9- الشيخ يوسف الهمدانيّ

9- الشيخ يوسف الهمدانيّ

هو العالم الفقيه القدوة، العارف التقي، شيخ الإسلام، وهو أحد الأئمة في تربية المريدين، صاحب الكرامات، الشيخ أبو يعقوب يوسف بن أيوب بن يوسف بن الحسن الهمداني؛ نسبة إلى هَمِدان أو همذان من بلاد فارس.

مولده وحياته

ولد الشيخ أبو يعقوب سنة 441 للهجرة في همدان من بلاد فارس، وأصله من مدينة مرو، وقدم إلى بغداد، فسمع من أبي جعفر بن المسلمة، وعبد الصمد بن المأمون، وابن المهتدي بالله، وأبي بكر الخطيب، وابن هزار مرد، وابن النقور، وغيرهم، وسمع بأصبهان من حمد بن ولكيز، وغيره، ووعظ الناس الذين ازدحموا عليه، ثم رجع وسكن في مرو، ثم سار إلى هراة وأقام بها مدة. وفي بخارى سمع من أبي الخطاب محمد بن إبراهيم الطبري، وفي سمرقند من أحمد بن محمد بن الفضل الفارسي، وقد صحبه الشيخ عبد القادر الجيلاني في بداية شبابه. وكان الشيخ يوسف الهمذاني شافعي المذهب، وقد كتب وألّف الكثير من الكتب واعتنى خاصة بالحديث، لكنَّ مؤلفاته تفرقت لعدم تفرُّغه لإخراجها بسبب كثرة ترحاله وشغله بالعبادة، ومن كتبه: "منازل السالكين" في التصوف، و"زينة الحياة".

تفقه الشيخ يوسف في مذهب الإمام الشافعي على شيخ الدنيا سيدنا الشيخ إبراهيم بن علي بن يوسف الفيروزابادي (توفي سنة 476 ه) صاحب «التنبيه»، ولازم مجلس أبي إسحق الشيرازي وقدّمه مع صغر سنه على أقرانه، ورفع قدره حتى برع في الفقه وغيره، لا سيما علم النظر. وسمع من الخطيب البغدادي (توفي سنة 463 ه) وثقاة كثيرة في بغداد وأصفهان، وبخارى وخراسان، وخوارزم وما وراء النهر، وحصل له القبول التام، ثم انقطع وتزهد وتعبد واشتغل بالمجاهدات والرياضات، حتى صار غوث الزمان، وغيث الحقائق والعرفان، وعقد له مجلس الوعظ والتذكير في بغداد، ثم رحل إلى مرو وأقام بها. وصحب الشيخ عبد اللّه الجويني، والشيخ حسنا السمناني، والشيخ أبا علي الفارمدي. وظهر على يديه كرامات لا تحصى ولا تحصر.

