دلائل صحّة إيمان فرعون ونجاته - الدليل الثاني إلى الدليل الثامن

 

دلائل صحّة إيمان فرعون ونجاته - الدليل الثاني إلى الدليل الثامن

 

 

 

الدليل الثاني

 

 

وذلك من قوله تعالى في سورة آل عمران: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُم مِّنَ اللّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ [10] كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ [11])، فكذلك تبدو دلالة هذه الآية واضحة على سوء عاقبة فرعون فيما لو كان هو مشمول في قوله تعالى (كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ)، ولكن ينطبق عليها ما ذكرناه أعلاه من أنّ "آل فرعون" لا تشمل فرعون نفسه، وحتّى لو كان فرعون مشمولاً في "آل فرعون" فليس بالضرورة يكون مشمولاً في قوله تعالى (آلِ فِرْعَوْنَ) لأنّها لا تعني جميعهم لأنّ فيهم المؤمنين كما قلنا أعلاه.

 

والدَّأْبُ هو العادَة والـمُلازَمَة؛ يقال: ما زال ذلك دِينَكَ ودَأْبَكَ، ودَيْدَنَكَ ودَيْدَبُونَكَ، كلُّه من العادَة. فمعنى هذه الآيات هو أنّ الذين كفروا يظنّون أنّه ستنفعهم أموالهم وأولادهم كما كانت عادة آل فرعون والذين من قبلهم، فلذلك كذّبوا بآيات الله تعالى فأخذهم الله بذنوبهم وخاب ظنّهم بأموالهم وأولادهم، والله تعالى أعلم وهو علاّم الغيوب.

 

ونفس هذا الكلام ينطبق على قوله تعالى في سورة الأنفال: (وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلآئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ [50] ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ [51] كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَفَرُواْ بِآيَاتِ اللّهِ فَأَخَذَهُمُ اللّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ [52] ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [53] كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَونَ وَكُلٌّ كَانُواْ ظَالِمِينَ [54]).

 

الدليل الثالث

 

 

وذلك من قوله تعالى في سورة هود: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ [96] إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُواْ أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ [97] يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ [98] وَأُتْبِعُواْ فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ [99])، وتبدو هذه الآيات للوهلة الأولى قاطعة أنّ فرعون في النار لأنّه يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار، ولكنّ إيراده لقومه النَّارَ لا يعني مطلقاً أنّه سيردها معهم؛ وذلك مثال الراعي يورد إبله الماء ليشربوا فلا يعني أبداً أنّه يشرب معهم. فالفعل "أَوْرَدَ" يتعدّى لمفعولين وهما هنا قومُه والنَّارُ، وأمّا فرعون فهو الفاعل أي المسبِّب فهو القائم بالفعل على غيره ولا يقع فعله عليه، وذلك بخلاف الفعل "وَرَدَ" حيث يكون الفاعل هو الذي يَرِدُ.

 

ومن جهة أخرى فلقد ثبت في اللغة أنّ الورود لا يعني الولوج أو الدخول بل هو الإشراف على الشيء؛ فيقول ابن منظور في لسان العرب نقلاً عن ابن مسعود والحسن وقتادة: إِنّ وُرُوُدَها ليس دُخولها، وذلك في قوله تعالى في سورة مريم: (وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا [71])، ففسّرها ثعلبٌ فقال: يردُونها مع الكفار فيدخلها الكفَّار ولا يَدْخلُها المسلمون؛ والدليل على ذلك قول الله عزَّ وجلَّ في سورة الأنبياء: (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ [101] لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ [102])،... فإنّ العرب تقول: ورَدْنا ماء كذا ولم يَدْخُلوه، وقال الله عزَّ وجلَّ عن موسى في سورة القصص: (وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ ... [23]) أي لمّا وصله أو أشرف عليه، ويُقال إِذا بَلَغْتَ إِلى البلد ولم تَدْخله: قد وَرَدْتَه... وفي اللغة: وَرَدَ بلدَ كذا وماءَ كذا إِذا أَشرف عليه، دخله أَو لم يدخله... فالوُرودُ، بالإِجماع، ليس بدخول.

 

فإذن إنّ فرعون بنصّ الآية الكريمة "أَوْرَدَ" قومه النار وليس بالضرورة وَرَدَهَا معهم، والورود على كلِّ حالٍ ليس هو الدخول. وأمّا عن سبب تقدُّمه قومه وإيرادَه لهم النَّارَ فذلك لأنّه كما قال الله تعالى عنه في سورة الزخرف: (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ [54])، وكذلك قال تعالى في سورة طه: (وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى [79])، فكان هو السبب في دخولهم النار لأنهم أطاعوه حين فتنهم الله تعالى به وماتوا على كفرهم، وأما فرعون نفسه فله شأنٌ آخر يستثنيه إيمانه الذي تلفَّظ به قبل أن يموت، والذي هو موضوع حديثنا.

 

الدليل الرابع

 

 

وذلك من قوله تعالى في سورة الحاقة: (وَجَاء فِرْعَوْنُ وَمَن قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ [9] فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَّابِيَةً [10])، أي أخذةً شديدةً زائدةً، وذلك من الفعل رَبَا رُبُوًّا أي زَادَ، ونَمَا. فلا تحمل هذه الآية أيّة دلالة على الآخرة، وإنّما على ما حصل من الغرق في البحر بالنسبة لفرعون وقومه.

 

الدليل الخامس

 

 

وذلك من قوله تعالى في سورة المزمّل: (فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا [16])، أي أخذاً شديداً، وذلك من قولك وَبُلَ المرتع يَوْبُل وَبَلاً ووَبَالاً فهو وَبِيلٌ أي ثقيل وخيم، والوَابِلُ المطرُ الشَّديد. فكذلك لا تحمل هذه الآية أيّة دلالة على الآخرة، وإنّما على أخذ الله تعالى لفرعون وإغراقه.

 

الدليل السادس

 

 

وذلك من قوله تعالى في سورة المؤمنون: (ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ [45] إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ [46] فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ [47] فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ [48])، فكذلك ليس فيها دلالة على ما يكون في الآخرة وإنما أُهلكوا في الدنيا.

 

الدليل السابع

 

 

وذلك من قوله تعالى في سورة غافر: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ [36] أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ [37])، فقوله تعالى (وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ) قد يعني أنّ فرعون صُدَّ عن سبيل الإيمان وبالتالي مات كافراً، ولكن ذلك الصدُّ عن الإيمان ليس مطلقا بل هو مقيَّدٌ بآية أخرى حيث إنّ موسى وهارون دعيا ربّهما أن يشدد على قلوب فرعون وملئه كما قال تعالى في سورة يونس: (وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ [88]) فأجاب الله دعوتهما، فصدّهم عن سبيل الإيمان حتى رأوا العذاب الأليم كما سوف نناقش ذلك بمزيد من التفصيل أدناه. أي لم يكن ذلك الصدُّ مطلقاً بل لم يؤمنوا في حالة الرّخاء وإنّما حين رأى فرعون العذاب وأدركه الغرق (... قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ [90]).

 

الدليل الثامن

 

 

وذلك من قوله تعالى في سورة التحريم: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [11])، فكذلك ليس في هذه الآية ما يدلّ على حال فرعون في الآخرة، أمّا في الدنيا حين كان ملكاً على قومه فلا شكّ أنّه كان من الظالمين.

 

-----

 

وهكذا قد حصرنا أعلاه جميع الآيات القرآنية التي قد تؤخذ دلالة على سوء عاقبة فرعون، وننتقل فيما يلي إلى الأحاديث النبوية الشريفة.

 

System.String[]

The Meccan Revelations Website:


The Sun from the West:


The Single Monad: