إيجازُ البَيَانِ - الفصل الثالث - بداية مسيرة الدعوة إلى الله عزَّ وجلّ

إيجازُ البَيَانِ - المحتويات

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الفصل الثالث

بداية مسيرة الدعوة

إلى الله عزَّ وجلَّ

 

سَدِّدْ وَقَارِبْ[111] إِنْ أَرَدْتَ تَصَوُّفَ

***

هذَا الطَّرِيقُ فَلا تَكُنْ مُسْتَنْكِفَ

إِنَّ الَّذِي يَفْنَى بِخِدْمَةِ دِينِهِ

***

وَيَجُودُ بِالنَّفْسِ النَّفِيسَةِ قَدْ وَفَى

أَعْطَى لأَجْلِ النَّاسِ مُعْظَمَ وَقْتِهِ

***

وَيَقُولُ إِنَّهُ رُبَّمَا مَا أَنْصَفَ

يَدْعُو إِلى البَارِي بِقَلْبٍ مُخْلِصٍ

***

وَبَصِيرَةٍ تَهْدِي بِهَدْيِ المُصْطَفَى

عَرَفَ الطَّرِيقَ فَعَرَّفَ النَّاسَ بِهِ

***

فَهُوَ الَّذِي بِالله أَصْبحَ عَارِفَا[112]

 

1- بداية مسيرته في الدعوة إلى الله عزَّ وجلَّ:

بعد أن عرف الشيخ رمضان قدر شيخه، سماحة الشيخ أحمد كفتارو النقشبندي، قدَّس الله سرَّه، ومكانته الرفيعة بين العلماء والأولياء والعارفين، لا شكّ أنه شعر بالأسى والحزن، على الناس، لجهلهم به وابتعاد بعضهم عنه، حتى إنَّ بعض العلماء حاربوه وأثاروا حوله الكثير من الشائعات الباطلة التي ليس لها أصل ولا أساس من الصحة، والتي كان من شأنها إثارة عداوة بعض الناس ضده.

 

سأل الشيخُ رمضان شيخَه مرَّة: "كيف يُعرف العارف؟"، فأجاب سماحة الشيخِ أحمد رضي الله عنه: "لا يُعرفُ العارفُ إلا إذا وُجد من يعرِّفُ عليه!"، وذلك لأنَّ من شأن العارف بالله أنه لا يسعى مطلقاً لتجميل صورته أمام الناس من أجل اعترافهم به وبمرتبته وقربه من حضرة الله عزَّ وجلَّ، بل على العكس من ذلك، إنما يحاول جاهداً إخفاء أحواله الخاصة مع مولاه وسيده، بحيث لا يخلع عنه حلية العبودية والفقر لحضرة الله عزَّ وجلَّ، كما هي حقيقة الأمر. ولكن إذا ما حصل وأظهر الله على يديه بعض الكرامات، أو أظهر بعضاً من مرتبة علمه ومعرفته بالله وبشريعته، فإنما يكون ذلك من أجلِ لَفت اهتمام الناس إليه ورفع مستوى ثقتهم به لكي يسهل عليه الأخذُ بأيديهم في طريق الدعوة إلى الله عزَّ وجلَّ، وذلك هو هدفه الوحيد الأوحد الذي يرجوه من جرَّاء معاملاته مع الناس؛ فتراه يبذل في سبيل ذلك جميع ما آتاه الله عزَّ وجلَّ من علمٍ ومالٍ ونفْسٍ وأنفاس.

ولتحقيق هذه المهمة سعى الشيخ رمضان جاهداً منذ بداية اتصاله بشيخه سماحة الشيخ أحمد كفتارو، قدَّس الله سرَّه العزيز، إلى تعريف الناس به؛ فأحضر إليه أخاه الشيخ رجب، بالإضافة إلى عدد من أصحابه مثل يوسف الدرّة، والشيخ نصّوح الحمصي، وعلي شحادة، والقاضي عبد الكريم البابا الذي كان قاضياً  في الأردن، والشيخ أحمد أمامه الذي كان إمام وخطيب جامع المجدل في لبنان، والقاضي الشرعي الشيخ زكريا غندور وهو خطيب جامع علي بن أبي طالب في بيروت، والقاضي الشيخ حمزة شُكر وكان قاضياً شرعياً في محاكم لبنان، وبشّار عرفات الذي أصبح داعياً في أمريكة. وكان سماحة الشيخ، قدَّس الله سرَّه، يقول حين يرى الشيخَ رمضان وهو يصطحب هؤلاء الرجال إلى الدرس: "ما شاء الله الشيخ رمضان كالقطار لا يأتي للدرس بمفرده".

وكان لا يستنكف أبداً عن دعوة أيِّ أحدٍ مهما كان وضعه، فهو يعرف أن الناس معادنٌ خِيارهم في الجاهلية خِيارهم في الإسلام إذا فقهوا،[113] وقد لا يكون الفرق بين عدوِّ الأمس وصديق اليوم سوى كلمةٍ صادقةٍ مخلصةٍ تدعوه بها للتعرُّف على حقيقة الدعوة وحقيقة الإسلام، وقد يكون معدن الإنسان طيِّباً زكيّاً ولكنَّ ظروفه لم تساعدْه كي ينهج سبيل الفضائل، فهو بحاجة إلى من يقف بجانبه حتى يستقيم ويسلك على طريق الصالحين.

حدثنا الشيخ نصوح الحمصي إمام جامع الفاروق بدمشق، رحمه الله،[114] أنه كان يسير مرة مع الشيخ رمضان في دمشق في حيِّ السنانية، وإذا بشاب سكران مرميٍّ على الأرض، وأمُّه بجانبه تحاول أن تصحيه لتأخذه معها إلى البيت، فسألها الشيخ رمضان عن مكان البيت، فأجابت أنه في حيِّ الشاغور، فحمله إلى بيته، مع أن ثيابه كانت متسخة ونجسة، وهناك طلب ليمونة فأحضروها له وعصرها في فم الشاب حتى صحا من سكره؛ فأخذ الشيخ رمضان يعظه وينصحه ويرفع من معنوياته حتى يترفَّعَ عن مثل هذه الأخلاق الذميمة، بكلام لطيف فيه الكثير من الحبِّ والعطف والحنان. ولم يتوقع ذلك الشاب البائس المسيء المخالف لأمر الله عزَّ وجلَّ، مثل هذا الكلام الجميل من الشيخ، ولا حتى من أبيه أو أمه. ثم أرشده الشيخ رمضان إلى جامع أبو النور، وقال له: "إذا أردتني ستجدني هناك!"، ثم عاد إلى البيت فاغتسل وغسل ثيابه التي اتسخت من ثياب هذا الشاب. وبالفعل حضر هذا الشاب إليه بعد فترة قصيرة وصار يحضر دروس الشيخ بشكل مستمر، وذكر لنا الشيخ رمضان أنه الْتقى بهذا الرجل أثناء طوافه حول الكعبة في إحدى الرحلات إلى الحج بعد عدة سنوات من هذه الحادثة، فسلَّم هذا الرجل على الشيخ رمضان وعرَّفه بنفسه وذكَّره بحاله وكيف الْتقاه من قبل.

وهكذا جمع عدداً كبيراً من الشبّان والرجال، وكان يمرّ عليهم في بيوتهم قبل الفجر بساعات ويوقظهم، ويأخذهم أحياناً إلى الحمام العام إذا كانوا بحاجة إلى الغسل، ثم يذهبوا جميعاً مشياً على الأقدام بين بساتين دمشق، حيث لم تكن هناك طرق معبدة بعد، ليستمعوا إلى درس سماحة الشيخ بعد صلاة الفجر في جامع أبو النور، وكانوا يُصلُّون قيام الليل على الطريق رجالاً،[115] حتى تنامت الحلقات حول سماحة الشيخ أحمد كفتارو وبدأ الناس يشعرون بالفيوضات الإلهية التي كان الله عزَّ وجلَّ يجريها على لسانه لصدقه وإخلاصه في الدعوة، ولشدة رابطته بشيوخه من أعلام الطريقة النقشبندية، إلى جانب أسلوبه البديع الجذّاب والمستوى العلميِّ الرفيع الذي تميَّز به في الفقه والتفسير والعلوم الشرعية والعملية كافة.

وبالإضافة إلى نشاطه الذي لم ينقطع في دعوة الناس إلى محاضرات شيخه وتعريفهم به، بدأ الشيخ رمضان رضي الله عنه مسيرته الخاصة في الدعوة إلى الله عزَّ وجلَّ عن طريق التدريس في المساجد منذ سنة 1366هـ/1947م حيث أصبح إماماً في زاوية الشيباني في جادة جوزة الحدباء في حي ساروجا، الذي كان منطقة سكن الأعيان والأثرياء،[116] وكان الشيخ رمضان يلقي الدروس في هذه الزاوية بشكلٍ منتظمٍ، حتى اجتمع حوله عدد كبير من الرجال الذين أصبحوا الآن من كبار العلماء والأدباء من أمثال نظمي الدسوقي، وجمال الأسمر، وسعيد الذهبي، ومروان شيخو المذيع المشهور (1358هـ/1940م-هـ1421هـ/2001م) الذي كان خطيب جامع الشيخ محي الدين، وأخوه عدنان شيخو، وزهير الأيوبي الذي أصبح مشرفاً عاماً على إذاعة الرياض في السبعينيات والثمانينيات وهو أيضاً رئيس تحرير مجلة المسلمون،[117] وأخوه زياد الأيوبي الذي أصبح وزيراً للأوقاف في سوريا، وأخوهما صلاح الأيوبي، وغيرهم الكثير.

ولم يكن دخول الشيخ رمضان في سلك الدعوة أمراً سهلاً، حيث إنَّ ذلك كان يستوجب عليه أن ينجح بالامتحان الذي كانت تقيمه وزارة الأوقاف لأئمة المساجد والدعاة، وكانت اللجنة التي تفحص الأئمة متشددة في الاختبار. فبدأ أعضاء اللجنة، ومنهم مدير الأوقاف والقاضي الأول بدمشق، بتوجيه الأسئلة الصعبة للشيخ رمضان وكان يجاوب عليها، إلى أن سألوه سؤالاً محرجاً ولا يبدو أن له جواباً منطقياً، حيث قالوا له: افرض أنك في صحراء فيها بئر ماء وأنت ترى الماء بعينك ولكن ليس عندك سوى حبلٍ مصنوعٍ من شعر كلب ودلوٍ مصنوعٍ من جلد خنزير، فماذا تفعل إذا أردت أن تصلي؟ فلو قال "أنضح الماء وأتوضأ" فلا يجوز ذلك له لأن الماء سيكون نجساً، ولو قال "أتيمم" فكيف يجوز له التيمم وهو يرى الماء! عندئذ قال لهم الشيخ رمضان، أطال الله في عمره: "أنضح الماء من البئر ثم أحفر في الأرض سبع حفر فأضعه في الحفرة الأولى حتى يترشَّح إلى الحفرة الثانية وهكذا إلى الحفرة السابعة، عندئذ يخرج ماءً طاهراً فأتوضأ منه!" فتعجب أعضاء اللجنة من هذا الجواب، وهذه الفطنة، وعندئذٍ لم يكن بوسعهم سوى أن يسمحوا له أن يضع العمامة البيضاء التي لا يضعها سوى الشيوخ.

 

2- انتشار دعوة سماحة الشيخ أحمد كفتارو:

أدَّى توسُّع حلقات المريدين حول سماحة الشيخ أحمد كفتارو إلى انتشار دعوته على مستويات أكبر وأوسع في دمشق وخارجها؛ ففي سنة 1367هـ/1948م انتُدبَ للتدريس في محافظة القنيطرة التي قضى فيها سنتين في خدمة الدعوة الإسلامية دون أن يتخلى عن نشاطه في جامع أبو النور، ثم عاد في سنة 1369هـ/1950م إلى دمشق حيث عُيِّن فيها كمدرس ديني أول، وفي سنة 1370هـ/1951م عُيّن مفتياً لدمشق، وأصبح بذلك عضواً في مجلس الإفتاء الأعلى، فأضاف بذلك بُعداً جديداً لنشاطه الدعوي، حيث أصبح على تماس مباشر مع رجال السياسة والمجتمع والزعامات الدينية، وخاصة في تلك الفترة التي تميَّزت بتقلُّبات سياسية متسارعة وارتباط وثيق بين رجال السياسة والعلماء.

وقام سماحة الشيخ أحمد كفتارو، قُدّس سرّه، في هذه الفترة الحرجة، بنشر عدد من حلقات الإرشاد والتوجيه في المساجد والبيوت في دمشق وفي المدن والقرى المجاورة. وكان من أهم إنجازاته في هذه الفترة افتتاحه معهد الأنصار للذكور سنة 1368هـ/1949م لتعليم الشباب وتربيتهم وفق مناهج الدولة الدراسية مع تركيز واضح على حصة التربية الإسلامية.

وشكّلت جميع هذه التطورات المتسارعة بداية مسيرة طويلة من التجديد والدعوة التي نشأت في مسجد أبو النور، ثمَّ تطوَّرت وامتدَّت إلى نواحي دمشق وغيرها من المدن السورية وحتى خارج بلاد الشام. فكان الشيخ رمضان، خلال هذه الفترة التأسيسية، الذراع الأيمن للشيخ أحمد كفتارو رحمه الله، وكان هو المريد الأقرب عنده بسبب إخلاصه وتفانيه في العمل وخدمته للدعوة من غير أن يطلب أيّ شيءٍ لنفسه، بل كان متفانياً في العطاء محاولاً جهد نفسه عدم الظهور.

ومن الأساليب الناجحة التي كان يتبعها في تصحيح نظرة الناس لشيخه سماحة الشيخ أحمد، بعد أن انتشرت ضده الإشاعات المغرضة كما نوَّهنا أعلاه، هي في تعامله التجاري مع الناس، بالإضافة إلى دروسه المختلفة في أنحاء دمشق، فكان كثيراً ما لا يُظهر أنه من أتباع سماحة الشيخ. وكان، بطبيعته السمحة وأخلاقه الرفيعة، يجذب فضلاء الناس حوله، فكان كلَّما سأله أحد عن خُلق من أخلاقه من أين تعلمه يقول لهم: "مِن شيخي!" من غير أن يحدد لهم من هو شيخه، فبعد فترة عندما عرفوا بشكل عفوي من يكون شيخه، أدركوا وتيقنوا أن جميع الشائعات التي كانوا يسمعونها كانت مغرضة وليس لها أساس من الصحة، وكان الكثير منهم يذهبون بعد ذلك إلى سماحة الشيخ ليستسمحوه عن تصديقهم كلام الناس وإساءة الظن به، وكان سماحة الشيخ رضي الله عنه يقول لهم: "أنتم لم تذنبوا، وإنما سمعتم كلاماً خاطئاً فرددتموه".

 

الشيخ رمضان مع سماحة الشيخ أحمد كفتارو في المسجد النبوي الشريف في المدينة المنوَّرة سنة 2001م

وكذلك كان يقوم هو وزوجته، الحاجة أم أحمد، رحمها الله، والتي سنتكلم عنها بعد قليل، في خدمة شيخه وخدمة طلاب العلم الذين انتسبوا إلى المعهد في جامع أبو النور. وقد الْتقيتُ بالعديد من هؤلاء الطلاب الذين أصبحوا الآن من كبار الأئمة والدعاة وانتشروا في العديد من البلدان العربية والأجنبية، وكلُّهم يعترفون بفضل الشيخ رمضان عليهم وفضل زوجته الحاجة أم أحمد التي كانت تهتم بشؤونهم كما تهتم بأبنائها وترعاهم كما ترعى أبناءها، فكانت تُعِدُّ لهم الطعام والزاد حين خروجهم للدعوة في المساجد في ضواحي دمشق، وكان الشيخ رمضان يوصلهم إلى تلك المساجد ويوفر لهم الدعم المعنوي والمادي، حتى أصبحت دعوة سماحة الشيخ أحمد كفتارو معروفة في شتى أنحاء دمشق وضواحيها بالإضافة إلى بعض المدن الأخرى.

3- حضور درس سماحة الشيخ أثناء غيابه:

إِذَا تَخَلَّصَ قَلْبُ المَرْ

***

ءِمِنْ دَرَنِ المَلَذَّاتِ

بِذِكْرِ الله مُنْفَرِد

***

بِنَفْيٍ ثُمَّ إِثْبَاتِ[118]

وَتَسْبِيحٍ وَتَمْجِيدٍ

***

أَوْ يَذْكُرْهُ بِالذَّاتِ[119]

تَطِيرُ الرُّوحُ في الأَكْوَ

***

نِ لِلْمَاضِي وَلِلآتي

تَجُوبُ الأَرْضَ في يَوْمَيْ

***

ـنِ وَتَعْرُجُ لِلسَّمَاوَاتِ[120]

فَتُبْصِـرُ دُونَمَا ضَوْءٍ

***

وَتَسْمَعُ دُونَ أَصْوَاتِ

وَذلِكَ عِنْدَ أَهْلِ الله

***

مِنْ بَعْضِ الكَرَامَاتِ

وَهُمْ يُخْفُونَهَا خَوْف

***

عَلَى الْمَحْجُوبِ وَالعَاتي

وَلكِنْ قَدْ يَشَاءُ اللهُ

***

لِتَظْهَرَ بَعْضُ آيَاتِ

لِنَعْلَمَ أنَّ ذِكْرَ الله

***

مِفْتَاحُ السَّعَادَاتِ

وَنَحْنُ نَعِيشُ في ضَنَكِ الْ

***

ـحِجَابِ وَرَاءَ عَادَاتِ

فَإِنَّ الغَافِلِينَ هَبَ

***

ءٌ هَامَ بَيْنَ أَشْتَاتِ

وَإِنَّ الذَّاكِرِينَ هُمُ الْ

***

أَحْيَاءُ بَيْنَ أَمْوَاتِ[121]

كان الشيخ رمضان مخلصاً أشدَّ الإخلاص لشيخه، سواء في غيابه أو في حضوره. فمرَّةً سافر سماحة الشيخ إلى الحج ولم يعيِّن أحداً مكانه لإلقاء الدرس بدلاً عنه، فلمَّا حان موعد الدرس حضر الشيخ رمضان إلى الجامع وجلس في مكانه المعتاد مصغياً كما لو أن سماحة الشيخ قدس الله روحه يلقي الدرس كعادته. فجاء بعض أصحابه وسألوه: ماذا تفعل هنا يا شيخ رمضان؟ فلم يجب، فقالوا له: يا شيخ رمضان، هذه فرصة لنا! تركنا الشيخ لنرتاح ونخرج للنزهة! فلم يجبهم. فوكزه أحدهم وقال له: هل أنت نائم؟ فلم يجب، هل فقدت عقلك؟ فلم يجب، فلما ألحوا عليه قال لهم: أنتم ترون أن الشيخ غائباً، أما أنا فأراه حاضراً وأنا أجلس الآن في درسه!

فلما رجع سماحة الشيخ رضي الله عنه من السفر، أخبروه بما حصل، فقال لهم: أين هو الشيخ رمضان؟ فلما حضر سأله: لماذا فعلت هكذا؟ فقال له الشيخ رمضان: كنت أستمع لدرسكم. فقال له سماحة الشيخ: وماذا كان موضوع الدرس؟ عندئذٍ قصّ عليه الشيخ رمضان أمام زملائه موضوع الدرس وسرد له طرفاً من حديثه فيه. فقال له سماحة الشيخ: صدقت، لقد كنتُ ألقي هذا الكلام أمام الناس في عرفات.

وفي مناسبة أخرى أرسله سماحة الشيخ رضي الله عنه إلى مدينة القنيطرة لإيصال بعض النقود إلى أحد الرجال في قرية الدلوة قرب القنيطرة، وكان هذا الرجل من مريدي سماحة الشيخ، وكان ذلك يوم الجمعة، فذهب الشيخ رمضان، مشياً على الأقدام، حتى بلغ القنيطرة، فصلى الجمعة فيها، ثم خرج قاصداً الدلوة بعد أن سأل على الطريق المؤدي إليها، ولكنَّه ضلَّ الطريق وذهب بالاتجاه المعاكس وقطع مسافة طويلة، فلما سأل من جديد وجد أنه لا بدَّ أن يسلك الطرق الجبلية الوعرة حتى يصل إلى هدفه. وبعد أن قطع جزءاً من الطريق اختلطت عليه الأمور ولم يعد يعرف أين هو ذاهب، فدعا الله قائلاً: "يا ربِّ إنني تائه هنا وأنت تعرف الطريق فدلَّني!" فما لبث أن رأى رجلاً يلبس ثياباً بيضاء وليس عليه أثر السفر فأتى إليه وسأله عن الطريق فوصفه له، فسلك بين الجبال وكلما اختلطت عليه الأمور كان الله عزَّ وجلَّ يهيّئ له ما يدلُّه على الطريق؛ فمرة يرى طائراً في السماء يقترب منه ثم يتجه بجهة معينة، ومرة يرى من بعيد بقرة وكأنها ترشده إلى الطريق، وهكذا حتى وصل إلى القرية المطلوبة.

سأل الشيخ رمضان عن الشخص الذي يطلبه حتى عرف بيته، فقرع الباب، ففتحت له زوجته، وكان صاحب البيت كسيحاً لا يستطيع المشي إلا على ركبتيه، فلما دخل وجده جالساً متجهاً إلى القبلة ومغمضاً عينيه، فسلم عليه، فلم يرد السلام، فقالت له زوجته: إن زوجي لا يستمع إلى أحد في مثل هذا الوقت ولا يرد على أحد! فاجلس وتناول الغداء ريثما ينتهي وسيجلس معك.

تناول الشيخ رمضان ومن معه الغداء، فلما انتهى ذلك الشيخ من جلسة الذكر، قال للشيخ رمضان: تعال لأحدِّثك ماذا قال شيخنا في الدرس اليوم، فحدثه عمّا حدث في الدرس بالتفصيل كما لو أنه كان حاضراً!

بعد ذلك عاد الشيخ رمضان إلى دمشق فوصل صباح السبت، فلما رآه أصحابه قال أحدهم: أين كنت يوم أمس ولماذا غبت عن الدرس؟ فروى لهم ماذا حدث في الدرس بالتفصيل ومن قرأ القرآن وما هي الآيات التي فسرها الشيخ والقصص التي رواها الشيخ في الدرس، فتعجَّبوا من ذلك وقالوا له: كيف عرفت كل هذا وأنت كنت غائباً عن المدينة! فروى لهم ما حدث وكيف استطاع ذلك الرجل سماع الدرس رغم بعد المسافة.

إنَّ مثل هذه الكرامات أمرٌ طبيعي بالنسبة لأهل الله الذين كشف الله عن بصيرتهم فأكرمهم لصدقهم وإخلاصهم في ذكره والدعوة إلى طريقه.

4- حقد بعض الناس عليه:

لا يخلو الإنسان المستقيم من وجود أعداء يحاربونه ويكيدون له بسبب تعارض مصالحهم معه. فلقد أراد بعض الأعداء التخلص من الشيخ رمضان وحاولوا قتله عن طريق مؤامرة خبيثة حيكت بإحكام حتى لا يكشفهم أحد، فأخذوه إلى قرية بعيدة ووضعوه في غرفة صغيرة تُستعمل لتخزين الحطب، وكانوا قد وضعوا فيها ثعباناً أسود اللون كبيراً، ظناً منهم أن هذا الثعبان سيقضي عليه.

ولكنَّه قال في نفسه: ما أنا إلا مخلوق من مخلوقات الله، وهذا الثعبان أيضاً مخلوق، فلن يستطيع فعل أيِّ شيءٍ إلا بإذن الله عزَّ وجلَّ. ثم سلَّم أمره لله واستلقى قرب الثعبان ونام مستسلماً للموت إن كان ذلك هو قضاء الله عزَّ وجلَّ، لأنه يعلم أنه لن يموت قبل نهاية أجله، ولم يحاول أبداً قتل الثعبان مع قدرته على ذلك. وفي الصباح جاء هؤلاء الناس مع رئيس المخفر، وقد أخبروا الدرك أنهم سمعوا أصواتاً غريبة في هذه الغرفة. فلما فتح الدرك الغرفة اندهش هؤلاء الرجال لما رأوا الشيخ رمضان حياً، ولم يجدوا الثعبان الذي تسلَّل خارج الغرفة، وبالتحقيق معهم اعترفوا بما فعلوا.

وكذلك أتت مرة امرأة مجهولة إلى بيته ومعها قِدر فيه طعام. فقرعت الباب، ففتحت لها زوجته، فأعطتها القدر، وقالت لها أنه هدية للشيخ رمضان. فأخذته الحاجة أم أحمد، رحمها الله، وشكرتها على ذلك. ولكنَّ الشيخ رمضان شكَّ في الأمر، فرمى القدر في البستان، فلما أكلت منه بعض الدجاجات ماتت على الفور، لأنه كان مسموماً.

 

5- زواجه من الحاجة أم أحمد رحمة الله عليها:

عندما بلغ الشيخ رمضان من العمر إحدى وثلاثين سنة عَرَضَ عليه شيخه أن يزوِّجه من ابنة الشيخ عبد اللطيف المفشِّي،[122] فجمعه مع والدها الذي قال له سماحة الشيخ رضي الله عنه: "هذا هو الشيخ رمضان؛ أما من ناحية الدين فأنا أكفله، وأما من ناحية الدنيا فهو فقير لا يملك منها شيئاً!" فأجاب والد العروس بكلام ينمُّ عن حكمة بالغة ونظر بعيد المدى: "إن كنت تكفله من جهة الدين فالله كفيله من جهة الدنيا"!

كانت الحاجة خديجة رحمة الله عليها تقيَّة صادقة شديدة الورع، وقبل أن يتم الزواج أرسلت للشيخ رمضان تخبره أن في رجلها أثر من حرق قديم حتى لا يظنَّ أنهم دلَّسوا عليه، فأرسل إليها أنه راض بذلك، خاصة أنَّ شيخه هو الذي اختارها له، ونِعم الاختيار ونعمت الزوجة؛ فقد كانت له عوناً في السرَّاء والضرّاء، وكانت ذاكرةً شاكرةً صابرةً حاضرةً راضيةً لا تتذمَّر من شيء ولا تهتم بشيء من أمور الدنيا، تصرف جميع أوقاتها في ذكر الله، عزَّ وجلَّ، وعبادته والدعوة إلى طريقه عن طريق خدمة أهل الله وطلاب العلم الذين كانوا يدرسون في جامع أبو النور.

 

الشيخ رمضان مع زوجته الحاجة أم أحمد رحمها الله

كان حفل الزواج في الجامع، حيث جمع الشيخ رمضان بعض أصحابه وأحبابه وجلسوا في المسجد، إلا أنَّ الشيخ رمضان لم يشأ أن يضيع الوقت في لغو الحديث وقد اجتمع عدد من الرجال حوله سواء منهم من كان من الإخوان الملتزمين أو من الأهل والأقرباء والجيران غير الملتزمين بحضور مجالس العلم ودروس سماحة الشيخ، فكان لا بدّ أن يستفيد من هذا الوقت والظرف في التذكير بالله عزَّ وجلَّ، فبدأ الشيخ رمضان في حديثه بتفسير سورة النازعات حتى آخرها، ثم تحدث عن المعاني والحكم التي تتضمنها آياتها، في الوقت الذي كانت فيه النساء يجهزن العروس في بيت آخر، ثم خرجوا جميعاً إلى بيت العروس.

دخل الشيخ رمضان إلى عروسه معتذراً منها قائلاً إنه يريد أن يصلي ركعتين سنّة الزواج، فطلبت منه أن يصلي أربعاً حتى يتسنى لها الاقتداء به فتصلي معه العشاء الذي لم تكن قد صلَّته بعد، بسبب انشغالها مع النساء. ومنذ بداية حياتهما تعاهدا على خدمة الدعوة إلى الله عزَّ وجلَّ بجميع ما آتاهما الله من قوة، وتسخير نفسيهما لخدمة طلاب العلم في جامع أبو النور. وهكذا بقيت الحاجة أم أحمد رحمها الله على هذا العهد حتى توفاها الله عزَّ وجلَّ، سنة 1987م.

وبعد أقل من أسبوع من زواجه خرج مرة من غرفته يريد الذهاب إلى درس سماحة الشيخ، ولكنَّه تفاجأ برؤية زوجته الحاجة أم أحمد ملقاة على طرف النهر الذي كان يمر داخل الطاحونة التي كانوا يسكنون فيها كما أشرنا في الفصل الثاني. حاول الشيخ رمضان إيقاظها فلم تشعر به وهو لا يعرف إن كانت على قيد الحياة أم لا. وهنا أدرك أنه بين أمرين وخيارين صعبين، فإن أراد الاعتناء بها فسوف يضيِّع درس الشيخ، وإن ذهب إلى الدرس فقد يفقد زوجته التي قد تموت إن لم يسعفها أو يحضر لها طبيباً! لكنّه أدرك بفراسته وقوة إيمانه ويقينه بالله أنّ الشيطان يكيد به ليصرفه عن حضور درس شيخه، فوكّل أمرها لحضرة الله عزَّ وجلَّ وقال لنفسه: إن كان الله يريد أن يسلِّمَها فهو على كلِّ شيء قدير، وإن أراد غير ذلك فأنا لا أملك من أمري شيئاً، وفوّض أمره إلى الله العزيز القدير، وذهب إلى الدرس. وعندما دخل إلى المسجد سمع الشيخ يروي حديث رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "من ترك شيئاً لله أبدله الله خيراً منه"،[123] فعلم الشيخ رمضان أنَّ الله عزَّ وجلَّ سوف يتولى أمرها، فحضر الدرس إلى آخره وهو مطمئنَّ القلب مرتاحَ النفس ومتيقِّناً بقدرة الله عزَّ وجلَّ وسعة رحمته. ولما عاد إلى البيت وجد زوجته تنتظره كعادتها وكأنَّ شيئاً لم يكن، وعلم أن والدته رأتها نائمة على ضفة النهر، فقالت لها: لماذا أنتِ نائمة هنا، اذهبي إلى غرفتِك؟ فقامت وذهبت إلى غرفتها وليس بها أية علَّة.

وهكذا مرَّت عليه هذه المحنة وأمثالها  وأثبت مع توالي مختلف الظروف أنه يسلك المقام العمري، فكان الشيطان لا يراه في فجِّ إلا سلك فجاً غيره. ذلك أن الشيطان لا يستطيع أن يوسوس للصالحين بفعل الشرِّ بشكل مباشر، فهو يعرف أنه لن يقدر على ذلك، ولكنَّه يكيد لهم من خلال أعمال مندوبة تستدعيها المروءة والشجاعة والإقدام ليثنيهم عن فعل ما هو أعلى وأفضل وأوثق في طريق الإيمان، فإن أطاعوه استدرجهم بعد ذلك إلى ترك الأخلاق الرفيعة وفعل الأمور الدنيئة، وأما إن غلبوه باختيارهم وتصميمهم على الأفعال الراجحة التي ينالون فيها أعلى الدرجات، فإنَّ سحره ينقلب عليه ويرجع خاسئاً، ثم لا يلبث أن يتركهم لشأنهم، بل يهرب منهم هرباً، بعد أن خابت معهم جميع أساليبه، كما فعل مع سيدنا الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه، الذي قال له سيُّدنا محمَّد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «‏وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ‏ ‏مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ قَطُّ سَالِكًا ‏فَجًّا ‏إِلَّا سَلَكَ ‏فَجًّا‏ ‏غَيْرَ ‏فَجِّكَ (يا عمر)».[124]

لقد كانت الحاجة أم أحمد كريمة سمحة لا تضيع لحظة من وقتها إلا في ذكر الله عزَّ وجلَّ أو خدمة أهل الدعوة وطلاب العلم. روت لي بعض الأخوات، اللاتي رافقنها وعشن معها فترة طويلة، قصصاً كثيرة عن كرمها وكراماتها الكثيرة. ففي أحد الأيام أراد سماحة الشيخ أحمد كفتارو أن يتناول الغداء مع بعض أصحابه في المزرعة وكانت الحاجة أم أحمد مسؤولة عن تحضير الطعام. ولم يكن الشيخ رمضان يتوقع أكثر من بضع رجال إلا أنه حضَّر مع زوجته طعاماً يكفي لعشرين شخصاً. ولكنَّ الضيوف توافدوا من كل مكان، وكان كلِّ واحد يأتي بمن يعرفه من أصحابه، حتى زاد عددهم عن ثلاثمائة رجل!

شعر الشيخ رمضان بالحرج الشديد لأن الطعام لا يكفي هذا العدد من الرجال، وبدت عليه علامات القلق، فقالت له زوجته: لا تقلق، فأنا أرجو من حضرة الله عزَّ وجلَّ أن يكفي هذا الطعام للجميع! ولكن لا أحد يقرب من القِدر، ودعوني وحدي أسكبُ منه. وكذلك سماحة الشيخ، لما رأى علامات القلق على الشيخ رمضان، قال له: لا تخف!

بدأت الحاجة أم أحمد بسكب الطعام للضيوف من طرف القدر الذي تركته مغطى وظلّت تسكب منه حتى أكل الجميع سوى الشيخ رمضان الذي كان يقوم بخدمة الضيوف. وبعد ذهابهم، سأله سماحة الشيخِ أحمد: هل أكلت يا شيخ رمضان؟ فقال له: لا! فدعاه إلى القِدر وفتحه أمامه وإذا به لا يزال ممتلئاً!

ولقد حدَّثنا ابنها الشيخ عبد الله رمضان ديب الذي تخرَّج من كليَّة الدعوة في جامع أبو النور ويعمل الآن إماماً وخطيباً في الولايات المتحدة الأمريكية، فقال إنَّ والدته كان لها أثرٌ كبير في مسار الدعوة -خاصة بين النساء- فكانت المؤمنة المخلصة لربها، والداعية الصادقة مع نفسها، والتي تملك حقيقة الإيمان مع حرارة الحبِّ لله تعالى، وتمتلئ نفسها حنانًا ورحمةً وعطاءً؛ لكلِّ مَن كُنّ يحضُرْنَ حلقات التربية والتزكية والإرشاد التي كان يقيمها الشيخ رمضان حفظه الله. فكانت نِعم الزوجةِ الخدوم، والأمِّ الرؤوف، والقلب الحنون، والداعية الشفوق، والصديق النصوح، والصاحبة الموافقة، والناصحة المخلصة، لذلك كان الشيخ رمضان لا يقدِّم أحدًا -بعد شيخه- في إكرامها وبِرِّها، لفنائها في خدمة طلبة العلم التي ضحَّت بدنياها من أجلهم.

عاش الشيخ رمضان مع زوجته حياة هنيئة، وأنجبت له سبعة عشر ولداً، توفي منهم عشرة في أعمار مختلفة، وله منها الآن أربعة أبناء وثلاث بنات، وبعد وفاتها تزوج من الحاجة غادة ضاهر فأنجبت له بنتين كما سنرى بمزيد من التفصيل في الفصل الخامس.

6- صعوبة ظروفه المعيشية:

إِذَا ثَبَتَ التَّوَكُّلُ وَاليَقِينُ

***

عَلَى الله بِأَنَّهُ لا يَكُونُ

سِوَى مَا قَدَّرَ الله عَلَيْنَ

***

مِنَ الأَرْزَاقِ، فَالصَّبْرُ يَهُونُ

عَلَى الفَقْرِ، فَإِنَّ الحُرَّ يَأْبى

***

لِغَيْرِ الله أَنْ يُدْنَى الجَبِينُ

وَبَعْدَ العُسْـرِ لا شَكَّ سَيَأْتي

***

زَمَانٌ تَرتَوي فِيهِ العُيُونُ

وَمَنْ كَانَ كَرِيماً يَوْمَ عُسْـرٍ

***

فَبَعْدَ اليُسْـرِ كَيْفَ لا يَكُونُ

فَكَيْفَ إِذَا وَهَبَ الإِنْسَانُ طَوْع

***

نَفَائِسَ مَا لَدَيْهِ وَمَا يَصُونُ

وَكَيْفَ إِذَا هُوَ لَمْ يُبْقِ نَفْس

***

وَلا نَفَساً سِوَى لِيُعَزَّ دِينُ

يَجُودُ بما لَدَيْهِ فَلَيْسَ تَدْري

***

شِمَالُهُ كَيْفَ أَنْفَقَتِ الْيَمِينُ

فَرَبُّ العَالَمِينَ بِهِ عَلِيمٌ

***

وَفَضْلُهُ عِنْدَهُ الْكَنْزُ الْدَّفينُ

وَحَاشَى أَنْ يُضَيِّعَ أَجْرَ عَبْدٍ

***

يَجُودُ فإنَّهُ الْحَقُّ الْمُبينُ[125]

في البداية سكن مع زوجته في بيت أبيه، ولكن كما ذكرنا في الفصل الأول فقد كان صبحي ديب شديداً وقاسياً، وكان يمنع أولاده من حضور دروس الشيخ وهو أمر لا يمكنهم الاستغناء عنه، مما سبب بعض المشكلات من حين لآخر، فكان كثيراً ما يغلق الباب ويمنعهم من العودة إلى البيت كلَّما ذهبوا لحضور الدرس. ولم يكن الشيخ رمضان يتذمَّر من هذا الوضع، ولكنَّ سماحة الشيخ قال له مرة: أنت من واجبك أن تتحمَّل والدك، وأما زوجتك فلا ذنب لها وعليك أن تخرجها من هذه المشكلات!

عندئذ قرر الشيخ رمضان أن يترك البيت، ليسكن مع زوجته في غرفة صغيرة ملحقة في مزرعة سماحة الشيخ، لأنّه لم يكن يملك بيتاً بل لم يكن يملك شيئاً. وكانت مساحة هذه الغرفة لا تزيد عن عدة أمتار مربعة تحوي على المطبخ والحمام وغرفة النوم وغرفة الضيوف، وفي هذه الغرفة كان يستقبل ضيوفه، وكان بعضهم من أصحاب المناصب العالية، وكان الشيخ يَقسم هذه الغرفة بستارة إلى قسمين: قسم للرجال وقسم للنساء. وفي إحدى المرات بينما كان الشيخ مشغولا مع ضيوفه نادته زوجته فلم يجبها، فلما ذهب الضيوف وجد أنها قتلت أربع ثعابين كانت قد نزلت من السطح الخشبي المتشقق.

وهكذا بدأ حياته الزوجية من الصفر، وكانت الظروف صعبة للغاية في تلك الفترة العصيبة التي تميزت بتقلبات سياسية كبيرة بعد جلاء فرنسة عن البلاد حيث حدثت انقلابات كثيرة وكانت الحكومات تتشكل في الصباح لتَنحلَّ في المساء، وبالتالي كان وضع البلاد الاقتصادي والأمني على أسوء حال. ومرت على الشيخ رمضان وزوجته أيام عصيبة من الفقر، مع أن الحالة المادية لوالدها كانت جيدة، إلا أن الشيخ رمضان كان يرفض بشكل قطعي أن تحضر من بيت أبيها أيَّ شيء، بل كان لا يُظهر حاجته أبداً أمام الناس ولا أمام أهله وأقربائه، ولم يكن يطلب من أحدٍ شيئاً أبداً، إلا من حضرة الله عزَّ وجلَّ.

ووصل الأمر بهما إلى أن أشارت عليه زوجته رحمها الله أن يتزوج عليها ابنة عمتها، وكانت تملك بناية تؤجِّرها، وكان الشيخ رمضان يجمع لها الأموال من المستأجرين. ومع أنها ألَحّت عليه بشدة كي يتزوج عليها -وهذا أمرٌ كان شائعاً في تلك الفترة- حتى يستغني ويعيش براحة ويُسر، ولكنَّه رفض بشكل قاطعٍ وقال لها: طالما أننا نصبر ونتقي الله ونبتعد عن الشبهات، فلا شكَّ أنَّ الله عزَّ وجلَّ سيغنينا من فضله، طال الأمد أم قصر.

وكلما طال الأمد بهما على هذا الفقر والشدّة كانت زوجته تعرض عليه الزواج مرة تلو المرة من نساء ثريات وكانت تتحدث معهن بهذا الأمر ويوافقن، ولكن الشيخ رمضان كان يرفض بشكل جازم، وكان بذلك يطبق نصيحة والده حيث قال له مرة على سبيل المجاز: نحن زواجنا مثل الزواج النصراني!، فقال له: كيف ذلك؟، قال: "متى تزوج النصراني إما أن يدفن زوجته وإما أن تدفنه"، وهو يقصد بهذا المثال حثَّ أبنائه على كمال الوفاء والإخلاص للزوجة التي تناضل مع زوجها وتتحمل معه صعوبات الحياة وتصبر على السرّاء والضرّاء. لذلك لم يتزوج الشيخ رمضان مرة ثانية إلا بعد وفاة زوجته أم أحمد رحمها الله، على الرغم من أن الشريعة الإسلامية، بخلاف النصرانية، تسمح بتعدُّد الزوجات، ولكنَّ وفاءه وإخلاصه لزوجته، التي صبرت معه وتحمَّلت الصعاب من أجله، جعله يرفض الزواج من غيرها أثناء وجودها معه، كما كان يفعل الكثيرُ من الرجال في ذلك الوقت ولا يزالون.

ولكن هذه الظروف الصعبة كانت تزداد حدة وقسوة كلَّما كبرت الأسرة وكثرت احتياجاتهم، وكانت الحاجة أم أحمد تقوم بجميع أعباء هذه الأسرة بمفردها على الرغم من افتقارها لأبسط الأدوات. وفي تلك الفترة في الخمسينيات، بعد استقرار الوضع السياسي ومع بداية انتعاش الاقتصاد الذي ترافق كذلك مع بداية الثورة التقنية على المستوى العالمي، بدأت تنتشر في الشام بعض الأجهزة المنزلية، فأصبح بعض الناس يستخدمون الغسالة الكهربائية، فلما رأى معاناة زوجته المتزايدة وقد أصبح عندهما سبعة أولاد، وعدها أن يشتري لها غسالة، مع أنه لم يكن يملك ثمنها.

لم يكن الشيخ رمضان يملك في ذلك الوقت سوى خمسين ليرة سورية فقط، فلما ذهب إلى السوق ليشتري الغسالة وجد أن ثمنها ثلاثمائة ليرة سورية، فقال له البائع إن شئت أعطيك الغسالة بالتقسيط على أن تدفع لي خمسين ليرة الآن ثم تدفع لي في كل شهر خمساً وعشرين ليرة لمدة سنة، وبذلك ستدفع ثلاثمائة وخمسين ليرة بزيادة خمسين ليرة عن الثمن الأصلي فيما لو دفعته حاضراً كاملاً.

لم يشأ الشيخ رمضان أن يشتري بهذه الطريقة التي لا تخلو من الشبهات، والتي ستكلفه مبلغاً إضافياً هو أحوج إليه. فعاد الشيخ رمضان إلى البيت وشرح الأمر لزوجته التي كانت راضية بهذا القرار، وأعطاها الخمسين ليرة وقال لها إنَّه سيبدأ بجمع المال ويعطيها كلَّ شهر خمساً وعشرين ليرة حتى يكتمل المبلغ فيشتري لها الغسالة كما وعدها.

وهنا أراد الله عزَّ وجلَّ أن يفرّج عنهما قليلاً، فكان في تلك الفترة رجل ثري توفي والده وأراد أبناؤه التصدُّق عن روحه طمعاً أن يخفف الله عزَّ وجلَّ عنه، فكانوا يتصدقون عنه ويقيمون الولائم ويوزعونها على الفقراء في أنحاء الشام. وفي هذه الظروف قال أحد العلماء لابن أخته وهو أحد أبناء هذا الرجل الثري: أنا أدلُّك على شيءٍ إن فعلته كان خيراً لك من التصدق بهذه الملايين؛ اذهب إلى الشيخ رمضان واسأله عن حاجته فاقضها له واطلب منه فقط أن يقول "لا إله إلا الله" عن روح والدك!

فذهب هذا الشاب إلى الشيخ رمضان وطلب منه أن ينطق بلا إله إلا الله عن روح والده ويفعل له مقابل ذلك ما يشاء، فقبل الشيخ رمضان بذلك وأخبره أنه يريد أن يشتري غسالة! فما لبث هذا الرجل أن أحضر الغسالة إليه، فقال الشيخ رمضان لزوجته: ها هي الغسالة، التي وعدتك بها، إلا أنَّ الرجل الذي أحضرها لنا لا يزال ينتظر ثمنها، فقالت له: وما ثمنها؟ قال: أن نقول عن روح والده "لا إله إلا الله". فقالت، وقال معها: "لا إله إلا الله سبحانه بملكه ما أكمله وما أجمله"!

وفي اليوم التالي اتصلت الأخت الكبيرة بأخيها الذي أحضر الغسالة وقالت له: أريد أن أروي لك رؤيا مبشرة رأيتها الليلة، فقال لها: وأنا كذلك أريد أن أروي لك رؤيا مبشرة رأيتها البارحة! ولم يلبث أن اتصل الأخ الثاني، ثم الأخت الثانية والثالثة، وكلهم قد رأوا أنَّ والدهم قد خرج من بيت كان يحترق وهو يقول لهم: لقد أنقذتموني بقول هذا الرجل لا إله إلا الله!

7- رعايته للفقراء وطلاب العلم:

لما علم الله عزَّ وجلَّ صدق هذا الرجل وصبر زوجته وتحمُّلها، وإخلاصهما في الدعوة إلى سبيله دون طلب شيءٍ لنفسيهما، شاء أن يفرِّج عنهما ويبسط رزقه عليهما، بعد أن امتحنهما لفترة طويلة.

وكما ذكرنا سابقاً، فقد عمل الشيخ رمضان في مجالات كثيرة تتراوح بين الكهرباء والميكانيك والبناء، بل لم يبق عمل إلا وعمل به، بجِدٍّ منقطع النظير، فيقوم بنفسه بعمل عدّة رجال في الوقت نفسه دون أن يعرف الكلل أو الملل، ومتى بدأ عملاً لا يتركه حتى ينتهي منه، وكان يتقاضى في ذلك الوقت ليرة ذهبية وربع الليرة كلَّ يوم،[126] ولكنَّ هذه الأجور التي كان يتقاضاها لا توفر له سوى الكفاف، وخاصة أنه كان كريماً سخياً ولا يدَّخر شيئاً لنفسه، بل كان يجود بما لديه لأهله وإخوانه. ولكن الله عزَّ وجلَّ ما كان لينسى عبداً شاكراً فرّغ نفسه لخدمة دينه وإخوانه والدعوة إلى طريق الله وبذل جميع ما يملك في سبيل ذلك دون أن يفكر بنفسه وبالمصاعب التي كان يعاني منها هو وأهله، وكما وعد الله عزَّ وجلَّ المتقين في سورة الطلاق: ﴿... وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا [2] وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا [3]﴾، فكذلك سخَّر الله للشيخ رمضان بابَ رزق واسعاً من حيث لا يحتسب!

لقد بدأ ذلك في أواخر الخمسينيات، وكان زمن قحط وجوع، حينما زاره صديقه أبو سعيد عجاج المناصفي، وقد بدت عليه علامات البؤس كما لو أنَّه لم يذق الطعام منذ أيام، فلم تلبث الحاجة أم أحمد أن وضعت الطعام كعادتها، فأكل وجلس دون أن يتفوه بكلمة، ولم تزل عليه علامات البؤس والقلق، فقالت الحاجة أم أحمد لزوجها لعلَّه يحتاج نقوداً وهو يخجل أن يطلبها منك! فأحضر له الشيخ رمضان مبلغاً كان عنده وأعطاه إياه ليقضي به حاجته. فخرج أبو سعيد من بيت الشيخ رمضان فرِحاً مسروراً شاكراً حيث أعطاه من غير أن يحتاج للسؤال. ثمَّ إنَّ ذلك تكرر مرَّات عديدة، فكان كلَّما ضاقت به الحال يأتي إلى الشيخ رمضان فيُكرمه ويطعمه ويعطيه قبل أن يسأله ودون أن يسجل عليه أيَّ دين. بعد فترة طويلة جاء أبو سعيد إلى الشيخ رمضان، وقد تحسنت أحواله، فقال له: كم لك عليَّ من المال؟ قال له: لا أدري، ولم يهتم الشيخ رمضان بالأمر إذ لم يكن يسجل أو يتذكَّر المبالغ التي أعطاها لصديقه أبي سعيد. فقال أبو سعيد، إنَّ لك عليَّ عشرة آلاف ليرة سورية، وأنا لا أملك هذا المبلغ، لذلك أريد أن أبيع جزءاً من الأرض التي أملكها وأعطيك نقودك. إلا أنَّ الشيخ رمضان، حفظه الله، رفض ذلك وقال له، لا تُدخل معك شريكاً يقاسمك أرضك، وأنا لست بحاجة للنقود الآن. عندئذ قال أبو سعيد: إذاً أعطيك عوضاً عن ذلك قطعة من هذه الأرض، فلم يكترث الشيخ رمضان بذلك. ثم بعد فترة قال له أبو سعيد إنَّ ثمن الأرض قد ارتفع بشكل كبير فهل ترغب ببيعها، فرفض ذلك الشيخ رمضان وقال له مرة ثانية: لا تبِعها كي لا تُدخل معك شريكاً غريباً في أرضك. ثمَّ إنَّ الله عزَّ وجلَّ بارك في هذه الأرض حيث تحسَّنت أوضاع المنطقة وازدهرت وارتفع ثمنها وتضاعف بشكل كبير مع ارتفاع عدد من البنايات حولها وزيادة عدد السكان في المنطقة، فقرر أبو سعيد أنْ يبيع الأرض كلَّها، فباعها وأَحضر للشيخ رمضان ثمن حصته منها، وهي مئتان وخمسون ألف ليرة سورية.

قبض الشيخ رمضان ثمن قطعة الأرض التي كان قد كتبها له صديقه باسمه، مقابل المبلغ الذي ديَّنهُ إيّاه، وهو لا يعرفها ولا يعرف مكانها!

لقد علم الشيخ رمضان أن تسعة أعشار الرزق في التجارة،[127] ولكنَّه لم يكن يملك رأس المال الكافي لذلك. أما الآن وقد رزقه الله رزقاً حسناً، فلم يتردد أبداً، بل بدأ يبيع ويشتري ويتاجر فيما لديه، وما هي إلا بضع سنوات حتى بسط الله عليه الرزق والنعم وكثرت أمواله فاشترى بيتاً ثم اشترى سيارة، فكانت زوجته أم أحمد تقول له: "لم أكن أحلم أبداً أن نركب سيارة."

وبتوفيق الله عزَّ وجلَّ، ثمَّ بجدِّه وجهده الدائب، بدأ المال يتكاثر بين يديه، ومع أنه أصبح ينفق بسخاء أكثر وكرم أكبر، ولكن كرم الله عزَّ وجلَّ عليه كان أعظم وعطاؤه له كان أوفر، فاشترى في البداية قطعة أرض صغيرة في منطقة تُعرف الآن بمساكن برزة، وكانت لا تزال بساتين متفرقة ليس فيها بيوت ولا بنايات، فعمَّر فيها بيتاً فسكن فيه مع عائلته، ثم وسَّع الله عليهم فبنى لكلِّ واحدٍ من أبنائه وبناته بيتاً، ولم يتوقف عن التجارة، فيبيع في مكان ويشتري في مكان آخر، وهو لا يزال على ذلك، ويعرف الناس الذين هم حوله أنه يعيل الكثير من العائلات بالإضافة إلى بعض أولاده وإخوانه.

لقد أخبرنا عدد غير قليل ممن عاشره في تلك الفترة أن بيته لم يكن يخلو يوماً من الناس، الذين يأتون لأغراض مختلفة، وكان العشرات يجتمعون على الطعام، سواء على الفطور أو الغداء أو العشاء، حيث إنَّ من عادة الشيخ رمضان رضي الله عنه أنَّه يضع طعام الفطور بعد صلاة الفجر وقبيل شروق الشمس. ولا يزال هذا الحال مستمراً إلى يومنا هذا، ولقد رأينا من ذلك ما أدهشنا كما أدهش الجميع، ولم نذق طعاماً قط أطيب من طعامه لجوده وكرمه وبركته وطيب نفسه، وأنه لا يزال يذبح بيده في كلِّ أسبوع ويحضِّر اللحم، وكثيراً ما يطبخ بنفسه لأهله ولضيوفه، ويقدِّم الطعام بيديه للحاضرين.

ومع أنَّ اهتمامه بشؤون الناس وكرمه الملحوظ قد عمَّ جميع من حوله، إلا أن ذلك كان مضاعفاً بالنسبة لطلاب العلم وبخاصة أولئك المنتسبين للمعهد في جامع أبو النور، وكانت زوجته الحاجة أم أحمد لا توفر جهداً في خدمتهم ورعايتهم. ولقد اجتمعت بعدد منهم وكلهم يذكرون فضل الشيخ رمضان وزوجته الحاجة أم أحمد عليهم.

وبسبب اهتمامه غير المحدود بأمور الناس وخدمته لهم بشكل مستمر، فإن الله عزَّ وجلَّ يكرمه ويرزقه من حيث لا يحتسب، حتى إنه أصبح لا يخطر بباله شيء إلا يهيئه له الله بلا جهد ولا عناء، من قبل أن يبوح به لأحد.

8- توبة خليل:

كان الشيخ رمضان يعرف شخصاً يعمل في المخرطة، ولم يكن ملتزماً بل كان يصرف جميع ما يكسبه على المعاصي، غير أنه كان رجلاً مخلصاً في عمله، وكان ذا مروءة يلبي حاجة الناس إليه، فكان الشيخ رمضان كثيراً ما يستدعيه للقيام ببعض الإصلاحات في مزرعة سماحة الشيخ. وكان هذا الشخص، واسمه خليل، يأتي إلى جامع أبو النور ويجلس مع الشيخ رمضان في الحديقة، ولكنَّه لم يكن يصلي ولا يفكر أن يدخل الجامع أبداً. فكان الشيخ رمضان -الذي كان وقتئذٍ يعمل إماماً لجامع أبو النور- يستأذن من خليل عند أوقات الصلوات فيصلي وينهي عمله ثم يأتي إليه ليحادثه، حتى إنه كان يبقى معه أحياناً إلى قبيل وقت الفجر دون أن يصلي!

وتتجلى لنا شخصية الشيخ الدعوية فيما حدث بعد ذلك، إذْ طلب أحد الأشخاص منه أن يحجَّ بدلاً عنه لعجزه عن الحجِّ، وكان الشيخ قد حجَّ عن نفسه ويريد أن يحجَّ مع زوجته. فقال الشيخ رمضان في نفسه أنَّه طالما هو كان ذاهباً إلى الحجِّ في جميع الأحوال فأراد أن يهب النقود، التي أعطاه إياها هذا الشخص ليحجَّ عنه، إلى شخص آخر ليحجَّ بها ويحجَّ هو عن هذا الشخص الذي طلب منه الحجَّ عنه، من غير أن يتقاضى على ذلك أجراً. فلمَّا قرَّر الشيخ رمضان ذلك، قال لخليل: هل ترغب أن تذهب إلى الحجّ؟! فضحك خليل مستغرباً من هذا العرض الذي لم يكن ليتوقعه مطلقاً، وقال للشيخ رمضان: إنَّ مجرَّد ذهابي إلى الحجِّ سينجِّس الكعبة! فعرف الشيخ رمضان من جواب خليل أنه غير راضٍ عن عمله وهو معترفٌ بذنوبه، فأصرَّ عليه. فقال له خليل: إنني أصرف جميع النقود التي أتقاضاها من عملي على الخمر والنساء، فكيف أذهب إلى الحجِّ وأنا لا أملك نقوداً؟ عندئذٍ أجابه الشيخ رمضان أنه سيدفع له جميع تكاليف الحجِّ. فوافق خليل على مضض، وذهبوا جميعاً إلى الحجّ.

قضى خليل في مكة المكرمة وفي المدينة المنورة مع الشيخ رمضان مناسك الحج والزيارة بعد أن أعلن توبته، وكان يسبق الشيخ رمضان إلى زيارة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيدعو ويستغفر ويبكي بكاءً شديداً على معاصيه التي بدرت منه وما ضيَّعه من حقِّ الله عزَّ وجلَّ عليه.

وزيادة على ذلك، قام مع زوجته، بشراء جهاز عروس كامل وأحضروه معهم من المدينة، وقال الشيخ رمضان لصاحبه خليل: احتفظ بهذه الأقمشة عندك فسنحتاجها في وقت لاحق.

وبعد رجوعهم إلى دمشق، لما لاحظ أهل خليل أنَّ أحواله قد تغيَّرت بشكل كبير بعد الحجِّ، خطبوا له وزوَّجوه وقدَّم له الشيخ رمضان جهاز العروس، وأصبح إنساناً مستقيماً لا يضيع وقتاً إلا ويصليه مع الجماعة، بل كان كلَّما أراد الشيخ رمضان أن يزوره يجده في المسجد قبل الأذان يهيِّئ نفسه إلى الصلاة، وفي أوقات فراغه يقضي ما فاته من الصلوات!

9- الرحلة إلى رأس البسيط:

روى لنا بعض الناس، ومن ضمنهم أم فراس ابنة الشيخ رمضان وكذلك أختها أم زاهر، وبعض ممن شهد هذه الواقعة التي نرويها هنا، أنَّ الشيخ رمضان قرَّر في أحد الأيام اصطحاب أهله وأولاده وبعض أصحابه في رحلة إلى رأس البسيط في الساحل السوري؛ فاجتمع حوالي خمسين شخصاً وركبوا الباص إلى هناك ليبحروا بعدها بالقوارب إلى جزيرة صغيرة تسمى جزيرة الحمام، وهي منطقة ذات أمواج عالية ودوارات بحرية خطيرة.

انقسمت المجموعة إلى قسمين، حيث إن القارب لا يتَّسع للجميع، فذهبت المجموعة الأولى وبقي الشيخ رمضان مع أهله للمجموعة الثانية، فلما جاء القارب ركبوا به جميعا وأبحر بهم نحو الجزيرة.

وفي الطريق حصلت مشكلة خطيرة بالقرب من دوار بحري حيث إن أحد الركاب كان يحمل دولاباً مطاطيا يستخدمه للعوم، ولكن لما جاء هذا الدولاب قرب المحرك علق به وتعطل المحرك، وباءت بالفشل جميع محاولات القبطان لتشغيله من جديد، ثم قذف الموج القارب الصغير نحو مركز الدوار حيث الأمواج العاتية. وما هي إلا دقائق حتى امتلأ القارب بالماء وأيقن الجميع بالغرق، وأراد القبطان أن يقفز في الماء، وطلب الشيخ رمضان من الجميع أن ينطقوا بالشهادة استعداداً للموت المحقق.

وفي ذروة هذه الأزمة الشديدة، وعلى مرأى الجميع، هبطت حمامة على كتف الشيخ رمضان وكأنها همست في أذنه بشيء ثم طارت! حينها قال الشيخ للقبطان: حاول الآن تشغيل المحرك من جديد، وكان قد يئس من ذلك. فلما أصرّ الشيخ قام القبطان بتشغيل المحرك، الذي اشتغل بصعوبة. وبذلك استطاع الركب الوصول إلى الشاطئ سالمين بفضل الله عزَّ وجلَّ. وعندما وصلوا إلى الشاطئ، سجد الجميع شكراً لله الذي نجَّاهم من الهلاك في البحر.

 

10- إسلام بعض المستشرقين الألمان:

جاء ثلاثة رجال من ألمانيا لزيارة سماحة الشيخ أحمد، قدّس سرّه، بهدف محاورته ومجادلته من أجل انتقاد الإسلام... ولكن سماحة الشيخ رضي الله عنه كان مسافراً، فقام الشيخ رمضان باستقبال الوفد واستضافتهم في بيته، واستدعى الدكتور زهير سراقبي، وهو طبيب سوري متخصص بالقلب والأوعية، والأستاذ خليل مجدلاوي، ليقوما بالترجمة، حيث كان الضيوف الألمان يتكلمون باللغة الإنكليزية وكان الشيخ رمضان لا يتكلم هذه اللغة.

طرح الضيوف عدداً من الأسئلة على المترجِمَيْن اللذان كانا يقومان بدورهما بنقل السؤال إليه، ثم ينقلان الإجابة لهم من جديد. ولقد تفاجأ الضيوف بمستوى هذا النقاش، الذي امتدَّ لأكثر من ثلاثة ساعات، إلى أن وصل الأمر أن طلب رئيس الوفد من المترجمَيْن أن يكفّا عن الترجمة. فكانوا يستمعون إلى الإجابة منه مباشرة وهو يتكلم معهم باللغة العربية، فيفهمون الإجابة ويطرحون الأسئلة عليه بلغتهم فيجيبهم من جديد من غير تدخُّل المترجِمَيْن، اللذَيْن دهشا لهذا المشهد الذي لم يشاهداه من قبل!

ولما انتهت جلسة النقاش بإعلان أفراد الوفد الثلاثة إسلامهم، سأل الدكتور زهير رئيس الوفد الألماني مستغرباً: "هل أنت تفهم اللغة العربية؟" فأجاب بالنفي، فقال له: "فكيف كنت تفهم إجابات الشيخ من غير ترجمة؟" فأجاب: "إنَّ لغة الأرواح لا تحتاج إلى ترجمان!" وبعد أربع سنوات زار هذا الوفد الشيخ رمضان مجدداً، وقد حسن إسلامهم.

 

 

11- تأثير الرابطة:

ونختم هذا الفصل بقصة لطيفة رواها لنا أمين الكاتب (أبو محمود)، وهو أستاذ الفيزياء، ويعدُّ من أوائل المريدين الذين الْتزموا مع الشيخ رمضان. ففي فترة الأربعينيات تقدَّم الأستاذ أمين إلى دار المعلمين ليعمل مدرساً، فصدر تعيينه في دير الزور، مما اضطره للسفر إلى هناك لمتابعة عمله. وهناك بحث الأستاذ أمين عن سكن مناسب له، وكان عازباً، فلم يجد سوى غرفة في بيت لامرأة عجوز غير مسلمة، فسكن معها. وبعد فترة وجد الأستاذ أمين نفسه غير مرتاح في هذا السكن مع هذه المرأة العجوز، وحدثت معه بعض المشاكل التي لم يستطع أن يحلها، ولم يكن هنالك طريقة للاتصال بالشيخ رمضان سوى عن طريق الرسائل التي تستغرق أياماً وأسابيع حتى تصل، ولم يكن استخدام الهاتف متوفراً في ذلك الظرف.

فكتب الأستاذ أمين رسالة لفضيلة الشيخ رمضان شرح فيها ظروفه ومشكلاته ويطلب منه فيها أن يدعو الله له أن يحفظه في غربته. ولكن الشيخ رمضان قد استشعر بما يعانيه أمين في هذه المدينة النائية، فكتب له رسالة يطمئنه فيها أنه غير غافل عنه ويجيبه على مشكلاته، وقد استعان لذلك بالدكتور زهير سراقبي حيث إنه لم يكن يجيد الكتابة بعد، فكتب له تلك الرسالة وأرسلها إلى دير الزور قبل أن تصل رسالة أمين بعدة أيام، بل ربما وصلت في نفس الوقت الذي وصله فيها الرد من شيخه وهو يقول له فيها: "لا تخف فنحن ندعو لك ولن ننساك!"، وهو لا يزال يحتفظ بهذه الرسالة حتى الآن.

ولقد رأينا من شيخنا فضيلة الشيخ رمضان، حفظه الله ورضي عنه وأرضاه، الكثير من الرعاية والعناية بمريديه المنتشرين في شتى أنحاء العالم، رغم بعد المسافات وصعوبة التواصل، فتشعر وكأنه يعيش مع كلِّ واحدٍ منهم ويشاركه همومه ويرعاه أكثر مما يرعى الأب أبناءه. ولقد روى لنا بعض الأخوة من إيطالية ومن فرنسة ومن أمريكة العديد من القصص التي تشبه ما حدث مع الأستاذ أمين الكاتب، ولكن لا يسعنا ذكرها هنا خشية الإطالة.

 ================

[111] وذلك إشارة إلى الحديث حيث يقول سيِّدنا رسولُ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "سَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَاغْدُوا وَرُوحُوا وَشَيْءٌ مِنْ الدُّلْجَةِ، وَالْقَصْدَ الْقَصْدَ تَبْلُغُوا"، صحيح البخاري، 5982، وفي رواية لمسلم: "... وَاعْلَمُوا أَنَّ أَحَبَّ الْعَمَلِ إِلَى الله أَدْوَمُهُ وَإِنْ قَلَّ"، صحيح مسلم، 5043. ومن هنا نجد أن الشيخ رمضان لم يتوقف عن دروسه الأسبوعية منذ عشرات السنين حتى في أصعب الظروف كحظر التجول في بعض الأحيان، وكذلك لم يستنكف أبداً عن حضور دروس شيخه، حتى أثناء غيابه! كما سنرى ذلك بعد قليل.

[112] هذه القصيدة من نظم مؤلّف الكتاب، وهي من البحر الرجز.

[113] أخرج البخاري في المناقب (3493، 3496) ومسلم في الفضائل، وأحمد في المسند عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سئل عن أكرم الناس فقال: "أَتْقَاهُمْ للهِ" قالوا: لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ، قال: "فَأَكْرَمُ النَّاسِ يُوسُفُ نَبِيُّ اللهِ ابْنُ نَبِيِّ اللهِ ابْنِ نَبِيِّ اللهِ ابْنِ خَلِيلِ اللهِ"، قالوا: لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ، قال:"فَعَنْ مَعَادِنِ الْعَرَبِ تَسْأَلُونِي؛ النَّاسُ مَعَادِنُ خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الإِسْلامِ إِذَا فَقُهُوا".

[114] توفي الشيخ نصوح في السابع من تشرين أول سنة 2009م، وذلك بعد أن أتحفنا بهذا الحديث ببضعة شهور، رحمه الله ورضي عنه وأرضاه.

[115] أي راجلين، وذلك من قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا ... [239]﴾.

[116] تقع نزلة أو حارة أو جادة "جوزة الحدباء" في حي "ساروجا" وسميت بهذا الاسم لوجود شجرة جوز مائلة بشكل يشبه الشخص الأحدب، وقيل بسبب أن الأرض محدبة في رأس الحارة الواقعة غرب جسر الثورة بنحو مئة متر مقابل مجمع يلبغا، وتضم العديد من البيوت العربية والقصور، وقد سكن في هذا الحي الكثير من أعيان دمشق كخالد العظم ومحمد العابد أول رئيس للجمهورية السورية أيام الانتداب الفرنسي، وكان في بداية القرن كحي المالكي في أيامنا هذه. ويعود بناء هذا الحي إلى العصر المملوكي حيث قام الأمير صاروجا ببناء صفين متقابلين من الدكاكين، فسمي الشارع بسوق صاروجا، ثم ازدهر بالمدرسة الشامية البرانية التي أنشأتها ست الشام أخت الناصر صلاح الدين، ولكنَّه تعرض للهدم أثناء احتلال تيمور لنك لدمشق.

[117] صدرت هذه المجلة من لندن سنة 1402هـ/1981م، وقد توقفت بعد حوالي أربعين عدد.

[118] وهو التهليل: "لا إله إلا الله"؛ نفي الألوهية عن غير الله سبحانه وتعالى، وإثباتها له وحده عزَّ وجلَّ.

[119] وهو الذكر بالاسم المفرد: "الله"، انظر في الملحق الأول للمزيد حول كيفية الذكر في الطريقة النقشبندية.

[120] أي في حركتين بسيطتين، وقد ورد عن علي ابن أبي طالب، كرّم الله وجهه، قوله: سَلُوني قبل أن تَفقِدُوني، فَلأنا بِطُرق السماء أعلَمُ منّي بِطُرقِ الأرض.

[121] هذه القصيدة من نظم مؤلّف الكتاب، وهي من مجزوء الوافر.

[122] وكان أحد المريدين المقربين من سماحة الشيخ أحمد، قدَّس الله سرُّه، وهو أيضاً من تلاميذ والده الشيخ محمد أمين كفتارو قدَّس الله سرَّه، وكان لا يصبر عن حضور مجالسه، حتى إنه خرج مرة لحضور مجلسه رغم وجود حظر التجول ولما قبض عليه الدرك سألوه عن سبب خروجه فقال: "والله ما أخرجني إلا الجوع!" فتركوه، ولم يعلموا أنه كان جائعاً لرؤية شيخه وسماع حديثه.

[123] رواه وكيع في الزهد (2/635) وهناد رقم (851) وأبو نعيم في الحلية (1/253) وإسناده لا بأس به، ويشهد له حديث الزهري الذي أخرجه أبو نعيم في الحلية (2/196)، وما رواه أحمد (5/363) والبيهقي (5/335).

[124] أخرجه البخاري (3683) ومسلم في كتاب الفضائل (حديث رقم: 2396، ج8، ص175). وللمزيد عن أساليب الشيطان راجع كتاب سلوك القلب، ص152-167.

[125] هذه القصيدة من نظم مؤلّف الكتاب، وهي من البحر الوافر.

[126] وكانت الليرة تعادل سبعة غرامات من الذهب.

[127] الحديث ذكره ابن حجر في المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية، 1/499 رقم (1434).

 

System.String[]

The Meccan Revelations Website:


The Sun from the West:


The Single Monad: