دلائل صحّة إيمان فرعون ونجاته - الدليل الحادي والعشرين إلى الدليل الخامس العشرين

 

دلائل صحّة إيمان فرعون ونجاته - الدليل الحادي والعشرين إلى الدليل الخامس العشرين

 

 

 

الدليل الحادي والعشرون

 

وذلك في قوله تعالى في سورة النازعات التي اختصر فيها بشكلٍ بديعٍ قصّة موسى عليه السلام مع فرعون فقال: (هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى [15] إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى [16] اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى [17] فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى [18] وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى [19] فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى [20] فَكَذَّبَ وَعَصَى [21] ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى [22] فَحَشَرَ فَنَادَى [23] فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى [24] فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى [25] إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَى [26])، والنَّكَالُ هو الرَّادع لغيره، أي أخذه الله بهذا الشكل من الغرق كما بيَّنه في آيات أخرى ليكون ذلك عبرة لمن يخشى. ولكن لنا في هذه الآية تساؤلان: الأوّل ما هي الآخرة والأولى هنا؟ والثاني ما هي هذه العبرة؟ فنترك التساؤل الثاني إلى الدليل التالي ونبدأ بالتساؤل الأوّل وننقل أوّلاً ما قاله المفسّرون في ذلك:

 

فقال القرطبي في الجامع لأحكام القرآن ناقلاً عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة ما معناه: أي نكال قوله كما روى الله تعالى عنه في سورة القصص: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي ... [38]) فهذه الأولى، وقوله فيما رواه الله تعالى عنه في سورة النازعات قبل هذه الآية: (فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى [24])، وقال كان بين الكلمتين أربعون سنة. ثم أضاف القرطبي قائلاً: والمعنى: أمهله في الأولى، ثم أخذه في الآخرة، فعذَّبه بكلمتيه. ثمّ أضاف: وقيل: نكال الأولى هو أن أغرقه، ونكال الآخرة هو العذاب في الآخرة )أي الدار الآخرة(. وقال مجاهد: هو عذاب أوَّل عمره وأخره. وقيل عن قتادة: الآخرة قوله "أنا ربكم الأعلى" والأولى تكذيبه لموسى.[39]

 

ونقل الطبري في جامع البيان أنّ معناها عذاب الدنيا، وعذاب الآخرة، عجَّل الله له الغرق، مع ما أعدَّ له من العذاب في الآخرة. وقال أيضاً: حدَّثنا ابن بشّار، قال: ثنا هوذة، قال: ثنا عوف، عن الحسن، في قوله: (فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى [25]) قال: الدنيا والآخرة. وقال الطبري أيضاً: حدّثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن: (فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى [25]) قال: عقوبة الدنيا والآخرة، وهو قول قتادة. ثمّ قال الطبري: وقال آخرون: الأولى عصيانه ربَّه وكفره به، والآخرة قوله: (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى [24]).[40]

 

ونقل الإمام جلال الدين السيوطي في الدرِّ المنثور في التفسير بالمأثور قال: وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة في قوله تعالى: (فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى [25]) قال: أصابته عقوبة الدنيا والآخرة. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن مثله.[41]

 

وقال ابن كثير في تفسيره: وهذا هو الصحيح في معنى الآية أنَّ المراد بقوله: (نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى) أي الدنيا والآخرة، وقيل: المراد بذلك كلمتاه الأولى والثانية، وقيل: كفره وعصيانه، والصحيح الأوَّل.[42]

 

فإذن رغم وجود عدد من الاحتمالات إلاّ أنّ المرجَّح هو الدُّنيا والآخرة، ويؤيّد ذلك قوله تعالى في سورة النجم: (فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى [25])، فقال الطبري في جامع البيان: أي لله ما في الدار الآخرة والأولى، وهي الدنيا.[43] ونذكّر هنا مرّة أخرى بما قلناه أعلاه إنّ جميع الوجوه المختلفة في التفسير والتي تعتمد على معاني الكلمات في اللغة العربيّة نقول إنّ جميعها لا شكّ مقصودة لله تعالى لأنّها معانٍ محتملة يفهمها أصحاب اللغة ولا يمكن أن يقول الله تعالى شيئاً لا يعنيه.

 

فنقول إذن إنَّ أخذ الله تعالى لفرعون بالغرق كان عقوبةً عن الدنيا والآخرة، كما صرّح بذلك بعض المفسّرون، وهم مع ذلك يعتقدون بكفر فرعون، ولكن غلبت عليهم طبيعتهم البشريّة فقالوا مثلاً: "مع ما أعدَّ له من العذاب في الآخرة"، وهذا لا يجوز لأنّ الله تعالى لا يأخذ دَينه مرّتين وإذا قدّم العذاب لإنسانٍ في الدنيا يكون ذلك تكفيراً له في الآخرة. ولكن كما أسلفنا في المقدّمة كثيراً ما لا يملك الإنسان من نفسه إلاّ أن يُقحم صفاتها ويحكم وفق شريعتها وغرائزها وليس وفق صفات الله تعالى الحسنى وأخلاقه العلى، ولكن حتّى يتحقّق قوله تعالى في سورة الإسراء: (قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَآئِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَّأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإِنفَاقِ وَكَانَ الإنسَانُ قَتُورًا [100]) والتي ذكر الله تعالى بعدها مباشرة قصّة فرعون ربّما ليرينا أنّنا لو كنّا نحن نملك خزائن رحمة الله تعالى لأمسكناها عن فرعون. ولذلك حرّم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم التفسير بالرأي أي الذي لا يستند على أدلّة متينة من اللغة أو الآيات والأحاديث الأخرى.

 

فيكون إذاً في هذا النكال الغريب عبرة رادعة وتذكرة لمن يخشى أنَّه لو تاب فلن يقبل الله توبته ولن يغفر له، فيَعبُر بهذه التذكرة حاجز الإصرار واليأس والقنوط، وهذا هو معنى العِبرة التي طرحنا حولها التساؤل الثاني وسنزيد تفصيلها في الدليل التالي.

 

فهذا الكلام يتوافق تماماً مع ما ذكرناه أعلاه حول قوله الله تعالى في سورة يونس من أنّ الإيمان لا ينفع في رفع العذاب في الدنيا باستثناء ما حصل مع قوم يونس حيث آمنوا فكشف الله عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتّعهم إلى حين، وأمَّا فرعون فأخذه الله نكال الآخرة والأولى لم يعفيه إيمانه من هذا العذاب بالغرق، والله تعالى أعلم وهو علاَّم الغيوب.

 

الدليل الثاني والعشرون

 

وذلك في قوله تعالى في هذه الآيات السابقة من سورة النازعات: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَى [26])، فما هي هذه العبرة التي حدّدها الله تعالى بقوله (لِّمَن يَخْشَى)؟ فنجد أنّ أغلب المفسّرين يقولون إنّها عبرة لمن يخشى الله تعالى. فقال الطبري في جامع البيان إن في العقوبة التي عاقب الله بها فرعون في عاجل الدنيا، وفي أخذه إيّاه، نكال الآخرة والأولى: عظةً ومعتبراً لمن يخاف الله ويخشى عقابه. وقال ابن كثير: أي لمن يتّعظ وينْزجر.‏

 

وفي الحقيقة إنّ الخشية هي الخوف،[44] وقال الله تعالى في سورة فاطر: (... إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ [28]) وقال أيضاً في سورة الملك: (إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ [12])، ولكنّ الله تعالى لم يحدّد في هذه الآية من سورة النازعات: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَى [26]) ما هو متعلَّق هذه الخشية أو الخوف، وإنّما من الواضح أنّه لا يمكن أن يكون خوفاً من عقاب الله تعالى وعذابه لأنّ الله تعالى إنّما يضرب الأمثال ليتَّعظ بها من تكون حاله مشابهة، فلو كانت حالة فرعون حينما أخذه الله نكال الآخرة والأولى وفق ما يراه المفسّرون هي المعصية والتكبّر والتجبّر كما كان من قبل لكان في أخذه بهذا الشكل عبرة لأمثاله ممن لا يخشون الله تعالى ولا يحسبون له حساباً، وبالتالي لا يكون معنى هذه الآية صحيحاً، بل لكان يمكن أن يقول الله تعالى مثلاً إنَّ في ذلك الأخذ عبرة لمن تكبَّر وتجبَّر وادَّعى ما ليس له بحق. ولكنَّه تعالى حيث قال: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَى [26])، أي إنَّ في هذا الأخذ نكال الآخرة والأولى، والذي هو قبول وتكفير عن الدنيا والآخرة، عبرة لمن يخشى أنَّه لو تاب فلن يقبله الله تعالى، ويؤيِّد ذلك ما ورد في الآيات الأخرى التي سبقت هذه الآية من سورة النازعات لمّا أرسل موسى إلى فرعون فقال له: (اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى [17] فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى [18] وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى [19]) فإذا أضفنا إلى ذلك ما ذكره الله تعالى في سورة طه: (فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى [44]) وما قلناه أعلاه حول هذه الآية الأخيرة من أنّ قول الله تعالى "لعلَّ" يفيد التحقيق وليس التمنّي كما يقول العلماء، فهذا يعني أنّ فرعون قد تذكَّر بالفعل وخشي، فما هو متعلَّق خشيته، وبالتالي ما هو متعلَّق العبرة في هذه الآية التي قال فيها الله تعالى إنّها عبرة لمن يخشى؟

 

فنقول إنّ تفسيرنا لما حصل هو أنّ فرعون توصَّل من خلال دعوة موسى له والآيات الكثيرة التي أراه إيّاها ومنها الآية الكبرى التي يُقال إنّها إلقاء العصا وتحوّلها إلى حيّةٍ تسعى، فلمّا رأى فرعون هذه الآيات عرف صدق موسى وأراد أن يؤمن به ولكنّه لم يفعل ذلك لأنّه كان يخشى أنّه لو آمن فلن يغفر الله تعالى له ولن يصفح عن جميع ذنوبه الكثيرة من تقتيل أبناء بني إسرائيل واستعبادهم واستحياء نسائهم وظلمه للناس وتكبّره وتجبّره وادّعائه الألوهة والربوبيّة؛ فخشي أنّ الله تعالى لن يقبل إيمانه مع هذه الذنوب الكبيرة والكثيرة التي تستوجب عليها القصاص في الدنيا )الأولى( والعذاب في الآخرة، فلمّا خشي ذلك من الله تعالى لم يؤمن به في حالة الرّخاء، ولكن لمّا رأى البأس والعذاب الأليم وأدركه الغرق قال (آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ [90]) فعندئذٍ أخذه الله (نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى) وقال تعالى بعدها: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَى [26]) أي إنّ في هذا الأخذ نكال الآخرة والأولى )الذي فصّلناه أعلاه( عِبرة لمن حاله مثل حال فرعون من المعصية الشديدة والذنوب الكثيرة ويخشى أنّه لو آمن فلن يقبل الله تعالى إيمانه فيعبُر بهذه العِبرة حاجز الإصرار واليأس والقنوط من رحمة الله التي وسعت كلَّ شيء والتي لا ييأس منها إلاَّ القوم الكافرون.

 

وليس هذا التفسير بعيداً خاصّة وأنّنا نجد الكثير من الناس يكون حالهم شبيه بحال فرعون وهم يخشون من التوبة والرجوع إلى الله تعالى لكثرة ذنوبهم وخوفهم ويأسهم من قبول الله تعالى لهم، فلهم في هذه الآيات عبرة، والقرآن الكريم إنّما نزل لهداية الناس إلى طريق الله تعالى ومن أجل ذلك ضرب الله تعالى لنا فيه الأمثال وقصَّ علينا القصص حتى نهتدي بها إلى صراطه المستقيم، والله تعالى أعلم وهو علاَّم الغيوب.

 

الدليل الثالث والعشرون

 

وذلك في قوله تعالى في نفس هذه الآيات من سورة النازعات: (فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى [25])، حيث فيها دلالة قد تكون إشارة اعتباريّة ولكنّنا نشعر بصدقها وأهمّيتها إذا فهمنا وجه العِبرة في أخذ لله تعالى لفرعون نكال الآخرة والأولى. فقول الله تعالى في هذه الآية: (فَأَخَذَهُ اللَّهُ) فيه أعظم بشارة لمن فهم الإشارة، حيث لم يقل سبحانه وتعالى أنّه أغرقه أو قضى عليه بل أخذه إليه، والله تعالى أعلم وهو علاّم الغيوب.

 

الدليل الرابع والعشرون

 

وذلك في قوله تعالى في سورة النازعات في تكملة الآيات السابقة: (أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاء بَنَاهَا [27] رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا [28] وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا [29] وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا [30] أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءهَا وَمَرْعَاهَا [31] وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا [32] مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ [33])، أي كيف نخشى من عدم قبول الله تعالى لنا وقد خلق لنا كلَّ هذا متاعاً لنا ولأنعامنا؛ فمن يفعل ذلك من أجلنا ماذا ننتظر منه تعالى غير الرحمة المطلقة. فانظر ما أعظم هذه الآيات الكريمة وما أكرم من أنزلها وما أشدّ حبّه بنا وتقرُّبه إلينا رغم معاصينا وابتعادنا عنه! فإنَّ من يحبّ شخصاً يريد دائماً أن يظهر له حبّه فلو كان هذا الشخص شارداً عنه وغير آبهٍ به يحاول أن يلفت انتباهه بهديّة فإن لم ينتبه له يبدأ يتقرَّب إليه بما يحب. فالله تعالى بَنى لنا السماء ودحى لنا الأرض وأرسى لنا الجبال وأخرج من الأرض الماء والمرعى لنا وحتى لأنعامنا، فما أشدَّ حبّه لنا وعنايته بنا. فكيف لا يغفر ويصفح عنّا مهما كانت ذنوبنا عظيمة!

 

ويجب أن نعلم أنّ الله تعالى لا يأتي بآيات القرآن الكريم متتابعة إلاّ لمناسبة بينها قد تكون واضحة وقد تكون خفيّة؛ فالله تعالى جاء بهذه الآيات الكريمة بعد قوله (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَى [26]) حتى لا يكون هناك أيُّ داعٍ للخشية من عدم القبول، والله تعالى أعلم وهو علاّم الغيوب.

 

الدليل الخامس والعشرون

 

وذلك في قول رسول الله محمّد صلَّى الله عليه وسلَّم في الحديث الذي ورد بأسانيد ومتون عديدة متقاربة، يحسّن بعضها بعضاً، أنّ جبريل عليه السلام قال له: "لو رأيتني وأنا آخذ من حال البحر فأدسُّه في فرعون مخافة أن تدركه الرحمة." فأخرج المباركفوري في ‏تحفة الأحوذي عن ابنِ عَبّاسٍ أَنَّ النّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: "لَمّا أَغْرَقَ الله فِرْعَوْنَ قال آمَنْتُ أَنّهُ لا إِلَهَ إِلاّ الّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ. فقال جِبْرَيلُ: يَا محمّدُ لَوْ رَأَيْتَني وَأَنَا آخُذُ مِنْ حَالِ الْبَحْرِ وَأَدُسّهُ في فِيهِ مَخَافَةَ أَنْ تُدْرِكَهُ الرّحْمَةُ".[45] وأخرج النيسابوري في ‏المستدرك على الصحيحين أنّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: "إنّ جبرئيل كان يدسُّ في فم فرعون الطين مخافة أن يقول: لا إله إلا الله."‏[46]

 

فالدليل في هذه الأحاديث أنّ جبريل عليه السلام كان يخاف أن ينطق فرعون بالشهادة وذلك غيرة منه أن تناله رحمة الله تعالى وقد علم من سوء عمله وظلمه وادّعائه ما ليس له بحق في قوله (مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي) و(أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى). ولكن من الواضح أنّ الله تعالى لم يحقّق رغبة جبريل عليه السلام، فحيث أنطق فرعون بالشهادة ألحقه بالرحمة، والله تعالى أعلم وهو علاّم الغيوب.

=============

 

[39] ‏الجامع لأحكام القرآن )تفسير القرطبي(، تأليف أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي، الجزء 19، سورة النازعات، الآيات: 15– 26.

 

[40] جامع البيان عن تأويل آي القرآن، للإمام الطبري، الجزء 30، سورة النازعات.

 

[41] الدر المنثور في التفسير بالمأثور، للإمام جلال الدين السيوطي )دار الفكر:دمشق، ط2، 1983(، المجلّد الثامن، تفسير سورة النازعات.

 

[42] مختصر تفسير ابن كثير، اختصار الصابوني، المجلد الثالث، سورة النازعات.

 

[43] جامع البيان عن تأويل آي القرآن، تأليف أبي جعفر محمد بن جرير الطبري )المتوفى سنة 310 هجرية(، )مطبعة مصطفى البابي الحلبي: القاهرة، 1954(، الجزء 27، سورة النجم.

 

[44] انظر في: القاموس المحيط للفيروز آبادي، باب الواو والياء، فصل الخاء. وانظر في: مختار الصحاح لأبي بكر الرازي، باب الخاء.

 

[45] ‏تحفة الأحوذي، المباركفوري، حديث رقم 3211. قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ.‏ وانظر أيضاً في: ‏سنن الترمذي )وشرح العلل(، للإمام الترمذي، المجلد الرابع، الحديث رقم 5107. وكذلك في: ‏فيض القدير في شرح الجامع الصغير، للإمامِ المناوي، الجزء الرابع، الحديث رقم 6072.

 

[46] ‏المستدرك على الصحيحين، للإمام محمد بن عبد الله الحاكم النيسابوري، المجلد الأول، كتاب الإيمان، الحديث رقم: 188. وأيضاً في نفس الكتاب: المجلد الثاني، كتاب التفسير، تفسير سورة يونس، الحديث رقم 420.

 

System.String[]

The Meccan Revelations Website:


The Sun from the West:


The Single Monad:





الفقر إذا تحليت به لا يعوَّل عليه، فإنه عارية فإن أشهدت فقرك الذاتي فهو المعول عليه.
الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي [من كتاب ما لا يعول عليه - -]

مشاركة الصفحة

الإعجاب بصفحتنا على الفيسوك:
SINGLEMONAD

الإعجاب بصفحتنا على الفيسوك:
IBNALARABICOM


الإعجاب بهذه الصفحة على الفيسبوك:

اختر أي نص لتقوم بتغريده!