إيجازُ البَيَانِ - تقديم الأستاذ محمد سميح دعدوش

إيجازُ البَيَانِ - المحتويات

تقديم الأستاذ محمد سميح دعدوش[2]

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام الأتمَّان الأكملان على سيِّد المرسلين وآله وصحبه أجمعين، وبعد:

حين طُلب مني كتابة تقديم لهذه السيرة العطرة لحضرة مولانا فضيلة الشيخ رمضان ديب قلت في نفسي: ومن أنا أمام هذا الرجل العظيم حتى أقوم بمثل هذا العمل الجلَل؟ وهل بضع سنوات أمضيتها في صحبته تكفي لأن أقحم نفسي في هذا الخِضمِّ الرهيب! فاستخرت الله عزَّ وجلَّ وأبديت رغبتي أن أنال هذا الشرف العظيم ممتثلاً قول الإمام الشافعي رحمه الله:

 

أُحُبُّ الصَّالِحِينَ وَلَسْتُ مِنْهُمْ

 ***

لَعَلِّي أَنْ أَنَالَ بِهِمْ شَفَاعَة

وعندما قرأت أوَّل صفحة من هذا الكتاب الممتع بدأت أشعر بجلال الموقف وعظيم المسؤولية؛ فأنا الذي لم يُقدَّر لي أنْ أنال شرف الحضور على سماحة الشيخ أحمد كفتارو، قُدِّسَ سِرُّه. فبعد عودتي من العمل في تدريس الشريعة الإسلامية في إحدى الدول العربية لمدة سبع وعشرين عاماً، لأستقرَّ في وطني ومسقط رأسي دمشق، وجدت نفسي أعيش فراغاً روحياً رهيباً. فعلى الرغم من أنَّني عرفت في غربتي رجالاً من أهل الطريق إلى الله عزَّ وجلَّ ونفعني الله بصحبتهم وعلومهم، ولكنَّني وصلت إلى حدٍّ وقفت عنده. فلما تعرَّفت على فضيلة الشيخ رمضان أدركت وأيقنت من أوَّل خطوة معه أنَّني في حضرة رجلٍ عظيمٍ تقصر عن همَّته همم الرجال، وعالِمٍ كبيرٍ لا تدركه قمم الجبال. فقلت في نفسي:

وَإِذَا العِنَايَةُ لاحَظَتْكَ عُيُونُه

***

قُمْ فَالمَخَاوِفُ كُلُّهُنَّ أَمَانُ[3]

وماذا عليَّ إنْ شمّرت وخُضتُ هذا اليمَّ، أبحث عن درره وجواهره وأستخرج لآلئه ومكنوناته، فإنْ نجحت في مقصودي فبفضل الله تعالى وبرحمته، وإنْ قصّرت عن إدراكه فعسى أن ينقذني ربي بحسن نِيَّتي، وحسبي بذلك قرَّة عين.

ثم تابعت قراءة هذا الكتاب عن سيرة فضيلة الشيخ رمضان ديب بعناية وشغف شديدين، فوجدت المؤلِّف –جزاه الله خيراً– بذل غاية الجهد في كشف بعض جوانب سيرة هذا الرجل الفاضل والعالم الجليل، فقد كان الدكتور محمَّد علي حاج يوسف موفَّقاً غاية التوفيق من البداية حيث جعلنا نسرح في رحاب البحر؛ فالبحر ترى أوله وتُدرك ساحله ولكن أين أنت من لُجَّته ونهايته، وإذا كان كلُّ عالم متبحِّراً في علمٍ من العلوم، فأيُّ علم تُسنده إلى البحر المحيط الذي يجمع كلَّ البحار وتصبُّ فيه جميع الأنهار! ولئن قال الشيخ محي الدين ابن العربي مرَّةً للبحر: اسكن يا بُحير فإنَّ فوقك بحراً! فلقد كان بحراً في العلوم والمعارف الإلهية وحسب، أما شيخنا حفظه الله تعالى ورعاه، فإنَّك تُصاب بالحيرة والدهشة كلَّما غصت في أعماقه واطَّلعت على شيءٍ مِن علومه ومعارفه مما يضيق عن حصره كتاب. فقد كتب في علم التجويد رسالة فريدة، وفي الحديث الشريف كتب: (ألف حديث من كلام خير البرية) جمع فيه من كلِّ العلوم الآداب والأخلاق، وألَّف مجموعة كتب في الفقه الشافعي، وكتاباً في الذكر قلَّ نظيره، وكتاباً في الإعجاز الربَّاني في جسم الإنسان (تفكُّرك فيك يكفيك) وكتاباً في طب الأعشاب (الصحّة الإنسانية في ظلِّ الطبيعة الربّانيّة) يعجز عن مثله المتخصصون من الأطباء، ثم لا يخطر في بالك شيء من العلوم والصناعات والمهارات والمهن اليدوية إلا وتجد عنده مِن فهمِها وإدراك أسرارها ومعالجة أمورها شيئاً لا يضاهى وعلماً لا يجارى، وهو كذلك قارىء جامع حافظ يُقرىء القرآن لمجموعة كبيرة من طلاب العلم، وهو بارع في اللغة العربية نحواً وصرفاً وعنده من طرائقها وإعرابها ما لا يعلمه كثير من علمائها.

وأجلُّ من ذلك كلِّه وأعظم: علم السلوك والسير إلى الله عزَّ وجلَّ، وعلم تصفية النفوس وتزكيتها، وعلم تربية الرجال، وعلم الدعوة إلى الله، وغير ذلك كثير. فما ظنُّك برجل جمع هاتيك العلوم بأسرها، لا جمعاً سطحياً ولا جزئياً، بل ما من علم من تلك العلوم إلا ويضع الفحول من رجاله الطاعة بين يديه! لم يُحدِّثني بذلك أحد، ولكن رأيت بعيني وسمعت بأذني ووعيت بقلبي. أضف إلى ذلك كلِّه الصفات السامية الرفيعة التي حباه الله تعالى بها، من شجاعة وكرم وعلوِّ هِمَّة وتواضعٍ ولينِ جانبٍ والْتزامٍ بأدقِّ تفاصيل الهدي النبويِّ واتِّباع سنَّةِ النبيِّ المصطفى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأخذٍ بالعزائم لا بالرخَص على الرغم من تجاوزه التسعين من عمره، بارك الله لنا في عمره وأمدَّ له فيه. فإنَّك لن تجد أعلم ولا أورع ولا أزهد ولا أكرم من فضيلته، ولن تخوض معه في علمٍ من العلوم إلا وجدته بحراً لا يُجارى وعَلَماً لا يُدانى، وإنَّك لن تخالطه ساعةً إلا وجدتَ نفسك تحبَّهُ وتألفُهُ وتودُّ أنْ لا تفارقه، وكلَّما اقتربتَ منه وعاشرته ترى نفسك أمام نسخة نبويَّة إنسانيَّة تذكِّرُك بأخلاق سيِّدِ المرسلين صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ورغم علوِّ مقامه ورِفعة شأنه لا يدَّعي لنفسه عِلماً ولا يتعالى على مخلوق، بل يأنس جليسه بحديثه ولطفه ودعابته ولا يترك سانحةً تمرُّ دون أنْ يُفيد جلساءه فائدةً فقهيةً أو لغويةً أو دينية أو دنيوية. والذي نفسي بيده إنَّ هذا العطاء لا يكون إلا من مشكاة النبوَّة والتحلِّي بهديِ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

ولكن هذا لا يعني أنَّ شيخنا الحبيب ليس له من يحاربه ويناصبه العداء، فالعلماء ورثة الأنبياء، حيث قال فيهم ربُّ العالمين في سورة الفرقان: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا [31]﴾، ولكنَّ أحداً لم يستطع التأثير عليه، بل استطاع هو أن يستوعب من يعاديه بحسن معاملته وردِّه على الإساءة بالإحسان، وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قوياً عزيزاً.

وفي الختام فإنَّ هذا الكتاب وما حوى من سيرةٍ عطرةٍ لحضرة مولانا فضيلة الشيخ رمضان ديب إنما هو غيضٌ من فيض، وقطرةٌ من بحر، وزهرةٌ من بستانٍ مليءٍ بآلاف الزهور التي يضوع أريجها ويتيه نَوْرها. فجزى الله كاتبه خير الجزاء على كلِّ كلمةٍ وما استدعته من جهد ومتابعة ومراجعة حتى أخرج لنا هذا الكتاب ليكون سراجاً ينير للمحبِّين الطريق، ويلهم مريدي الخير الثبات على الحق، ويرشد السالكين إلى معالم الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، ولكلِّ مجتهدٍ نصيب، والحمد لله رب العالمين.

محمد سميح دعدوش

دمشق في الثاني عشر من شعبان سنة 1433 للهجرة

الموافق للثاني من تموز سنة 2012 للميلاد

=========================

[2] الأستاذ محمد سميح بن محمد حسن دعدوش، ولد في دمشق سنة 1946م، وحصل على الإجازة في الشريعة الإسلامية من كلية الشريعة في جامعة دمشق  سنة 1969م، وقد درس على العديد من علماء دمشق منهم: الشيخ محمد المنتصر الكتاني، الشيخ عبد الكريم الرفاعي، الدكتور محمد مبارك، الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي، الدكتور محمد فوزي فيض الله. عمل مدرساً للعلوم الشرعية واللغة العربية في المعاهد العلمية التابعة لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في المملكة  العربية السعودية لمدة 27 عاماً، ثم لازم دروس ومجالس الشيخ رمضان ديب، أطال الله في عمره، منذ عام 2005م.

 

[3] يُنسب هذا البيت للشاعر أحمد شوقي، وأصله:

 

وَإِذَا العِنَايَةُ لاحَظَتْكَ عُيُونُه

***

نَمْ فَالحَوَادِثُ كُلُّهُنَّ أَمَانُ

 

ولكنَّ سماحة الشيخ أحمد كفتارو، قُدِّس سرُّه، قرأ "قُم" بدلاً من "نَم"، للتأكيد على ضرورة دوام الطلب والسعي.

 

System.String[]

The Meccan Revelations Website:


The Sun from the West:


The Single Monad: