16- الشيخ محمد بهاء الدين النقشبندي

16- الشيخ محمد بهاء الدين النقشبندي

هو الشيخ محمد بهاء الدين النقشبندي الأويسي البخاري المعروف بـشاه نقشبند، شيخ الطريقة التي أخذت اسمها من اسمه فأصبحت تُعرف بعده بالطريقة النقشبندية.

مولده وحياته

ولد الشيخ محمد بهاء الدين سنة 717 ه، الموافقة 1317 م في قصر هندوان، والتي سميت فيما بعد بقصر العارفان، وهي قرية في أوزباكستان بالقرب من بخارى، وقد ذكرنا أعلاه أنَّ محمَّد بابا السماسي بَشَّر مريديه بظهوره قبل ولادته، وبعد ولادته ببضع سنوات، ما لبث أن جاء به جده إليه فأوكله إلى السيد الأمير كلال لتربيته. فبعد أن تلقى العلوم الشرعية صحب الشيخ محمد بابا السماسي، وكان في الثامنة عشرة من عمره، فأخذ عنه السكينة والخشوع والتضرع. وبعد وفاة السماسي صحب الشيخ كلال الذي اعتنى به ورباه أفضل تربية.

كان زاهداً متقشفاً حريصاً على الكسب الحلال، وكان يأكل خبز الشعير الذي يَزرعه بنفسه. وكان يلبس جُبّة من الصوف. وكان محباً للفقراء؛ يصنع لهم الطعام بيده ويخدمهم ويواسيهم. ولذلك أحبه الجميع واعترفوا بفضله.

بعد إتمام التربية على يد الشيخ الأمير كلال، أخذ شاه نقشبند يزور الصالحين ويستفيد من أحوالهم، فحجَّ ثلاث مرات ثم أقام بمرو وبخارى، ثم عاد أخيراً إلى بلدته قصر عارفان ليستقر فيها، فقدم إليه المريدون من كلِّ مكان، وأصبح يبثُّ من العلوم الغيبية والأسرار الوهبية، والمعارف الأحدية، والفيوضات المحمدية، ما لا يحيط به محيط.

في الحقيقة كان الشيخ نقشبند أويسياً فقد ربته روحانية الشيخ عبد الخالق الغجدواني رضي الله عنه، بالإضافة إلى شيخه الأمير كلال وشيخه السماسي، فقد كان استعداده فوق العادة فكان يقطع مسافة شهر بيوم واحد ومسافة عام بأيام، ففي يوم من الأيام جمع السيد أمير كلال مريديه وقال لمحمد بهاء الدين أمامهم: إني نَفَّذت وصية مرشدي الخواجه السماسي بتربيتك، ولم آل جهداً في تربيتك، ثم مدَّ يده إلى صدره وقال: إني أرضعتك جميع ما في صدري فيبس ثديي، فتمكَّنت من إخراج قلبك من قشرة البشرية، وتخليصك من النفس والشيطان، وأصبحتَ رجلاً عظيماً، وأنبتُك محلَّ نفسي، ولكنَّ هِمَّتك تتطلَّب العالي، وهذا منتهى مقدرتي على تربيتك، وأجيزك لتبحث عن رجلٍ أصلح مني لعله يعرج بك إلى مقام أعلى.

لذلك يقول الإمام شاه نقشبند في وصف رحلته الروحية، إنه تلقى من روحانية الشيخ عبد الخالق الغجدواني، بعد أن أوصله الأمير كلال على قدر طاقته. والشيخ الغجدواني توفي قبل بهاء الدين بسنين طويلة، فهذا هو السبب في كونه أويسيَّ المشرب، لذلك يقال له: محمد الأويسي.

ربى الشيخ بهاء الدين عشرات الألوف من المريدين، وقد وصل بعضهم درجة الإجازه المطلقة، وقد اجتازوا درجات البقاء بعد الفناء. وبفيض بركاته تمكن خلفاؤه ونوابه إبلاغ مريديهم إلى غاياتهم. وكان مريدو الأمير كلال إذا اجتمعوا يذكرون بالذكر الجهري، وإذا انفردوا يذكرون بالذكر الخفي، لكن شاه نقشبند اقتصر على الذكر الخفي لأنه أقوى وأولى. فأصبح الذكر الخفي من أهم ما يميز الطريقة النقشبندية عن سواها من الطرق الصوفية.

ترك الشيخ بهاء الدين عدداً من الكتب، أهمها: الأوراد البهائية، وقد قام أتباعه بشرحها وتسميتها "منبع الأسرار"، وقام مريده حمزة بن شمشاد بترتيبها حسب الحروف وبشرح ما أشكل منها. وله أيضاً كتاب تنبيه الغافلين، وكتاب سلك الأنوار، وكتاب هدية السالكين وتحفة الطالبين، وله صلوات على رسول الله صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم منها هذه الصيغة التي درج النقشبندية على قرائتها: «اللهم أنت الملك الحي القيوم، الحق المبين. اللهم إنا نسألك أن تصلي على سيدنا محمد نبراس الأنبياء، ونيّر الأولياء، وزبرقان[125] الأصفياء، وضياء الخافقين".

وقد أسس شاه نقشبند رضي الله عنه طريقته على أصول الإسلام الحنيف، وكان شديد الحرص على التمسك بالسنّة النبوية المطهرة؛ وعندما سُئل: بماذا يصل العبد في طريقكم؟ قال: بمتابعة سنة رسول الله صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم؛ إن طريقنا من النوادر وهي العروة الوثقى، وما هي إلا التمسك بأذيال متابعة السنّة السَنية واقتفاء آثار الصحابة الكرام.

من أقواله وأحواله

يروي الشيخ محمد بهاء الدين شاه نقشبند رضي الله عنه قصة بدايته فيقول: «أرسلني جدي، وكان سني وقتئذ نحو ثمان عشرة سنة، إلى سماس، لخدمة العارف الكبير، والمرشد الشهير الشيخ محمد بابا السماسي باستدعاء منه لي؛ فلما نلت الحصول إليه لم يأت وقت الغروب إلا وقد وجدت ببركته بنفسي سكينة وخشوعاً، وتضرعاً ورجوعاً. ثم إني قمت وقت السحر فتوضأت، وأتيت المسجد الذي فيه أصحابه فأحرمت بالصلاة، فلما سجدت دعوت اللّه تعالى وتضرَّعت إليه كثيراً، فمرَّ على لساني في أثناء دعائي: "إلهي أعطني قوة على تحمل البلاء ومحنة المحبة"، ثم إني صليت الفجر مع الشيخ فلما انصرف من الصلاة التفتَ إليّ وذكر لي كلَّ ما صدر مني على طريق الكشف، ثم قال لي: يا ولدي! ينبغي أن تقول في دعائك: "إلهي أعط هذا العبد الضعيف ما فيه رضاك"، فإنه تعالى لا يرضى أن يكون عبده في بلاء، وإن ابتلى حبيبه على مقتضى حكمته يعطه قوة على تحمله، ويطلعه على حكمته، فلا ينبغي للعبد أن يختار البلاء فإنه ينافي مقام الأدب».

ويروي رضي الله عنه بعض ما حصل معه في بدايته فيقول: «مبتدأ يقظتي وتوبتي أني كنت جالسا مع صاحب لي في خلوة، فبينما أنا ملتفت إليه أكلمه، إذ سمعت قائلا يقول لي: "أما آن لك أن تعرض عن الكل، وتتوجه إلى حضرتنا!" فحصل لي من سماع هذا الكلام حال عظيم، وخرجت مسرعا من ذلك البيت لا يقرُّ لي قرار، وكان قريبا منه ماء فاغتسلت منه وغسلت ثيابي، وفي تلك الحالة من الإنابة صليت ركعتين، طالما مضت عليَّ أعوام وأنا أتمنى أن أصلي مثلهما، فلم أتمكن من ذلك».

ويقول رضي الله عنه: «لما توفي حضرة الشيخ محمد بابا السماسي، أخذني الجد إلى سمرقند، فكان كلما سمع برجل صالح من أهل اللّه حملني إليه، وسأله الدعاء لي فكانت تنالني بركتهم، ثم أتى بي إلى بخارى وزوجني بها، وكانت إقامتي في قصر العارفان، ومن العناية الإلهية بي أنه وصلت إليّ قلنسوة العزيزان في تلك الأوقات، فتحسنت أحوالي، وقويت آمالي، إلى أن حظيت بصحبة السيد أمير كلال، وأخبرني بأن حضرة الشيخ محمد بابا السماسي أوصاه بي، وقال له: "لا تألُ جهدا بتربية ولدي محمد بهاء الدين، ولا بالشفقة عليه ولستَ مني في حلٍّ إن قصرت في ذلك"، فقال له: "إن أنا قصرت في هذه الوصية فلست برجل، ثم وفّى وعده".»

ويقول رضي الله عنه: «خرجت يوماً في حال غلبة الجذبة والغيبة هائما على وجهي أذهب كل مذهب، ولطالما تجرحت قدماي من الشوك، حتى إذا دنا الليل جذبتني زيارة السيد أمير كلال، وذلك في فصل الشتاء وشدة البرد وليس على ظهري إلا فروة عتيقة، فلما وصلت إلى منزله وجدته جالسا بين أصحابه، فحينما أبصرني سأل عني فعرفوه بي، فقال: أخرجوه من هذا المنزل، فلما خرجت أوشك أن تنفر نفسي وتطغى وتجذب مني عنان الانقياد والتسليم، ولكن تداركتني عناية اللّه ورحمته فقلت: إني لأتحمل كل مذلة في ابتغاء مرضات اللّه تعالى، وهذا هو الباب فلا مندوحة لي عنه، ثم وضعت رأس التواضع والانكسار على عتبة العز، وقلت لنفسي: إني لا أرفع عن هذه العتبة رأسي ولو حصل لي مهما حصل، ذلك والثلج ينزل شيئاً فشيئاً عليّ، والهواء شديد البرودة جدا، ولم أزل كذلك حتى قرب وقت الفجر، فخرج السيد رضي الله عنه فوقع قدمه الشريف على رأسي، فلما أحس بي رفع رأسي عن العتبة، وأدخلني المنزل وبشَّرني، فقال لي: "يا ولدي! إن ثوب هذه السعادة على قدر ذاتك"، ثم جعل يخرج بيده الشريفة ما في قدمي من الشوك، ويمسح ما أصابهما من الجراحة ويمدّني بفيوضاته الوافرة، وألطافه الباهرة قدس اللّه سره».

ويقول رضي الله عنه: «لا ينفع سالك هذا الطريق إلا البذل والمسكنة وعلو الهمة، فإني أنا ما أدخلوني إلا من هذا الباب، وما نلت ما نلت إلا من ذلك.»

ويقول رضي الله عنه: «نفي الوجود وعدم رؤية النفس في هذا الطريق هو رأس مال دولة القبول والوصول، وإني في هذا المقام نسبت نفسي إلى كلِّ طبقة من طبقات الموجودات، فوجدت كلَّ فرد منها في الحقيقة أحسن مني.»

ويقول رضي الله عنه: «ورد عليّ حال عجيب فقيل لي: "اطلب من حضرتنا ما أردت"، فقلت مع التواضع والخضوع: "إلهي! هب لي قطرة من بحار رحمتك وعنايتك"، فقيل لي: "تطلب من كرم حضرتنا قطرة". فأخذني حال أعظم، وهزتني الأريحية وعلو الهمة، فلطمت وجهي لطمة قوية وجدت ألمها أياما، وقلت: "يا كريم! هب لي بحار رحمتك وعنايتك مع القوة على تحملها". فظهر لي على الفور أثر الموهبة والعناية وببركة ذلك بلغت ما بلغت»

وقال رضي الله عنه يوماً لأصحابه يعلمهم علو الهمة: «لستم في حلٍّ مني إن لم تكن همتكم في طلب المقصود أن تضعوا أقدامكم على رأسي وترتقوا.»

ويقول رضي الله عنه: «في معنى قوله صلى اللّه عليه وسلم: "أمط الأذى عن الطريق"،[126] المراد من الأذى النفس، ومن الطريق طريق الحق، كما قيل لأبي يزيد رضي الله عنه: "خلِّ نفسك وتعال"».

ويقول رضي الله عنه عن اختلاف أقوال الخلفاء الأربعة الراشدين رضي الله عنه؛ حيث قال سيدنا أبو بكرٍ الصدِّيق رضي الله عنه: "ما رأيت شيئاً إلا ورأيت اللّه قبله"، وقال سيِّدنا الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "ما رأيت شيئاً إلا ورأيت اللّه بعده"، وقال سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه: "ما رأيت شيئاً إلا ورأيت اللّه معه"، وقال سيدنا علي بن ابي طالب رضي الله عنه: "ما رأيت شيئاً إلا ورأيت اللّه فيه". فقال رضي الله عنه ما حاصله: "اختلاف الأقوال بسبب اختلاف الأحوال".

وسئل رضي الله عنه: "بماذا يطلع أهل اللّه على الخواطر والأعمال الخفية والأحوال؟"، فقال: "بنور الفراسة التي أكرمهم اللّه تعالى بها، كما ورد في الحديث الصحيح: «اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور اللّه»[127]".

وطلب منه رضي الله عنه إظهار الكرامات فقال: "مشيُنا على وجه الأرض مع وجود هذه الذنوب أظهرُ الكرامات".

وسئل رضي الله عنه عن معنى قول بعض الصوفية: "الصوفي غير مخلوق"[128] فأجاب بأن للصوفي في بعض الأوقات حالا لا يكون فيها هو، فهذا الكلام بالنسبة إلى ذلك الوقت، وإلا فالصوفي مخلوق.

وسئل رضي الله عنه عن معنى قول الجنيد: "اقطع القارئين وصِل الصوفيين"، فمن القارىء؟ ومن الصوفي؟ فأجاب بأن القارىء هو المشغول بالاسم، والصوفي هو المشغول بالمسمى.

وسئل رضي الله عنه عن معنى قولهم: "الفقير هو الذي لا يحتاج إلى اللّه"، فقال: "المراد منه نفي الاحتياج إلى السؤال، كما قال إبراهيم الخليل صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم: "حسبي من سؤالي علمه بحالي".

وسئل رضي الله عنه عن معنى قولهم: "المجاز قنطرة الحقيقة"، فقال أن جميع العبادات الظاهرة والباطنة، القولية والفعلية مجاز، فما لم يجاوزها السالك لا يصل إلى الحقيقة.

ويقول رضي الله عنه: «ينبغي للمريد إن حصل له في شيخه إشكال أن يصبر على قدر تحمله، ولا يسيء اعتقاده فيه، ثم إن كان مبتدئا يجوز له السؤال، أو متوسط الحال قالوا: لا يسأل».

وسأل رضي الله عنه أصحابه يوماً: "ما الفقير؟" فما أجابه أحد، فقال: «من باطنه حرب، وظاهره سلم.»

ويقول رضي الله عنه: «كل من أراد نفسه ما أراد نفسه، ومن أراد غيره فقد أراد نفسه».

ويقول رضي الله عنه: «إن اللّه خلقني لخراب الدنيا، والناس يطلبون مني عمارها!» فالمقصود بناء الآخرة.

ويقول رضي الله عنه: «من عرف اللّه لم يخفَ عليه شيء»

ويقول رضي الله عنه: «إذا أردت مقام الأبدال، فعليك بتبديل الأحوال.»

ويقول رضي الله عنه: «الطريق الذي يصل بها العارفون إلى معروفهم، ويجدونه دون غيرهم، مبنية على ثلاث أمور: المراقبة، والمشاهدة، والمحاسبة؛ فالمراقبة: نسيان المخلوق بدوام النظر إلى الخالق. والمشاهدة: واردات غيبية ترد على القلب، ولما كان الزمان لا بقاء له لا يمكننا إدراك ذلك الوارد بصفة تقوم بنا، وإنما ندركه من القبض والبسط، ففي القبض نشاهد الجلال، وفي البسط نشاهد الجمال. والمحاسبة هي: أن نحاسب أنفسنا عن كل ساعة تمرّ بنا، هل مرت بحضور أو تفرقة؟ فنعدَّ الكلّض نقصاً، ثم نستأنف العمل من أوله.»

ويقول رضي الله عنه: «السالكون في دفع الخواطر الشيطانية والنفسانية متفاوتون: فمنهم من يراها فيدفعها عنه قبل أن تصل إليه، ومنهم من يطردها بعد وصولها إليه، ولكن قبل أن تستقرَّ وتستحكم، ومنهم بعد أن تصل إليه وتتمكن يسعى في صرفها، وهذا لا يجدي نفعا تامّا، غير أنه إذا عرف السالك منشأ ذلك وسبب الانتقالات إليه لا يخلو من فائدة.»

ويقول رضي الله عنه: «الوقوف الزماني الذي هو وظيفة السالك أن يكون ناظرا إلى أحواله، فيعلم ما يجب لكل زمان من الشكر أو العذر، ويعامله بما يليق به.»

ويقول رضي الله عنه: «الوقوف العددي أول مراتب العلم اللدني.»

ويقول رضي الله عنه: «لهذه الطريقة ثلاثة آداب: أدب مع اللّه سبحانه وتعالى وهو أن يكون المريد في الظاهر والباطن مستكملا للعبودية بامتثال الأوامر، واجتناب النواهي، معرضا عن سواه بالكلية. وأدب مع رسوله صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم وهو أن يستغرق في مقام "فاتبعوني"، ويراعى ذلك في جميع الأحوال وجوباً، ويعلم أنه صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم واسطة بين الحق والخلق، وأن كلَّ شيء تحت تصرُّف أمره العالي. وأدب مع المشايخ وهو لازم للطالبين، لأنهم سبب في متابعته صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم، وقد وصلوا إلى مقام الدعوة إلى الحق، فينبغي للمريد حضورا أو غيبة أن يكون مراعيا لأحوالهم مقتديا بهم، متمسكا بأذيالهم.»

ويقول رضي الله عنه: «على المرشد أن يعلم أحوال المريد في الأزمنة الثلاثة الماضي والمستقبل والحال، حتى يمكنه أن يربيه، وعلى السالك أن يكون عند اجتماعه بأحد من أحباب اللّه حافظا حال نفسه، ثم يزن زمن صحبته وزمنه السابق، فإن وجد في حاله انتقالا من نقص إلى كمال على حد قوله: "أصبت فالزم"، فليجعل صحبة هذا العزيز فرض عين عليه.»

ويقول رضي الله عنه: «كل من مال إلينا أو انتسب إلى محبتنا بعيداً كان أو قريباً، لا بد أن نلحظ نسبته كل يوم وليلة، ونمدَّه من منبع عين الشفقة والتربية بالإمداد الدائم إن كان حافظا لأحواله، منقيا لطريق الإمداد من أدناس التعلقات وأوساخها.»

ويقول رضي الله عنه: «الصلاة والصيام والمجاهدة هي طريق الوصول إلى اللّه تعالى، ولكن نفي الوجود عندنا أقرب، وهذا وإن كان لا بد منه مع العبادة والمجاهدة أيضاً، إلا أنه لا يحصل إلا بترك الاختيار، وعدم رؤية الأعمال.»

ويقول رضي الله عنه: «كل من وفق لمخالفة نفسه وإن كان هو في حد ذاته عملا قليلا يجب عليه أن يراه عظيما، ويشكر اللّه تعالى على توفيقه له، فإن من قال: إذا أردت مقام الأبدال، فعليك بتبديل الأحوال، مراده مخالفة النفس.»

ويقول رضي الله عنه: «كنا في أوائل الحال نرى أنفسنا مطلوبين والغير طالب، والآن قد عدلنا عن ذلك، فإن المرشد على الإطلاق هو اللّه تعالى، فكل من أوجد فيه داعية هذا الطريق وأرسله إلينا يصل إليه منا ما له فيه نصيب.»

ويقول رضي الله عنه: «كل من سلم نفسه للحق تعالى، وفوض أمره إليه، فالتجاؤه لغيره شرك، يعفى عنه للعامة دون الخاصة.»

ويقول رضي الله عنه: «الوصول إلى سرّ التوحيد ممكن في بعض الأحيان، وأما الوصول إلى سرّ المعرفة فمشكل.»

ويقول رضي الله عنه: «إذا شاكت رجل الفقير شوكة، فعليه أن يعلم من أي وجه وصلت إليه.»

ويقول رضي الله عنه: «إن طريقنا من النوادر، وهي العروة الوثقى، وما هي إلا التمسك بأذيال متابعة السنة السنية، واقتفاء آثار الصحابة الكرام، ولقد أدخلوني في هذا الطريق من باب الفضل، فإنّي لم أشهد أولا وآخرا إلا فضل الحق تعالى، والعمل فيه يحصل منه فتوح كثير، لأن رعاية السنة السنية من أعظم الأعمال.»

وسئل: "بماذا يصل العبد إلى طريقكم؟"، فقال رضي الله عنه: «بمتابعة سنة رسول اللّه صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم.»

ويقول رضي الله عنه: «ينبغي للمتوكل أن لا يرى نفسه متوكلا، وأن يخفي توكله في الكسب.»

ويقول رضي الله عنه: «إن نظرنا إلى عيب الصاحب بقينا بلا صاحب، فإن أحدا لا يخلو من الصفات البشرية.»

ويقول رضي الله عنه: «إنا تحملنا في هذا الطريق الذلة، فتفضل الحق علينا من محض إحسانه بالعزة، وللّه العزة ولرسوله وللمؤمنين.»

وكان رضي الله عنه شديد الورع في أموره كلها، خصوصاً في طعامه، فإنه كان يحتاط له احتياطا عظيما، وكان يحب الفقراء ويصنع لهم الطعام بيديه ويخدم مائدتهم بنفسه، وإذا اجتمعوا للطعام يوصيهم بالمحافظة على الحضور، ويقول: صدور الأعمال الصالحة إنما هو من الطعام الحلال إذا أكل مع الحضور، ولا يحصّل العبد الحضور في جميع الأوقات، لا سيما أوقات الصلوات إلا بهذا. وكان إذا قدم إليه طعام صنع في حال غضب، أو كراهية، أو حصل فيه أدنى مشقة، بل لو كان وضع فيه أحد ملعقة على هذه الحالة لا يمدّ يده إليه، ولا يدع أحدا ممن معه أن يتناول منه شيئا. وكان في سرخس[129] فأرسل الملك حسين إليه رسولا ومعه كتاب فيه: إنا مشتاقون لصحبة الفقراء فماذا تأمرون؟ وكانت عادته لا يذهب إلى الملوك، ولكن رأى أنه يحصل بمجيء الملك إلى سرخس وطوس زحمة عظيمة على الناس، فرحمة بهم توجه إلى هراة، فلما وصل إليها نزل في زاوية سيدنا الشيخ عبد اللّه الأنصاري رضي الله عنه، فوجد الملك والخدم والحشم والأعيان والعلماء جميعا ينتظرونه، فاستقبلوه أعظم استقبال، وأدخله الملك إلى داره وجلس بين يديه، وبعد برهة وضعوا مائدة عظيمة جامعة لأفخر الأطعمة وأثمنها، فأخذ الحاضرون يأكلون والشيخ لم يأكل، فقال له العلماء: إن في هذه الأطعمة لحم صيد، وهو لا شبهة فيه، فكلوا منه، فقال: لا يليق بي أن آكل على موائد الملوك، وأنا معتقد جماعة، وهذا واحد منهم حاضر، فإن مددت يدي لا يدرون من أي طعام أكلت، فقالوا: إن صفة الفقر موروثة لكم قال: لا، بل أدركتني جذبة من جذبات الحق توازي عمل الثقلين، فتشرفت بهذه السعادة، فقال له الملك: طريقكم فيه ذكر الجهر والخلوة والسماع، قال: لا، قال: فماذا طريقكم؟ قال: هو كما قال سيدنا الشيخ عبد الخالق الغجدواني: الخلوة في الجلوة، قال: ما معناه؟ قال: هو أن يكون العبد في الظاهر مع الخلق، وفي الباطن مع الحق، وأنشد:

ففي الباطن كن  صاحياً غير غافلٍ

 

وفي الظاهر خالط  كبعضِ الأجانب

قال الملك: أَوَ يمكن هذا؟ قال: نعم! فإن اللّه تعالى يقول: ﴿رِجٰالٌ لاٰ تُلْهِيهِمْ تِجٰارَةٌ ولاٰ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اَللّٰهِ﴾ [النور: 37 ]، فقال له الملك: إن بعض السادات يقول: الولاية أفضل من النبوة، فأيُّ ولاية أفضل من النبوة، قال: ولاية النبي أفضل من نبوته.[130] ثم ودع الملك ورجع إلى الزاوية، فما لبث أن أرسل إليه الملك مع نفر من خواصه أطباقا عليها أنواع التحف، والتمسوا منه أن يقبلها، فردها، وقال لهم: إني منذ منّ اللّه عليّ بعنايته لم يقدر أحد في هذا الحال أن يجعل ظهر يدي إلى الأرض، فانصحوه أن لا يحدّث نفسه بمثل هذا.

وكان رضي الله عنه يصوم أكثر أيامه، فإذا جاءه ضيف وكان عنده ما يكرمه به يأكل معه، ويقول سرا لأصحابه: إن الصحابة رضي الله عنه كانوا لا يتفرقون إلا عن ذواق.

وفاته رحمه الله

لما مرض الشيخ بهاء الدين شاه نقشبند رضي الله عنه مرضه الأخير، دخل خلوته وأخذ مريدوه يتوافدون إليه ويلازمونه؛ فكان يوصي كلا منهم بما يناسبه. وقال الشيخ علاء الدين العطار رضي الله عنه: كنا نقرأ عند احتضار حضرة الشيخ رضي الله عنه «سورة يس» فلما بلغنا نصفها شرعت الأنوار تسطع، فاشتغلنا بالذكر، فتوفي رحمه الله. وكان ذلك ليلة الاثنين ثالث شهر ربيع الأول سنة 791 ه، الموافقة 1388 م، وكان عمره أربع وسبعون سنة. ودفن رحمه الله في بستانه كما أوصى رحمه الله ورضي عنه وأرضاه.

خلَّف رضي الله عنه الكثير من الخلفاء الذين لا يمكن حصرهم، ومن أشهرهم علاء الدين العطار، الآتي ذكره، والشيخ محمد بن محمد بن محمود الحافظي البخاري المشهور بپارسا،[131] أي المتعبِّد، ولقِّبَ بپارسا لأنه لمّا أتى لزيارة الشيخ ووقف عند الباب ينتظر فخرجت جارية فرأته فرجعت، فقال لها الشيخ: من بالباب؟ قالت: شاب بصورة پارسا، فخرج الشيخ وقال له: أنت كنت پارسا، فاشتهر به، وبشره بأنه من المرادين.

قدَّسَ اللهُ سرَّه.

=======================

System.String[]

The Meccan Revelations Website:


The Sun from the West:


The Single Monad:





يَا وَارِثُ: خُصَّني مِنْ وِرَاثَةِ خَوَاصِّكَ بمَقَامٍ كَرِيْمٍ وَاِجْعَلْني بَفَضْلِكَ مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيْمِ.
الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي [من كتاب النور الأسنى بمناجاة الله بأسمائه الحسنى - -]

مشاركة الصفحة

الإعجاب بصفحتنا على الفيسوك:
SINGLEMONAD

الإعجاب بصفحتنا على الفيسوك:
IBNALARABICOM


الإعجاب بهذه الصفحة على الفيسبوك:

اختر أي نص لتقوم بتغريده!