إيجازُ البَيَانِ - الفصل السادس - مؤلفاته وجملة من أقواله

إيجازُ البَيَانِ - المحتويات

بسم الله الرحمن الرحيم

الفصل السادس

مؤلفاته وجملة

من أقواله وحِكمه

 

احْفَظْ كَلامَ العَارِفِينَ فَإِنَّهُ

***

 

نُورٌ يُضِـيءُ دُجَى الطَّريقِ المُظْلِمِ

وَاسمعْ نَصَائِحَهُمْ فَحَسْبُكَ أَنَّهُمْ

***

يَتْلُونَ آيَاتِ الكِتَابِ المُحْكَمِ

فَكَيْفَ مَنْ كَانَتْ لَدَيْهِ خِبْرَةٌ

***

عَمَلِيَّةٌ في كُلِّ أَمْرٍ مُبْهَمِ

يُعْطِي مَقَالُهُ مَا يَقُولُهُ حَالُهُ

***

مُتَمَثِّلاً أَخْلاقَ خَيْرِ مُعَلِّمِ

إِنَّ الكَلامَ رِسَالَةٌ قُدْسِيَّةٌ

***

فَاللهُ عِنْدَ لِسَانِ كُلِّ مُكَلِّمِ[150]

1- كتبه ومؤلفاته:

لم يهتمَّ فضيلة الشيخ رمضان رضي الله عنه بالتأليف إلا فيما يخصُّ الدعوة والتدريس، حيث ألَّف في ذلك عدداً من الكتب التي يقوم بتوزيعها مجاناً على طلاب العِلم وإخوانه الذين يحضرون دروسه الأسبوعية. وقد قال لنا مرَّة بعد طبع عدَّة آلافٍ من النسخ من أحد كتبه: "هذه الكتب قبضنا ثمنها، ونريد أن نوزِّعَها على أصحابها"، ويقصد أنه قبض الثواب من الله عزَّ وجلَّ بمجرَّد طباعتها.

 

كَتب الشيخ في البداية "رسالة العرفان في تجويد القرآن"،[151] وهي رسالة تتناول فضل وآداب تلاوة القرآن الكريم، وعلم التجويد وأحكامه، ومخارج الحروف وصفاتها، بأسلوبٍ مختصرٍ جميلٍ، موضَّحٍ بالرسومات والمخططات الشجرية. وهذه الرسالة المختصرة الشاملة ألفها الشيخ سنة 1965 وهو يستخدمها في تدريس الحفّاظ آدابَ التلاوة والحِفظ وأحكامَ التجويد بأقسامها المختلفة.

ومن الكتب التي ألَّفها سنة 1998: "الرسالة الواضحة في أحكام الأضحية"، تحدَّث فيها عن أحكام الأضحية في الإسلام وآراء مختلف الفقهاء فيها، وذلك وفق منهج علمي دقيق ومُيسَّر. أوضح فضيلته في هذه الرسالة تعريف الأضحية لغةً وشرعاً، ومشروعيتها وفضلها وحُكمها وحِكمتها، وأصناف الحيوانات التي تجوز الأضحية بها، والعيوب المانعة من ذلك، وميقاتها، وكيفية ذبحها وتقسيمها، وحكم بيعها، وحكم التصدُّق بقيمتها؛ مبيِّناً بالأدلة الشرعية الواضحة جواز الأضحية طوال شهر ذي الحجة، وجواز الأضحية كذلك بأصناف كثيرة من الحيوانات مثل الدجاج، خاصة في هذا العصر، لينتفع بها أكبر عدد من الفقراء.

وفي مجال الحديث النبوي الشريف، جمع الشيخ رمضان ألفَ حديثٍ مُعتَمد لدى علماء أهل الحديث، منتقاة من أبواب متنوعة يسهل حفظها على طلبة العلم، وهي تلامس حياة المسلم، ليرتقي بها إلى أعلى درجات الإيمان ويكون على الصورة التي يحبها الله ورسوله.

 

صدر هذا الكتاب تحت عنوان: " ألفُ حدِيثٍ مِنْ كَلاَمِ خَيْرِ البرِيَّة" وطُبعت منه آلاف النسخ بطبعات عديدة.

ثمَّ توّج خزانة كتبه بكتاب عنوانه: "في ذكر الرحمن". وهو مبنيٌّ على توجيهات سماحة الشيخ أحمد كفتارو، قُدِّس سرُّه، التي يقول فيها: "إنَّك لن تحقِّقَ سعادةَ الدارين إلا بذكر الله، فاقرِن عِبَادَاتِك كلَّها بذكره سبحانه قبلَها، ومعَهَا، وبعدَهَا، فتكونَ حينَئِذٍ من المفلحين." ويقول أيضاً: "ذِكرُ الله تعالى سَبَبُ الوصالِ وأداةُ الاتصال." فهذه التوجيهات وغيرها دفعته إلى تأليف كتاب "في ذكر الرحمن" ليكون منهاجاً يسير عليه في دروسه الأسبوعية، لما في ذلك من فوائدَ للمريدين والسالكين.

يقول فضيلته في مقدِّمة هذا الكتاب: "إنَّ ذِكر الرحمن هو روح جميع العبادات، وهو المقصود من كلِّ الطاعات والقُرُبات، وهو أفضل الأعمال الصالحة، وهو منتهى حياة المؤمن ونورُها وغايتُها وخلاصتُها في الدنيا والآخرة... وإنَّ لكلِّ عبادة من العبادات وقتٌ معيَّن وشروطٌ محدَّدة، ولكنَّ ذكر الله تعالى لا يحدِّده مكان ولا زمان، وهو مطلوب على جميع الأحوال، وفي كلِّ الأوقات... وإذا كان الإيمان شجرة باسقة، جذورها العقيدة الصحيحة بالله، وفروعها العمل الصالح النافع، وثمارها الأخلاق الكريمة الطيبة، فإن ماءها الذي تُسقى به، والذي فيه استمرار حياتها إنما هو ذكر الله تعالى."

تكلَّم الشيخ في هذا الكتاب عن مدلولات كلمة الذكر، ومكانته وأهميته، وعن الذكر بالاسم المفرد ومعاني لفظ الجلالة (الله)، ثم تحدث بالتفصيل عن فوائد الذكر وثمراته والتحذير من تركه، ثم ذكر الآثار الصحية للذكر موضحاً آدابه وطريقته وضرورة الذكر مع الرابطة، مختتماً الكتاب بالحديث عن الذكر بين العادة والعبادة ومجيباً عن التساؤلات المختلفة التي يطرحها الذاكر في بداية طريقه. وأنهى الشيخ هذا الكتاب القيِّم بالمقارنة بين الذكر واليوغا مبيِّناً فضلَ الذكر ومشروعيَّته. وسوف نورد بعد قليل نفحات من أقواله عن الذكر ومعانيه وأهميته للمسلم.

هذا وقد تشارك الشيخ رمضان مع زوجته السيدة غادة ضاهر في تأليف عدة كتب منها:

·        الفقه الشيق بأجزائه الأربعة (الطهارة والصلاة، الصيام، الزكاة، والحج والعمرة).

·        الحياة الإنسانية في ظلِّ الطبيعة الربانية (وهو كتاب يبحث في بعض الأعشاب الطبية وفوائده).

·        تفكُّرك فيك يكفيك.

·        الحياة النورانية في العِشْرة الزوجية.

·        الدرر البهية في أفعال خير البريّة.

·        محاضرات في الطلاق، (جُمعت من محاضرات سماحة الشيخ أحمد كفتارو).

ويقوم فضيلة الشيخ رمضان رضي الله عنه الآن بإعداد بعض الكتب في تفسير القرآن الكريم موزَّعةً على الأجزاء والسور بحيث يخصِّص لكلِّ جزءٍ أو سورةٍ كتاباً، وهي مستقاة من محاضراته الأسبوعية في تفسير القرآن الكريم التي يلقيها في جوامع دمشق المختلفة.

 

2- أقواله في الذكر:

ونذكر فيما يلي جملة من أقواله في معنى الذكر ومشروعيته وطريقته وآدابه، وذلك من خلال ما قاله في كتابه "في ذكر الرحمن" وفي دروسه الأسبوعية المخصَّصة لشرح هذا الكتاب القيِّم.

فيقول الشيخ رمضان رضي الله عنه:

(*) الذكر ضدُّ الغفلة والنسيان، والغفلة ترْكُ الذكر عمداً، وأما النسيان فتركه عن غير عمد.

(*) الذكر يشمل معنيَيْن: الأول هو التذكُّر واستحضار الشيء في الذهن، والثاني هو النطق باللسان، وهو الاستعمال الغالب.

(*) الذكر عندنا يشمل المعنيين، فالذكر بمعنى التذكُّر، مقصود به تذكر الله واستحضار عظمته وخشيته ومراقبته؛ حتى يكون القلب له معظِّماً، ومنه خائفاً، وله مراقباً، ولنعمته شاكراً. والذكر اللساني هو ثمرة ذلك، وشاهدٌ عليه ومترجمٌ عنه؛ فمن عظّم الله في قلبه سبّح وهلّل وكبّر بلسانه، ومن خافه تضرَّع ودعا.

(*) سُمِّي القول باللسان ذكراً؛ لأنه دلالة على الذكر القلبي، غير أنه قد كثر إطلاق الذكر على القول اللساني، حتى صار هو السابق إلى الفهم.

(*) الذكر عبودية القلب واللسان، وهي عبادة غير مؤقتة، فالمؤمنون يُؤْمَرُون بذكر معبودهم ومحبوبهم في كلِّ حال: قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم.

(*) الجنة قيعان والذكر غراسها، والقلوب بُورٌ وخراب، وهو عمارتها وأساسها، وهو جلاء القلوب وصِقَالُها، ودواؤها إذا غشيها اعتلالها، وكلما ازداد الذاكر في ذكره استغراقاً ازداد المذكورُ محبة إلى لقائه واشتياقاً، وهو باب الله الأعظم المفتوح بينه وبين عبده ما لم يغلقه العبد بغفلته.

(*) الذكر نورٌ للذاكر في الدنيا، ونورٌ له في قبْره، ونورٌ له في معاده، يسعى بين يديه على الصراط، فما استنارت القلوب والقبور بمثل ذكر الله تعالى.

(*) إن الله خلق الإنسان من قبضة طين ونفخَ فيه من روحه، ويسر للجزء الطيني غذاءه من الأطعمة والأشربة التي تنمو بها الأجسام، وتقوى بها الأبدان، وأما الروح فهي السرُّ الأعظم الذي لا يَعرف كُنْهَه وسرَّه إلا الله. ولقد جعل الله للروح ما تسمو به وترتقي، وما تَرِقُّ به وتشف، وتسعَدُ به وتلَذُّ، فتصبح حينئذ في تمام النقاء والصفاء، وكمال القوة والنشاط، ألا وإنَّ أعظم ما تحيا به الروح وتسعد هو ذكر خالقها، الذي به تتغذى، وهو معراجها الذي فيه تترقى، وزينتها التي بها تتحلى، وعدتها التي بها تتقوى.

(*) إن الذكر يُثمر المقاماتِ كلَّها، من اليقظة إلى التوحيد، ويثمر المعارف والأحوال التي شمَّر إليها السالكون في طريق الله تعالى.

(*) إن الذكر لبّ الطاعات وجوهر العبادات، وهو أساس كثيرٍ من الفرائض والشعائر الظاهرة؛ فإنه يكون قبلها تهيئة لأدائها، ويكون معها جزءاً من أعمالها وأركانها، ويكون بعد الفراغ منها ختاماً لها.

(*) إن التفكر في معاني أسماء الله تعالى وصفاته مشروع، والمكرر لاسم الجلالة (الله) إنما هو يتفكر في معاني أسماء الله تعالى، فكلما قال: (الله) فإنه يتذكر معنى اسمٍ من أسماء الله أو صفةٍ من صفاته، وإذا كرّر اسماً آخر من أسمائه تعالى مثل (العليم) فإنه يظلُّ يتفكر في معنى ذلك الاسم كلَّما ذكره، هذا كله لمن يذكر بحضور القلب.

(*) "الله" اسم الإله الأزلي المستحق بالوجود الحقيقي، الواجب الوجود، وكل موجود سواه مستمدٌّ من وجوده سبحانه، وهو أعظم الأسماء الدالة على الذات الإلهية، والجامعة لكل صفات الألوهية، وهو باقٍ سرمداً، فاستحال عليه العدم، ووجب له الوجود والقِدم.

(*) إن لفظ الجلالة (الله) سواء كان مشتقاً أم غير مشتق، فإنه عَلَم على واجب الوجود أي: على الحق تبارك وتعالى، بذاته وأسمائه وصفاته دون سواه من المعبودات الباطلة.

(*) إنك حين تبدأ كل شيء بـ"بسم الله الرحمن الرحيم"، فإنك تجعل الله في جانبك يُعينك، ومن رحمته تبارك وتعالى أنه علمنا أن نبدأ كلَّ شيء باسمه تعالى؛ لأن "الله" هو الاسم الجامع لكل صفات الكمال، والفعل عادة يحتاج إلى صفات متعددة. والاسم الذي لا يكون لسواه هو "الله".

(*) المسلم حريص على الثواب، ويستكثر من الحسنات، ويجتهد في الطاعات، وكثيراً ما يفكر في كيفية زيادة رصيده من الحسنات، مع كثرة الأعمال والمشكلات، وتعاظم الملهيات والمغريات، ومن هنا أقول لكم وبكل قوة ووضوح: إن الذكر من أعظم أبواب الأجر، ويؤكد ذلك حديث رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حيث قال: "كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ: سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ، سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ"، والكثير من الأحاديث المماثلة.

(*) جعل الله للذكر فائدة الحفظ من وساوس الشيطان وهَمْزِه ولَمْزِه ونفخه، فالذاكر محفوظ - بإذن الله - لا يمسّه أذى، وله من الذكر حصن حصين، وسياج متين؛ لأن في قلبه ذكرُ الله، وعلى لسانه ذكرُ الله. وعن الحارث الأشعري أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "العبد لا ينجو من الشيطان إلا بذكر الله".[152]

(*) إن الذاكر الذي نوَّر الله قلبه بذكره، تنكشف له بهذا النور خواطر الشيطان ووساوسه التي أصبحت ضعيفة لا تقوى على إضلاله والتغرير به. وإن الغافل عن ذكر الله الذي صدأ قلبه وأظلم بسبب غفلته، فإنه يتخبط بين تصديق وتكذيب لهذه الخواطر والوساوس، فيبقى معذَّباً قلبياً ونفسياً، كما وصفه الله عزَّ وجلَّ في سورة طه: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى [124]﴾.

(*) الذكر حياة القلوب، والغفلة مواتها، فالذكر يحيي القلوب بإحياء المعاني الإيمانية، ودوام الصلة بالله، فعن أبي موسى الأشعري قال: قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِي لاَ يَذْكُرُ مَثَلُ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ".[153]

(*) إذا كان القلب حياً، كان عامراً بالإيمان، ومن ثم فإن الموعظة تؤثر فيه، والذكرى تنفعه، والوعد يطمعه ويرغبه، والوعيد يردعه، فهو كامل الحياة، عظيم التأثر، ومن ثم فإنه يكون قلبه ليناً لا قاسياً، ومن كانت هذه صفة قلبه من أثر الحياة بالذكر؛ فإن قلبه يكون في أفضل أحوال العلم والفقه، والاستيعاب والإدراك، ومن كانت الغفلة أغلب أوقاته، كان الصدأ متراكباً على قلبه، وصدؤه بحسب غفلته، وإذا صدئ القلب لم تنطبع فيه صور المعلومات على ما هي عليه، فيرى الباطل في صورة الحق، والحق في صورة الباطل؛ لأنه لما تراكم عليه الصدأ أظلم، فلم تظهر فيه صور الحقائق كما هي عليه، فإذا تراكم عليه الصدأ واسوَدَّ، وركبه الران فَسَدَ تصوُّره وإدراكُه، والران غشاوة كالصدأ على الشيء الصقيل.

(*) إن الذاكر يستحضر مع الذكر معنى عبوديته لربه، واستعانته به؛ لأن ألفاظ الأذكار إقرار بتعظيم الله، وتنْزيهٌ له عمّا لا يليق به، وحمدٌ له على آلائه، وإعلانٌ لتوحيده، وهذا ما يستشعره الذاكر عندما يقول على سبيل المثال: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، وهكذا...

(*) لا شك أن من وحَّد ربه وعظَّمه، فإنه يستشعر فقره إليه وضعفه بين يديه، فيتوجّه له مستعيناً به، ومن جهة أخرى فإن الذكر يكون في سائر الأحوال، وبالتالي فإنه عند بدء كلّ عمل، أو تحوِّل حال؛ يذكر الله فيتذكر حاجته للاستعانة به. فمثلاً عندما يخرج من بيته هناك ذكر مأثور فإذا قاله تذكر استعانته بربه في حفظه وفي طلب رزقه، وإذا ركب سيارته - أو دابته - ذكر الله فتذكره، وشعر بحاجته إلى استعانته به، وكذا إذا لبس ثوبه أو خلعه، وإذا نام أو استيقظ، وهكذا.

(*) ذكر الله يجعل في أفعال الذاكرين وما يتعاملون معه بركة، إذ الذكر استحضار وتذكر للمنعم بالنعم، وهو سبحانه الواهب للرزق، والذكر متضمن لشكر المنعم وحمده، ومن أقرَّ بالنعمة وشكرها حفظها الله عليه، بل وزادها، كما قال الله تعالى في سورة إبراهيم: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ [7]﴾.

(*) البركة حاصلة بالذكر بمنع ما يمحقها، والسلامة من تسلُّط إبليس، ومشاركته للمرء في طعامه وشرابه، بل حتى في إتيانه أهله، ففي الحديث أن الشيطان يشاركه ويقاسمه، حين لا ذكر هناك يصرفه، ولا تحصين يمنعه، ولا دعاء يردعه.

(*) إنَّ الذكر من أنفع العبادات وأعظمها، والغفلة عنه خطأ كبير، وخطر على قلب العبد، فليحذر المسلم من ترك الذكر وليرطب لسانه بذكر الله في كلِّ وقت، وفي كلِّ مكان، حتى إذا جاءت لحظة الفراق فإذا هو ينطق بـ (لا إله إلا الله) وتكون آخر كلامه، فهنيئاً لمن وفَّقه الله وختم له بخاتمة السعداء.

(*) إنَّ العلاقة المتلازمة بين الروح والمادة كانت تلاحظ منذ القديم، بمفاهيم حدسية مقتصرة على ملاحظات بعض الأطباء الحاذقين أصحاب الخبرة، ولكنَّها لم تُفسَّر بشكل علمي ولم تُثبت بشكل محسوس إلا بعد أن تقدمت العلوم الطبية، ولاسيما الكيمياء الحيوية، فاستطاع العلماء كشف التبدُّلات الفيزيولوجية أثناء التعرض للإثارات النفسية أو الانفعالات العاطفية، وخلاصتها: إنَّ التغيرات الجسدية لدى الفرد يمكن أن تنطلق بفعل مؤثرات نفسية، كما يمكن أن تنطلق بفعل تأثير الجراثيم والسموم، وإنَّ الاستجابات الفيزيولوجية التي يمكن أن تنشأ عن الانفعالات النفسية يمكن أن تؤدي إلى اضطرابات في وظائف أي عضو من أعضاء الجسد.

(*) الذكر هو الصلة الروحية بين العبد وربه، ولذلك لابد من آداب يلتزمها الذاكر بين يدي خالقه ومولاه ليصل بها إلى مرتبة القبول، ولتؤتي ثمارها على الوجه الأفضل، وذلك مثل الوضوء والجلوس باتجاه القبلة ساكناً خاشعاً، استعداداً لمناجاة الله تعالى، ويفضل إغماض العينين، لئلا يشتغل بشيء من متاع الدنيا، ولصرف القلب والفكر إلى تدبر معاني الذكر، ومراقبة الله عزَّ وجلَّ.

(*) قال أحد العارفين: لا يعتد بذكر اللسان ما لم يكن ذلك من ذكر في القلب، وذكره تعالى يكون تارة لعظمته فيتولد من ذكره الهيبة والجلال، وتارة لقدرته فيتولد منه الخوف والخشية، وتارة لنعمته فيتولد منه الحب والشكر، وتارة لأفضاله الباهرة فيتولد منه التفكير والاعتبار، فحق للمؤمن أن لا ينفك أبداً عن ذكره على أحد هذه الأوجه.

(*) أفضل الذكر ما كان خفياً في القلب، وسريّاً في أعماق النفس، وذلك بملاحظة القلب يذكر اسم الله تعالى مع كل نبضة من نبضاته، وملاحظة نور الله تعالى يتدفق إليه مع كل قطرة تفد إليه.

(*) قال الشيخ محي الدين ابن العربي، قدَّس الله سرَّه: اشتغِل بذكر الله بأيِّ نوع شئت من الأذكار وأعلاها - قدراً ورتبةً ونتيجةً - الاسم الأعظم وهو قولك: الله... الله... الله... لا تزيد شيئاً. فليكن ذكرك الاسم الجامع الذي هو الله الله الله، وتحفّظ أن يفوه به لسانك وليكن قلبك هو القائل، ولتكن الأذن مصغية لهذا الذكر.

(*) أفضل الذكر ما تواطأ عليه القلب واللسان، ثم ما كان بالقلب وحده، ثم ما كان باللسان وحده، وفي كلٍّ أجر إن شاء الله.

(*) قال أحد العارفين: المؤمن يذكر الله تعالى بكله، لأنه يذكر الله بقلبه فتسكن جميع جوارحه إلى ذكره فما يبقى منه عضو إلا وهو ذاكر في المعنى، فإذا امتدت يده إلى شيء ذكر الله فكف يده عما نهى الله عنه، وإذا سعت قدمه إلى شيء ذكر الله فغض بصره عن محارم الله، وكذلك سمعه ولسانه وجوارحه مصونة بمراقبة الله تعالى، ومراعاة أمر الله، والحياء من نظر الله، فهذا هو الذكر الذي أشار الله إليه بقوله عزَّ وجلَّ في سورة العنكبوت: ﴿... وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ [45]﴾.

(*) يستحب الاجتماع على الذكر، لما فيه من حث الهمم على الطاعة، وتقوية الضعيف وإعانته على نفسه، والتقاء القلوب وتغذية ذاكرها لغافلها، وإشاعة جو الألفة والمحبة في الله، واكتساب بركة الجماعة، وإظهار لشعائر الله وأركان الدين.

(*) لابدَّ للشيخ الدال على الطريق أن تكون فيه ميزة مختلفة عما يظنه كثير من الناس، فالإنسان الذي يدل المريد على الطريق إلى الله يسمى (الشيخ المربي)، وهذا تخصُّصٌ خاص من الأولياء، فليس كل ولي يصلح لأن يكون شيخاً مربياً مُهِمَّاً مهما علا مقامه، لأن المعوَّل: هل هو مأذون من عالِم مأذون بالتربية والتزكية أم لا؟

(*) الشيخ المربي في حقيقته هو ممثِّلٌ لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يستخدمه الله تعالى في تربية الأجيال المتعاقبة، كما استخدَم الله رسوله لتربية الصحابة على الإيمان بالله ورسوله.

(*) الرابطة في اللغة: هي الصلة والعلاقة الوثيقة، فالرابطة بين الشيئين هي الصلة والعلاقة بينهما. وفي الاصطلاح: ورد ذكر الرابطة عند الكثير من علماء التصوف في المراجع والكتب الصوفية، وكلها تنصَبُّ في معنى واحد، وهو المحبة الصادقة، والاتباع في التزام الطاعة، واجتناب المعاصي، مع الصدق والإخلاص.

(*) إن الرابطة في حقيقتها هي كمال المحبة وحسن الاتباع، والالتزام بالعهد الذي قام بين الشيخ والمريد، وتحليل الحلال وتحريم الحرام، والإكثار من الذكر والطاعة بقدر الاستطاعة، فعندما يلتزم المريد ببنود العهد تقوى العلاقة بينه وبين الشيخ وإن لم يستحضر صورة الشيخ. وما فائدة أن يستحضر المريد صورة الشيخ في كلِّ لحظة وهو ناقض لعهده، مخالف لشيخه ولدينه؟

(*) وهذا المعنى يتجلى بوضوح بنص العهد والبيعة بين الشيخ والمريد، حيث إنه من نصها: (وإن الطاعة تجمعنا والمعصية تفرِّقنا) وهذا دليل واضح على أن الرابطة الحقيقية هي تلك المحبة التي تدفع للالتزام والاستقامة، وهذا المعنى هو عماد الطريقة وسنامُها، وعليه تقوم بأصولها.

(*) إنني وجدت أكثر العلماء والصالحين يذكرون آداب الذكر، ويوضحون أن أهم الآداب هي استحضار معنى الذكر، واستحضار عظمة الله تعالى أثناء الذكر.

(*) على الذاكر إستحضار معنى الذكر بالقلب على اختلاف درجات المشاهد في الذاكرين، بشرط أن يعرض على شيخه أحواله؛ حتى لا يكون للشيطان عليه سبيل، فيختلط عليه الأمر، فينقله من عاقل إلى فاقد لعقله، وبالتالي فإن وظيفة الشيخ تكون في إرشاده إلى معالي الأمور.

(*) لا بد للناس من معلم ونموذج أمثل يتبعونه ويقلدونه حتى يكونوا عبيداً لله كما طلب الله منهم بالصورة المثلى. فالإنسان في بدايته يكون قاصر العلم والفهم والإدراك، ولهذا يحتاج الإنسان إلى نماذج ملموسة لديه ليفهم ويقلد ويتبع، ولهذا فمن يتعلم كيف يحب شيخه ويطيعه - وهو حاضر أمامه - يتعلم كيف يحب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ويطيعه وهو غائب عن رؤيته المباشرة، فيشعر بعظمته وفضله عليه رغم أنه لا يراه أمامه، فيتعلم طاعته باتباع سنته، وحين يتعلم حب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وطاعتَه يسهل عليه بعد ذلك حبُّ الله وطاعتُه عزَّ وجلَّ، وهو بالنسبة له غيب مطلق، فهي مراحل إدراك.

(*) يقول سماحة الشيخ أحمد كفتارو  في هذا السياق: الإيمان مجالسة القلب والحس والشعور باسم الله تعالى، والإقبال إليه، والشوق له، والتفاني فيه، والمسارعة إلى رضاه، والإصغاء إلى أوامره، والاستجابة لتعاليمه، والمحبة لمحابِّه ومحبوبيه .. فهذا الحب الإلهي الذي خالط القلب .. فسيدنا أبو بكر رضي الله عنه جالس رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فانتقل لمجالسة الله عزَّ وجلَّ، وأحب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فانتقل لمحبة الله تعالى.

(*)  والمريد يشرب منهج شيخه بمعايشته ورؤية تصرُّفاته وأفعاله وكيفية تصرفه في مختلف المواقف، فإن كان يحبه قلَّده في ذلك، بل انطبع فيه سلوك هذا الشيخ، فإن كان ذلك الشيخ مقتدياً برسول الله تحول المريد أيضاً بالتدريج ليكون كشيخه متمسكاً بالآداب النبوية والأخلاق المحمدية، فيسهل عليه تقليده صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيما كان يفعل ويتصرف ويقول، وهذا ليس إلا ما أراده الله منا في كتابه الكريم؛ لأن خلقه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ القرآن.

(*) أليس في علم القراءات وعلم الفقه وغيرها من العلوم أنه لابدّ من معلِّم مجاز يعلم تلميذاً ثم يجيزه؟ أليس هذا النظام مطبقاً أيضاً في العلوم الدنيوية من طب وهندسة وغيرها؟ أليس هذا ما يعرف بسلاسل الطرق؟

(*) الرابطة بين المريد وشيخه تجمع بين الحبِّ والاقتداء والتعلق، وهي من نظام الله الطبيعي في كونه.

(*) إن الرابطة التي تعني تصوُّر الشيخ يجب أن تكون منفصلة عن الذكر؛ لأن هذا أسلم للعقيدة، وأبعد عن كلِّ رَيب وشبهة، ولا تكون بعد الشروع في الذكر، ولكن يمكن للمريد أن يتخيل شيخه عندما يشعر بغفلته عن الله، أو عندما ينظر نظرات غير مشروعة، ويتكلم بكلمات تتنافى مع تعاليم الدين الحنيف، فيتخيل صورة شيخه، ليتذكر مكارم الأخلاق التي يتمسك بها الشيخ، فيقتدي به ليصل إلى تلك المكارم، فلا يستطيع أن يقوم بأمر لا يرضي الله سبحانه وتعالى؛ لأنه عاهد الله أمام شيخه ألا يعصي الله أبداً.

(*) ومن كلمات سماحة الشيخ أحمد كفتارو - قدَّس الله سرَّه - في هذا الموضوع: الإسلام الحقيقي أن نجمع لطائر روحِنَا الجناحين: جناح الذكر، وجناح الفكر، وبإشراف المعلم المربِّي، مع الرابطة الإيمانية، بكلِّ ما في كلمة (رابطة) من معنى؛ لنكون في النهاية المؤمن الصادق، مؤمن العلم والأخلاق، مؤمن الفكر والذكر والدعوة والعلم والتعليم، مؤمناً ينقل الناس من الظلمات إلى النور.

(*) إن الإنسان منذ ولادته إلى وفاته يغلب عليه حب العادات التي يعتاد عليها، فإذا طال زمن اعتياده تصير هذه العادات هي الحاكمة عليه، ولا يستطيع مفارقتها إلا بالإكراه. فبعد ولادته مثلاً يحب الرضاع ولا يفارقه إلا بالفطام، وتكون المفارقة في غاية الصعوبة، وكذلك يألف أهله وداره وبلدته ولا يفارق شيئاً منها إلا كارهاً، كذلك صنعته وفنُّه ولغته ودينه الذي نشأ عليه، ومن هنا نشأت الفِرَق والجماعات المختلفة، وبدأ الصراع والتعنصر.

(*) لقد أعطانا الله عقلاً نميز به بين الحسن والقبيح، فما رأيته قبيحاً فارفضه البتَّة، وما رأيته حسناً فزده تحقيقاً وتدقيقاً، وتوسعْ في علم أخباره وأحواله وكيفية إظهاره.

(*) اعلم أن الذكر أعظم باب أنت داخله، وأن الذاكرين هم الذين لبَّوا نداء الله عزَّ وجلَّ في قوله في سورة البقرة: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ [152]﴾، فكان جزاؤهم ذكره لهم، وقد أهداهم سبحانه زيادة على ذكره لهم طمأنينة قلوبهم لقوله عزَّ وجلَّ في سورة الرعد: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [28]﴾، أي بذكر الله لكم تطمئن قلوبكم أيها الذاكرون، فاطمأنت قلوبهم بذكره، وزادهم جل شأنه، فللذين أحسنوا الحسنى وزيادة، وسُمِّي اجتماعهم حضرة، وما ذاك إلا بحضور الصالحين فيها.

(*) وفي رفع الصوت في حضرة الذكر اتفق أهل المذاهب أنه لا حرمة فيه، ولكن هناك كراهة وليس تحريم في بعض الأوقات منها: إذا كان هناك تشويش على المصلين أو إيقاظ للنائمين، بل حضوا على رفع الصوت بالمسجد إذا ترتب عليه إيقاظ قلب الذاكر وطرد النوم وتنشيطه للطاعة.

(*) ينبغي لفت الانتباه إلى أمر هام وهو أن الختم ينقسم إلى قسمين: مقدِّمة الختم: وهي الاستغفار، والدعاء للمرشد المربي، والصلاة على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مع قراءة شيء من سور القرآن الكريم. ثم قراءة رجال السلالة: عندما يسرد القارئ أسماء رجال السلالة (والأفضل أن يكون ذلك في السرِّ) يتوجه الذاكر إلى المراقبة بأن الله سبحانه وتعالى معه في كلِّ نَفَس، ويسأل الله عزَّ وجلَّ بسر رجالات السلالة أن يملأ قلبه من محبته وخشيته، فقد قيل: بذكر الصالحين تتنَزَّل الرحمة.

(*) يحتاج الذاكر إلى إغماض عينيه ليترك كل ما حوله وكل من حوله، ليتجه بقلبه وكل حواسه ومشاعره إلى ذكر الله عزَّ وجلَّ، أما لو جلس يذكر وهو ينظر إلى هنا وهناك، فلن ينضبط ذكره، ولن يشعر بمعية ربه، وبفتح العينين يرتبط الإنسان بالأغيار مما حوله، فإذا أغمضهما انقطع انقطاعاً كلياً، وعندها يستجمع قلبه مع الله تعالى.

(*) إن الذاكر لا يبلغ حال الصفاء من بدايته، لأن ما كان يملأ القلب ويشغل النفس من الميول والمتعلقات في فترة ماضية لا يمكن التخلص منه بجلسة ذكر واحدة، ولذلك قال العارفون بالله: (لابد من التخلية قبل التحلية)، فمن طهَّر نفسه، وفرَّغ قلبه من السِّوَى أمكنه أن يبدأ الذكر بصفاء.

(*) وإن هذه الخواطر تأتي إلى الإنسان في صلاته وفي ذكره وفي كل عباداته؛ لتشغله عنها وتعكِّر صفوه فيها، وبالتالي فإن الذاكر في مجاهدة دائمة تقوده إن صدق فيها إلى حقيقة الصفاء بإذن الله عزَّ وجلَّ.

(*) وإذا حدث شرود عند الإنسان أثناء الذكر فما عليه إلا أن يعود إلى التوجه بارتباط قلبه بالرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ويجدد مراقبته مع الله جل وعلا، ويستشعر عظمة ربه عزَّ وجلَّ في المجالسة منقطعاً عن الأغيار.

(*) إن المحب لا يمل من مجالسة محبوبه، ولو صدق المؤمن في محبة الذات الإلهية لما أصابه شيء من الفتور والملل، وإذا حصل ذلك افتراضاً فإن عليه أن يقوِّي حبه لله تعالى، فإذا قوي حبه كثر ذكره، ولن يتسلل إليه الملل ولا الفتور، ولتقوية الحب عوامل كثيرة مثل مجالسة الشيخ المربي والذكر الجماعي وتلاوة القرآن بتدبر وتفكُّر.

(*) ولأجل تفادي الملل والفتور يجب على الذاكر ترويض نفسه مع اختيار الوقت المناسب للذكر، وأفضل وقت للذكر هو الفترة الواقعة من بعد صلاة الفجر إلى صلاة الضحى، ففي هذا الوقت تكون النفس مهيأة والجسد مستعداً، علماً أن حال المؤمن الذاكر وصفه الشاعر المؤمن بقوله:

إِذَا مَرِضْنَا تَدَاوَيْنا بِذِكْرِكِمُ

***

وَنَتْرُكُ الذِّكْرَ أَحْيَاناً فَنَنْتَكِسُ

(*) ليس المقصود من الذكر النطق بأحرف منفردة (ألف، لام، لام، هاء)، إنما هذا صورة الذكر؛ ولكنَّ الذكر الحقيقي أن تستشعر حقارة نفسك وهوانك بين يدي جبّار السموات والأرض، فإذا شعرت بعظمة الله وقدرته، وأنّه هو المهيمن والمسيطر على عقلك وقلبك وفؤادك، جعل الله منك إنساناً متكاملاً، ورزقك بعض صفات الكمال لتكون محباً صادقاً، عاشقاً لله سبحانه، وليس في قلبك سواه، فإن عشقت ربك أعطاك من خيري الدنيا والآخرة، فتكون بذلك حبيبَ الرحمن، ومحبوبَ خلقه في الدنيا والآخرة.

(*) يقول سماحة الشيخ أحمد كفتارو - قدَّس الله سرَّه - في إحدى محاضراته التي ألقاها على طلاب كلية الدعوة الإسلامية فرع دمشق: (إن معرفةَ الله تعالى والعلمَ به سبحانه لا يُنَال بالقراءة ولا بالسماع، لأن معرفة الله عزَّ وجلَّ علم انعكاسي، ولا يُدرَك إلا بتوجُّه القلب التقي النقي العاشقِ لله عزَّ وجلَّ، مع حالةٍ من الإقبالِ على الله، فينعكِسُ على مرآة هذا القلب قبسٌ من نور الله، فيضيء القلبَ بنوره سبحانه، وبذلك يدركُ قبساً من نور الله وجماله، تماماً كما لو وجَّهنا مرآة مستوية نحو الشمس، فإن نورَ الشمس ينعكس في المرآة، فيظهرُ فيها نورُ الشمسِ وضياؤُها، ولله المثل الأعلى.

(*) إياك أن تغتَرَّ بنفسك أيها الذاكر، أو تشعرَ بأن الذي وصلت إليه إنما تمتاز به عن غيرك من الخَلْق، فالعطاء عطاء الله، وإنَّ الذي وهبك هذه النعمة قادر على أن يهَبها لغيرك.

(*) أخي الذاكر، الزَم اسمَ الله المفرد، وتفرَّد باسمه، واعترف بالعبودية لله وحده؛ لِتُرْزَقَ محبَّته والأنسَ به سبحانه، فتُسعِدَ نفسك، وتُسعِدَ مَن حولَك، فكلُّ حُبٍّ في هذا الوجود يفنَى، ولا يبقى إلا حبُّ الله ورسوله.

(*) وينقل فضيلته عن سماحة الشيخ قوله: إنك لن تحقِّقَ سعادةَ الدارين إلا بذكر الله، فاقرِنْ عِبَادَاتِك كلَّها بذكره سبحانه قبلَها، ومعَهَا، وبعدَهَا، فتكونَ حينَئِذٍ من المفلحين.

(*) ويقول أيضاً: ذكرُ الله تعالى سَبَبُ الوصالِ وأداةُ الاتصال.

(*) ويقول أيضاً: إنَّ الذِّكرَ قد شُوِّهت حقيقتُه حتى كاد المسلمونَ أن ينْفِرُوا منه، ومتَى تَرَك المسلمونَ ذكرَ الله تعالى فقد دَلُّوا على أنَّ الله تعالى قد تخلَّى عنهم.

(*) ويقول أيضاً: من أراد أن يكونَ اللهُ معه فما عليه إلا أنْ يكونَ مع اللهِ على كلِّ حال، وذلك هو الذكر المطلوب.

(*) ويقول أيضاً: ذِكرُ الله يغرِسُ في المؤمنِ شخصيةَ الإيمان.

(*) الذكر هو الشعور بعظمة الله وحقارة النفس، فعندئذٍ يمدك الله بعطائه وإحسانه.

v    أعظم ما تحيا به الروح وتسعد هو ذكر خالقها الذي به تتغذى وهو معراجها الذي فيه ترتقي وزينتها التي بها تتحلى، وعدّتها التي بها تتقوّى.

v    إنَّ الذكر يثمر المقامات كلها من اليقظة إلى التوحيد، ويثمر المعارف والأحوال التي شمَّر إليها السالكون في طريق الله تعالى.

v    الذكر لبُّ الطاعات وجوهر العبادات وهو أساس كثير من الفرائض والشعائر الظاهرة يكون قبلها تهيئة لأدائها، ويكون معها جزءاً من أعمالها وأركانها ويكون بعد الفراغ منها ختاماً لها.

 

3- أراؤه في الأضحية:

(*) إن الأضحية شعيرة من شعائر الإسلام، شرعها الله لتحقيق أهداف روحية واجتماعية، تتعلق بالمضحي ومن حوله من الأقارب الفقراء.

(*) إن مقصود الشارع من الأضحية التوسعة على الفقراء، والأهل في أيام العيد، ولم يثبت في فضل الذبح أثرٌ صحيح وهذه التوسعة تحصل بذبح الأضحية وتوزيعها على الفقراء، وتحصل بشراء اللحم وتوزيعه، وبالتصدق بقيمة الأضحية كذلك.

(*) يُسنُّ للمسلم أن يذبح أضحيته بنفسه إن استطاع ذلك، ويقسمها ثلاثة أقسام: يتصدَّق بقسم، ويهدي قسماً، ويأكل من القسم الثالث، ويوسع على أهله منه. ويكره أن يبيع أضحيته أو جزءاً منها، فإذا فعل ذلك تصدق بثمنه.

(*) لم يثبت عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما يحدِّد آخر وقت الأضحية، وقد وردت أدلة مختلفة في هذا الخصوص، وليس أحد هذه الأدلة أولى بالإتباع من غيرها. ولكن يُستحب ذبح الضحية في أيام النحر والتشريق بعد صلاة العيد، فإن تعذَّرَ ذلك وأحبَّ أن يذبح بعد مضي أيام التشريق، فالرخصة قائمة إلى نهاية شهر ذي الحجة.

(*) يجب الحرص على أن يكون عمر الأضحية مناسباً وذلك للحرص على الحصول على أكبر كمية من اللحم، ولابد من مراعاة سلامة الأضحية من العيوب الشائنة التي تنقص من قيمتها أو تعيبها، فإن الأفضل للأضحية ما كان كامل الخِلقة دون أي نقص.

(*) اختلف الفقهاء في أفضل أنواع الحيوانات للأضحية، والواقع أن هذا أمر يعود إلى اختلاف أذواق الناس في استطابة أنواع لحوم الحيوانات. وذهب أكثر الفقهاء إلى أنَّ الأضحية لا تجوز من غير الأنعام، وذهب ابن حزم وبلال من الصحابة إلى جوازها من كل الحيوانات التي يُؤكل لحمها والتقرب إلى الله بِها. والأضحية جائزة بكلِّ حيوانٍ يُؤكَل لحمُه، مِنْ ذي أربعةٍ أو طائرٍ كالفَرَسِ والإبِلِ وبقرِ الوحشِ والديكِ، والحيوانِ الحلال أكلُه، والأفضل فِي ذلكَ ما طاب لحمُه وكثُر وغلا ثمنُه، ويقول بلال رضي الله عنه: ما أبالي لو ضحَّيتُ بديك. وقال الحنفية: يكره ذبح دجاجة وديك؛ لأنه تشبُّهٌ بالمجوس، وعلة التشبيه هذه منتفية بعد أن أصبح أكل الدجاج والديك شائعاً بين المسلمين، وكان قبل ذلك قليلاً، فقد كان المسلمون لا يستسيغون أكلَ الدجاج.

(*) العَقِيقة هي الذَّبيحة التي تُذْبَحُ عن المولود طلباً لسلامته، وشكراً لله تعالى على هباته ونعمه السابغة على عباده. ويجري في العقيقة ما يجري في الأضحية من الأحكام، من بلوغ السن، والسلامة من العيوب، والصدقة والإهداء، والأكل منها. ويستحب تحنيك المولود، ويفضل أن يكون المُحنِّكُ من الصالحين، كما هو مفهوم من سعي الصحابة إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بمواليدهم لتحنيكهم.

(*) الحكمة من مشروعية العقيقة إظهار الفرحة بالمولود مما يدخل السرور على والدته وعلى جميع أفراد أسرته، وهو أمارة على شكره الله تعالى على هذه النعمة، ودليل على احترامها وصونِها، فأين هذه المعاني من الدعوات التي تدعو إلى تحديد النسل بكلِّ الطرق المضرَّة وغير المضرَّة.

 

4- بعض نصائحه الطبِّيَّة والصحِّيَّة:

وفيما يخصُّ بعض النصائح الصحيَّة يقول الشيخ رمضان:

(*) لمداواة المغص الناتج عن البرد أو عن التهابات المعدة، أو بسبب خلط الطعام، نضع قطرات من زيت الزيتون مع قليل من الفلفل على السرة، لأنها أيسر طريق إلى المعدة، والزيت يحوي على الأسيد الذي يرفع الحرارة، مما يعالج الآلام المعوية، سواء كان السبب البرد أو الإلتهابات أو الغازات أو إلتهاب الكولون. لذلك هذا العلاج السريع الذي هو امتلاء السرَّة بزيت الزيتون، وأن يوضع فوقه فلفل أسود، فيكون الشفاء بعد ربع ساعة بإذن الله عزَّ وجلَّ.

(*) إنَّ تنظيم الطعام من أهمِّ الوسائل المساعدة على الحفاظ على صحة جيدة، وخاصة وجبة الفطور التي يجب أن تكون الوجبة الأساسية، ويُفضَّل أن تحوي على بعض اللحم والدسم، ويجب تناولها في الصباح الباكر بعد صلاة الفجر أو بعد الشروق بقليل.

(*) إن الإنسان يتأثر بمحيطه وبيئته وبما يأكله ويشربه؛ فمن يأكل لحم الجمل باستمرار يتكون لديه نوع من الحقد، ومن يأكل لحم الدجاج يغار على النساء، ومن يأكل لحم الخروف يصبح شديد العاطفة ويصبح متواضعاً للناس، ومن يأكل لحم الجاموس يصبح عنيداً، وكلُّ ذلك مصدره حديث النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حيث يقول: "الرضاع يغير الطباع".[154] وكذلك فإنَّ مجاورة الجبال أو السهول وطبيعة الأرض تؤثِّر على الناس الذين يعيشون فيها. ولهذا السبب مثلاً نجد أن أهل المدينة المنورة يتسمون باللطف واللين في حين إن أهل مكة المكرمة يتسمون بالشدة والعزة. وذلك لأن أهل المدينة المنورة يجاورون الحبيب المصطفى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، في حين إنَّ مكة هي مدينة الربِّ عزَّ وجلَّ وهو يتصف بالعزّة والعظمة.

(*) إنَّ بصمة العين تتغير بحسب النوايا، وكذلك الوجه.

(*) ويقول أيضاً: ادرس علم الوراثة وانتظر من الله تعالى علم الفراسة.

(*) ولا زال رضي الله عنه يداوي الكثير من الأمراض عن طريق شرب الماء بشكل منتظم وبكميات كثيرة. فهو ينصح أن يتوقف المرء عن شرب الماء قبل وجبة الطعام بنصف ساعة فلا يشرب أثناء الطعام ولا بعده لمدة لا تقل عن ساعتين ونصف، ثم بعد ذلك يشرب قدر ما يستطيع. فشرب كأسين إلى أربع كاسات من الماء عند الوضوء لصلاة الفجر، يغسل الكليتين من الرواسب التي باتت بهما، ويطلق البول باتنظام، فلا يشكو صاحبه ولا يحتاج إلى غسيل الكلى في المستقبل.

5- أقوال وحكم متفرقة:

(*) ويقول رضي الله عنه إنَّ السعادة الحقيقية للإنسان، بعد الإيمان بالله تعالى، هي في دوام الصحة والعافية والابتعاد عن أسباب المرض، وهذا من مقاصد الشريعة الغرَّاء.

(*) هناك شيوخ أولياء متخصصون، وكلٌّ منهم حسب زمانه ومكانه، والأشخاص اللذين حوله، ولكلِّ زمان أولياء صالحون، ولا يعلمهم إلا صاحب الهدف.

(*) الشيخ المربي في حقيقته هو ممثل لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يستخدمه الله تعالى في تربية الأجيال المتعاقبة، كما استخدم الله رسوله لتربية الصحابة على الإيمان بالله ورسوله.

(*) كلُّ حبٍّ في هذا الوجود يفنى، ولا يبقى إلا حبُّ الله ورسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

 

6- نفحات من شعره:

وكما كان الشيخ رمضان رضي الله عنه يقول الحكمة ويعلِّمها الناس بأقواله وكتبه وأفعاله، فهو كذلك كثيراً ما يرتجل شعراً يثلج الصدور ويشفي القلوب ويعالج خفايا النفوس، مع أنّ أغلب هذه النفحات لم تُسجّل:

(*) فيقول شعراً من البحر الرجز:

لَيْتَ الحَبِيبَ إليَّ يَنْظُرُ نَظْرَةً

***

يَحْيَى بِهَا قَلْبِي وَرُوحِي تَسْعَدُ

فَالسَّعدُ في نَظَرِ الحَبِيبِ وَقُرْبِهِ

***

وَيَمُوتُ قَلْبِي حِينَ عَنْهُ يَبْعُدُ

(*) ويقول شعراً من البحر الوافر:

أُرَاقِبُ خَالِقِي فِي كُلِّ أَمْرٍ

***

وَأَعْرِفُ مَا يَقُولُ وَمَا يُشِيرُ

وَأَفْعَلُ كُلَّ مَا يُرْضِيه إِنِّي

***

بِمَا يَرْضَى الحَبِيبُ بِهِ خَبِيرُ

(*)  ويقول شعراً من البحر الرمل:

طلبُ العِلمِ طريقٌ قد يطولْ

***

فَتَحلَّى فيهِ بالصَّبرِ الجميلْ

اقطعِ الأيَّامَ سَعْياً دائِب

***

واللَّيالي سَهَراً حتى الوُصولْ

واتركِ الدُّنيا وَراءكَ زاهد

***

واجعلِ القلبَ محلاًّ للقَبولْ

إنّما العِلمُ عَطايا رَبِّن

***

والعَطايا لا يُلقّاها الكَسولْ

 

===========================

[150] هذه القصيدة من نظم مؤلّف الكتاب، وهي من البحر الرجز (عروضه مخبوتة)، والحديث: "إِنَّ الله تَعَالى عِنْدَ لِسَانِ كُلِّ قَائِلٍ، فَلْيَتَّقِ الله عَبْدٌ وَلْيَنْظُرْ مَا يَقُولْ"، انظر في كنز العمال: حديث رقم 7842. وهذا المعنى، في هذا البيت الأخير والبيت الذي يسبقه، مستقىً أيضاً من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها حينما سُئلت عن خُلق النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقالت: "كَانَ خُلُقُهُ القُرْآنُ" [رواه البخاري في الأدب المفرد برقم 308، ورواه مسلم في كتاب الصلاة، 1/512، 1/513 والبيهقي في السنن الكبرى 2/499]، وهذا ما يذكره لنا فضيلة الشيخ رمضان دائماً بقوله، كما ذكرنا في مقدمة هذا الكتاب: "من لا ينفعُك حاله لا ينفعُك مقاله، ومن لم ينفعْك لحظه لم ينفعْك لفظه".

 

[151] طبعت هذه الرسالة من قبل دار المحبة سنة 1990م.

 

[152] أخرجه أحمد في مسنده (17170، 17800)، ورواه التّرمذي، والنّسائي ببعضه، وابن خزيمة في "صحيحه"-واللّفظ له-، وابن حبّان في "صحيحه"، والحاكم، وقال: "صحيح على شرط البخاري ومسلم"، وقال التّرمذي: "حديث حسن صحيح".

 

[153] رواه البخاري في كتاب الدعوات، ورواه مسلم بلفظ: "مثل البيت الذي يُذكر الله فيه والبيت الذي لا يُذكر الله فيه مثل الحي والميت".

 

[154] أخرجه ابن الأعرابي في معجمه (603، 216)، والقضاعي في مسنده (35)، وعزاه العجلوني والسخاوي لأبي الشيخ، ورواه الدارقطني في الأفراد كما في أطرافه (3/268).

 

System.String[]

The Meccan Revelations Website:


The Sun from the West:


The Single Monad:





يَا حَكِيْمُ: اِجْعَلْني لحُكْمِ إِرَادَتِكَ مُسْلِماً وَلأَحْكَامِ شَرِيْعَتِكَ مُعَظِّماً.
الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي [من كتاب النور الأسنى بمناجاة الله بأسمائه الحسنى - -]

مشاركة الصفحة

الإعجاب بصفحتنا على الفيسوك:
SINGLEMONAD

الإعجاب بصفحتنا على الفيسوك:
IBNALARABICOM


الإعجاب بهذه الصفحة على الفيسبوك:

اختر أي نص لتقوم بتغريده!