5- الإمامُ جَعفرُ الصَّادق

5- الإمامُ جَعفرُ الصَّادق

الإمام جعفر الصادق رضي الله عنه هو أبو عبد الله جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، رضي الله عنهم جميعاً: إمام من أئمة المسلمين، وعالم جليل وعابد فاضل، وله مكانة جليلة عظيمة لدى جميع المسلمين. وأمه هي: أم فروة فاطمة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر الصدِّيق رضي الله عنه. وأمُّ أبيه هي: أم عبد الله بنت الحسن بن علي بن أبي طالب، وأمَّا أمُّ أمِّه فهي: أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر الصدِّيق رضي الله عنه.

لقِّب بالصادق لأنه لم يُعرف عنه الكذب، وإليه يرجع انتشار المذهب الجعفري، ومدرسته أساسٌ لكلِّ طوائف المسلمين، حيث روى عنه كثير من العلماء والمحدثين على اختلاف مذاهبهم. كما إنه كان عالم فلك وهو من أوائل العلماء في الكيمياء، حيث تتلمذ على يديه أبو الكيمياء جابر بن حيان. وكان أيضاً أديباً وطبيباً وفيزيائياً وفيلسوفاً من علماء الكلام.

لم يجمع الناس على حب أحد في ذلك العصر كما أجمعوا على حب الإمام جعفر بن محمد الذي اشتهر فيهم باسم جعفر الصادق. ذلك أنه كان صافي النفس، واسع الأفق، مرهف الحس متوقد الذهن، كبير القلب، يلتمس في غضبه الأعذار للآخرين، حاد البصيرة.

مولده وحياته

ولد الإمام جعفر الصادق رضي الله عنه في المدينة المنورة في يوم الإثنين السابع عشر من شهر ربيع الأول سنة ثمانين للهجرة، الموافق 24 نيسان سنة 702 للميلاد، وهو اليوم الذي وُلد فيه النبي صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم.

صفاته

وُصف الإمام جعفر الصادق بأنه مربوع القامة، ليس بالطويل ولا بالقصير، أبيض الوجه، أزهر له لمعان كأنه السراج، أسود الشعر جعده، أشم الأنف، قد انحسر الشعر عن جبينه فبدا مزهراً، وعلى خده خال أسود.

الخلاف على الخلافة

كان موضوع الخلافة في وقت جعفر الصادق أساس النزاع بين المسلمين، وقد تفرقت الأمة بسببه إلى فرق وطوائف كثيرة، فقد رأى قسم من المسلمين أنَّ الخلافة تكون بالشورى والاختيار، فبايعوا أبا بكر وباقي الخلفاء الراشدين من بعده. في حين رأى القسم الآخر أن الرسول صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم لم يعتمد الشورى أساساً لاختيار الخليفة، بل إنه عيَّن اثني عشر إماماً أوّلهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وآخرهم المهدي المنتظر، وعُرف هؤلاء بالإماميّة الإثنا عشرية. ولذلك عارضوا خلافة بني أميَّة واعتبروها غير صحيحة، وقامت عدَّة حروب على هذا الأساس.

لكنَّ الإمام جعفر الصادق رضي الله عنه، وهو الإمام السادس عند الإمامية، رفض فكرة الانتفاضة المُسلحة على الخلافة، ويروى أنَّ سالم بن أبي حفضة قال: سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ وَابْنَه جَعْفَراً عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَقَالَ: «يَا سَالِمُ! تَوَلَّهُمَا، وَابْرَأْ مِنْ عَدُوِّهِمَا، فَإِنَّهُمَا كَانَا إِمَامَيْ هُدَىً.» ثُمَّ قَالَ جَعْفَرٌ: «يَا سَالِمُ! أَيَسُبُّ الرَّجُلُ جَدَّه، أَبُو بَكْرٍ جَدِّي، لاَ نَالَتْنِي شَفَاعَةُ مُحَمَّدٍ يَوْمَ القِيَامَةِ إِنْ لَمْ أَكُنْ أَتَوَلاَّهُمَا، وَأَبرَأُ مِنْ عَدوِّهِمَا.»[112]

علمه وفقهه

عُرف الإمام الصادق بإطّلاعه الواسع وعلمه الغزير، حيث شهد له بذلك الأكابر من العلماء، منهم تلميذه الإمام أبو حنيفة، الذي كان يروي عنه ويراه أعلم الناس باختلاف الناس، وأوسع الفقهاء إحاطة. وكان الإمام مالك يختلف إليه دارساً وراوياً.

قال محي الدين النووي: «روى عنه محمّد بن إسحاق، ويحيى الأنصاري، ومالك، والسفيانيان، وابن جريح، وشعبة، ويحيى القطّان، وآخرون، واتفقوا على إِمامته وجلالته وسيادته.» وقال مالك بن أنس إمام المالكية: «وما رأتْ عَينٌ، ولا سمعت أذنٌ، ولا خَطَر على قلب بشرٍ، أفضل من جعفر بن محمّد الصادق، علماً، وعِبادة، وَوَرَع» ويقول في كلمة أخرى: «ما رأت عيني أفضل من جعفر بن محمّد فضلاً وعلماً وورعاً، وكان لا يخلو من إحدى ثلاث خصال: إمّا صائماً، وإمّا قائماً، وإمّا ذاكراً، وكان من عظماء البلاد، وأكابر الزهّاد الذين يخشون ربّهم، وكان كثير الحديث، طيب المجالسة، كثير الفوائد.»

كان له مناقشات ومحاججات كثيرة مع أهل العلم ومع المخالفين من أرباب الديانات والمذاهب الأخرى، ومع الملحدين ومع منكري البعث، تبهر العقول وتحير الألباب، وله معجزات كثيرة وكرامات خارقه.

كان‌ قوّة‌ فكريّة‌ في‌ عصره‌، فلم‌ يكتف‌ بالدراسات‌ الإسلاميّة‌ وعلوم‌ القرآن‌ والسنّة‌ والعقيدة‌، بل‌ اتّجه‌ إلى دراسة‌ الكون‌ وأسراره‌، ثمّ حلّق‌ بعقله‌ في‌ سماء الأفلاك‌، ومدار الشمس‌ والقمر والنجوم‌، كما عني‌ عناية‌ كبرى‌ بدراسة‌ النفس‌ الإنسانيّة‌.

مذهبه ومنهجه

يتشابه منهج الإمام جعفر مع منهج علماء أهل السنَّة في أمور أساسيَّة؛ فهو يعتمد بالتدريج على القرآن والسنَّة النبوية والإجماع ثم الاجتهاد، لكنّه تشدد كثيراً في مسألة القياس. فلا يُقبَل القياس عنده ما لم يكن الحكم المُقاس عليه معللاً بعلَّة منصوص عليها، أمَّا القياس المُفتقر إلى علَّة منصوص عليها فيُصبح رأياً عنده. والفقه بالرأي مرفوض، لأنه فعل إنساني ليس فيه ضمانة شرعيَّة.

بعض أقواله وأحواله

يقول الإمام جعفر الصادق رضي الله عنه: «من أنصف الناس من نفسه رضي به حكما لغيره.»

ويقول رضي الله عنه: «الذنوب التي تغيّر النعم: البغي. والذنوب التي تورث الندم: القتل. والتي تُنزل النقم: الظلم. والتي تهتك الستور: شرب الخمر. والتي تحبس الرزق: الزنا. والتي تعجّل الفناء: قطيعة الرحم. والتي تردّ الدعاء، وتظلم الهواء: عقوق الوالدين.»

ويقول رضي الله عنه: «إذا أضيف البلاء إلى البلاء كان من البلاء عافية.»

ويقول رضي الله عنه: «احذر من الناس ثلاثة: الخائن والظلوم والنمام، لأن من خان لك سيخونك، ومن ظلم لك سيظلمك، ومن نمَّ إليك سينم عليك.»

ويقول رضي الله عنه: «لا تعتد بمودة أحد حتى تغضبه ثلاث مرات.»

ويقول رضي الله عنه: «الرغبة في الدنيا تورث الغم والحزن والزهد في الدنيا راحة القلب والبدن.»

ويقول رضي الله عنه: «من ائتمن خائنا على أمانة لم يكن له على الله ضمان.»

ويقول رضي الله عنه: «السلام تطوع والرد فريضة.»

ويقول رضي الله عنه: «من بدأ بكلام قبل سلام فلا تجيبوه.»

ويقول رضي الله عنه: «اتق الله بعض التقى وإن قلَّ، ودع بينك وبينه سترا وإن رق.»

ويقول رضي الله عنه: «ما من شي‏ء إلا وله حدّ، قيل فما حدّ اليقين؟ قال: أن لا تخاف شيئا.»

ويقول رضي الله عنه: «من أوثق عرى الإيمان أن تحب في الله وتبغض في الله وتعطي في الله وتمنع في الله.»

ويقول رضي الله عنه: «الدنيا سجن المؤمن والصبر حصنه والجنة مأواه والدنيا جنة الكافر والقبر سجنه والنار مأواه.»

ويقول رضي الله عنه: «عالم أفضل من ألف عابد وألف زاهد وألف مجتهد.»

ويقول رضي الله عنه: «مجاملة الناس ثلث العقل.»

ويقول رضي الله عنه: «ضحك المؤمن تبسم.»

ويقول رضي الله عنه: «ثلاث لم يجعل الله لأحد من الناس فيهن رخصة بر الوالدين برين كانا أو فاجرين ووفاء بالعهد للبر والفاجر وأداء الأمانة إلى البر والفاجر.»

ويقول رضي الله عنه: «لا يبلغ أحدكم حقيقة الإيمان حتى يحب أبعد الخلق منه في الله ويبغض أقرب الخلق منه في الله.»

ويقول رضي الله عنه: «الصفح الجميل أن لا تعاقب على الذنب والصبر الجميل الذي ليس فيه شكوى.»

ويقول رضي الله عنه: «ذكر الموت يميت الشهوات في النفس، ويقطع منابت الغفلة، ويقوي القلب بمواعد الله، ويرق الطبع، ويكسر أعلام الهوى، ويطفئ نار الحرص، ويحقر الدنيا.»

ويقول رضي الله عنه: «الغضب ممحقة لقلب الحكيم ومن لم يملك غضبه لم يملك عقله.»

ويقول رضي الله عنه: «لن تكونوا مؤمنين حتى تعدوا البلاء نعمة والرخاء مصيبة.»

ويقول رضي الله عنه: «المعروف زكاة النعم والشفاعة زكاة الجاه والعلل زكاة الأبدان والعفو زكاة الظفر وما أديت زكاته فهو مأمون السلب.»

ويقول رضي الله عنه: «ثلاث من لم تكن فيه فلا يرجى خيره أبدا: من لم يخش الله في الغيب، ولم يرعوِ عند الشيب، ولم يستحِ من العيب.»

ويقول رضي الله عنه: «من اعتدل يوماه فهو مغبون ومن كان غده شر يوميه فهو مفتون ولم يتفقد النقصان في نفسه دام نقصه، ومن دام نقصه فالموت خير له.»

ويقول رضي الله عنه: «جاهل سخي أفضل من ناسك بخيل.»

ويقول رضي الله عنه: من سرَّته حسنته وساءته سيِّئته فهو مؤمن.»

ويقول رضي الله عنه: «من زعم أن الله في شيء أو على شيء أو من شيء فقد أشرك، إذ لو كان في شيء لكان محصورًا، ولو كان على شيء لكان محمولا، ولو كان من شيء لكان محدثًا أي مخلوقًا.»

وفاته رحمه الله

توفي الإمام جعفر الصادق رضي الله عنه في مساء الخامس والعشرين من شهر شوال سنة 148 للهجرة، ودفن في البقيع مع أبيه و جده، وكان عمره 65 سنة.

رضي الله عنه وعنا بجاهه.

=======================

System.String[]

The Meccan Revelations Website:


The Sun from the West:


The Single Monad:





اتخاذ الحق دليلا على وجود الخلق لا يصلح فلا يعوَّل عليه، لأن الخلق لا يكون غاية فليس وراء الله مرمى.
الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي [من كتاب ما لا يعول عليه - -]

مشاركة الصفحة

الإعجاب بصفحتنا على الفيسوك:
SINGLEMONAD

الإعجاب بصفحتنا على الفيسوك:
IBNALARABICOM


الإعجاب بهذه الصفحة على الفيسبوك:

اختر أي نص لتقوم بتغريده!