4- سَيِّدُنُا القاسم بن محمد رضي الله عنه

4- سَيِّدُنُا القاسم بن محمد رضي الله عنه

القاسم بن محمد بن أبي بكر الصدِّيق، رضي الله عنهما، هو التابعيّ الإمام القدوة الحافظ الحجة، من الفقهاء السبع في المدينة، عالم وقته؛ وكان ثقةً عالماً فقيهاً رفيعاً، إماماً ورعاً كثيرَ الحديث، مات أبوه وعمره سبع سنوات فربَّتْه عمَّتُهُ أمُّ المؤمنين عائشة بنت أبي بكر الصدِّيق رضي الله عنهم أجمعين.

مولده وحياته

ولد هذا التابعيّ العالم الجليل في أواخر خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه وبداية خلافة الإمام علي رضي الله عنه، وقد عيِّن والدُه والياً على مصر، ولكنَّه قُتِل فيها، فنقله عمّه عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنه مع أخته الصغيرة إلى المدينة، فبعثت إليهما عمَّته عائشة رضي الله عنها، وربَّتهما، فتفقَّهَ منها وأكثرَ الرواية عنها.

صفاته

ولقد كان القاسم رضي الله عنه أشد الناس تأسياً بجده الصدِّيق رضي الله عنه وأقربهم شبهاً له، فقد قال الزبير عنه: لم يلد (يعني لم يخلِّف) أبو بكر ولداً أشبه به من هذا الفتى، وقد أشبهه في قوة إيمانه وتقواه، وسماحة أخلاقه ورفقه.

تربيته عند عمَّته

يقول رضي الله عنه إنَّه لما قدم مع أخته إلى المدينة تولَّت عمَّته عائشة رضي الله عنها تربيتهما، فكانت تطعمهما بيديها، وكانت إذا بقي من طعامهما شيئاً أكلته، وكانت تحنو عليهما حنوِّ المرضعات على الفطيم؛ فتغسلهما وتمشطهما، وتلبسهما الأبيض الناصع من الثياب، وكانت تحضُّهما على فعل الخير، وتنهاهما عن الشرَّ، وقد دأبت على تلقينهما كتاب الله عزَّوجلَّ، وتروي لهما ما يناسبهما من حديث رسول الله صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم.

ويضيف رضي الله عنه أنّها كانت تزيد في الإحتفاء بهما في العيدين: «فإذا كانت عشية عرفة حلقت لي شعري وغسلتني أنا وأختي، فإذا أصبحنا ألبسَتْنا الجديد وبعثت بنا إلى المسجد لنؤدِّي صلاة العيد، فإذا عدنا منه جمعتني أنا وأختي وضحَّت بين أيدينا. وفي ذات يوم ألبستنا ثياباً بيضاً، ثم أجلستني على إحدى ركبتيها وأجلست أختي على ركبتها الأخرى، وكانت قد دعت عمِّي عبد الرحمن، فلما دخل عليها حيَّتْه ثمَّ تكلَّمَت فحَمَدَت الله عزَّوجلَّ وأثنت عليه بما هو أهله، فما رأيت متكلِّماً قطُّ، من رجل أو امرأة، قبلها ولا بعدها، أفصح منها لساناً ولا أعذبَ بياناً، ثم قالت: أي أخي، إني لم أزل أراك معرضاً عنِّي منذ أخذت هذين الصبيَّيْن منك وضممتهما إليَّ، ووالله ما فعلت ذلك تطاولاً عليك ولا سوءَ ظنٍّ بك، ولا إنَّها حالُك بالتقصير في حقِّهما، ولكنك رجلٌ ذو نساء وهما صبيان صغيران لا يقومان بأمر نفسيهما، فخشيت أن يرى نساؤك منهما ما يتفذَّرْنَهُ فلا يَطُبْن بهما نفساً، ووجدت أنِّي أحقُّ منهنَّ بالقيام على أمرهما في هذا الحال، وهاهما الآن قد شبَّا وأصبحا قادرين على القيام بأمر نفسيهما، فخذهما وضُمَّهما إليك. فأخذنا عمي عبد الرحمن وضمَّنَا إليه.»

ويقول رضي الله عنه: «قلت ذات يوم لعمتي عائشة رضي الله عنها: يا أماه إكشفي لي عن قبر النبي صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم وقبري صاحبيه فإني أريد أن أراهما. وكانت القبور الثلاثة ما زالت داخل بيتها وغطتها بما يسترها عن العين فكشفت لي ثلاثة قبور لا مشرقة ولا واطئه قد مُهِّدت بصغار الحصى الحمر كانت في باحة المسجد. فقلت: أين قبر رسول الله صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم؟ فأشارت بيدها، وقالت: هذا! ثمَّ تحدَّرت على خدَّيها دمعتان كبيرتان، فبادَرَتْ فمسحتْهُما حتى لا أراهما. وكان قبر النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم مقدماً على قبرَي صاحبيه، فقلت: وأين قبر جدي أبي بكر؟ فقالت: ها هو ذا! وكان مدفونا عند رأس النبي صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم. فقلت: وهذا قبر عمر! فقالت: نعم. وكان رأس عمر رضوان الله عليه عند خصر جدي قريبا من رجل النبي صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم.»

علمه وفقهه

أخذ القاسم رضي الله عنه علمه وفقهه عن عمته أم المؤمنين السيدة عائشة بنت أبي بكر الصدِّيق رضي الله عنهم، وعن حبر الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، وأخذ أيضاً عن عبد الله بن عمر وعن أبي هريرة رضي الله عنهم أجمعين. كما روى الحديث عن كثير من الصحابة منهم ابن مسعود، وزينب بنت جحش، وفاطمة بنت قيس، وابن عباس، وابن عمر، وجدته أسماء بنت عميس، وأبي هريرة، ورافع بن خديج، وعبد الله بن خباب، وعبد الله بن عمرو، ومعاوية.

ورُوي عن يحيى بن سعيد، قال: «ما أدركنا بالمدينة أحداً نفضله على القاسم.» وروى عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه قال: «ما رأيت أحداً أعلم بالسنَّة من القاسم بن محمد.»

ومع ذلك فقد كان رضي الله عنه يتورَّع عن أن يفتي في ما لا يعلم، فيقول يحيى بن سعيد: سمعت القاسم بن محمد يقول: «لأن يعيش الرجل جاهلاً بعد أن يعرف حقَّ الله عليه خيرٌ له من أن يقول ما لا يعلم.» وروى هشام بن عمار، عن مالك قال: أتى القاسمَ أميرٌ من أمراء المدينة، فسأله عن شيء، فقال: «إن من إكرام المرء نفسه أن لا يقول إلا ما أحاط به علمه.»

ومن ذلك أيضا أنه رؤي مرَّةً بمنى وأهل الأمصار من حجاج بيت الله يسألونه، فكان يجيبهم بما يعلم، ويقول لهم فيما لا يعلم: لا أدري، لا أعلم!

يقول يحيى القطان: «فقهاء المدينة عشرة، وذكر منهم القاسم رضي الله عنه.»

بعض أقواله وأحواله

قال يحيى بن سعيد: سمعت القاسم بن محمد يقول: «لأن يعيش الرجل جاهلا بعد أن يعرف حق الله عليه خير له من أن يقول ما لا يعلم.»

وروى محمد بن عبد الله البكري عن أبيه: قال القاسم بن محمد: «قد جعل الله في الصديق البار المقبل عوضاً من ذي الرحم العاق المدبر.»

وروى أفلح بن حميد، عن القاسم قال: «اختلاف الصحابة رحمة.»

وعن يحيى بن سعيد قال: «ما أدركنا بالمدينة أحداً نفضله على القاسم.»

قال ابن المديني: «له مائتا حديث.»

وروى عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه قال: «ما رأيت أحداً أعلم بالسنة من القاسم بن محمد، وما كان الرجل يعد رجلا حتى يعرف السنة.»

قال مصعب الزبيري: «القاسم من خيار التابعين.» وقال العجلي: «كان من خيار التابعين وفقهائهم»، وقال: «مدني تابعي ثقة، نزه، رجل صالح.»

عن أبي الزناد قال: «ما كان القاسم يجيب إلا في الشيء الظاهر.»

قال أبو نعيم: حدثنا خالد بن إلياس قال: «رأيت على القاسم جبة خز، وكساء خز، وعمامة خز.» وقال أفلح بن حميد: «كان القاسم يلبس جبة خز.» وقال عطاف بن خالد: «رأيت القاسم وعليه جبة خز صفراء، ورداء مثنيٌّ.»

عن سليمان بن أحمد قال: ثنا إسحاق بن عثمان بن طلحة، عن أفلح بن حميد: أن عبد الملك بن مروان لما توفي أسف عليه عمر بن عبد العزيز أسفا منعه من العيش، وقد كان ناعما فاستشعر المسح سبعين ليلة، فقال له القاسم بن محمد: «أعلمت أن من مضى من سلفنا كانوا يحبون استقبال المصائب بالتجمل؛ ومواجهة النعم بالتذلل»، فراح عمر من عشية يومه في مقطعات من حبرات أهل اليمن شراؤها ثمانمائة دينار وفارق ما كان يصنع.

وأسند القاسم عن أبي هريرة وابن عباس وعائشة وأسلم مولى عمر، وصالح بن خوات في آخرين.

وفاته رحمه الله

اختلف المؤرخون في تاريخ وفاته فبعضهم يذكر أنه توفي سنة إحدى ومائة أو اثنتين ومائة أو سنة ثمان ومائة أو اثنتي عشرة ومائة، ولكن الأرجح أن وفاته كانت سنة ثمان ومائة. وكان عمره عند وفاته ثلاثاً وسبعين سنة، أو سبعين سنة، حسب اختلاف الروايات في تاريخ وفاته. وكانت وفاته بين مكة والمدينة وهو قاصد مكة يريد الحج، فلما أحسَّ بالأجل اِلْتفت إلى ابنه وقال: «إذا أنا مِتُّ فكفِّنِّي بثيابي التي كنت أصلي فيها؛ قميصي وإزاري ورداءي، فذلك كان كفن جدِّك أبي بكر، ثم سوِّ على لحدي، والْحَق بأهلك، وإيَّاكم أن تقفوا على قبري وتقولوا كان وكان، فما كنت شيئا!»

رضي الله عنه وعنا بجاهه.

=======================

System.String[]

The Meccan Revelations Website:


The Sun from the West:


The Single Monad:





كل توبة لا تكون عامة فهي ترك لا توبة فلا يعوَّل عليها ول يقبلها الله توبة.
الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي [من كتاب ما لا يعول عليه - -]

مشاركة الصفحة

الإعجاب بصفحتنا على الفيسوك:
SINGLEMONAD

الإعجاب بصفحتنا على الفيسوك:
IBNALARABICOM


الإعجاب بهذه الصفحة على الفيسبوك:

اختر أي نص لتقوم بتغريده!