دلائل صحّة إيمان فرعون ونجاته - الدليل العاشر إلى الدليل الثاني عشر

 

دلائل صحّة إيمان فرعون ونجاته - الدليل العاشر إلى الدليل الثاني عشر

 

 

 

الدليل العاشر

 

 

وذلك في قول رسول الله محمّد صلَّى الله عليه وسلَّم في الحديث الذي ذكره السيوطي في الجامع الصغير: "خمس صلوات مَن حافظ عليهنَّ كانت له نوراً وبرهاناً ونجاةً يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليهنَّ لم يكن له نورٌ يوم القيامة ولا برهانٌ ولا نجاةٌ، وكان يوم القيامة مع فرعون وقارون وهامان وأُبيّ بن خلف".[25] ولم يعطِ السيوطي درجة هذا الحديث من الصحّة أو الضعف. وكذلك ذكر مثله الغزالي في الإحياء في حديث أخرجه أحمد وابن حبّان من حديث عبد الله بن عمرو.‏[26]

 

وحيث إنّنا لا نملك معلومات تفصيليّة عن هذا الحديث فلا نستطيع تحليله من حيث الصحّة والضعف، ولكنّنا نقول على وجه العموم من حيث الدلالة إنّه لا يعطي دلالةً جازمة حول المصير النهائي لهؤلاء القوم، ولقد ذكرنا من قبل أنّ إيمان فرعون وإن صحَّ فلا يعفيه هذا بالضرورة من بعض العقاب على ما اقترفه في حقّ الناس الذين ظلمهم إلا أن يوفِّي الله تعالى عنه، والله تعالى أعلم وهو علاّم الغيوب.

 

ونضيف أيضاً أنَّ هذا الحديث يضع فرعون مع هؤلاء القوم الذين لم يحافظوا على الصلوات، وهؤلاء مؤمنون لأنَّهم يصلُّون حتى وإن لم يحافظوا على صلاتهم، فوضعهم هنا هو للحساب وليس فيه تقرير لمصيرهم النهائي هل سيدخلون الجنَّة أو سيدخلون النَّار.

 

الدليل الحادي عشر

 

 

وذلك في الخبر الذي ذكره الترمذي في السنن قال: حَدَّثَنَا يحيى بنُ موسى أخبرنا أبو داودَ الطَّيالسيُّ أخبرنا عبدُ الواحدِ بنُ سُليمٍ قال: قدمتُ مكَّةَ فلقيتُ عطاءَ بنَ أبي رباحٍ فقلتُ لهُ يا أبا مُحَمَّدٍ إنَّ أهلَ البصرةِ يقولونَ في القَدَرِ، قال يا بُنيَّ أتقرأُ القرآنَ قلتُ نعم قال فاقرأْ الزُّخرُفَ! قال: فقرأتُ (حم [1] وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ [2] إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [3] وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ [4]). قال: أتَدري ما أُمُّ الكتابِ؟ قلتُ اللهُ ورسولهُ أعلمُ، قال فإنَّهُ كتابٌ كتبهُ اللهُ قبلَ أنْ يخلُقَ السَّماءَ وقبلَ أنْ يخلُقَ الأرضَ فيهِ أنَّ فرعَونَ من أهلِ النَّارِ وفيهِ (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ [المسد - 1])...الخ، وقال الترمذي: هذا حديثٌ غريبٌ،‏[27] وعلى كلِّ حال ليس هذا الخبر حديثاً عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم فليس فيه دلالة جازمة، وإنّما ذكرناه هنا للتنويه.

 

فكما نرى إنَّ الأحاديث النبوية حول إيمان فرعون أو كفره محدودة ولا يوجد أي حديث يرجِّح هذا الاحتمال أو ذاك.

 

الدليل الثاني عشر

 

 

وهنا نبدأ بالآيات التي تحمل في طيَّاتِها رحمةً واسعة ودلائل كثيرة على صحَّة إيمان فرعون وإمكانيَّة قبوله من الله تعالى، فنبدأ بقوله تعالى في سورة القصص: (وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ [9]). فنبدأ بهذا الدليل الذي ربما يكون بعيداً أو ضعيفاً ولكنَّه ولا شكّ يقوى بغيره، وإنّما نبدأ به لكونه أوَّل إشارة على حسن خاتمة فرعون؛ فالله سبحانه وتعالى إذا أراد شيئاً هيّأ له كلَّ شيءٍ حتى يُحكم الله آياته، ويُمضي قَدَره.

 

فبعد أن أمر فرعون، كما رأينا في الفصل الأوّل، بقتل جميع المواليد من بني إسرائيل حتى لا تتحقّق نبوءة إبراهيم عليه السلام أنَّه سيخرج من ذريّته غلامٌ يكون هلاك مُلك مصر على يديه، أو كما رأى فرعون في المنام، فأمر عند ذلك بقتل جميع أبناء بني إسرائيل حتى يتخلَّص من هذا الغلام، ولكن كان أمر الله قدراً مقدورا.

 

ولكنّ الإنسان كثيراً ما لا يعلم أين تكون سعادته بل ربما يسعى الإنسان لهلاكه وهو لا يدري، وربما يهرب الإنسان من سعادته والسعادة تلاحقه، وذلك لأنّ السعادة الحقيقيّة قد تستتر بالشَّقاء المنظور فيهرب المرء منها ويحاربها بكلُّ ما أوتي من قوّة، ولكن من أراد الله تعالى به خيراً أو غير ذلك تراه يُقاد إليه بمكرٍ خفيّ من الله تعالى من حيث لا يشعر، فيكون هو نفسه يسعى لقَدَره المحتوم في الوقت الذي يظنّ أنه يهرب منه.

 

فعندما وُلد موسى عليه السلام وخافت عليه أمّه وأوحى لها الله تعالى أن تضعه في التابوت وتُلقيه في اليمّ حتى إذا الْتقط جنود فرعون التابوت الذي فيه موسى فأرادوا أن يقتلوه كما قتلوا غيره من أولاد بني إسرائيل، ولكنَّ آسية امرأة فرعون لمّا رأت وجهه المتلألئ ووقع حبّه في قلبها قالت لفرعون بدافع فطرة الأمومة: "لا تقتلوه!"، وعلّلت رغبتها هذه بأنه ربما يكون فيه قرّة عين، لها، ولفرعون، وأنه عسى أن ينفعهما، أو يتّخذُّوه ولداً!

 

وهذا ما حصل، حيث آمنت امرأة فرعون فنفعها واتّخذته ولداً وكان قرّة عين لها فكانت مِن ثَمَّ في مرتبة أمِّ المسيحِ مريم ابنة عمران من النساء الكاملات كما ورد في الحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري ومسلم أنّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال: "كَمَلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ غَيْرُ مَرْيَمَ بِنْتِ عِمْرَانَ، وَآسِيَةَ امْرَأَةِ فِرْعَوْنَ".[28]

 

فكان موسى سبب قرّة عينها، وقرّة العين هي كمال الإيمان ولا تكون إلاّ عن شهود، لأنّ الكمال في الإيمان هو الوصول إلى اليقين الذي تقُرُّ به العينُ أي الروحُ أو الذَّاتُ بما تيقّنت بمشاهدته، فهو أعلى درجات الإحسان الذي يحصل بعد الإسلام وكمال الإيمان. فكان هذا العطاء من الله تعالى لآسية امرأة فرعون لرعايتها لموسى، وهو تفضُّلٌ من الله تعالى عليها وليس جزاءً على صنيعها لأنّها ما قامت بما قامت به من الخير في حقِّ موسى عن قصد حمايته من كونه نبيَّ الله إذ لم يحصل ذلك بعد ولم تكن تعلمه، بل قامت بذلك من منطلق أمومتها وفطرتها التي فطرها الله تعالى عليها من الحنان والعطف على الوليد ولأنّها أحبّته لجماله وبراءته وحسن وجهه؛ فهداها الله تعالى إلى الإيمان به وبرسوله ثم بلَّغها الإحسان وارتقت فيه حتى بلغت الكمال وذلك من فضل الله تعالى عليها إكراماً لنبيّه موسى الذي ألقى عليه محبّةً منه واصطنعه لنفسه.

 

فلمّا بادرت هي إلى حماية موسى عليه السلام جعله الله تعالى قرّة عين لها، ولمّا عزم فرعون على قتله ثمَّ أحجم عن ذلك بعد أن قالت له امرأته (قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدً) فاتّخذه ولداً وربّاه في قصره حتّى بلغ أشدّه وآتاه الله حكماً وعلماً، فكان سبباً في إيمانه وقرّةَ عينٍ له كما كان قرّةَ عينٍ لامرأته آسية، ولو أنّ ذلك جاء متأخّراً، ولكنّ ذلك من تمام فضل الله تعالى عليه حيث قبضه إليه مباشرة بعد التلفُّظ بكلمة الإيمان فلم يكتسب إثماً بعد ذلك.

 

فكان إيمان فرعون قبل غرقه فضلاً من الله تعالى عليه لأنّه اتَّخذ موسى ولداً وربّاه في قصره وتحت رعايته وحمايته؛ وكما قلنا فليس هذا العطاء جزاءً مقابل تربيته لنبيِّه بل فضلٌ منه تعالى لأنّ فرعون ما قصد لا هو ولا آسية أن يربّيا موسى لكونه نبيَّ الله. ولكن بما أنّ آسية كانت السبب الأوّل في إنقاذ موسى من فرعون وكان فرعون يريد قتله وما كان قد أحجم عن ذلك لو كان يعلم أنّه هو الوليد الذي فعل من أجله ما فعل ببني إسرائيل، فمن أجل هذا التفاوت الكبير بين آسية وفرعون بخصوص موسى كان التفاوت أيضاً منه لهما بخصوص كونه قرّة عينٍ لها وله ولكن في أوقات ومناسبات متفاوتة ومتباعدة.

 

وهنا نشير إلى نقطة مهمَّة تخصُّ القرآن الكريم وتميِّزُه عن غيره من كلام البشر؛ فالقرآن الكريم كلام الله تعالى ولا يرد فيه غير الحقِّ حتى وإن كان على لسان البشر مثل قول امرأة فرعون (قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ) فيكون هذا الكلام حقٌّ محقَّق لأنّه ما أُنزل إلا بعلمه تعالى حتى ولو كان الكلام حكاية، طالما لم ينفِه الله تعالى بعد حكايته؛ فلمّا قالت امرأة فرعون (قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدً) فقد حصل ذلك كلُّه فلم يقتلوه واتخذوه ولداً فنفعهما وصار قرة عين لها أولاً وله آخراً، والله تعالى أعلم.

 

وعلى كل حال مهما بدا وجه الاستدلال على صحّة إيمان فرعون في هذه الآيات ضعيفاً فإنّ له ما يقوّيه من الأدلّة التالية، والله تعالى أعلم وهو علاَّم الغيوب.

 

============

 

[25] رواه ابن نصر عن ابن عمرو، انظر في: ‏الجامع الصغير، لجلال الدين السيوطي، المجلد الثالث، باب: حرف الخاء، الحديث رقم 3948. 5- اقتباس من الحديث المروي : ))خمس صلوات من حافظ عليهن كانت له نورا وبرهانا ونجاة يوم القيامة, ومن لم يحافظ عليهن لم يكن له نور يوم القيامة ولا برهان ولا نجاة, وكان يوم القيامة مع فرعون, وقارون, وهامان, وأبي بن خلف (( أخرجه  )ابن نصر( في ))الصلاة(( من حديث عبد الله ابن عمرو بن العاص, قال العلامة الألباني رحمه الله  في ))ضعيف الجامع الصغير (()) 2851( : ضعيف

 

[26] المغني عن حمل الأسفار في الأسفار في تخريج ما في كتاب إحياء علوم الدين من الأخبار: المجلد الأول، كتاب أسرار الصلاة ومهماتها: الباب الأول، الحديث رقم 7.

 

[27] سنن الترمذي )وشرح العلل(، للإمام الترمذي، المجلَّد الثالث، الحديث رقم 2244.

 

[28] صحيح البخاري، كتاب الأنبياء، حيث رقم: 3230، 3250، 3558، 5102، وكذلك في صحيح مسلم، حيث رقم 2431.

 

 

System.String[]

The Meccan Revelations Website:


The Sun from the West:


The Single Monad:





من ظن أنه أعطي علم الأسماء ولم يجد في نفسه قوة التأثير فل يعوَّل على ذلك العطاء.
الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي [من كتاب ما لا يعول عليه - -]

مشاركة الصفحة

الإعجاب بصفحتنا على الفيسوك:
SINGLEMONAD

الإعجاب بصفحتنا على الفيسوك:
IBNALARABICOM


الإعجاب بهذه الصفحة على الفيسبوك:

اختر أي نص لتقوم بتغريده!