10- الشيخ عبد الخالق الغجدوانيّ

10- الشيخ عبد الخالق الغجدوانيّ

الشيخ عبد الخالق الغجدواني هو ابن الشيخ عبد الجميل الغجدواني، قدوة أهل الطريقة، وعمدة أرباب الحقيقة، الجبل الشامخ في العوارف، ذو القدم الراسخ في المعارف، صاحب الفيض الصمداني، من أكابر علماء ملاطية في الظاهر والباطن، ووالدته من بنات الملوك. رحل والده إلى بلاد بخارى وسكن في قرية غجدوان وقد رأى الخضر وصحبه وبشره بالشيخ عبد الخالق وسماه بهذا الإسم.

مولده وحياته

ولد الشيخ عبد الخالق سنة 479 ه في غُجْدوان، قرية على ستة فراسخ من بخارى، وبها نشأ، وينتهي نسبة إلى الإمام مالك رضي الله عنه، وتربى عند الشيخ يوسف الهمداني، فلازم خدمته ولم يَزل على الشغل بالله وخدمة شيخه مثابراً حتى التحق بكُمَّل الرجال ونال شريف المقامات وسنيَّ الأحوال، وأجاز له شيخه بالإرشاد الخاص والعام. ولما توفي الشيخ يوسف الهمداني قام مقامه في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى والهداية على سنة رسول الله صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم. وله كرامات كثيرة وله كتب ومؤلفات منها: كتاب في فضائل شيخه الشيخ يوسف الهمداني سماه "مقامات الهمذاني".

كان الشيخ عبد الخالق الغجدواني عالماً عارفاً وفياً صافياً، ملك زمام الإرشاد والتربية على الزهد والورع وسلوك سبيل المتقين، ولما برع بالعلوم الظاهرة اشتغل بالمجاهدات والرياضات الشاقة وتحصيل العلوم الباطنية، وهو أول من اشتغل بالذكر الخفي في هذه الطريقة. فقد ذُكر أنه كان يقرأ تفسير القرآن عند الشيخ صدر الدين فوصل إلى قوله تعالى: ﴿اُدْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وخُفْيَةً إِنَّهُ لاٰ يُحِبُّ اَلْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: 55 ]، قال للشيخ: ما حقيقة الذكر الخفي، وكيف طريقه، فإن العبد إذا ذكر بالجهر وبتحريك الأعضاء يطَّلع الناس عليه، وإن ذكر بالقلب فالشيطان يطَّلع عليه، لقوله صلى اللّه عليه وسلم: «إن الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم في العروق»[121]؟ فقال له الشيخ: إن هذا علم لدني، وإن شاء اللّه تعالى يجمعك اللّه على أحد من أوليائه فيلقِّنَك الذكر الخفي، فكان الخواجة قدس اللّه سره ينتظر وقوع هذه البشارة، حتى جاء الخضر-عليه السلام-إليه، فقال له: أنت ولدي، ولقنه الوقوف العددي، وعلَّمَه الذكر الخفي، وهو أنه أمره أن ينغمس في الماء، ويذكر بقلبه لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه، ففعل كما أمره وداوم عليه فحصل له الفتح العظيم، والجذبة القيومية، ثم تسلسلت هذه الجذبة بالذكر الخفي عند الخواجكان.

من أقواله وأحواله

ذكر الشيخ محمد پارسا أحد أجلاء أصحاب سيدنا النقشبند قدس سرهما العزيز في كتابه «فصل الخطاب» أن طريق الخواجة حجة على جميع الطرق، ومقبولة لديهم لأنه كان سالكا طريق الصدق والوفاء، ومتابعة الشرع وسنة المصطفى صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم، ومجانبة البدع، ومخالفة الهوى، وكان يخفي أحواله عن الناس، ويشتغل بالمجاهدات والرياضات الشاقة، وتحصيل العلوم الباطنية، حتى صار عارف زمانه، والمقدم على أقرانه، وامتدت إليه أعين النظار، وانتشر صيته في البلدان الكبار، ورحل إليه من جميع الأقطار.

وله رسالة كتبها لولده القلبي المبارك الشيخ أوليا الكبير، قد اشتملت من آداب الطريقة، والنصيحة الرفيقة، والتربية الحسنة الرقيقة، على ما يوجب إيرادها هنا، وهي: «يا بني! أوصيك بتحصيل العلم والأدب، وتقوى اللّه سبحانه وتعالى، واتبع آثار السلف الصالح، ولازم السنة والجماعة، واقرأ الفقه والحديث والتفسير، واجتنب الصوفية الجاهلين، ولازم الصلاة بالجماعة بشرط أن لا تكون إماما ولا مؤذنا، وإياك والشهرة فإنها آفة، وكن واحدا من الناس، ولا تمل لمنصب ولو كان محمودا كالقضاء والفتوى، ولا تكن كفيلا ولا وصيا، ولا تصحب الملوك وأبناءهم، والمرد والنساء والمبتدعة والعوام، ولا تبن زاوية، ولا تجلس بها، ولا تسمع الأنغام إلا قليلا، فإن كثرة السماع تولد النفاق وتميت القلب، ولا تنكر على أصحاب السماع لأنهم كثيرون، وقلل الكلام والطعام والمنام، وفرّ من الناس فرارك من الأسد، والزم الخلوة، وأكل الحلال، واترك الشبهات إلا عند الضرورة، فربما غلب عليك طلب الدنيا، وفي طلبها يذهب دينك وإيمانك، ولا تضحك كثيرا فإن كثرة الضحك تميت القلب، ولا تحتقر أحدا، ولا تزين ظاهرك لأن تزيين الظاهر من علامة إفلاس الباطن، ولا تجادل الخلق، ولا تسأل أحدا شيئا، ولا تأمر أحدا بخدمتك، واخدم المشايخ بالمال والجاه والبدن، ولا تنكر على أفعالهم، فإن المنكر عليهم لا ينجو، ولا تغتر بالدنيا وأهلها، وينبغي أن يكون قلبك محزونا ومغموما، وبدنك مريضا، وعينك باكية، وعملك خالصا، ودعاؤك بتضرع، ولباسك خلقا، ورفيقك الفقر، وبضاعتك الفقه، وبيتك المسجد، ومؤنسك الحق تعالى».

وفاته رحمه الله

توفي الشيخ عبد الخالق الغجدواني سنة 580 ه ودفن رحمه الله في قريته غجدوان.

ومن أبرز خلفاء الشيخ عبد الخلق الغجدواني: الشيخ أحمد صديق البخاري، وهو من كبار المشايخ، أصله من بخارى، وقد جلس على الإرشاد بعد شيخه إلى أن توفي رحمه الله. ومن خلفائه أيضاً الشيخ عارف أولياء الكبير البخاري، وأصله أيضاً من بخارى، وكان مستغرقا في تحصيل علم الظاهر، فلقي الشيخ مرة في السوق قد اشترى لحما وحمله، فقال له: أنا أحمله عنك، فأعطاه إياه، فلما وصل إلى بيته التفت إليه، وقال له: تأتي بعد ساعة حتى آكل الطعام معك، فلما انصرف لم يجد في قلبه ميلا للعلم، بل وجده منصرفا لخدمة الشيخ، فعاد إليه في الوقت فتقبله، وقال له: أنت ولدي، وعلمه الطريق، فاشتغل به وترك الذهاب إلى أستاذه، فكان كلما رآه أستاذه عنَّفه وشتمه على ترك العلم، وأمره بالحضور إلى المدرسة، وهو لا يقبل ولا يجيبه بشيء، فاتفق أن اقترف أستاذه ذات ليلة كبيرة من الكبائر، فلما التقيا في النهار أطال لسانه عليه على العادة، فقال له: يا سيدي! كنت في الليل في كذا وكذا من الفسق، والآن تمنعني عن طريق الحقِّ، فخجل الأستاذ خجلا عظيما، وعلم علو مراتب الصوفية وأحوالهم، وحضر عند الشيخ عبد الخالق في الحال وتاب وأخذ طريقته.

ومن خلفاء الشيخ عبد الخالق أيضاً الشيخ سليمان الكرميني، وكان من أكابر المرشدين، واشتهر له ثلاث خلفاء كبراء: المرشد الكامل الشيخ محمد شاه، والشيخ سعدي الغجدواني، والشيخ أبو سعيد البخاري، وقد تعاقب كل من هؤلاء الخلفاء الثلاثة على مقام الشيخ سليمان، إلى أن توفي أبو سعيد، فناب عنه خليفته العلامة الكبير، والمرشد الشهير، الشيخ محمد البخاري صاحب كتاب «مسلك العارفين».

ومن خلفاء الشيخ عبد الخالق أيضاً الشيخ عارف الريوكري، الآتي ذكره.

قدَّسَ اللهُ سرَّهم أجمعيمن.

=======================

System.String[]

The Meccan Revelations Website:


The Sun from the West:


The Single Monad:





إن الإنسان يتأثر بمحيطه وبيئته وبما يأكله ويشربه؛ فمن يأكل لحم الجمل باستمرار يتكون لديه نوع من الحقد، ومن يأكل لحم الدجاج يغار على النساء، ومن يأكل لحم الخروف يصبح شديد العاطفة ويصبح متواضعاً للناس، ومن يأكل لحم الجاموس يصبح عنيداً، وكلُّ ذلك مصدره حديث النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حيث يقول: "الرضاع يغير الطباع".[154] وكذلك فإنَّ مجاورة الجبال أو السهول وطبيعة الأرض تؤثِّر على الناس الذين يعيشون فيها. ولهذا السبب مثلاً نجد أن أهل المدينة المنورة يتسمون باللطف واللين في حين إن أهل مكة المكرمة يتسمون بالشدة والعزة. وذلك لأن أهل المدينة المنورة يجاورون الحبيب المصطفى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، في حين إنَّ مكة هي مدينة الربِّ عزَّ وجلَّ وهو يتصف بالعزّة والعظمة.
فضيلة الشيخ الدكتور رمضان صبحي ديب الدمشقي [الفصل السابع من كتاب إيجاز البيان عن سيرة فضيلة الشيخ رمضان - -]

مشاركة الصفحة

الإعجاب بصفحتنا على الفيسوك:
SINGLEMONAD

الإعجاب بصفحتنا على الفيسوك:
IBNALARABICOM


الإعجاب بهذه الصفحة على الفيسبوك:

اختر أي نص لتقوم بتغريده!