من أقواله وأحواله

ذكر العلامة ابن حجر الهيتمي رضي الله عنه في «الفتاوى الحديثية» نقلاً عن إمام الشافعية في زمنه أبي سعيد عبد اللّه بن أبي عصرون (توفي سنة 585 ه)، قال: «دخلت بغداد في طلب العلم، فرافقت ابن السقا في الطلب بالنظامية، وكنا نزور الصالحين، وكان ببغداد رجل يقال له: الغوث (يقصد الشيخ يوسف الهمذاني)، يظهر إذا شاء، ويختفي إذا شاء. فقصدنا زيارته أنا وابن السقا والشيخ عبد القادر (الجيلاني)، وهو يومئذ شاب. فقال ابن السقا ونحن سائرون: "لأسألنه مسألة لا يدري جوابها"، وقلت: "لأسألنه مسألة وأنظر ما يقول فيها"، وقال الشيخ عبد القادر: "معاذ اللّه أن أسأله شيئاً، أنا بين يديه أنتظر بركة رؤيته"، فدخلنا عليه فلم نره إلا بعد ساعة، فنظر الشيخ إلى ابن السقا مغضباً، وقال: "ويحك يا ابن السقا تسألني مسألة لا أدري جوابها، هي كذا وجوابها كذا، إني لأرى نار الكفر تلتهب فيك". ثم نظر إليّ وقال: "يا عبد اللّه أتسألني عن مسألة تنتظر ما أقول فيها، هي كذا وجوابها كذا، لتخرنَّ الدنيا عليك إلى شحمة أذنيك بإساءة أدبك"، ثم نظر إلى الشيخ عبد القادر وأدناه منه وأكرمه، وقال: "يا عبد القادر لقد أرضيت اللّه ورسوله بحسن أدبك، كأني أراك ببغداد، وقد صعدت الكرسي متكلما على الملأ، وقلت: قدمي هذه على رقبة كلِّ ولي، وكأني أرى الأولياء في وقتك وقد حنوا رقابهم إجلالا لك"، ثم غاب عنا فلم نره. قال: فأما الشيخ عبد القادر فقد ظهرت أمارات قربه من اللّه وأجمع عليه الخاص والعام، وقال: قدمي إلخ، وأقرَّت الأولياء في وقته له بذلك. وأما ابن السقا فإنه اشتغل بالعلوم الشرعية حتى برع فيها، وفاق كثيراً من أهل زمانه، واشتهر بقطع من يناظره في جميع العلوم، وكان ذا لسان فصيح وسمت بهي، فأدناه الخليفة منه وبعثه رسولا إلى ملك الروم، فرآه ذا فنون وفصاحة وسمت، فأعجب به وجمع له القسيسين والعلماء بالنصرانية، وناظرهم فأفحمهم وعجزوا، فعظم عند الملك فزادت فتنته، فتراءت له بنت الملك فأعجبته وفُتن بها، فسأله أن يزوجها له، فقالت: إلا أن يتنصَّر، فتنصَّرَ وتزوجها، ثم مرض فألقوه بالسوق يسأل القوت فلا يجاب، وعَلَته كآبة وسواد حتى مرَّ عليه من يعرفه، فقال له: ما هذا؟ قال فِتنة حلَّتْ بي سببها ما ترى، قال له: هل تحفظ شيئا من القرآن؟ قال: لا، إلا قوله ﴿رُبَمٰا يَودُّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا لَو كٰانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الحجر: 2]، قال: ثم جُزت عليه يوماً فرأيته كأنه قد حُرق، وهو في النزع فقلَبتُهُ إلى القبلة، فاستدار إلى الشرق، فعُدتُ فعاد وهكذا، إلى أن خرجت روحه ووجهه إلى الشرق؛ وكان يذكر كلام الغوث، ويعلم أنه أصيب بسببه. قال ابن أبي عصرون: وأما أنا فجئت إلى دمشق، فأحضرني السلطان الصالح نور الدين (زنكي) الشهيد، وأكرهني على ولاية الأوقاف فولِّيتها، وأقبَلَت عليَّ الدنيا إقبالاً كثيرا، فقد صدق قول الغوث فينا كلنا.»

ويقول الشيخ يوسف الهمذاني رضي الله عنه: «السماع سفر الحق ورسولٌ من الحق، وهو لطائف الحق وزوائده، وفوائد الغيب وموارده، وبوادي الفتح وعوائده، ومعاني الكشف وبشارته، فهو للأرواح قوتها وللأشباح غذاؤها وللقلوب حياتها وللأسرار بقاؤها، فطائفة أسمعها الحق بشاهد التنزيه، وطائفة أسمعها بنعت الربوبية، وطائفة أسمعها بنعت الرحمة، وطائفة أسمعها بوصف القدرة، فقام لهم الحق مسمعا وسامعا، فالسمع هتك الأستار وكشف الأسرار، وبرقة لمعت، وشمس طلعت، وسماع الأرواح باستماع القلوب على بساط القرب بشاهد الحضور من غير نفس تكون هناك فتراهم في السماع، والهين حيارى رامقين أسارى خاشعين سكارى».

ويقول رضي الله عنه: «واعلم أن اللّه خلق من نور بهائه سبعين ألف ملك من الملائكة المقربين، وأقامهم بين العرش والكرسي في حضرة الأنس، لباسهم الصوف الأخضر، ووجوههم كالقمر ليلة البدر، فقاموا متواجدين والهين حيارى، خاشعين سكارى، منذ خلقوا، مهرولين من ركن العرش إلى ركن الكرسي، لما بهم من شدّة الوله، فهم صوفية أهل السماء، فإسرافيل قائدهم ومرشدهم، وجبرائيل رائسهم ومتكلمهم، والحق تعالى أنيسهم ومليكهم، فعليهم السلام من اللّه عز وجل.»

وذكر الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي عن الشيخ أوحد الدين حامد الكرماني الذي زاره سنة ستمائة واثنتين في منزله في مدينة قونيه وحكى له أن الشيخ يوسف قدس الله سره أقام في مقام المشيخة والإرشاد في بالهم أكثر من ستين سنة، وأنه كان يوما جالسا في زاويته على حسب عادته فخطر بباله الخروج من الزاوية ولم يكن يخرج منها إلا لصلاة الجمعة، فثقل هذا الخاطر عليه ولم يعلم أين يذهب، فركب حماراً وأطلق له العنان ليتوجه إلى أي جهة أرادها الحق سبحانه وتعالى، فسار الحمار حتى أخرجه ظاهر البلدة وأوصله إلى مسجد خراب في البادية ووقف، فنزل الشيخ ودخل المسجد فوجد فيه شابا مطرقا رأسه عليه هيبة وجلالة، فبعد ساعة رفع رأسه ونظر إلى الشيخ فقال له: يا يوسف،... أنه وقعت له مسألة مشكلة وذكرها له فحلها الشيخ له، ثم قال: بعد ذلك يا غلام: كلما وقع لك مشكلٌ فأتني إلى الزاوية واسألني عنها ولا تكلفني الخروج إليك. فيقول الشيخ يوسف قدس الله سره: فنظر إلي الغلام وقال: إذا أشكل علي شيء فكل حجر من الأحجار هو لي يوسف مثلك!

وذكر الشيخ نجيب الدين علي بن بزغش الشيرازي قدس الله سره، أنه وجد بعض كراريس من كلام الشيخ في علم الحقيقة، قال: فلما طالعتها تلذذت بها وتطلبت معرفة مؤلفها فلم أعرفه ولا وجدت بقيتها فنمت ليلة فرأيت رجلا أبيض اللحية وقورا مهابا منورا للغاية قد دخل الرباط وذهب إلى المتوضأ وكان لابسا جبة بيضاء واسعة كتب عليها بماء الذهب آية الكرسي بخط جسيم حيط بجميع الجبة فاتبعته فنزع الجبة عنه ودفعها إلي فظهر تحتها جبة خضراء أحسن من الأولى مكتوب عليها آية الكرسي كذلك فنزعها ودفعها إلي أيضاً، ثم قال لي: احفظهما حتى أتوضأ، فلما أتم وضوءه قال لي أريد أن أعطيك إحدى هاتين الجبتين فأيتهما تختار؟ فقلت: أنا لا أختار بل ما تختاره أنت هو المقبول، فألبسني الجبة الخضراء ولبس هو البيضاء، ثم قال لي: أتعلم من أنا؟ فقلت: لا. قال أنا يوسف الهمذاني مصنف الكراريس الذي كنت تطلبه وهي من كتابي المسمى "رتبة الحياة"، ولي مصنفات أخرى أحسن مثل: "منازل السائرين ومنازل السالكين". ثم إستيقظت من النوم، وقد سررت سروراً عظيماً.

وفاته رحمه الله

توفي الشيخ يوسف الهمذاني رحمه الله سنة 535 ه، حيث رحل إلى هراة وأقام بها طويلا، فسأله أهل مرو العود إليها فذهب حتى إذا وصل إلى باميين، وهي بلدة بخراسان بين هراة وبغشور، فأدركته الوفاة فدفن بها، ثم نقل جثته الشريفة إلى مرو، وقبره يزار هناك.

وكان للشيخ يوسف الهمذاني عدد كبير من المريدين، ومن أبرز خلفائه الشيخ عبد الخالق الغجدواني، التالي ذكره، والشيخ عبد اللّه البرقي، ولد في خوارزم وتوفي في بخارى، والشيخ أبو محمد حسن بن حسين الأنداقي، ولد سنة أربع وستين وأربعمائة وتوفي سنة اثنين وخمسين وخمسمائة، والشيخ أحمد اليسوي، نسبة إلى يسى بلدة من بلاد الترك ولد وتوفي بها، وهو من عظماء مشايخ الترك، وأكثرهم ينسبون إليه ويسمونه اتايسوي، واتا في التركية بمعنى الوالد.

قدَّسَ اللهُ سرَّهم العزيز.

=======================

System.String[]

The Meccan Revelations Website:


The Sun from the West:


The Single Monad: