إيجازُ البَيَانِ - تقديم الدكتور محمد شريف الصواف

إيجازُ البَيَانِ - المحتويات

تقديم الدكتور محمد شريف الصواف[1]

سيِّدي الشيخ المربِّي رمضان ديب

«الهِمَّة التي لا تعرفُ المستحيل»

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خيرة الخلق، المصطفى في القديم، الهادي إلى صراط مستقيم، وعلى آله، وأصحابه الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وذريته ومن اهتدى بهديه، واستنَّ بسنته، وبعد:

يقول الله تعالى في سورة فاطر: ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ [31] ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ [32]﴾.

هكذا جعل الله الخير من ميراث النبوة قسمةً بين الناس، فأعظمهم حظاً من ذلك الخير العلماء العاملون، الذين يرشدون الخلق إلى الخير والحق.

 

ومن أعظم الناس نصيباً من ذلك الخير أيضاً: الساعون بالخير، القائمون بخدمة الناس، الذين أقامهم الله في مقام تفريج الكروب.

ومن أعظم الناس نصيباً من ذلك الخير: أهل الهمم العالية، الذين تتحقق على أيديهم الإنجازات، وترتبط باسمهم الأمور العظيمة، والباقيات الخالدات.

كل واحد من هؤلاء نال خيراً كثيراً، وفاز فوزاً عظيماً، فكيف إذا اجتمعت هذه الثلاثة في رجل واحد؛ وذلك هو مثال سيدي الشيخ رمضان ديب، حفظه الله وأمتع به، وتقبَّل منه.

لقد أكرمني الله إذ وُلدتُ في أسرة علمية، ثم سلكت في طلب العلم، فرأيت وصحبت عشراتٍ من كبار العلماء كلُّهم من أهل الفضل، ولكنَّ سيِّدي الشيخ رمضان نوع آخر من العلماء لم أجد له بينهم شبيهاً.

شرَّفني الله عزَّ وجلَّ بصحبته منذ سنة 1983م، عندما بدأت أَحضَر مجالسه في مساء كلِّ سبت، ومساء كلِّ أربعاء، وكنت في كلِّ مجلسٍ أستفيد الفوائد الجمَّة في أسرار العلم وفنون الحياة.

كان يقرأ في كتاب (كشف الغمة) للإمام الشعراني، ثم في كتاب (التاج الجامع للأصول) للشيخ حفني ناصف، وفي السلسلة التي ألَّفها في فقه السادة الشافعية، وكنت أسمع منه ما لم أقرأه في كتاب.

كان الشيخ رمضان ينزل إلى عقول المستمعين، فينقل الحديث إلى واقع الحياة، ويستخرج منه القضايا الواقعية التي تعود عليهم جميعاً بالفائدة أيّاً كانت أعمالهم، ومهما كان مستواهم الدراسي.

وكان يُذكِّر دائماً بمقاصد الأحكام، وأسباب الاختلاف بين العلماء، وينقل خبراته العملية المتنوعة إلى جلسائه.

وكان يربي (بحاله) قبل (قاله)، تعرَّض لأزمات مالية واجتماعية كبيرة، وأصيب بأمراض وأوجاع، وعاداه وافترى عليه كثيرون من الأقارب والأباعد، وهو صامد صمود الجبال، عزيمته لا تضعُف، وهمَّتُه لا تفتُر، ولسانه لا يملُّ من الذكر والتعليم والنصح.

اختارني الشيخ حفظه الله لأبدأ بالدعوة إلى الله في حَلَقة صغيرة منذ العام 1987م، ثم ضمَّ إليها حلقةً أخرى دبَّ فيها الخلاف، ثم حلقةً أخرى سافر أستاذها، وكنت خلال ذلك أعود إليه في الصغيرة والكبيرة، يزوِّدني بالنصح، ويرشدني إلى ما وجدت خيره وثمرته في حياتي.

وفي عام 1986م زُرته في بيته وقلت له بشكل عابر أنني أؤلِّف كتاباً عن التصوف والسيدة رابعة العدوية، فإذا به يطلبني بعد يومين ويقول لي يجب أن نجلس معاً ونقرأ الذي كتبته كلمةً كلمة، وهذا الذي كان، حيث جلسنا معاً جلسات طويلة على سطح بيته، وهو يقرأ كلمةً كلمة، ويصحِّح ويعلِّق.

وأذكر أنه قال لي مرة على مسمع من جمع كبير من الناس: (ستصبح كاتباً كبيراً، وسينتفع الناس بكتبك)، ثم قال: (أسأل الله العظيم، ربَّ العرش العظيم، أن يُلهمك حاجة الخلق في الزمان والمكان).

وكان يُكثر من تشجيعي بكلمات لا أنساها: ألقيت في سنة 1985م كلمة أمام سيدي سماحة الشيخ أحمد كفتارو، فقال لي: أما أنا – أي الشيخ رمضان – فلا أستطيع أن أتكلَّم كما تكلمت! ودعوت مرَّةً بدعاء، فقال لي: سبحان الوهاب، أمَّا أنا فلا أستطيع أن أدعو مثل هذا الدعاء. وكلُّ ذلك من تواضعه، وتشجيعه، وتربيته.

ولعلَّ من أعظم ما أدهشني منه – وكلُّ ما فيه مدهش – بديهته الحاضرة، وسرعة وحسن جوابه، وألغازه المحيرة، وقدرته على الخروج من أصعب الورطات.

مواقف وكلمات كثيرة تلك التي تمرُّ على خاطري وأنا أكتب هذه المقدمة لهذا الكتاب النفيس، عن هذا الرجل العظيم، الذي يمكن أن يُختصر بوصف:

(الهمَّة التي لا تعرف المستحيل).

همة جعلته يبدأ مسيرة طلبه للعلم من نقطة الصفر ليمحو أميته وعمره اثنان وعشرين عاماً، ثم ينال الإجازة الجامعية وهو في التاسعة والستين، وينال الدكتوراه وهو في التسعين!

وهمة جعلته يتقن عدداً كبيراً من الصنائع والمهن، ويمارسها عملياً.

وهمة جعلته يحافظ على صلاة الجماعة طوال حياته كلها.

وهمة جعلته يتعرض لعدد من الحوادث والعمليات الخطيرة التي لو تعرض لها غيره لأقعدته، ثم ينجو منها، ويخرج منها وكأنه لم يمرَّ بها.

وهمة جعلته وهو على أعتاب التسعين يقود سيارته بنفسه، ويقيم في كلِّ يوم درساً في أحد مساجد دمشق أو ريفها.

وهمة جعلته يترك هذا الكمَّ من المؤلفات النافعة في هذه العلوم المتنوعة.

وهمة جعلته يُشرِف على بناء وإكساء مجمع الشيخ أحمد كفتارو، هذا الصرح العلمي التربوي الكبير الذي لا يشبهه صرح آخر في بلاد الشام وما حولها.

وهمة جعلته وهو على حاله اليوم يفوق الشباب طاقة، وعملاً، وحيوية، وإنجازاً.

وأخيراً فإنَّ سيِّدي الشيخ رمضان ثمرة طيبة من الثمار الطيبة، التي أثمرها غرس سيدي سماحة الشيخ أحمد كفتارو، وهي كثيرة مباركة، لكلِّ واحدة طعمها وريحها وبركتها.

أشكر الأستاذ الباحث محمد علي حاج يوسف على ما بذله من جهد مميز لإخراج هذا الكتاب على هذا الشكل من الإتقان، الذي يجعله كتاباً يستحق أن يخلد مع كتب السير والأعلام، التي تنقل خبرات الناجحين وتجاربهم لتنتفع منها الأجيال الناشئة، وأسأل الله أن يجعل ذلك في صحائف أعماله، إنه سميع مجيب، والحمد لله رب العالمين.

محمد شريف الصواف

المشرف العام على مجمّع الشيخ أحمد كفتارو

رئيس مجلس الإدارة

دمشق في الثامن من شعبان سنة 1433 للهجرة

الموافق للثامن والعشرين من حزيران سنة 2012 للميلاد

 

===========================

[1] الدكتور محمد شريف بن عدنان الصواف، المدير العام ورئيس مجلس الإدارة في مجمع الشيخ أحمد كفتارو بدمشق، تخرّج من جامعة دمشق، حيث حصل على دبلوم في العلوم الزراعية، ثم حصل على الإجازة في اللغة العربية والدراسات الإسلامية من كلية الدعوة الإسلامية في طرابلس الغرب فرع دمشق، والدكتوراه في الفقه المقارن من كلية الشريعة والقانون بجامعة أم درمان. وقد أجازه عدد من كبار علماء بلاد الشام. عمل في تدريس المواد الشرعية في معاهد وجامعات مختلفة، وشغل مناصب مختلفة، منها: مستشار ديني في مكتب الأمم المتحدة للتنمية بدمشق، رئيس الهيئة الاستشارية لمجلة مرآة الفكر والثقافة بدمشق، عضو مؤسس في جمعية الأبحاث المستقبلية، عضو الهيئة العامة لجمعية الأنصار الخيرية، مستشار مشروع برنامج الأمم المتحدة لتعزيز دور علماء الدين في عملية التنمية الاجتماعية والاقتصادية في سورية. له أكثر من عشرين كتاباً ما بين تأليف وتحقيق وإعداد، منها: معجم الأسر والأعلام الدمشقية، مولانا الشيخ خالد النقشبندي، المنهج الصوفي في فكر ودعوة الشيخ أحمد كفتارو، الحياة الزوجية من منظار الشريعة الإسلامية، وتحقيق كتاب الإعلام بفوائد عمدة الأحكام.

 

 

System.String[]

The Meccan Revelations Website:


The Sun from the West:


The Single Monad: