إيجازُ البَيَانِ - المقدمة - حياةٌ لا موتَ فيها وموتٌ لا حياةَ فيه

إيجازُ البَيَانِ - المحتويات

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

المقدمة

 

حياةٌ لا موتَ فيها وموتٌ لا حياةَ فيه[4]

 

 

 

طَلَبَ الوِصَالَ بِرَبِّهِ السِّـرُّ[5]

***

وَطَرِيقُهُ: اَلْفَقْرُ وَالذِّكْرُ

وَأَتَى بِقَلْبٍ لَيْسَ فِيهِ غَيْرُهُ

***

وَبِهِمَّةٍ يَحْنُو لَهَا الصَّخْرُ

فَقَـضَى حَيَاتَهُ مُخْلِصاً في حُبِّهِ

***

وَلأَجْلِ ذٰلِكَ يَرْخَصُ الْعُمْرُ

حَتَّى تَفَانَتْ نَفْسُهُ، وَتَنَفَّسَتْ

***

بِهِ رُوحُهُ، وَانْـشَرَحَ الصَّدْرُ

فَحَبَاهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ مَعَارِف

***

لا يَسْتَطِيعُ لِوَسْعِهَا الْبَحْرُ[6]

 

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على سيِّدِ الأوَّلين والآخِرين، وشفيعِ المذنبين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

 

ذهبتُ مرَّةً إلى البحر، ووقفتُ أمام الشاطئ، فرأيتُ الناس يلعبون حوله ويجمعون الأصداف الغريبةَ التي نحتها بعناية فائقة عبر عشرات السنين، وألقاها على جوانبه وكأنَّهُ يدعو الناس إليه ليُخبرهم عن الكنوز العظيمة والأسرار الغريبة التي أودعها الله عزَّ وجلَّ في أغوار أعماقه البعيدة. وهؤلاء الناس الذين يجتمعون حول البحر يختلفون في غاياتهم ومقاصدهم؛ فمنهم من يأتي لقضاء بعض الوقت، أو للاستمتاع بالنسيم الرطب ومراقبة الأمواج والاسترخاء على الشواطئ، ومنهم من يأتي للتأمُّل في عظمة هذا البحر وسَعته والتفكُّر في مخلوقاته الغريبة التي تتجلَّى فيها القدرة العظيمة للخالق عزَّ وجلَّ الذي أبدع السموات والأرض، ومنهم من يحبُّ البحر لذاته فلا تستريح روحه إلا بالقرب منه حيث تسرح في آفاقه التي لا تتناهى وأحواله التي لا تنقضي. وفي النهاية كلُّ واحدٍ من هؤلاء الناس يصل إلى هدفه ويقضي حاجته من هذا البحر، الذي يستوعبهم جميعاً على اختلاف طبقاتهم، ويقضي جميع حوائجهم على اختلاف مقاصدهم ومآربهم.

 

وعندما يقف المرء أمام البحر لا بدّ أن يشعر بالعجز والحيرة؛ فهو يريد أن يُبحرَ في آفاقه ويستكشفَ أغواره وأعماقه، ولكنَّه لا يدري كيف يبدأ ومن أين يبدأ، ولا يعلم فيما إذا كان قادراً حقاً على الخوض في غماره ومجابهة أمواجه ومواجهة أهواله، بل لا سبيل له غير الاستسلام والانقياد. غير أنّ الإنسان في مثل هذا الموقف لا يمكن أن يقاوم رغبته الجامحة كي يبحرَ، ولو بخياله، ويسرحَ متفكراً في عظمة هذا المشهد الخلاب الذي تصنعه حركة الأمواج الممتدة إلى الآفاق الشاسعة، والتي تتداخل لترسم -بلونٍ واحدٍ- لوحةً بديعةً، بل لوحاتٍ كثيرة أبدية تتغير مع الأنفاس، لتعكس من خلال صفائها المخضَّب بالظلال سعة القدرة الإلهيّة الخلاقة الكامنة في باطن هذا البحر الذي خلق الله عزَّ وجلَّ فيه عوالم لا تتناهى من النباتات والحيوانات ذات الألوان والأشكال الغريبة التي تسحر الإنسان ويعجز عن وصفها البيان. وأمام مثل هذه اللوحة الجميلة، التي تدهش الروح وتستغرق القلب ويتألق معها الإحساس والشعور، ينسى المرء همومه ويشعر بالراحة والأمان، ولذلك يلجأ الناس عادةً إلى البحر ويقصدونه عند المهمَّات أو لمجرد الاستئناس بحديثه الذي يتخطى الآذان ويستقرُّ عند شغاف الجِنان. وأجمل ما في الأمر أنّ البحر صديق كلِّ الناس على اختلاف طبقاتهم وأعمارهم ولغاتهم وأديانهم وثقافاتهم وهيئاتهم ومواردهم ومقاصدهم، فهو يجمع بينهم جميعاً ولا يميِّز بين الفقير والغني ولا بين القوي والضعيف ولا بين الصغير والكبير ولا بين العامّة والأمير، بل كلُّهم يقصدونه وكلُّ واحد منهم يجد عنده حاجته، وهو لا يردُّهم أبداً بل يُنصت إليهم جميعاً ويَسمع حديثهم ويحاورهم ويحلُّ مشكلاتهم من غير أن يفشي سرَّهم لأحد، فما أعظم وما أحلم وما أكرم هذا البحر!

 

وبينما كان الناس يستمتعون بدفء الرمال ونعومتها، شدّني صوت الموج المتلاطم، وسرحت في رحابه، ونظرت نحو الأفق البعيد، حتى ملأ اللون الأزرقُ عينيَّ وأحاطني من كلِّ الجهات، ولم أعد أميّز بين السماء والبحر الذي بدا وكأنّه قد اتَّصل بها كما أحاطت به ومنحته لونها الأزرق الجميل. ثمّ رجعتُ إلى نفسي وأردت أن أبسط يدي لأغرف غرفة من الماء، ولكنني خفت أن يتلوَّث هذا البحر بحبَّات الرمال الصفراء التي علقت بيدي، وخفت أن يختلط لونها بلونه فيضطرب ويفقد بعض هذا الصفاء المتناغم مع زرقة السماء الأبدية. ولكنني نظرت فرأيت الناس يخوضون في البحر ويترامون على شواطئه الواسعة وهو يستوعبهم جميعاً ولا يعبأ بهم ولا يزعجه شغبهم وصراخهم، بل إنّه يبدو في غاية السرور والسعادة وهو يمدُّ موجه الدافئ في كلِّ ليلة ليكنس الشواطئ من جديد، ويزيِّنها ويرتِّبها لضيوفه الذين سيقصدونه في اليوم التالي؛ فالماء إذا بلغ قُلَّتين لا ينجس،[7] فما بالك بهذا البحر الذي ينحت الصخر ويحمل الجبال ويحيط بالأرض، بل هو الذي يزيل الدرن ويغسل الدنس.

 

من أجل ذلك قرَّرت أن أتجرّأ على الكتابة عن هذا البحر المحيط، وأنا أعرف أن أيَّ وصف، مهما علا، سيقصر عن بلوغ الحقيقة ويُنقص من قدر الموصوف، ولكنَّ الخوض في التعريف بأهل الله عزَّ وجلَّ خيرٌ لنا من الوقوف!

 

فبهذا العجز المطبق والتردد المقلق نقف الآن أمام فضيلة الشيخ رمضان، وهو بحرٌ جامعٌ يدعو العقول للإبحار في آفاقه، ولكنّ الخيال يعجز عن الغوص في أعماقه؛ فأنا أريد أن أعرّف الناس به ولكنني أُدرك أنّ وصفي له لا يمكن أن يحيط ببعض صفاته، وكلامي لا شكّ يقصُر عن الوصول إلى أوّل درجة من عُلوِّ درجات همّته، بل أخشى أنني قد أسيئ التعبير وأنا لا أملك العبارة، أو أخطئ الهدف لدى استخدام الإشارة. فالشيخ رمضان صبحي ديب الدمشقي قد جمع بين شرف المقام الرفيع وغاية البساطة والتواضع، حتى إنّ الكثير من الناس حوله ربما لا ينتبهون لكريم مروره، وهو عند الأشراف بدرٌ لامعٌ ونورٌ ساطعٌ، تُشترى لَفتُته بالغالي والنفيس، وسرُّه محاطٌ دائماً بالتعظيم والتقديس.

 

وكما قال سيدي الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي رضي الله عنه:[8] إِنَّما يَعْرِفُ الشَّرِيفَ الشَّرِيفُ،[9] فلقد أكرمني الله مرَّة بلقاء أحد العلماء من تركية وهو فضيلة الشيخ محمَّد فاضل الجيلاني الحسيني،[10] وذلك بُعيد لقائه الأوَّل بفضيلة الشيخ رمضان، فسألته عن هذا اللقاء فأجابني بكلامٍ جميلٍ يُثلج الصدر وينمُّ عن صفاء ذوقه وقوّة بصيرته، فقال: «العالم العلاَّمة فضيلة الشيخ رمضان ديب، عالمٌ ربَّاني، ومدرسةٌ جامعةٌ كاملةٌ، لا يوجد له مثيلٌ في دمشق، ولا في بلاد الشام، بل ولا في العالَم بأسره، وقد اِلْتَقيت بكبار العلماء في دمشق وفي باقي البلدان الإسلامية وأعتقد أنَّ الشيخ رمضان هو الوحيد الذي حاز على هذه المرتبة الرفيعة في جميع العلوم الإسلامية بما فيها علوم التزكية والتربية... وأسأل الله عزَّ وجلَّ له بطول العمر ودوام الصحَّة والعافية حتى يستفيد المسلمون من علمه وبركته.»

 

فكيف لي -والأمر هكذا- أن أتجرّأ بالمغامرة، ولكنّ الهدفَ العظيم يغري بالمبادرة، ونُبلَ الغاية يدعوني إلى المثابرة، وليس لي سبيلٌ إلى هدفي وغايتي سوى حسنِ النيَّة والقصد، راجياً من حضرة المولى عزَّ وجلَّ أن يطوي على عبده الفقير هذا البعد.

 

عندما الْتَقيته لأوَّل مرَّة توالت عليَّ المفاجآت تترى؛ فعندما دخلت غرفة الضيوف في بيته الذي في جامع أبو النور، حيث يستقبل طلابَ العلم والحفّاظ والسائلين وأصحابَ الحوائج وغيرهم من عامَّة الناس الذين يقصدونه في كلِّ يوم بالعشرات، فعندما دخلت ساورتني بعض الشكوك، بل ظننت لدرجة اليقين أنني في ورشة مهندس إلكترونيات، ثم قلت: لا بل إنَّه مهندسٌ كهربائي، ثم رأيت أنواعاً أخرى مختلفة من العُدد تملأ زوايا الغرفة الصغيرة التي امتلأت جدرانها أيضاً بالرفوف التي تضم أصنافاً كثيرة من كتب الفقه والتفسير والحديث، وكذلك بعض كتب الطب بتخصصاته المختلفة، وحتى بعض النسخ القديمة من الإنجيل، بالإضافة إلى كتب أخرى بلغات أجنبية. وزادت دهشتي حينما قيل لي إنه هو الذي يمارس جميع هذه الأعمال ويقرأ في جميع هذه الكتب والمراجع!

 

وبعد أن استعدْت بعض أنفاسي من شدَّة الدهشة دخل علينا شيخٌ مَهيبٌ في التسعين من العمر، ذو لحية بيضاءَ طويلة ويضع على رأسه طاقية بيضاءَ ويلبس قميصاً أبيض على مثال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، خفيفاً على الجسم، وسروالاً طويلاً تسهل فيه الحركة[11] فلما دخل سلَّم علينا، وقمنا وسلمنا عليه ثم طلب منا الجلوس وجلس هو على طاولة بلاستيكية صغيرة أمامنا في حين أجلسنا على الأريكة المريحة، فِعلَ الكِرامِ النبلاء، ليزيل عن ضيوفه الحرج ويتنَزَّل لمستوى الجلساء، بتواضع أريحي وبساطة طبيعية، وذلك من وراثة أخلاق الأنبياء.[12]

 

ولكنَّ هذه الأمور الشكلية لم تكن سوى المقدمة، في حين إنَّ دهشتي الكبيرة تضاءلت بسرعة بعد الدقائق الأولى من الحديث معه، لتبدأ بعدها دهشة أكبر ومفاجأة أعظم؛ فبعد أن رحَّب بنا وبادلني بعض الحديث، أطرق قليلاً ثم بدأ يكلمني وكأنه يعرفني، بل بدا وكأنه حقاً يعرفني أكثر مما أعرف نفسي؛ وبحكمة بديعة ومهارة بارعة استطاع أن يشخِّص عِللي وأمراضي ويشرحها لي من غير أن يُشعر أحداً من الحاضرين أنه يتكلم عني شخصياً!

 

لقد أحسست بلا ريب ولا أدنى شكٍّ أنني كتابٌ مفتوحٌ أمامه، وأدركت بشكلٍ عمليٍ ملموسٍ معنى الخبر الذي يقول: "اتقوا فِراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله"،[13] وقد ورد كذلك في الحديث القدسي أن العبد لا يزال يتقرّب إلى الله عزَّ وجلَّ بالنوافل حتى يحبَّه، فإذا أحبَّه الله عزَّ وجلَّ كان سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به،[14] فليس فقط لباسه أبيض ولحيته بيضاء، ولكن قلبه أيضاً مرآة بيضاء مجلوة ينعكس فيها نور الله عزَّ وجلَّ فيسمعَ به ويبصرَ به، ويقول النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أيضاً: "المؤمن مرآة المؤمن"،[15] والمؤمن اسمٌ من أسماء الله الحسنى؛ فإذا كان العبد المؤمن مرآةً للمؤمن فقد نال سعادة الأبد وتحررت روحه من قيود النفس وحدود الجسد!

 

وبعد ذلك، أدركت بعد فترة قصيرة أنَّ فضيلة الشيخ رمضان لم يكتفِ بتشخيص العلل والأمراض، بل شرع بالمداواة وإنما بطريقة بديعة تستعصي عن الوصف، فمنذ ذلك اللقاء الأول بدأ بتركيب الدواء بحكمة بالغة وصبر جميل وتؤدة حتى هيَّأه لي وهيَّأني لتناوله. ولم يكن ذلك الدواء شراباً ولا حبوباً ولا مساحيق ولكنَّه انسجامٌ روحاني لطيف تنفعل له النفوس وتنشرح له الصدور؛ فمع أنه لا يأمر ولا ينهى، ولكنَّ جميع أحوالي انتظمت بمجرَّد صحبته وحضور مجالسه ودروسه، فهو يؤثِّر على جُلسائه بحاله قبل مقاله، ولقد قال لنا مرة: "من لا ينفعُك حاله لا ينفعُك مقاله، ومن لم ينفعْك لحظه لم ينفعْك لفظه". فهذا هو الشيخ المربي الذي لولاه ما عرفت ربي!

 

ثم أدركت كذلك أنَّ هذا الحال هو أيضاً شأن جميع المريدين المخلصين الذين أكرمهم الله عزَّ وجلَّ بمعرفته وصحبته، فلم أرَ عالماً حكيماً مثله، يجيب على تساؤلات الحاضرين قبل أن يسألوا، ويعطيهم أجوبة عملية قابلة للتطبيق، تشفي الصدور وتداوي علل النفوس. لم يصاحبه أحد إلا تغير حاله إلى الأفضل سواء على المستوى الديني أو على المستوى الدنيوي، وسواء على المستوى النفسي أو على المستوى المادي. وهٰهنا يكمن الفرق الفارق بين أهل العلم الإلهي وأهل العلم الطبيعي، فأصحاب العلم الطبيعي، بما في ذلك الفقهاء وجميع علماء الدين، الذين حصّلوا علومهم من الدراسة والكتب، ربما يستطيعون الإجابة عن أيِّ سؤال في مجال تخصُّصهم، إذا أحسن السائل صياغة السؤال لهم، وتوصيل مراده من صيغته، وهذا أمر نادر. ولذلك نجد بعضهم يسرد ما يحفظه من غير وعيٍ لحقيقة السؤال وفيما إذا كان السائل سينتفع بهذا الجواب أم لا. وأما أهل العلم الإلهي فقد ورثوا علومهم من الحبيب المصطفى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذي لا ينطق عن الهوى، بل يدعو إلى الله على بصيرة، كما قال الله عزَّ وجلَّ في سورة يوسف: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [108]﴾، ولقد قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كذلك: العلماء ورثة الأنبياء،[16]‏ فهؤلاء العلماء العارفون الوارثون الذين سلكوا على نهج رسول الله سيِّدنا محمَّد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هم أهل العلم الإلهي الذي يتجلى به الله عزَّ وجلَّ على قلوبهم التي تحلَّت بالذكر والمراقبة بعد أن تخلَّت عن الدنيا وشهواتها حتى أصبحت مرآةً بيضاءَ مجلوةً ينعكس فيها هذا النور الإلهي الذي يبصرون به، فتراهم يُرشدون السائل لأقصر السبل وأنجحها، وهو لا يحتاج معهم لتفصيل السؤال، بل قد يجيبونه لمجرد أو حتى قبل أن يخطر السؤال بباله، وهذا أمر يدركه بوضوح جميع الذين أكرمهم الله عزَّ وجلَّ بمعرفة الشيخ رمضان وصحبته.

 

ومنذ ذلك اللقاء الأول وأنا لا زلت أكتشف في كلِّ يوم أن مقامه رضي الله عنه فوق ما تخيلت بما لا يمكن أن أتخيل، بل فوق كلِّ مقام يمكن أن نطالعه أو نقرأ عنه في كتب الصوفية؛ فهل هو من الأبدال أو من الأوتاد، أم هل هو القطب أم إنه من الأفراد![17]

 

هُوَ في النَّاسِ لا يَعْلُو عَلَيْهِمْ

***

وَيَرَاهُ العَارِفُونَ بِالله قُطْبا[18]

 

فهو لا يُظهر حاله أبداً في معاملاته وأحاديثه المختلفة، ولا يصف نفسه سوى بالعبودية لله عزَّ وجلَّ وأنه مفتقر إلى حضرة المولى سبحانه وتعالى في كلِّ لمحة وفي كلِّ حين، ولا يملك من أمره شيئاً بل الأمر كلُّه لله ربِّ العالمين. وهو كثيراً ما يذكر أنّ كُتَّاب السيَر كثيراً ما يخطئون حينما يُغفلون الصفات البشرية للأعلام الذين يكتبون عنهم فيُظهرون فقط صفاتهم الملائكية وأخلاقهم الرفيعة، حتى يظنَّ القرَّاء أنَّ هؤلاء قد اندثروا ولن يجود الزمان بمثلهم أبداً، في حين أنَّ أهل الله عزَّ وجلَّ موجودون بيننا في كلِّ زمان، ولكنَّ الناس يزهدون بهم وقد لا يعرفونهم إلا بعد فوات الأوان. ولذلك قالوا: "أزهد الناس بالعالم أهله"،[19] وذلك لأنهم كثيراً ما يغفلون عن مقامه الرفيع بسبب تواضعه وتنَزُّله لمستواهم وتعامله معهم بطريقة بسيطة لا يرون فيها تميُّزه عليهم بل ربما ترى نفوسهم، الجاهلة، المتعالية بطبعها، تميُّزَها عليه فيعتقدون أنهم أعلم منه وأكثر حكمة في تسيير الأمور وذلك لأنهم لا ينظرون إلا إلى مصالحهم المباشرة الآنية. ويقول سيدي الشيخ رمضان: "العاقل من عرف العارف في حياته، والجاهل من عرف العارف بعد موته!"

 

وإنّ مما يميّز فضيلة الشيخ رمضان بين العلماء والشيوخ أنه لا يحاول أبداً أن يُظهر تنَزُّهه عن الصفات البشرية المعتادة، فقد يغضب بسرعة -وخاصَّة عندما يرى خطأً أو تقصيراً في أداء واجب- ولكنَّه كذلك يرضى بسرعة لدى تقديم الأعذار. وهو يعامل جميع الناس الذين حوله بتواضعٍ فطري ولغة أقرب إلى لغتهم العامية في عباراتها وصياغتها وكلماتها، وبأسلوبٍ بسيطٍ لا يخلو من الدعابة والمزاح، على الرغم من أنه يحاول استثمار جميع المواقف للتذكير بحضرة الله عزَّ وجلَّ والدعوة إلى صراطه المستقيم.

 

من أجل ذلك لا أعتقد أننا سنستطيع أبداً معرفة حقيقة مقام الشيخ رمضان بين الأولياء والعارفين، وقد نُقل لنا عن سماحة الشيخ أحمد كفتارو، قُدِّس سرُّه، أنَّه قال أنَّ الناس لن يعرفوا الشيخ رمضان إلا بعد وفاته بخمسين سنة.

 

أَنَّى وَكَيْفَ لَنَا بِوَصْفِ مَقَامِهِ

***

وَبِهِ الثُّرَيَّا في عُلاَهَا تَهْتَدِي

فَمَقَامُهُ العُمَرِيُّ يَسْمُو عَالِي

***

وَتَرَاهُ بَيْنَ النَّاسِ أَزْهَدَ زَاهِدِ

مَنْ كَانَ هذَا وَصْفُهُ فَهُوَ الَّذِي

***

قَدْ نَالَ مِنْ إِرْثِ النَّبِيِّ مُحَمَّدِ[20]

 

لكنَّ الدراسة المنصفة والمتمعِّنة لسيرته وأخلاقه الرفيعة تُظهر تشابهاً عميقاً بينه وبين أمير المؤمنين سيِّدنا الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه، حتى يمكننا أن نقول غير مبالغين إنَّ فضيلة الشيخ رمضان هو عمر هذا الزمان. فإنَّ لكلِّ زمانٍ رجالاً من أهل المقامات والمراتب العالية، فمقامات الرُّسل والأنبياء والصحابة والأولياء، وحتى الملائكة المقرَّبين، هي من الترتيب الإلهي الحكيم للخلق؛ لا يمكن أن تنقطع من العالَم، وهي ليست حكراً على عصرٍ أو مِصر، بل لا يخلو الزمان من وجود رجال (أو نساء، من الإنس أو من الجنِّ) يتَّصفون بها ويسلكون على مناهجها ويعرجون على معارجها قدماً بقدم، فيُقال إنَّ فلاناً على قدم، أو على قلب،[21] فلانٍ.

 

ومعنى "على قلب فلان" أي إنهم يتقلبون في المعارف الإلهية تقلّب ذلك الشخص، ويقول الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي رضي الله عنه أنَّ مِن رحمة الله بخلقه أنْ جعل على قدم كلِّ نبيٍّ وليّاً وارثاً له، واحداً على الأقلِّ، أو أكثر من واحد، فلا بدَّ أن يكون في كلِّ عصرٍ مائة ألفِ وليٍّ وأربعةٌ وعشرونَ ألفَ وليّ، على عدد الأنبياء ويزيدون ولا ينقصون. فإنْ زادوا قسم الله عِلم ذلك النبيِّ على من ورثه، فإنَّ العلوم المُنزلة على قلوب الأنبياء لا ترتفع من الدنيا وليس لها إلا قلوب الرجال، فتُقسم عليهم بحسب عددهم؛ فلا بدّ من أن يكون في الأمَّة من الأولياء على عدد الأنبياء وأكثر من ذلك.[22]

 

ولا يعني ذلك أنّ التابعين أفضل أو أنزل من السابقين، وإنما هي مقاماتٌ أنزلهم الله تبارك وتعالى بها وأحوالٌ يجريها الله عليهم، وقد يجتمعون في بعضها ويفترقون في بعضها الآخر، وقد يعلو أحدهم على الآخر من جهةٍ ما ويعلو عليه الآخر من جهةٍ أخرى، وجميع ذلك من المدد المحمَّدي والفضل الإلهي الذي يهبه الله عزَّ وجلَّ لمن يشاء من عباده المخلَصين.[23] فلما الْتقى الخضر u مع موسى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وحدث بينهما ما كان، كما ذكره الله عزَّ وجلَّ في سورة الكهف، ورد في الأثر أنَّ الخضر قال لموسى: يا موسى إني على علمٍ من علمِ الله علَّمَنيه لا تعلمه أنت، وأنت على علمٍ من علمِ الله علّمَكَه الله لا أعلمه أنا.[24] فلم يقل له إنه أعلم منه، بل كلُّ واحد منهما ميَّزهُ الله بنوع من العلم وخصَّهُ بمقامات أو أحوال خاصة. ويؤيد ما نقلناه قول النبيِّ سيِّدنا محمِّد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَثَلُ أُمَّتي كَمَثَل الغَيْثِ، لا يُدْرَى أَوَّلُهُ خَيْرٌ أَوْ آخِرُهُ».[25]

 

ويقول الله عزَّ وجلَّ في سورة الجمعة:

 

﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ [2] وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [3] ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [4]﴾.

 

فهؤلاء الذين لَمَّا يلحقوا بالأمِّيِّين الأوائل من صحابة سيدنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، هم العُلماء الربّانيّون والأولياء الصالحون، الذين ادّخرهم الله عزَّ وجلَّ إلى عصرنا هذا لهداية العباد إلى طريقه المستقيم، وهم لا ينقطعون إلى يوم الدين. ولقد نقل الإمام جلال الدين السيوطي في "الخبر الدال على وجود القطب والأوتاد والنجباء والأبدال"،[26] عشرات الأحاديث النبوية المرفوعة والموقوفة على الصحابة الكرام في هذا الخصوص، ونكتفي هنا بذكر حديث علي رضي الله عنه الذي رواه الإمام أحمد ابن حنبل في مسنده، قال: ذُكر أهلُ الشام عند عليٍّ بن أبي طالب رضي الله عنه وهو بالعراق، فقالوا اِلْعنهم يا أمير المؤمنين، قال: لا، سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: "الأبدال بالشام، وهم أربعون رجلاً كلَّما مات رجلٌ أبدل الله مكانه رجلاً، يسقي بهم الغيث وينتصر بهم على الأعداء، ويصرف عن أهل الشام بهم العذاب"،[27] ويضاف إلى ذلك ما سنذكره في الفصل الأول عن فضائل الشام وأهلها وعلمائها. فالفضل الإلهي على الخلق لا ينقطع أبداً، ولذلك جعل فيهم الأقطاب والأوتاد والأبدال والبُدلاء والنقباء والنجباء، وهؤلاء هم العلماء ورثة الأنبياء،[28] الذين لا يخلو منهم الزمان.

 

فالقطب هو خليفة سيِّدنا محمَّد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهو سيِّد أهل الله في زمانه، ومنهم من يكون ظاهر الحكم كالخلفاء الراشدين، ومنهم الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وبعضٌ من الخلفاء الذين تبعوهم، ومنهم من تكون له الخلافة الباطنة خاصة ولا حكم له في الظاهر كأحمد بن هارون الرشيد السبتي وكأبي يزيد البسطامي، وأكثر الأقطاب لا حكم لهم في الظاهر، كما يقول الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي رضي الله عنه. والأوتاد أربعة في كلِّ زمان لا يزيدون ولا ينقصون، والأبدال سبعة[29] أحدهم على قدم الخليل u، والثاني على قدم الكليم u، والثالث على قدم هارون، والرابع على قدم إدريس، والخامس على قدم يوسف، والسادس على قدم عيسى، والسابع على قدم آدم، على الكلِّ السلام، والنقباء اثنا عشر في كلّ زمان لا يزيدون ولا ينقصون، والنجباء ثمانية. وهناك أصناف أخرى من رجال الله كما فصَّل ذلك سيدنا الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي في الباب الثالث والسبعين من كتاب الفتوحات المكية لمن يريد المزيد.

 

ولقد تميَّز سيِّدنا عمرُ بن الخطاب رضي الله عنه بمزايا كثيرة؛ فقد كان مثالاً في الزهد والورع والتواضع والإحساس بالمسؤولية، وكان يخرج ليلاً ليتفقَّد أحوال المسلمين، وكان دائم المراقبة لله في نفسه وفي رعيته، وكان شديداً قوياً لا يخشى في الحقِّ لومة لائم. كما كان رضي الله عنه كثير العبادة، وهو الذي جمع الناس لصلاة التروايح في المسجد في شهر رمضان، فكان يصلي بهم عشرين ركعة.[30] ولا يزال الشيخ رمضان رضي الله عنه يحافظ على هذه السنَّة، فهو لا يزال منذ بداية حياته وحتى الآن يصلي التراويح عشرين ركعة مع الجماعة، وقد بلغ من العمر أكثر من تسعين سنة، أطال الله في عمره وبارك له في صحته.

 

وهذه الصفات الكريمة أورثت سيِّدنا عمر رضي الله عنه كرامات كثيرة أشهرها قصته مع سارية بن زنيم الذي كان مع جيشه على أبواب نهاوند يحاصرونها، فلما الْتف عليهم الأعداء وصعدوا الجبل ليُغيروا عليهم من الخلف، وكان عمر رضي الله عنه وقتها في المدينة يخطب بالناس، فقال في أثناء خطبته بأعلى صوته: "يا سارية الجبل!" فسمع سارية صوت عمر، من بُعد آلاف الأميال، فلجأوا إلى الجبل حتى كتب الله لهم النَّصر والسلامة.[31] وهكذا فقد رأى سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه جنوده على بُعد مئات الأميال، ووجَّههم بكلام صريح لم تحجبه المسافة، وذلك لشدة رابطته بهم وانشغاله بحالهم واهتمامه بسلامتهم ونجاح مهمتهم.

 

لكنَّ أكثر ما يخصُّ سيدنا الفاروق من بين الصحابة الكرام ومن تبعهم من المسلمين هو ما خرَّجه البخاري ومسلم وغيرهما من قول رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حقه: قَدْ كَانَ فِيمَنْ خَلا قَبْلَكُمْ مِنَ الأُمَمِ نَاسٌ مُحَدَّثُونَ، فَإِنْ يَكُنْ فِي أُمَّتِي مِنْهُمْ أَحَدٌ فَهُوَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ.[32] فهذا الحديث يدلُّ بوضوحٍ على أنَّ المحدَّثين، وإنْ كانوا قلّة، كانوا موجودين في الأمم السابقة، وفي أمَّةِ سيدنا محمَّد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. والمحدَّثُ مَن تُكلِّمه الملائكة أو يُلهَم ويُلقى في روعه علمٌ ومكاشفةٌ، وهي منزلةٌ رفيعة من منازل الأولياء، ومن هذه المنزلة شهادة النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعمر بقوله في الحديث الصحيح: "إنَّ اللهَ جَعَلَ الحَقَّ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ وَقَلْبِهِ".[33]

 

ويقول الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي إنَّ المحدَّثين صنفان: صنف يحدِّثه الحقُّ من خلف حجابٍ كما قال عزَّ وجلَّ في سورة الشورى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ [51]﴾، ولم يخصص الله عزَّ وجلَّ ذلك بالأنبياء بل عمَّ البشر، وهذا الصنف على طبقات كثيرة. والصنف الآخر تحدِّثهم الأرواح الملكية في قلوبهم وأحياناً على آذانهم وقد يُكتب لهم. ثم بيَّن الشيخ الأكبر رضي الله عنه أنَّ الصنف الثاني شيءٌ طبيعيٌّ يمكن الوصول إليه بالرياضات النفسية والمجاهدات البدنية (كاليوغا)، فلا ينحصر ذلك بالمسلمين أو الموحِّدين، لأنَّ النفوس إذا صفت من كدورتها أدركت عالم الأرواح بما فيه من علوم الملكوت والأسرار، ولكن إذا أضيف إلى ذلك الحديث مع الربِّ من الربِّ تعالى إليهم، كانوا من الصنف الأول، وهذا أمر خاص بالأولياء المقربين بما فيهم الرسل والأنبياء.[34]

 

فإذا ثبت أن هذا وُجد في الأمم السابقة، بنصِّ حديث رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فوجوده في هذه الأمة الفاضلة أولى وأحرى، ولقد نقل عبد الرؤوف المناوي عن ابن حجر العسقلاني قوله إنَّ هؤلاء المحدَّثين قد كثر وجودهم بعد العصر الأول، وحكمته زيادة شرف هذه الأمة بوجود أمثالهم فيها ومضاهاة بني إسرائيل في كثرة الأنبياء، فلما فات هذه الأمة المحمدية كثرة الأنبياء لكون نبيهم خاتم الأنبياء عُوِّضوا تكثير الملهَمين (أي المحدَّثين).[35]

 

ومن هنا فإنَّ تسمية الشيخ رمضان بـ"عمر هذا الزمان" أمرٌ طبيعي ليس فيه أيُّ تعدٍّ على مقام سيِّدنا الفاروق عمر بن الخطّاب رضي الله عنه، وإنما هي مراتب يوفق الله عزَّ وجلَّ بعض عباده لسلوك طريقها ويتفضل عليهم بها، وسوف نجد من خلال البحث في هذا الكتاب أنه قد نال هذه المرتبة العالية عن طريق المجاهدة الشاقة والأخلاق الرفيعة، إضافة لما وهبه الله عزَّ وجلَّ من شدة البنية وقوة الإرادة والعزيمة، ثم توَّج ذلك كلَّه دعاءُ شيخه له لينال هذا المقام الرفيع.

 

إنّ جميع المريدين الذين تربَّوا عنده والتلاميذ الذين درسوا تحت رعايته، والنصارى الذين هداهم الله به للإسلام، والفقراء الذين غمرهم بإحسانه، والمرضى الذين شفاهم الله عزَّ وجلَّ على يديه؛ كلُّ ذلك ليس سوى بِضع كلمات من آلاف الصفحات المضيئة في حياته التي تفيض بالجود والعطاء والكرم. ولقد ملأ أوقاته بالتدريس وتعليم القرآن الكريم، وسخَّر نفسه لخدمة الناس الذين يقصدونه من جميع المدن والبلدان، لأمورهم الصغيرة وشؤونهم الكبيرة ومشكلاتهم اليسيرة والعسيرة، فيجدون فيه الأب الحنون والأخ الناصح والعالِم الحكيم، سواء في أمور الدنيا أو في أمور الدين؛ فهو عالِمٌ في شتى العلوم الشرعية، وفي العلوم الطبية بتخصصاتها المختلفة، ومبدِعٌ في الكهرباء والإلكترونيات والبناء والميكانيك والزراعة، وحتى في فنون الطبخ والأطعمة، وهو لا يضيع لمحة من وقته إلا في عِلمٍ أو عَملٍ أو ذِكرٍ أو تذكيرٍ بالله عزَّ وجلَّ والدعوة إلى سبيله عن علم جامع وبصيرة نافذة.

 

أخذ فضيلة الشيخ رمضان على نفسه خدمة الناس وتفانى في ذلك إلى أبعد الحدود واستقام على ذلك لعشرات السنين من غير أن تفتر همَّته أو تتوانى عزيمته، ومن غير أن يطلب أيَّ أجرٍ أو جزاءٍ أو سمعةٍ، محتسباً ذلك واجباً دينياً سامياً وفرْضاً إلهياً لازماً، فتراه يسعى بكلِّ ما آتاه الله من قوَّةٍ ومالٍ وجاهٍ لخدمة الفقراء والمساكين والمحتاجين، وقد اعتاد منذ أكثر من سبعين سنة أن يمرَّ ليلاً في كلِّ يوم على بيوت إخوانه في أنحاء دمشق ويجمعهم ليذهبوا معاً إلى صلاة الفجر في جامع أبو النور ليحضروا درس الفجر لسماحة الشيخ أحمد كفتارو، قدَّس الله سرَّه، وكانوا يُصلُّون قيام الليل رجالا على الطريق أثناء تسلقهم سفح جبل قاسيون بين البساتين الوعرة مشياً على الأقدام قبل أن تُشقَّ الطرقات وقبل وجود وسائل المواصلات الحديثة، ولا يزال يرابط على ذلك حتى الآن غير أنه أصبح يستخدم السيارة التي يقودها بنفسه –وهو في التسعين من العمر- منطلقاً قبل الفجر بساعة من بيته في منطقة دُمَّرَ، التي تبعد عن دمشق بضع وعشرين كيلومترا، إلى الأحياء المختلفة في دمشق حتى يصل قبل صلاة الفجر إلى جامع أبو النور. ولقد أكرمني الله بشرف مرافقته في تلك المهمة اليومية عدة مرات فرأيته يحرص على توزيع السكاكر على أفراد الشرطة، الذين يرابطون في الليل على المفترقات، تقديراً لهم وعطفاً عليهم لرفع معنوياتهم، ويقول إنَّ هؤلاء المساكين يسهرون الليل ويرابطون الساعات الطوال من أجل سلامة الناس ولا أحد يشعر بمعاناتهم. وكذلك لفت انتباهي أن الشيخ رمضان يلتزم بشكل صارم بقوانين السير، فيضع حزام الأمان رغم عدم وجود مراقبين، ولا يتعدى الإشارات الضوئية حتى عندما تكون الطرقات خالية في جوف الليل، وقال لنا مرّة: إن احترام القوانين واجبٌ إسلامي، ومن لا يحترم القوانين لا يحترم الإسلام.

 

فَضْلُهُ ظَاهِرٌ بَيْنَ الْعِبَادِ

***

مِنْ دِمَشْقَ سَرَى إِلى كُلِّ الْبِلادِ

يَعْرِفُ الْقَاصِي فَضَائِلَه، كَمَ

***

يَعْرِفُ الدَّاني، بِمَا لَهُ مِنْ أَيَادِي

كَيْفَ لا يَعْرِفُونَ إِنْسَاناً لَدَيْهِ

***

خِدْمَةُ النَّاسِ فَرْضٌ كَالْجِهَادِ

يَخْدِمُ النَّاسَ لا يَرْجُو ثَنَاءً

***

إِنَّمَا زَادٌ إِلى يَوْمِ المَعَادِ[36]

 

إنَّ مَن أكرمهم الله عزَّ وجلَّ بمعرفة الشيخ رمضان ومعاشرته واختباره عن قربٍ، يدركون بلا شكٍّ ولا أدنى ريبٍ، أنّ مقامه الرفيع فوق إحاطة كلِّ خيال، وهمَّته العالية لا تُدركها الآمال، وعلى الرُّغم من بساطته وتواضعه في المأكل والملبس وحسن خُلُقه ولطفه في معاملة الخَلق، فإنّ له في النفوس هيبةً وجلالاً يملِّكه القلوب ويأسر له العيون، ويحمل الناس على حسن الإنصات لكلامه الموزون، ولا تملك الأرواح أمامه إلا أن تعشق حديثه الجادَّ الذي لا يخلو من المداعبة والمزاح، مع أنّه لا يقول غير الصدق، وحتى إن كان مازحاً، فهو لا يمكن أبداً أن يجانب الحق. وهو فوق كلِّ ذلك يتميّز بفِراسة حاذقة تغني جليسه عن تفصيل السؤال، وحكمةٍ بليغة يزن بها كلَّ مقال، بل كثيراً ما يجيب على خواطر القلوب، قبل السؤال، كأنه يعرفها قبل صاحبها، مع أنه يغض الطرف عن النقائص والعيوب، أو يشير إليها من بعيد إن كان يرجو لها الزوال.

 

وعلى الرُّغم من تقدُّمه في السنِّ فإنّه لا يزال يزاول كلَّ أعماله بيديه، ولا يختار الأسهل كسلاً وتهاوناً، بل يطلب الكمال جاهداً، مفضلاً التعب على الراحة والشغل على الفراغ، فلا تفوته شاردة ولا واردة، بل تراه يهتم لنفسه ولغيره ويحسب حساب كلِّ صغيرة وكبيرة مع وجود التوكل واليقين. ولا يتعمّد أبداً إظهار كراماته الجليَّة، بل الكرامة له سجيَّة، وهو يحاول جاهداً إظهار الفقر والعجز ملتزماً بآداب العبودية، ولكنّ كراماته كثرت وتعدَّدت وتواترت، وعلى الرُّغم من تمكنُّه في علم الباطن إلا أنه يعتمد على الظاهر، فهو رجلٌ متمسِّكٌ بالعقل والمنطق القويم، ولا يقول أو يقبل شيئاً إلا ما يتوافق مع التجربة والتحليل العلمي السليم.

 

لقد أثبتت سيرته العطرة عبر عشرات السنين، أنه رجلٌ فريدٌ يجمع بين المتناقضات التي يَزنها بأدقِّ الموازين، لتتناغم مشكِّلةً شخصيةً فريدةً كاملةً رصينة؛ فهو يجمع بين الحِلمِ والحَزم، والفضلِ والعدل، والقوَّةِ واللِّين، وهو رجلٌ شجاعٌ وحكيم، شهمٌ في جميع المواقف، من غير أيِّ تهور، حنونٌ ولكنَّه لا يميل مع العواطف، ثابتٌ عند الشدائد، يرأف بالصغير ويوقِّر الكبير، لا يهتم بالغنيِّ لغناه ولا يتكبَّر على الفقير، متسامحٌ في جميع الأمور، وهو يُؤثِر الناس على نفسه، ولا يتغافل عن حقوقهم بل يسامحهم بحقِّه، هيِّنٌ، ليِّنٌ، صادقٌ، مستقيم، مخلصٌ، جوادٌ، محسنٌ، كريم، كأنَّ أخلاقه سُبكت من الذهب الخالص، وكأنَّ شمائله عُصرت من المزن الصافي. وليس في شيءٍ من هذا الوصف أيَّة مبالغة ولا إطراء، بل الحقيقة أنَّ هذه الكلمات المتواضعة إنما تحدِّد عُلوَّ أخلاقه الكاملة وتُقيِّد سُموَّ صفاته الشاملة، وهو لا شكَّ يسمو عالياً فوق هذا الوصف، بما لا يمكن أن يستوفيه كتابٌ في مثل هذا الظرف:

 

شَرُفتْ بِمَحْضِ وُجُودِكَ الأَكْوَانُ

***

وَتَفَاخَرَتْ بِصِفَاتِكَ الأَزْمَانُ

وَتَرَادَفَتْ ظُلَلُ المَلاَئِكِ تَحْتَفِي

***

وَالطَّيْرُ قَدْ ضَاقَتْ بِهَا الأَغْصَانُ

تَأْتِي مَجَالِسَكُمْ وَمِنْهَا تَرْتَوِي

***

فَغِذَاؤُهَا اَلذِّكْرُ وَالْقُرْآنُ

وَبِذِكْرِكُمْ يَحْيَا الفُؤَادُ وَتَنْطَوِي

***

حُجُبُ النُّفُوسِ وَيَرْتَوِي الظَّمْآنُ

قَدْ كَانَ قَلْبِي يَوْمَ أَمْسٍ مُوحِش

***

وَالْيَوْمَ صَارَ أَنِيسَهُ الرَّحمٰنُ

فَالسَّعْدُ، كُلُّ السَّعْدِ، يَوْمَ لِقَائِكُمْ

***

وَفِرَاقُكُمْ عِنْدِي لَهُ أَشْجَانُ

بِوُجُودِكُمْ طَابَ الزَّمَانُ وَأَهْلُهُ

***

فَالدَّهْرُ عِنْدِي كُلُّهُ رَمَضَانُ[37]

 

فكيف وصل فضيلة الشيخ رمضان صبحي ديب الدمشقي النقشبندي إلى هذه المراتب الرفيعة العالية، في زمنٍ عزَّ فيه الرجال وكثر فيه المدَّعون؟

 

إنّ مكانة الرجال ومراتبهم عند الله عزَّ وجلَّ لا تتفاوت على حسب المال أو الجاه والنسَب، ولا على قدر الشدّة والقوّة والسند، بل تكون بالإيمان والتقوى وصدق اليقين، الذي يرفع صاحبه إلى أعلى عليِّين. فصاحب اليقين قلبُه مستغرقٌ بالحضور مع الله عزَّ وجلَّ مع توالي صدور الأنفاس، فلا يغفل عنه ولا يأنس إلا بذكره وبقربه من حضرة قدسه، ثم ينعكس ذلك على ظاهره ويتجلى بنور العلم وبركة العمل، حتى يملأ وقته بالطاعات ويشغل قلبه بالأذكار والنوافل والقربات، فيدخلَ مرتبة الإحسان ثمّ يرتقي فيها إلى غاية المحبة والقرب، بعد أن تفنى نفسه عن الألوان والأكوان، فيكونَ اللهُ عزَّ وجلَّ منتهى غايته وجزائه، حتى يصِلَ به إليه، ثم يعودَ مسربَلاً في نعمه وعطاياه وآلائه.

 

ولا يكون السبيل إلى محبة الله عزَّ وجلَّ إلا بدوام ذكره، اقتداءً بحبيبنا وقرَّة عيوننا رسول الله سيِّدنا محمَّد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذي اصطفاه الله عزَّ وجلَّ حبيباً وخاتماً للأنبياء والرسل، فما كان منه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلا أن ذاب في الله عزَّ وجلَّ ذكراً وعبادةً وحباً، فكانت آيات الذكر والقرآن الكريم صورة توضيحية لشخصيةالرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذي كان يذكر الله على كلِّ أحيانه،[38] ويقول الله عزَّ وجلَّ في سورة الأحزاب: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [21]﴾. ويقول عزَّ وجلَّ أيضاً بعد عدّة آيات من نفس السورة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا [41] وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا [42]﴾. وكذلك يقول الله عزَّ وجلَّ في سورة الأعراف: ﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلاَ تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ [205]﴾.

 

فذِكرُ الله عزَّ وجلَّ مفتاحُ الخير للسالكين ومعراجُ الوصول للمقرَّبين وغاية رجاء الأولياء والعارفين، وهو الوسيلة الناجعة لمغفرة الذنوب ومفتاح خزائن الغيوب، وفيه تكون راحة الأرواح والحياة الأبدية للقلوب؛ حيث يقول رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الحديث الصحيح: "مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِي لا يَذْكُرُ رَبَّهُ مَثَلُ الحَيِّ وَالمَيِّتِ".[39] فذاكر الله عزَّ وجلَّ هو الحيُّ، والغافل عن ذكر الله عزَّ وجلَّ هو الميِّت.

 

ولكنَّ حياة القلب لا تكون إلا بموت النفس؛ لأنّ القلب يحيى بذكر الله عزَّ وجلَّ والنفس تحيى بالشهوات والملذَّات الدنيوية، والدنيا والآخرة كالهواء والماء في كأس واحدة متى امتلأت من إحداهما فرغت من الآخر، وذِكر الله عزَّ وجلَّ إذا ملأ القلب واستولى عليه وتحكَّم فيه لم يترك فيه أثراً لغيره، ولكن ماذا يريد المرء بعد ذلك! فإذا كان القلب وعاءً لاسم الذات العليَّة، وهو الله عزَّ وجلَّ، الواحد الأحد، فلا بدَّ أن تتخلق الجوارح بصفاته وأسمائه الحسنى، التي لا يبلغها العدد، فيستحوذَ الإنسان على جميع الفضائل ومحاسن الخُلق، ويستغني بالله عزَّ وجلَّ عن الناس بل عن جميع الخَلق، بل يفتقر الخلق جميعهم إليه لما أودع الله عزَّ وجلَّ فيه من الأنوار والبركات والكرامات.

 

ولقد كانت بداية سيرة الشيخ رمضان الدينية بذكر الله عزَّ وجلَّ، عندما تعرَّف على سماحة الشيخ أحمد كفتارو النقشبندي، قدَّس الله سرَّه العزيز، وطلب منه سماحته أن يذكر الله: فيقول إنه بعد ثلاثة أيَّام من المداومة على ذكر الله عزَّ وجلَّ بدأ يشعر بلذَّة العبادة، حتى إنّه قرَّر أن يعيد جميع صَلاته السابقة؛ فكان يقضي في اليوم الواحد صلاة أسبوعٍ كامل إلى أن قضى ما كان قد صلاه حتى ذلك الوقت، مع أنه كان يصلي منذ أن كان عمره سبع سنوات.

 

ولتوضيح مرتبة الذكر وأهميته في الحياة العملية، نروي قصة طريفة ذكرها لنا الشيخ رمضان رضي الله عنه وذلك أنَّ شيخاً ذهب للنُزهة مع بعض مريديه فجلسوا بين البساتين وكان هناك جماعة يجلسون قربهم، وإذا بهم يشربون ويعصون الله عزَّ وجلَّ، فقال الشيخ لمن معه من المريدين: "من منكم يستطيع أن يحمل هؤلاء على ترك هذا المكان؟" فقام واحد وقال: "أنا!" فقال له الشيخ: "وماذا ستفعل معهم؟" قال: "أقاتلهم حتى يرحلوا!" فقال له الشيخ: "اجلس، فلا نريد هذا"، ثم قام الآخر فقال: "أنا سأكلمهم بلطف"، فقال له الشيخ: "اجلس"، ثم قام الآخر فقال: "أنا سأستعطفهم وأرجوهم كي يرحلوا"، فأجلسه الشيخ. ثم قام الرابع وقال: "أنا لن أكلمهم ولكن سأبتعد عنكم قليلاً حتى أخلو بنفسي مع حضرة الله عزَّ وجلَّ وأطلب منه أن يتصرف معهم!" فوافقه الشيخ على ذلك، فتنحى جانباً وجلس يذكر الله عزَّ وجلَّ حتى أخذته غفوة قصيرة. وخلال ذلك، بينما كان أفراد هذه الجماعة يتحدثون ويصرخون، نشب الخلاف بينهم فتقاتلوا ثم تفرقوا. وهكذا فإنَّ من يستغنِ بالله يغنِه الله عزَّ وجلَّ عن كلِّ شيء.

 

وكان الشيخ رمضان رضي الله عنه يلجأ دائماً إلى ذكر الله عزَّ وجلَّ عند المهمَّات التي تنتابه هو أو إخوانه في الدعوة، بل وتلك التي تنتاب البلاد عموما، فكان يقضي ساعات الليل في ذكر الله عزَّ وجلَّ متضرِّعاً إليه لرفع البلاء ودفع الشرور عنه وعن إخوانه، وعن أهل البلاد عامة حينما كانت المخاطر تحيط بها مثل الحروب التي حدثت في العراق وفي لبنان والتي كان من المتوقع انتشارُها وتوسُّعها. وكما ذكرنا أعلاه وسنرى بمزيدٍ من التفصيل في الفصل التالي، فقد وردت أحاديث كثيرة عن النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في فضل بلاد الشام وفضل أهلها وأنها أكثر البلاد أمناً لكثرة العلماء فيها ولوجود الأبدال الذين يرفع الله بهم العذاب عن الناس.

 

فبهذه البداية الموفقة بدأ الشيخ رمضان حياته ومسيرته الدينية المشرِّفة مع شيخه وإمامه وقدوته الشيخ أحمد كفتارو رضي الله عنه الذي آلت إليه خلافة الطريقة النقشبندية عن والده الشيخ محمد أمين كفتارو قُدِّس سرُّه. وكان لقاؤه بسماحة الشيخ أحمد كفتارو منعطفاً مهمًّا في حياته على جميع الأصعدة، وبخاصّة أنَّ ذلك قد حدث في وقت كان الناس في سورية عموماً يعانون من تبعات سنوات مظلمة تحت وطأة الاحتلال الفرنسي الذي أتى كذلك بعد عقود طويلة أيضاً من الانحطاط والتخلف الذي عانت منه بلاد الشام في ظل حكم الدولة العثمانية الضعيفة قبيل الحرب العالمية الأولى. فكان الإقطاع حاكماً على معظم البلاد والفقر والجهل مستشرياً بين العباد، ولم يكن بإمكان أغلب الناس أن يوفروا لأولادهم العيش الكريم، في المسكن والطعام، فضلاً عن الدراسة والتعليم.

 

ومن خلال هذه الصحبة الحسنة التي استمرَّت حوالي سبعة عقود في السرَّاء والضرَّاء، استطاع سماحته أن ينقل الشيخ رمضان من رجلٍ أمِّيٍّ إلى عالِمٍ جليل من بين أكابر علماء الشام يُشار إليه بالتبجيل والتعظيم والاحترام. ولكن العلم ليس إلا أحد الجوانب المضيئة في حياته، والحقيقة أنّه مبدعٌ ومتميِّزٌ في كلِّ شيءٍ حتى في دقائق حياته اليومية التي -رغم اختلاف الوسائل والظروف- تحاكي حياة الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، وهو لا يفتأ يحاول جاهداً بجميع ما أوتي من حكمةٍ ثاقبة وعلمٍ رفيعٍ وهمَّةٍ عاليةٍ أن يجعل من سيِّدنا محمّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قدوةً له وأسوةً حسنةً في جميع حركاته وسكناته. بل إنّ جميع ذلك ليس سوى بعض ما قد يظهر لنا وللناس المقرَّبين منه، في حين إنَّ النعمة الحقيقية والغنيمة الكبرى التي جناها فضيلته من صحبته لسماحة الشيخ أحمد كفتارو، رحمه الله ورضي عنه وقدَّس سرَّه العزيز، ومن تلقينه إيّاه الذِّكرَ، هي في الحقيقة نعمةٌ روحانية تجلَّت في نفسه وسرٌّ خفيٌّ أحيا قلبه بذكر الله عزَّ وجلَّ، وجميع ما يظهر عليه من بركات وكرامات كثيرة ليس سوى غيضٌ من فيضٍ يحاول جاهداً ستره وإخفاءه خوفاً من الفتنة. وكما يقول إبراهيم بن الأدهم: "والله إنَّا لفي لذَّة لو علمها الملوك وأبناء الملوك لجالدونا عليها بالسيوف".[40]

 

وقبل أن نختم هذه المقدمة لا بدّ أن نشير إلى أنّ هذا العمل الذي سُعدت بإعداده وجمعه يعود الفضل في توفير مواده ومراجعه، ومراجعة نصوصه وفصوله، إلى عدد من الأفاضل الكِرام الذين بذلوا جهداً كبيراً في تحقيقه وإخراجه، وأذكر منهم فضيلة الشيخ رجب ديب الذي أتحفنا بملاحظاته القيِّمة، وكذلك فضيلة الشيخ أحمد راجح، والشيخ محمد سميح دعدوش، والشيخ أحمد محنى، والأستاذ عدنان الدبسي، والأستاذ عبد الرحيم مارديني، بالإضافة إلى الشيخ عبد الله الجبَّان الذي قام بتسجيل عدد من اللقاءات مع بعض الأحباب الذين عاشوا مع فضيلة الشيخ رمضان وعاشروه عن قرب. ولابدَّ كذلك أن أتقدم بالشكر الجزيل للأستاذ أسعد برادعي الذي كان له الفضل في توفير العديد من المراجع والأحاديث الشفوية التي أغنت محتويات هذا الكتاب. والشكر أيضاً موصول إلى العديد من الأخوة والأخوات الذين شاركونا بالعديد من الروايات والشواهد ولم يتسنى لنا أن نذكرهم هنا، فنسأل الله عزَّ وجلَّ أن يجزيهم خير الجزاء.

 

فها نحن نقف الآن أمام هذا البحر المحيط الزاخر، ونريد أن نُبحر في آفاقه لنستكشف عوالمه وأسراره، ونغوص في أعماقه لنستخرج بعض درره وجواهره، وليس لنا مركبٌ غير التوكُّل على الله عزَّ وجلَّ، وما لنا شراعٌ سوى المحبة والشوق والرغبة في سلوك طريق أهل الله حتى نصل إلى حضرة قربه ونعيم أنسه، ونكون من عباده المخلصين. نسأل الله عزَّ وجلَّ أن يُبلِّغنا غاية الأمل ويسهِّل علينا طريق الفهم والعلم والعمل، وأن يوفِّقنا لحسن الاقتداء بشيخنا، بارك الله في عمره وصحته، للمضيِّ قُدُماً في سبيل الله عزَّ وجلَّ والثبات على صراطه المستقيم، بهدي رسوله حبيبنا وسيِّدنا محمّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والحمد لله رب العالمين.

 

محمد علي حاج يوسف

 

العين - الإمارات العربية المتحدة

 

في يوم الأربعاء، المتمم للسابع والعشرين من شهر رمضان سنة 1433 للهجرة

 

الموافق للخامس عشر من شهر آب سنة 2012 للميلاد.

 

=========

[4] أي إنّ الحياة بالله عزَّ وجلَّ، هي الحياة الحقيقية التي لا موت فيها، والحياة في البعد عنه هي في الحقيقة موت لا حياة فيه، انظر شرح هذه العبارة بالتفصيل في آخر المقدمة (ص 49-50).
[5] السرُّ موضعٌ في القلب كالقلب بالنسبة إلى النفس، فهو قلب القلب. وقيل إنَّ للسرِّ سرّاً يسمّى سِرُّ السرّ، وهكذا إلى سبع مراتب. راجع كتاب: سلوك القلب من الوجود إلى الفناء ثم البقاء (شرح تأويل الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي لسورة يوسف)، محمد علي حاج يوسف، دار فصِّلت – حلب، 1999م، ص65، وكذلك: الفتوحات المكية، دار الفكر-بيروت، د.ت. (وهي نسخة مصورة من طبعة القاهرة المشهورة ذات المجلدات الأربعة)، ج1ص117س8.
[6] هذه القصيدة من نظم مؤلّف الكتاب، وهي من البحر الكامل، أحَذٌّ مُضمرٌ.
[7] يقول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إذا بلغ الماء قلتين لم ينجس"، وفي رواية: "لم يحمل الخبث"، أخرجه الشافعي في مسنده 7، والدارمي في سننه (1/187)، وأبو داود (1/51)، وابن ماجه في كتاب الطهارة، والترمذي (1/97)، والنسائي (1/175)، وابن خزيمة في صحيحه (1/49)، والدارقطني في سننه (1/14) والطحاوي في شرح معاني الآثار (1/15).
[8] الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي هو أبو عبد الله محمدُ بن عليّ بن محمد بن أحمد بن عبد الله الحاتمي الطائي، وُلد سنة 560هـ/1165م وتوفي في دمشق سنة 638هـ/1240م، وهو غير العالم الجليل القاضي أبي بكر محمد بن عبد الله ابن العربي المعافري الإشبيلي المالكي والمشهور في الفقه والأصول والحديث، وفي بعض الأحيان يخطئ بعض الدارسين بين هذين العالمين الجليلين وينقلون أقوالاً أو كتباً لأحدهما باسم الآخر. ومن أجل ذلك بدأ أهل المشرق يفرّقون بينهما بحيث يسمّون الشيخ الأكبر بابن عربي (بدون التعريف) والقاضي أبا بكر بابن العربي (مع التعريف)، ولكن هذا الاصطلاح لم يعُمّم وهو غير مبرر لأنَّ الشيخ الأكبر يوقّع اسمه في كتبه بابن العربي، وكذلك يدعوه جميع تلامذته الأوائل. وللمزيد عن ذلك راجع كتاب شمس المغرب ص13.
[9] يقول الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي في الفتوحات المكية [ج1ص47س22]:
قَالَ لي حِينَ قُلْتُ لِمْ جَهَلِوهُ: ***  إِنَّما يَعْرِفُ الشَّـرِيفَ الشَّـرِيفُ
وذلك في حديثه عن سبب جهل أغلب الناس بسرِّ الحجر الأسود الذي قال عنه النبيُّ محمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنّه يمين الله في الأرض بها يصافح عباده [كنز العمال: حديث رقم 34729].
[10] الشيخ الفاضل محمد فاضل الجيلاني، شيخ جليل وعالم كبير من تركيا، وهو من آل البيت y، ومن أحفاد تاج العارفين الشيخ عبد القادر الجيلاني (470هـ/1077م – 561هـ/1166م)، الإمام الصوفي والفقيه الحنبلي، الذي تنسب إليه الطريقة القادرية. وللشيخ فاضل الجيلاني العديد من المؤلفات مثل كتاب نهر القادرية،  الذي يحتوي على سيرة عطرة لجدِّه عبد القادر الجيلاني، كما قام بتحقيق تفسير الجيلاني (في ستة أجزاء) وكتاب الصلوات والأوراد للجيلاني أيضاً، وهو كذلك صاحب ومدير مركز الجيلاني للتحقيق الذي أخذ على عاتقه نشر وإحياء تراث آل البيت والشيخ عبد القادر الجيلاني وعلماء المسلمين عامة، ومركزه الرئيسي في استانبول وله فروع في دمشق وبيروت والقاهرة.
[11] ولقد علمت لاحقاً أن فضيلة الشيخ رمضان طوَّر تصميم هذه الجلابية بنفسه منذ أن كان يعمل في الطاحونة مع والده قبل أكثر من ستين سنة، وهي مصممة بطريقة توفر الراحة والسهولة بالإضافة إلى البساطة والتواضع، وهي مؤلفة من سروال عريض وجلابية قصيرة تزيد قليلا عن طول القميص.
[12] أخرج الحاكم في المستدرك عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه، قال: أتي النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ برجل ترعد فرائصه، قال: فقال له: «هَوِّنْ عَلَيْكَ فَإِنَّمَا أَنَا ابْنُ امْرَأَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ كَانَتْ تَأْكُلُ القَدِيدَ فِي هٰذِهِ البَطْحَاءِ»، قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. المستدرك على الصحيحين في الحديث، محمد بن عبد الله حاكم نيسابوري، بيروت، دار الكتب العلمية، 1990م: حديث رقم 3692، ج8ص412.
[13] ورد ذلك في حديث رواه الترمذي في جامعه (3127) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وقال حديث غريب، ورواه الطبراني في المعجم الكبير من حديث أبي أمامة رضي الله عنه، وإسناده ضعيف، ورواه ابن جرير من حديث ثوبان رضي الله عنه، وإسناده ضعيف جدّاً. وحكم عليه ابن الجوزي بالوضع، والألباني بالضعف (سلسلة الأحاديث الضعيفة: 1821). وذكر العقيلي (4/129) إنه هو قول عمرو بن أبي قيس. وقد كتب محمود سعيد ممدوح كتاباً بعنوان "بشارة المؤمن بتصحيح حديث اتقوا فراسة المؤمن"، دار الرازي، 1995م.
[14] روى البخاري في صحيحه (الرقاق، حديث رقم: 6021) عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن ربّ العزّة أنه يقول: "مَا تَقَرَّبَ إِليَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِليَّ مِمّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِليَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطُشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ".
[15] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الْمُؤْمِنُ مِرْآةُ الْمُؤْمِنِ، وَالْمُؤْمِنُ أَخُو الْمُؤْمِنِ؛ يَكُفُّ عَلَيْهِ ضَيْعَتَهُ، وَيَحُوطُهُ مِنْ وَرَائِهِ»، رواه البخاري في الأدب المفرد (رقم: 239)، وأبو داود (ج2ص304).
[16] أخرج أبو داود في سننه عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: "العُلَمَاءُ وَرَثَةُ الأنْبِيَاءِ، وَإنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرّثوا دِينَاراً وَلا دِرْهَماً، وَرَّثُوا العِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظّ وَافِرٍ"، سنن أبي داود، الإمام الحافظ أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني الأزدي، تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد، المكتبة العصرية-بيروت، 1970م، كتاب العلم، ص317، حديث رقم: 3641.
[17] الأفراد فئة من رجال الله خارجين عن دائرة القطب، بل القطب واحد منهم [الفتوحات المكّيّة: ج1ص53س7]، والأفراد هم الذين أفردهم الحق إليه واختصَّهم له وأرخى الحجاب؛ حجاب العادة بينهم وبين الخلق، فاستخلصهم لنفسه ورضي عنهم ورضوا عنه [الفتوحات المكّيّة: ج3ص15س15]، والأفراد بين البشر مثل الملائكة المهيَّمين [الفتوحات المكّيّة: ج2ص53س18]، وانظر تعريف الملائكة المهيَّمين بعد قليل. وللمزيد عن معنى القطب والأوتاد والأبدال وغيرهم من طبقات الأولياء، راجع الباب الثالث والسبعين من الفتوحات المكية [ج2ص2].
[18] هذا البيت من قصيدة من نظم مؤلّف الكتاب، وهي من البحر الخفيف.
[19] رويت هذه المقالة عن عكرمة، وقد بيَّن الشيخ علي الطنطاوي في ذكرياته (ج1ص192) ما قد يكون سبباً لهذا الزهد؛ إذ قال:" لأنهم يرونه في جده وهزله، وغضبه ورضاه، والبعيدون عنه لا يرونه إلا في أحسن حالاته، ولا يبصرون منه إلا أجمل جوانبه".
[20] هذه القصيدة من نظم مؤلّف الكتاب، وهي من البحر الرجز.
[21] وللتمييز بين قولنا "على قلب" و "على قدم"، راجع كتاب شمس المغرب: سيرة الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي ومذهبه، محمد علي حاج يوسف، دار فصلت – حلب، 2006م، وراثة الأنبياء ص110.
[22] الفتوحات المكية: ج3ص207.
[23] أما بالنسبة لحديث النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إنَّ خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يكون قوم يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السمن»، [متفق عليه، رواه البخاري في الشهادات (2651), ومسلم في فضائل الصحابة (2535), والترمذي في الفتن (2222), والنسائي في الأيمان والنذور (3809), وأبو داود في السنة (4657), وأحمد (4/427)]، وأحاديث أخرى مشابهة، فيقول جمهور أهل العلم إنَّ جمهور الصحابة أفضل من قرن التابعين، فهو تفضيل جملة على جملة، وقيل إنه تفضيل فرد على فرد.
[24] صحيح البخاري، باب العلم، حديث رقم 122.
[25] رواه الترمذي (2869)، وأحمد (3/130، 143) عن أنس.
[26] الحاوي للفتاوي، لجلال الدين السيوطي الجزء الثاني.
[27] ويقول السيوطي عن هذا الحديث إن جميع رجاله رجال الصحيح غير شريح بن عبيد وهو ثقة، وقد ورد في الحديث أيضاً أنَّ الأبدال في أهل الشام وبهم يُنصرون وبهم يُرزقون، انظر في الجامع الصغير، رقم 3034، وقال السيوطي إنه حديث حسن، وانظر أيضاً الأحاديث رقم 3036 و3037. وانظر أيضاً في كنز العمال: الحديث رقم 34595، وفيه «قال المناوي في الفيض قال المصنف: أخرجه عنه أحمد والحاكم والطبراني من طرق أكثر من عشرة.»
[28] راجع الحديث أعلاه، وللمزيد عن معنى الوراثة راجع كتاب شمس المغرب، ص110.
[29] يقول ابن العربي في الباب الثالث والسبعين من الفتوحات المكية (ج2ص7) إنّ الأبدال سبعة لا يزيدون ولا ينقصون، يحفظ الله بهم الأقاليم السبعة... وقد يُسمُّون الرجبيِّين أبدالاً وهم أربعون، وقد يسمون الاثني عشر أيضاً أبدالاً.
[30] كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلِّي قيام الليل في شهر رمضان في جماعة، ثم ترك الاجتماع عليها؛ مخافة أن تُفرض على أمته. فكان المسلمون بعد ذلك يصلونها كيفما اتفق لهم، حتى جمعهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه على إمام واحد يصلي بهم التراويح في الجامع عشرين ركعة.
[31] أخرج هذه القصة الواقدي عن أسامة بن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر، وأخرجها سيف مطولة عن أبي عثمان وأبي عمر بن العلاء عن رجل من بني مازن، فذكرها مطولة وأخرجها البيهقي في الدلائل واللآلئ في شرح السنة، والزين عاقولي في فوائده، وابن الأعرابي في كرامات الأولياء، انظر في: الإصابة في تمييز الصحابة، ج3 ص53.
[32] أخرجه مسلم في صحيحه: ج4 ص1864 ح2398، طبعة دار إحياء التراث العربي، كتاب الفضائل، باب من فضائل عمر رضي الله عنه، والبخاري ج3 ص1279 ح3282، طبعة دار ابن كثير، اليمامة، بيروت تحقيق مصطفى ديب البغا، وفي صحيح ابن حبان ج15 ص31 ح6894، وفي سنن الترمذي ج5 ص622 ح3693، طبعة دار إحياء التراث العربي، والسنن الكبرى ج5 ص39 طبعة دار الكتب العلمية، ومسند أحمد ج6 ص55 ح24330 طبعة مؤسسة قرطبة.
[33] حديث صحيح عن ابن عمر: أخرجه أحمد (2/53، رقم 5145)، والترمذي (5/617، رقم 3682)، وابن حبان (15/318، رقم 6895)، والطبراني في الأوسط (3/338، رقم 3330)، وعن أبي ذر: أخرجه أحمد (5/165، رقم 21495)، وأبو داود (3/139 ، رقم 2962)، والحاكم (3/93، رقم 4501).
[34] الفتوحات المكية: ج2ص21.
[35] فيض القدير ج4 ص643.
[36] هذه القصيدة من نظم مؤلّف الكتاب، وهي من البحر الخفيف.
[37] هذه القصيدة من نظم مؤلّف الكتاب، وهي من البحر الكامل.
[38] هذا الحديث رواه البخاري مُعلقاً في كتاب الأذان، ومسلم في كتاب الحيض، رقم 373.
[39] رواه البخاري في كتاب الدعوات، ورواه مسلم بلفظ: "مَثَلُ البَيْتِ الَّذِي يُذْكَرُ اللهُ فِيهِ وَالبَيْتِ الَّذِي لا يُذْكَرُ اللهُ فِيهِ مَثَلُ الحَيَّ وَالمَيِّتِ".
[40] ذكره أبو نُعيم الأصبهاني  في "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء"، دار الكتب العلمية، بيروت، 1988م، ج7ص370.

System.String[]

The Meccan Revelations Website:


The Sun from the West:


The Single Monad:





يَا وَاحِدُ: اِجْعَلْني مُوَحِّداً بِوُجُوْدِ وَحْدَانِيَّتِكَ مُؤَيَّد بِشُهُوْدِ فَرْدَانِيَّتِكَ.
الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي [من كتاب النور الأسنى بمناجاة الله بأسمائه الحسنى - -]

مشاركة الصفحة

الإعجاب بصفحتنا على الفيسوك:
SINGLEMONAD

الإعجاب بصفحتنا على الفيسوك:
IBNALARABICOM


الإعجاب بهذه الصفحة على الفيسبوك:

اختر أي نص لتقوم بتغريده!