دلائل صحّة إيمان فرعون ونجاته - الدليل الأول

 

دلائل صحّة إيمان فرعون ونجاته - الدليل الأول

 

 

 

 

الدليل الأول

 

 

وذلك من قوله تعالى في سورة غافر بعد أن ذكر قصّة مؤمن آل فرعون الذي دعاهم إلى سبيل الرشاد فمكروا به فقال الله تعالى: (فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ [45] النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ [46] وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاء لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِّنَ النَّارِ [47])، ففي هذه الآية الكريمة يذكر الله تعالى بشكلٍ صريح وقوع سوء العذاب على آل فرعون وذلك في الدنيا، ثم عرضهم على النار غدوّاً وعشيّاً وذلك من عذاب القبر في البرزخ، ثم يوم تقوم الساعة يأمر سبحانه وتعالى أن يُدخَل "آلُ فرعون" أشدَّ العذاب، حيث يتحاجّون في النار فيلتمس الضعفاء المعونة من أسيادهم الذين كانوا تبعاً لهم في الحياة الدنيا، وهيهات.

 

فتبدو هذه الآية صارمة وواضحة فيما لو كان فرعون نفسُه مقصوداً ومتضمَّناً في قوله تعالى (آلَ فِرْعَوْنَ)، ولذلك لا بدَّ من معرفة معنى كلمة "آل" ومصدرها ومن المقصود بها هنا. فنقول في الخلاصة إنّ الآل هم خصوص الأهل أي الأقربون منهم، ولكنَّ في ذلك تفصيل كثير نذكره لأهمّيّة الموضوع:

 

فيقول الفيروز آبادي في القاموس المحيط: آلَ إليه أوْلاً ومَآلاً: رَجَعَ، ... وآلَ المَلِكُ رَعِيَّتَهُ إيالاً: ساسَهُمْ، وآلَ على القومِ أوْلاً وإِيالاً وإيالَةً: ولِيَ،... والآلُ: ما أشْرَفَ من البعيرِ، والسَّرابُ، أَو خاصٌّ بما في أَوَّلِ النَّهارِ )من السَّراب(، ويُؤَنَّثُ، والخَشَبُ، والشَّخْصُ، وعَمَدُ الخَيْمَةِ، كالآلَةِ.[12]

 

ويُرجع ابن منظور في لسان العرب الآل إلى الأهل فيقول: الأَهْل: أَهل الرجل وأَهْلُ الدار، وأَهْل الرجل عَشِيرتُه وذَوُو قُرْباه، والجمع أَهْلون وآهَالٌ وأَهَالٍ وأَهْلات وأَهَلات... وأَهْلُ المذهب: مَنْ يَدين به. وأَهْلُ الإِسلام: مَن يَدِين به. وأَهْلُ الأَمر: وُلاتُه. وأَهْلُ البيت: سُكَّانه. وأَهل الرجل: أَخَصُّ الناس به. وأَهْلُ بيت النبي، صلَّى الله عليه وسلَّم: أَزواجُه وبَناته وصِهْرُه، أَعني عليًّا، عليه السلام، وقيل: نساء النبي، صلَّى الله عليه وسلَّم، والرجال الذين هم آله... ثمّ قال: وآلُ الرجل: أَهْلُه. وآلُ الله وآلُ رسوله: أَولياؤه، أَصلها "أَهل" ثم أُبدلت الهاء همزة فصارت في التقدير أَأْل، فلمّا توالت الهمزتان أَبدلوا الثانية أَلِفاً كما قالوا آدم وآخر )أي من: أَأْدم وأَأْخر(، وفي الفعل آمَنَ وآزَرَ )أي أصلها: أَأْمَنَ وأَأْزَرَ(.

 

ثمّ قال ابن منظور إنّ "آل" أخصُّ في الاستعمال من "أهل"؛ فلما كانوا يخصُّون بالآل الأَشرفَ الأَخصَّ دون الشائع الأَعمِّ حتى لا يقال إِلا في نحو قولهم: القُرَّاء آلُ الله، وقولهم: اللهمَّ صلِّ على محمَّد وعلى آل محمَّد، وقال رجلٌ مؤمنٌ من آلِ فرعون.

 

وقال ابن منظور أيضاً في لسان العرب: الأَوْلُ: الرجوع. آلَ الشيءُ يَؤُول أَولاً ومآلاً: رَجَع. وأَوَّل إِليه الشيءَ: رَجَعَه. وأُلْتُ عن الشيء: ارتددت... وآلَ المَلِك رَعِيَّته يَؤُولُها أَوْلاً وإِيالاً: ساسهم وأَحسن سياستهم وَوَليَ عليهم. وأُلْتُ الإِبلَ أَيْلاً وإِيالاً: سُقْتها.

 

ثم نقل ابن منظور قول أَبي العباس أَحمد بن يحيى في اختلاف الناس في تحديد آلِ النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم؛ فقالت طائفة: آلُ النبي، صلَّى الله عليه وسلَّم، من اتَّبعه قرابةً كانت أَو غير قرابةٍ، وآلُه ذوو قرابته مُتَّبِعاً أَو غير مُتَّبِع؛ وقالت طائفة: الآلُ والأَهل واحد، واحتجُّوا بأَنَّ الآلَ إِذا صُغِّر قيل أُهَيْل، فكأَنَّ الهمزة هاءً، كقولهم هَنَرْتُ الثوب وأَنَرْته إِذا جعلت له عَلَماً؛ قال: وروى الفرَّاء عن الكسائي في تصغير آلٍ: أُوَيْل؛ قال أَبو العباس: فقد زالت تلك العلّة وصار الآلُ والأَهل أَصلين لمعنيين فيدخل في الصلاة كلُّ من اتَّبع النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم، قرابةً كان أَو غير قرابة... قال: وقال قائل: آلُ محمَّد أَهل دين محمَّد... قال: وذهب ناسٌ إِلى أَنَّ آلَ محمَّد قرابته التي ينفرد بها دون غيرها من قرابته... الخ.

 

وقال أبو بكر الرازي في مختار الصحاح: و"آلُ" الرجل أهله وعياله و"آلُهُ" أيضاً أتباعه و"الآلُ" الشخص و"الآلُ" أيضاً الذي تراه في أوَّل النهار وآخره كأنه يرفع الشخوص وليس هو السَّراب، و"الآلَةُ" الأداة وجمعه آلاتٌ والآلَةُ أيضاً الجنازة، والإيالَةُ السياسة، يقال آلَ الأمير رعيته... و"آلَ" رجع... الخ.[13]

 

وقال أبو هلال العسكري في معجم الفروق اللغوية في الفرق بين الآل والذرِّيَّة: إنّ آلَ الرَّجل: ذو قرابته، وذرِّيَّته: نسله. فكلُّ ذرِّيَّة آل، وليس كلُّ آلٍ بذرِّيَّة. وأيضاً: الآل يُخصُّ بالأشراف، وذوي الأقدار، بحسب الدين، أو الدنيا. وفي الفرق بين الأهل والآل قال: إنّ الأهل يكون من جهة النسب والاختصاص؛ فمن جهة النسب قولك أهل الرجل لقرابته الأدنين، ومن جهة الاختصاص قولك أهل البصرة وأهل العلم، والآل خاصَّةُ الرجل من جهة القرابة أو الصحبة تقول: آلُ الرجل لأهله وأصحابه ولا تقول آلُ البصرة وآلُ العلم. وقالوا: آلُ فرعون أتباعه وكذلك آلُ لوط، وقال المبرد: إذا صغَّرتِ العربُ الآل قالت أهل، فيدل على أن أصل الآل الأهل. وقال بعضهم: الآل عيدان الخيمة وأعمدتها وآلُ الرجل مشبَّهون بذلك لأنهم مُعتمَده، والذي يرفع في الصحارى )أي السرابُ( آلٌ لأنه يرتفع كما ترفع عيدان الخيمة، والشخص آلٌ لأنه كذلك )أي كالعمود(.[14]

 

فقد أطلنا النقل للضرورة وفي الحقيقة الاحتمالات مختلفة، فقد يكون آلُ فرعون أهل بيته تحديداً، وقد يكون قرابتُه وخاصّتُه، وقد يكون أتباعُه وإن لم يكونوا من قرابته؛ فكلّ هذه تبدو وجوهاً مختلفة للتفسير قد تكون جميعها ممكنة؛ فإن كان فرعون مشمولاً ومقصوداً في قوله تعالى (أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ [46]) فقد يكون الله تعالى لم يقبل إيمانه وتوفّاه كافراً، وقد يكون أيضاً توفّاه مؤمناً ولكن يعاقبه على مظالمه للنّاس فإنَّ الإسلام يجبُّ ما قبله ولكن قد لا يُعفي من حقوق الخلق كما سنناقش ذلك في آخر هذا الفصل.

 

ولكن يجب أن ننوّه هنا إلى أنّه مهما كان احتمال المعنى المقصود بآل فرعون فإنّ قوله تعالى (أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ) لا يعني جميعَهم وذلك لأنّ منهم من هو مقطوعٌ بإيمانه مثل حزقيل الرجل المؤمن من آلِ فرعون الذي قال عنه الله تعالى قبل هذه الآيات التي ذكرناها أعلاه من سورة غافر: (وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ ... [28])، وقد ورد فيه أحاديث عن النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنّه من الصدّيقين كقوله عليه الصَّلاة والسَّلام: "الصِّدِّيقون ثلاثة: حزقيل مؤمنُ آل فرعون وحبيب النجَّار صاحب آل يس وعليٌّ بن أبي طالب"،[15] وقد يكون هناك غيره الكثير مثل امرأة فرعون وماشطته التي رأى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم طيب رائحتها ورائحة أولادها ليلة أسري به،[16] وهي التي تكلّم ابنها في المهد؛[17] فهؤلاء من آل فرعون ولا يمكن أن يأمر الله تعالى بهم إلى النار في قوله (أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ) لأنّهم آمنوا بالله تعالى. فلو كان إيمان فرعون مقبولاً عند الله تعالى وحتى وإن كان المعنى اللغوي لهذي الجملة يعني أنَّ فرعونَ نفسه مشمولاً بكلمة "آل فرعون" فلن يتعارض هذا مع قوله تعالى (أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ) لأنّها لا تعني جميعهم.

 

وهنا قد يعترض معترضٌ بالقول إنّ هؤلاء المؤمنين قد خرجوا من كونهم من "آل فرعون" بعد إذ آمنوا بالله تعالى حيث إنّ "آل فرعون" هم بمعنى أتباعه. فنقول إنّ هذا الاعتراض مردود لأنّ الله تعالى قال: (رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ) فلم يخرجه منهم مع أنَّه مؤمن، ثم وإن افترضنا صحّة هذا الاعتراض فإنّ فرعون نفسه يخرج أيضاً من جملة (آلِ فِرْعَوْنَ) إذا كان قد آمن، لأنّه عندئذٍ يكون فرعون هنا اسمٌ لمذهبه -وهو التكبُّر والتجبُّر وادِّعاء الرُّبوبيَّة- الذي كان عليه قبل الوصول إلى الغرق والتلفُّظ بالإيمان.

 

وعلى كلٍّ حال، يُضاف إلى كلِّ ما سبق أنّ الشخص حقيقة لا يدخل ضمن آلِه لأنّ الآل هم الجماعة المنسوبة إليه مهما كانوا على اختلاف الآراء في ذلك كما عدّدناها أعلاه. والشخص لا يُنسب إلى نفسه، فلا يقال عن فلانٍ نفسِه إنّه "من آل فلان" بل يقال "هو فلان"، فلو شاء الله تعالى لقال أدخلوا فرعون وآلَه أشدَّ العذاب، كما قال على لسان موسى في سورة يونس: (وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ [88]) فكان يمكن أن يقول هنا "آل فرعون" وكان يفي بالغرض لو كان فرعون مشمولاً بهم، ولكن بما أنّ موسى عليه السلام قد دعا على فرعون وملئِه أن يطمس الله تعالى على أموالهم ويشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم، فلذلك لم يقل "آل فرعون" لأنّها لا تشمله. وكذلك لنفس هذا المعنى نجد أنّه ورد في الأحاديث الصحيحة أنّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أمرنا أن نقول في الصلوات الإبراهيميّة مثلاً: اللَّهُمَّ صَلِّ على مُحَمَّدٍ وَعَلى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ على إِبْرَاهِيمَ وَعلى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ بارِكْ على مُحَمَّدٍ وَعَلى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلى آلِ إِبْرَاهِيمَ فِي العَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ.[18] فلو كان "آل إبراهيم" تشمل إبراهيم عليه السلام لما كان هناك فائدة من التكرار، وكذلك "آل محمد".

 

فإذاً يكون قوله تعالى (أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ) لا يشمل فرعون نفسه على جميع الوجوه والاحتمالات، والله تعالى أعلم وهو علاّم الغيوب.

=============================

 

[12] الفيروز آبادي في القاموس المحيط )باب اللام، فَصْل الهَمْزة(.

 

[13] أبو بكر الرازي في مختار الصحاح، باب الألف: ص1- 38.

 

[14] الفروق اللغوية، تأليف أبو هلال العسكري، تحقيق محمد باسل عيون السود )بيروت: دار الكتب العلمية، 2005(: رقم 8 و335.

 

[15] انظر في كنز العمّال: الحديث رقم: 32897، 32898، وأيضاً: ‏الجامع الصغير، لجلال الدين السيوطي، المجلد الرابع، الحديث رقم 5148، 5149.

 

[16] ‏قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: لما كانت الليلة التي أسرى بي فيها وجدت رائحة طيبة فقلت: ما هذه الرائحة الطيبة يا جبريل؟ قال: هذه رائحة ماشطة بنت فرعون وأولادها... الخ. انظر في: كنز العمّال: حديث رقم 40468.

 

[17] ورد في الحديث الذي أخرجه الحاكم في المستدرك عن أبي هريرة، وقال عنه السيوطي إنّه صحيح‏: لم يتكلم في المهد إلا عيسى، وشاهد يوسف، وصاحب جريج، وابن ماشطة بنت فرعون. (‏الجامع الصغير، لجلال الدين السيوطي، المجلد الخامس، الحديث رقم 7359(.

 

[18] انظر مثلاً في صحيح البخاري: الجزء الثاني، كتاب الأنبياء، الحديث رقم 3190، 4519، 5996، وأخرجه مسلم في الصلاة، باب: الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بعد التشهد، الحديث رقم: 406.‏

 

System.String[]

The Meccan Revelations Website:


The Sun from the West:


The Single Monad: