً عظيمةً بحيث لو أرسلتُ ورقةً إلى ملك الخطى وهو يدّعي الألوهية، لجاء حافيًا بلا توقّف. ومع هذا لا أتصرّف في ملكه تعالى بقدر ذرة؛ بل أقف عند حدّ أمره عزَّوجلَّ. فإنّ من آداب هذا المقام أن تكون إرادتُكَ تابعةً لإرادته جلّ وعلا، لا العكس».

إنّ الشيخ عبيد الله الأحرار هو ثاني من أقرّ الرابطة من شيوخ النقشبندية؛ وزادها شأنًا في الطريقة، لأنّه بدأ يلقّنُها المريدين.

ويقول رضي الله عنه: «بت أيام الطفولة عند ضريح الشيخ أبي بكر القفال رضي الله عنه، فرأيت في المنام سيدنا عيسى عليه السلام فأهويت إلى قدميه الشريفين أقبلهما، فرفع رأسي وقال: لا تحزن، فأنا أربيك. وتعبيرها عندي أن عيسى عليه السلام مظهر الإحياء وكل من نال هذا المقام من الأولياء يقال له عيسوي، وإذا تعهدني بالتربية فلا بد أن أنال مقام إحياء القلوب. فلم ألبث أن أعطاني الله تعالى هذا المقام».

ويقول رضي الله عنه: «رأيت رسول الله صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم في البداية ليلة عند ذيل جبل عظيم عال ومعه جم غفير، فأمرني أن أحمله فأصعد به الجبل فحملته إلى أعلى الجبل على عنقي فأعجبته، وقال صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم: إني أعلم أن لك هذه القوة غير أنني أحببت إظهارها للناس».

من أقواله وأحواله

يقول رضي الله عنه: «كنت أتردد وأنا متجرد في هراة لزيارة السيد قاسم التبريزي، فكان إذا أكل الطعام يعطيني سؤره ويقول لي: يا شيخ زاده: ستصير دنياك قبابك، وكنت يومئذ لا أملك شيئاً. وكان الأمر كما بشر».

ويقول رضي الله عنه عن الشيخ يعقوب الجرخي: «لما سمعت به وأنا ذاهب إلى بخارى فعزمت على زيارته فوصلت إلى جغانيان فمكثت بها مريضاً عشرين يوماً، وكان أهلها ينكرون على الشيخ، فصاروا يغتابونه عندي فضعف اعتقادي به من كلامهم، ثم قُلت في نفسي: إنني جئت من مسافة بعيدة فلا ينبغي أن أرجع قبل لقائه، فذهبت إليه، فالتفت إلي إلتفاتاً تاما، ثم ذهبت في اليوم الثاني فغضب غضباً شديداً، ففهمت تلويحاً أن ذلك من الإصغاء لكلام المنكرين والعزم على ترك زيارته، فلما سكتَ عنه الغضب عاد إلى إلتفاته السابق وجعل يذكر سبب اجتماعه بسيدنا شاه نقشبند، ومدَّ يده إليَّ وقال: بايعني، فتوقفت عن أخذها لبياضٍ كان في جبهته كالبرص، فلما شعر بذلك قبض يده ثم ظهر على طريقة الخلع واللبس بصورة حسنة مهابة فزال عني اختياري، ثم مد يده وأخذ بيدي وقال: قال لي الشاه النقشبند حين بايعني: يدك يدي من أخذها فقد أخذ يدي، أنت آخذ بيد الشاه النقشبند، فبايع ولا تتوقف. فبايعته ثم علمني طريق الخواجكان بالنفي والإثبات، وهو المسمى بالوقوف العددي، وقال: هذا ما وصل إليَّ من حضرة الشاه النقشبند، وإن شئت أن تربي الطالبين بطريق الجذبة فلك الخيار».

وروي أن بعض أصحاب الشيخ يعقوب قال له: «الآن لقنته الطريق وتخيره في تربية السالكين. بين الجذبة والذكر، فكيف هذا؟» فقال رضي الله عنه: «هو رجل كامل لا يحتاج إلا إلى إذن، فإنَّ الله أعطاه غاية القوة، ومن أراد أن يجيء عند الشيخ فليكن مثل هذا، فإن الأسباب فيه موفَّرة والمعدات مستحضرة، هيَّأَ السرج والفتيلة والزيت وترقَّبَ الكبريت».

وكان رضي الله عنه شديد المراعاة للآداب الظاهرة والباطنة في كافة أحواله وأحيانه، خلوة وجلوة، حتى إنه لم يُرى جالسا متربعاً قط، وكان إذا صادف في مشيه كلباً أو هرة يقف متأدباً إجلالاً لمن خلقها، ويفسح لها المجال بالسير حتى إذا مروا من أمامه تابع سيره. وخرج يوماً في شدة القيظ إلى مزرعة له وسأل أحد عامليه يوماً عن عدد مزارعه، فقال: هي أكثر من ألف وثمانمائة مزرعة، وعن عدد فدادين المزرعة التي تحت يده، فقال: ثلاثة آلاف فدان.

يقول رضي الله عنه: «التصوف أن تحمل أثقال الكل ولا تضع أثقالك على أحد، لا ظاهراً ولا باطن».

ويقول رضي الله عنه: «لا أقدر أن أسكن بلداً فيه شريف (من آل البيت رضي الله عنه) إذ لا أقدر على أداء حق تعظيمه».

ويقول رضي الله عنه: «ما دمت تشير بالهاء، وهو الحروف، فأنت عبد الحروف، لا تنتج شيئاً. فإجتهد في أن ترفع الغبار وحجب الأغيار من طريقك وتصير عبداً تذكره بلا هاء ولا واو».

ويقول رضي الله عنه: «إن حصل لك حضور بصحبة أحد فطريق حفظه أن تجتنب ما يكرهه».

ويقول رضي الله عنه: «ينبغي لمن أراد المجيء عند هذه الطائفة أن يجيء بالإفلاس التام ظاهراً وبطناً، لا الغنى، لئلا يحرم من بركاتهم. وحاصل هذه الطريقة العلية الإقبال على الله تعالى دائماً؛ إقبالاً لا تكلُّفَ فيه».

ويقول رضي الله عنه: «إذا زال لون النقوش الكونية من مرآة العين المدركة فما ثم إلا الذات».

ويقول رضي الله عنه: «جذبة من جذبات الحق توازي عمل الثقلين».

ويقول رضي الله عنه في معنى قوله تعالى: ﴿لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: 16]: «يحتمل أن يكون المراد بالملك قلب السالك، فإنه إذ تجلى الحق تعالى على قلبه بالتجلي القهري يمحو منه الغير والسوى، فلا يبقى فيه إلا هو، فلا جرم يسمع في هذا القلب: لمن الملك اليوم لله الواحد القهار».

ويقول رضي الله عنه: «إني أحفظ كلاما كنت سمعته، وأنا ابن سنة».

ويقول رضي الله عنه: «إني منذ كان عمري ثلاث سنين، وأنا في الحضور مع اللّه تعالى، حتى كنت أذهب إلى المكتب، وأقرأ عند الشيخ وقلبي معلق مع اللّه تعالى، وكنت أحسب أن جميع الناس كذلك. ولقد خرجت زمن الشتاء إلى الصحراء، فغاصت قدماي مع النعل في الطين، وكان الوقت شديد البرودة، فاهتممت بنزع قدمي، فغفلت عن اللّه تعالى بهذا المقدار، وكان ثم رجل يحرث على بقر، فجعلت ألوم نفسي، وأقول لها: انظري إلى هذا الحراث مع ما هو عليه من العمل، لم يغفل عن اللّه عزَّوجلَّ».

ويقول رضي الله عنه: «رأيت في البداية سيدنا شاه نقشبند رضي الله عنه ليلة قد جاء وتصرف في باطني، ثم ذهب فتبعته، فلما أدركته التفت، وقال: بارك اللّه بك. وكان يغلب عليّ وهم قوي، بحيث لا أقدر أن أخرج وحدي ليلا، فورد عليّ ليلة وارد قويّ اضطرني للخروج من الدار، وكانت ليلة مظلمة، فخرجت حتى أتيت ضريح الشيخ أبي بكر القفال رضي الله عنه، ثم ذهبت لزيارة أكثر قبور الصالحين، فذهب وهمي من حينئذ».

ويقول رضي الله عنه: «إن السادات الخواجكان ينظرون إلى الوقت، فيعملون بمقتضاه، فيشتغلون بالذكر والمراقبة، حيث لم تكن خدمة لأحد، فإذا احتاج مسلم لخدمة آثروها، وذلك أن الخدمة سبب لقبول القلوب، وهو مقدم على الذكر، والمراقبة، وظن بعض الناس أن الاشتغال بالنوافل أولى من الخدمة، وليس كذلك، فإن نتيجة الخدمة المحبة، وميل القلوب، لأنها جبلت على حب من أحسن إليه».

ويقول أبو سعيد الأوبهي رحمه اللّه تعالى: «إني صحبته خمسا وثلاثين سنة لم أفارقه قط، فما رأيته تلك المدة إذا أكل عنبا أو تفاحا أخرج من فمه نواة أو قشرة، ولا رأيته تثاءب أو استنثر أو أخرج من فمه بصاقا، أو صدر عنه مما يكره شيء».

ويقول صاحب الرشحات إنه لم يره جلس متربعا قط، لا في خلوة ولا جلوة.

ويقول رضي الله عنه في قوله تعالى ﴿اَلْحَمْدُ لِلّٰهِ رَبِّ اَلْعٰالَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2 ]: «كمال الحمد أن يحمده العبد، ويعرف أنه لا حامد إلا هو تعالى، وأنه هو عدم محض لا رسم له ولا اسم ولا فعل، وإنما يبتهج سرورا بكونه تعالى جعله مظهرا لصفاته».

ويقول رضي الله عنه في قوله تعالى ﴿وقَلِيلٌ مِنْ عِبٰادِيَ اَلشَّكُورُ﴾ [سبأ: 13 ]: «الشكور في الحقيقة من يشاهد المنعم في النعمة».

ويقول رضي الله عنه في قوله تعالى ﴿وكُونُوا مَعَ اَلصّٰادِقِينَ﴾ [التوبة: 119 ]: «هذه المعية إما حسية، وهي مصاحبتهم ومجالستهم؛ فمن داوم على ذلك نور اللّه قلبه بأنوار باطنهم، وأنعم عليه بالتحقق بأخلاقهم. وإما معنوية، وهي أن يكون متوجها لروحانيتهم رابطا قلبه بهم، بحيث يكون مستحضرا لهم غيبة وحضورا، فإنه إذا أحكم هذا الارتباط القلبي انعكس عليه جميع أسرارهم».

ويقول رضي الله عنه في "لا إله إلا الله": «قال بعض الأكابر: هي ذكر العوام، و"الله" ذكر الخواص، و"هو" ذكر خواص الخواص؛ وعندي أنَّ "لا إله إلا الله" ذكر خواص الخواص، لأنه لا نهاية لتجلياته تعالى ولا تكرار فيها، ففي كل آن ينفي صفة ويثبت صفة، فلا يخلو أبد الآبدين من نفي وإثبات».

ويقول رضي الله عنه في قوله تعالى: ﴿قُلِ اَللّٰهُ﴾ [الأنعام: 91 ]: «المراد أن يكون العبد متوجها إلى الذات البحت لا إلى الصفات».

ويقول رضي الله عنه في قوله تعالى: ﴿يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا﴾ [فاطر: 32 ]: «أي: يا أيها الذين ربطوا قلوبهم باللّه تعالى آمنوا أنّ هذا منه تعالى لا منكم».

ويقول رضي الله عنه في قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ ظٰالِمٌ لِنَفْسِهِ ومِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ ومِنْهُمْ سٰابِقٌ بِالْخَيْرٰاتِ﴾ [فاطر: 32]: «يحتمل أن يكون قوله تعالى "ظالم لنفسه" إشارة إلى من منع نفسه عن اللذات، وما أعطاها مرادها في جميع الأحوال، فصار مستعدا لقبول الفيض الإلهي، وحينئذ يكون مقدما على المقتصد، وهو مقدم على السابق». وهذا التفسير يوافق كلام الشيخ محي الدين ابن العربي رضي الله عنه وفرق بين الظالم لنفسه والظالم نفسه، واستدل للأول بهذه الآية، وللثاني بقوله تعالى: ﴿كٰانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [النساء: 136]، فقد ظلم نفسه وأن الأول سعيد والثاني ضده.

ويقول رضي الله عنه في معنى قوله تعالى: ﴿لِمَنِ اَلْمُلْكُ اَلْيَومَ﴾ [غافر: 16 ]: «يحتمل أن يكون المراد بالمُلك قلب السالك، فإنه إذا تجلى الحق تعالى على قلبه بالتجلي القهري يمحو منه الغير والسوى، فلا يبقى فيه إلا هو».

ويقول رضي الله عنه في خلال الكلام على تفسير قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَومٍ هُو فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: 29 ]: «إن للبقاء بعد الفناء معنيين. أحدهما: أن السالك بعد ما يتحقق ويتمكن في شهود الذات، ويرجع من الاستغراق والغيبة إلى الحضور والحس، يصير مظهر تجليات أسماء الأفعال، ويجد في نفسه آثار الأسماء الكونية ويميز بينها، ويحصل له حظ خاص من كل اسم. ثانيهما: أن يجد في نفسه في كل آن وجزء لا يتجزأ من الزمان أثرا من الآثار الذاتية التي لا توجد في خارج الأعيان، وآناً فآناً يشاهد هذه الآثار المتنوعة المتلونة في نفسه، وباعتبار اختلافها يميز أزمنتها، وهذا نادر لا يكون إلا قليلا وأهله في كل زمان على غاية العزة، وكل يوم هو في شأن تؤيد ما ذكرن».

ويقول رضي الله عنه في معنى حديث النبي صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم: «سدوا كل خوخة في المسجد إلا خوخة أبي بكر»[133] إنَّ المحققون قالوا إنه كان لأبي بكر الصديق رضي الله عنه كمال النسبة الحبية مع رسول اللّه صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم، فأشار بهذا الحديث إلى أن جميع الطرق مسدودة لا توصل إلا طريق الحب، والمراد من الرابطة محبة الشيخ المستحق للمشيخة، وطريق السادة النقشبندية المتصل بأبي بكر رضي الله عنه مبني على هذه المحبة، فما هو إلا حفظ هذه النسبة.

ويقول رضي الله عنه في قول علي رضي الله عنه: «لو كشف الغطاء ما ازددت يقين»: «"لو" لامتناع الثاني لامتناع الأول، فيكون اليقين دائم الازدياد، لأن كشف الغطاء لا يمكن، إذ ثبت عند المحققين أن الذات لا تنكشف إلا في تجلي الصفات، أي لا تظهر إلا في مظهر، فلما لم تنكشف الذات كما هي، فلا جرم أنه يكون اليقين في ازدياد».

ويقول رضي الله عنه في معنى قول أحد الأكابر: «لو أقبل صدّيق على اللّه ألف سنة، ثم أعرض عنه لحظة فما فاته أكثر مما ناله»: «إن هذه الطائفة تصل إلى مقام تتضاعف فيه كمالاتها السابقة كلَّ نفس، ومنه ما حكي أن بعض المحجوبين ذكر عند الخليفة أنه ظهرت طائفة من الزنادقة قد ضلوا، فإن تأمر بقتلهم تنل أجراً عظيما، وتخلص الناس من طغيانهم. فلما أحضروا إلى دار الخلافة أمر بقتلهم فأخذ السياف بيد أحدهم ليقتله، فقام واحد منهم وقال له: اقتلني أنا أولا، فلما أخذ بيد الثاني قام آخر منهم، وقال له: بل أنا اقتلني أولا، فلما رأى مبادرتهم إلى القتل عجب منهم، وقال: من أي طائفة أنتم؟ فإنكم لمشتاقون إلى الموت، قال: نحن من أهل الإيثار، وقد وصلنا إلى مقام نكتسب في كل نفس ضعف الكمالات السابقة، فكل منا يؤثر الآخر ولو بلحظة من الحياة ليغنم تلك الكمالات. فرفع أمرهم إلى الخليفة، فلما تحقق أحوالهم تنبه، وقال: إن كان هؤلاء زنادقة فليس للّه على وجه الأرض صدّيق. ثم اعتذر إليهم، وأعادهم إلى وطنهم»[134].

ويقول رضي الله عنه: «الصلاة التي هي أفضل الأعمال تختلف باختلاف البقاع، فإنها في أماكن الفسق والفجور غيرها في مواضع العبادة والحضور، ومنه يظهر كون الصلاة في البيت الحرام بسبعين ألف صلاة في غيره».

ويقول رضي الله عنه: «التصوف أن تحمل أثقال الكل، ولا تضع أثقالك على أحد لا ظاهرا ولا باطن».

ويقول رضي الله عنه: «لما أراد الشبلي رضي الله عنه الدخول في طريق الصوفية، وكان أبوه حاكما في مدينة واسط، تاب وأناب على يد الشيخ محمد خير النسّاج؛ فأرسله إلى الجنيد رضي الله عنه، فقال صاحب كتاب كشف المحجوب: "ما أرسله لكونه ليس له قدرة على تربيته، بل رعاية للأدب مع الجنيد، إذ كان الشبلي من أقاربه"، فأمره الجنيد أن يكتسب ويرد المظالم التي وصلت إليه في زمن حكومة والده إلى أهلها من كسبه سبع سنين، ثم بتطهير الخلاء وتهيئة الأحجار والماء للاستنجاء سبع سنين، فبعد أربعة عشر سنة لقَّنه الذكر وأدخله الرياضة».

ويقول رضي الله عنه: «البعد الصوري لأهل الرابطة لا يمنع القرب المعنوي».

وفاته رحمه الله

توفي الشيخ عبيد الله أحرار في أواخر شهر ربيع الأول سنة 895 ه، الموافق 1490م، في قرية كمانكران في سمرقند، وقد عمّر تسعاً وثمانين سنة، رحمه الله ورضي عنه وأرضاه، وذكر نجله وجم غفير من أصحابه الحاضرين أنه خرج عند نَفَسه الأخير من حاجبيه نور باهر طمس ضوء الشموع.

بلغ عدد أتباعه زهاء التسعمائة ألف مريد، وكان له الآلاف من الخلفاء، ومنهم الشيخ إسماعيل الشيراوني الداغستاني، وأجلهم وأعظمهم من رباه فأحسن تربيته ووقف على أحواله وأكمل له رياضاته وخلواته وورثه السر الأعظم وعهد له بالنفس القدسي الشيخ محمد زاهد البخاري الذي خلفه، وكان حين يحضر يقوم احتراماً له مع كونه من أتباعه. وكان أولاده من أكابر العلماء ولكنهم لم يدخلوا في الطريقة العلية خوفاً من ترك الأدب ووقوعهم في بحارها لعِظم أمرها.

خلف رضي الله عنه ولدان كانا من كبار الشيوخ، وهما الشيخ محمد يحيى، والشيخ عبد الله، وكان يدعى بخواجكان خواجه أي: شيخ المشايخ. وبلغ مريدوه مئات الألوف وكان له الكثير من الخلفاء وأشهرهم: الشيخ مصلح الدين الطويل، والشيخ عابد چلبي القرماني، والشيخ بدر الدين بابا، والشيخ محمود چلبي، والشيخ لطف اللّه الأسكوبي، والشيخ محمود بن عثمان بن علي اللامعي، والشيخ حكيم چلبي، والشيخ خضر بك چلبي نجل أحمد باشا،[135] والشيخ محمد القاضي الزاهد الآتي ذكره.

قدَّس الله أسرارهم أجمعين.

=======================

System.String[]

The Meccan Revelations Website:


The Sun from the West:


The Single Monad:





يَا فَتاحُ: افْتحْ لي أَبْوَابَ السَّعَادَةِ وَحَقِّقْني بحَقَائِقِ أَهْلِ الإِرَادَةِ.
الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي [من كتاب النور الأسنى بمناجاة الله بأسمائه الحسنى - -]

مشاركة الصفحة

الإعجاب بصفحتنا على الفيسوك:
SINGLEMONAD

الإعجاب بصفحتنا على الفيسوك:
IBNALARABICOM


الإعجاب بهذه الصفحة على الفيسبوك:

اختر أي نص لتقوم بتغريده!